جريدة شيحان وتهديدات القتل
بقلم الدكتور : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في "عرب تايمز" عام 1993



يثير التهديد الذي تلقاه اخيرا الزميل جهاد المومني مدير تحرير مجلة "شيحان" الاسبوعية الاردنية من بعض عناصر فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بسبب انتقاده جواهر ومجوهرات وملابس السيدة سهى الطويل حرم الرئيس عرفات موجة من علامات الاستفهام والقلق على الاجواء التي نقلها زعران المقاومة الى عمان بعد ان جلبوا معهم كل غسيلهم الوسخ من دمشق وبيروت مستقرين به في عمان مستفيدين من الانفراج الديمقراطي الذي حدث في الاعوام الثلاثة الاخيرة وعلامات الاستفهام والقلق هذه لها ما يبررها عندنا نحن الذين عملنا في صفوف المقاومة في مرحلة جمهورية الفاكهاني اللاديمقراطية وعرفنا عن قرب ومعايشة الفساد الاخلاقي الذي سيطر على الغالبية من قيادات وعناصر حتى اصبحت جمهورية الفاكهاني مصدر قلق غالبية اللبنانيين يسارا ويمينا وهذا ما حدى المرحوم العقيل سعد صايل (ابو الوليد) ان يقول في اجتماع القيادة الفلسطينية الذي صادق ووافق على شروط شارون للخروج من بيروت قال يومها المرحوم ابو الوليد:" احمدوا الله ان شارون وافق على ان نخرج ومعنا اسلحتنا الفردية فهذا شرف لنا فلو تأخر شارون عدة اسابيع لاخرجنا الشعب اللبناني بالاحذية".
في شهر حزيران يونيو 1982 كانت الاجواء اللبنانية الشعبية والرسمية قد وصلت ذروة حقدها على المقاومة الفلسطينية بسبب الاحراق المدبر بالنار لاهم شوارع صيدا التجارية ردا وانتقاما لمقتل احد عناصر الامن الموحد على حاجز لقوات الجيش الشعبي بقيادة مصطفى سعد وتأكد آنذاك ان المرحوم صلاح خلف مسؤول الامن الموحد هو الذي امر باحراق وتدمير المحلات التجارية في صيدا كي يعرف اللبنانيون اننا لا نسكت على قتل عناصرنا كما قال ابو اياد آنذاك كانت خسائر صيدا يومها بملايين الدولارات لان شوارعها بكاملها احرقت ودمرت محلاتها وكل مرافقها وكادت تقع مواجهات عنيفة بين الطرفين لولا تدخل المقاومة اللبنانية التي كان يجمعها مع المقاومة الفلسطينية ما كان يسمى (القيادة المشتركة) وتعهد المقاومة الفلسطينية بتعويض اللبنانيين المتضررين.
في تلك المرحلة التي كنا نسميها في صفوف الكتاب والصحفيين مرحلة جمهورية الفاكهاني اللاديمقراطية سادت السمات والملامح التالية:
1- نشوء ظاهرة (التفرغ على ملاك) اي تسجيل اسم الشخص المراد اعطاءه راتبا شهريا على (ملاك) او _قوائم) مكتب من المكاتب دون اسناد عمل له وهذا الشخص لا يتردد على المكتب المذكور الا آخر الشهر عند استلام الراتب وكان التعيين على (ملاك) لا يراعي ابسط الشكليات ف(مهندس زراعي) مثلا يوضع اسمه في قوائم (الامانة العامة لاتحاد المرأة الفلسطينية) و(نجار او عامل باطون) يوضع اسمه في قوائم العاملين في وكالة (وفا) للانباء وهكذا.
2- استشراء ظاهرة التصفيات الجسدية لكل معارض في اي تنظيم او تصفيات جسدية بين المنظمات نفسها او بين المنظمات وانشقاقاتها وقد مارست هذه التصفيات الجسدية كل المنظمات والفصائل دون استثناء والفرق بينها في الاسلوب والعدد فبعض الفصائل خاصة (اليسارية) كانت تقتل معارضيها ثم تصدر بهم بيانات نعي وبوسترات استشهاد على انهم ماتوا في احدى المعارك مع العدو الصهيوني وبعض الفصائل كان يقتل المعارضين ويدعي انهم (استشهدوا) اثناء تأدية الواجب.
والبعض الثالث كان يقتل ويكتفي ببيان داخلي وقد وصلت حمى القتل ذروتها بين عامي 1986 و 1987 اذ تم تصفية العشرات خاصة بين فتح وانشقاقاتها وقد حاول آنذاك احمد جبريل الامين العام للجبهة الشعبية-القيادة العامة ان يدبر مجزرة جماعية للجناح الذي انشق عنه بقيادة طلعت يعقوب عن طريق تفجير بناء كامل من خمس طوابق كانوا يجتمعون فيه بالعشرات وقد تم اكتشاف السيارة المفخخة المعدة لذلك في اللحظة الاخيرة.
3- تصاعد ظاهرة عبادة الفرد خاصة لدى الامناء العامين ومساعديهم عبر رص وصف الاف المرافقين والازلام والمتفرغين فصار (الامين العام) و (مساعده) من (الذوات الملكية) التي لا يجوز التعرض لها باي شكل من الاشكال وكنا في صفوف الكتاب والصحفيين لا نجرؤ على نقد اي ظاهرة وكان خوفنا من ناحيتي: الخوف من القتل والتثفية اولا والخوف من قطع الراتب (المخصص) ثانيا.
4- ادت الظواهر السابقة الى تفرد (القيادة) بعشوائية وديكتاتورية القرار السياسي مما جعل مسبحة التنازلات والمساومات السياسية تكر دون حسيب او رقيب وقد ادى ذلك عام 1974 لصدور ما عرف باسم (برنامج النقاط العشر) والذي حمل اول ارهاصات الاعتراف بالعدو الصهيوني الذي صدر رسميا وعلنيا في دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 بالجزائر وقبل عام 1982 وقعت قيادة المقاومة اتفاقيتين لوقف اطلاق النار مع العدو بواسطة مرافبي الامم المتحدة الاولى عام 1978 والثانية عام 1981 وظلت اتفاقية وقف اطلاق النار الثانية سارية المفعول بدقة وصرامة حتى غزو لبنان وحصار بيروت في حزيران يونيو 1982 اما الاتفاقية الاولى لوقف اطلاق النار عام 1978 فقد تمردت بعض القواعد في الجنوب عليها واصرت على مواصلة القتال والقصف ضد العدو الاسرائيلي فتحركت قوات فتح الضاربة آنذاك بقيادة العقيد ابو موسى فاقتحمت القواعد واعتقلت المعارضين لذلك فقد تعرض الجنرال شارون الى انتقادات عنيفة في الكنيست الاسرائيلي عندما برر غزو لبنان بالقصف المستمر بالصواريخ للشمال الاسرائيلي وواجهه معارضوه بان هذا كذب لان الشمال الاسرائيلي هادئ ولم يتعرض لصاروخ واحد منذ يوليو 1981 تاريخ توقيع وقف اطلاق النار عبر وسطاء القوات الدولية.
النتيجة لاساسية لكل ما سبق كانت مصادرة الحريات والقمع وتكميم الافواه والرشوة وشراء الذمم وقد انتقل كل ذلك مع (المناضلين) العائدين الى عمان في السنوات الثلاثة الماضية واثناء زيارتين لي لعمان في السنة الاخيرة وجدت ان الاجواء هي اجواء الفاكهاني ذاتها فالعقلية ذاتها والزعران انفسهم ولم يكن تهديد الزميل جهاد المومني الاخير هو الوحيد في ميدان عقلية القمع فقد سبق قبل شهور تهديد بالقتل ايضا للزميل بدر عبدالحق لانه نشر اخبارا عن انشقاقات الجبهة الديمقراطية في صحيفة (المحرر) الباريسية ولما لم يردعه التهديد التليفوني اقتحم مكتبه عدة عناصر من الجبهة الديمقراطية وتهجموا عليه واظهروا له العين الحمراء بشكل اولي ثم يأتي العيار الثقيل وقد لاقت هذه العملية آنذاك انتقادات واسعة في اوساط الشارع والصحافة الاردنية اما الزميل جهاد المومني ذاته فهو يتذكر انه قبل هذا التهديد الاخير كان قد تلقى عدة رسائل (قذرة) بسبب انتقاده لسياسات وزعامات المقاومة وقد نشر بعضها في شهر يوليو تموز الماضي وآنذاك ارسلت له مقالة بعنوان (قلبي على عمان من هذه الدكاكين والسوبرماكات) فاعتذر لي هاتفيا عن عدم نشرها لانها تتعرض لقيادات المقاومة بشكل شخصي وهذا (عيار ثقيل) لا تتحمل "شيحان" مسؤولية نشره ومرة ثانية اقول: اذا استمر هؤلاء (المناضلين) يسرحون ويمرحون في عمان بنفس عقلية ونفسية وفساد (جمهورية الفاكهاني) فلا نستغرب اذا شهدت عمان مظاهرات مناوئة لهم وللديمقراطية التي سمحت لهم بالعودة
وفي النهاية ندعو الله ان يجنبنا السوء والمكروه وكاتم الصوت ونقول: فلسطين ... كم من السفالات ترتكب باسمك؟