اعان الله عرب امريكا على صحافتهم
"جهل نفاق تخلف وانتهازية
" دراسة في نماذج من الصحف العربية الصادرة في امريكا"
بقلم الدكتور : احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في " عرب تايمز " عام 1993



لم اكن اعرف ان العرب المقيمين في اسكندنافيا محظوظين قياسا باخوانهم (عرب امريكا) الا عندما بادر صديق في هيوستن قبل اسابيع وارسل لي عدة نماذج من (اشياء) يطلق عليها اصحابها من عرب امريكا (صحفا ومجلات) من هذه الاشياء التافهة حمدت الله ودعوته ان لا نصاب بهذا المرض كي نبقى بكامل صحتنا بعيدين عما ينكد علينا صباحنا ومساءنا وكي نحافظ على مستوى لغة اولادنا العربية وكي لا نتعلم من هذه (الاشياء) النفاق والتخلف والانتهازية ولما كنت اعتبر نفسي ممن (يفكون) الخط وما زالوا محافظين على لغتهم واخلاقهم وجدت من واجبي نحو اشقائي عرب امريكا ان اقدم لهم هذه الدراسة في هذه (الاشياء) التي يطلق عليها اصحابها ظلما وزورا اسم (صحف ومجلات) وفي البداية اود التاكيد على مسألتين:
الاولى: ان هذه الدراسة تسعى لان تكون مهنية موضوعية فما دامت هذه الاوراق سودها اصحابها من عرب امريكا بالحبر ووزعوها على مشتركين وباعوها لقراء فانا كمتخصص لا يهمني جهلهم ولا اغترابهم عن المهنة لذلك ستكون احكامي قاسية على اعتبار ان هذه الاوراق فعلا كما يسميها اصحابها (صحفا ومجلات).
الثانية: انني لا اعرف معرفة شخصية اي واحد من اصحاب هذه (الاوراق) ولا من كتابها وبالتالي فليس هناك حساسيات شخصية خلف هذه الدراسة فانا لا اعرفهم ولم اعمل يوما ما لا في (كازيات) امريكا ولا في (افرانها ومخابزها) ولا في (دكاكينها) ولذلك فلن اسمي هذه الصحف باسمائها بل ساكتفي بان اعطي كل واحدة منها رقما ثم اصفها وصفا مهنيا موضوعيا وليس ذنبي اذا عرف القارئ الذكي من ذلك اسم الصحيفة.


النموذج رقم (1)
صحيفة بحجم الصحف اليومية (اسبوعية عربية مستقلة) تدعي ان لها رسالة قومية فشعارها (من اجل وحدة القوة العربية ومن اجل قوة الوحدة العربية) وبصراحة وتواضع لم افهم ما المقصود من هذا الشعار (والاعتراف بالجهل فضيلة) فانا لم افهم كيف يمكن تعزيز وحدة القوة العربية من (نيوجرسي) ولما كنت من فاقدي الامل بالقوة العربية وممن لا يهمهم مطلقا امر السيدة العربية اللامصونة (وحدة عربية) وجدت ان عثوري على عدد هذه الصحيفة امرا جوهريا فلعله يعيد لي بعض الامل المفقود ويصحح عندي سمعة هذه السيدة سيئة السيرة والصيت!! واول ما استوقفني في الصفحة الاولى من هذا العدد هو الافتتاحية التي يكتبها صاحبها (حديث الساعة) بمعنى الحدث الجديد المفروض على ساحة الاحداث طبعا دون ان يحدد نوع هذه الساعة وهل هي (اوميجا) ام 0رادو) ومن هو صاحبها وتشتغل على توقيت اية عاصمة ويبدأ الكاتب بابداء دهشته وتساؤله الموضوعيين عما يجري في بغداد والقاهرة والجزائر والسودان والبوسنة والهرسك والصومال وافغانستان ويسمي كل المآسي التي يتعرض لها شعوب تلك الدول العربية والاسلامية على يد حكامها مرة وعلى يد الدول الطامعة مرات ... ونحن معه ونؤيده كل التأييد في هذه التساؤلات ولكن نسأله : لماذا نسي شعب سورية ولم يتساءل عما يتعرض له على يد حكامه؟ سؤال ربما تحمل اجابته اسم ونوع (الساعة) و (العاصمة) التي تعمل فيها!!
في الصفحة الثانية من عدد هذه الصفحة تجري لقاءا مع (احد فرسان الجمعية الثقافية العربية الامريكية) الذي جاء الى امريكا (محملا بمبادئه الثابتة) وهي تصف هذا الفارس بانه :" فارس ابي من فرسان الجمعية الثقافية العربية الامريكية فارس ابى الا ان يمتطي صهوة العز والفخار فارس ضحى ويضحي وسوف يضحي من اجل العلو باسم بلاده الى مراتب النجوم فارس تلثم بالفخار والجود والطيب رفض الظهور والشهرة فكانت له لان احدا لا يستطيع اخفاء شمس معطاء تبث اشعتها النيرة المخضبة بالكرم والحب والعواطف الطاهرة للوطن وللناس على حد سواء".
هذا الوصف يليق بنبي من الانبياء يمكن اطلاقه على واحد من الصحابة او الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعظيم من عظماء التاريخ الذين اسسوا اوطانا او صنعوا حضارات اما اطلاقه اليوم على (مواطن) مهما كان اسمه وصنفه وفصيلة دمه فهو نفاق وتزلف اولا واستغباء لعقول القراء ثانيا ... وكما يقول المثل ( اذا عرف السبب بطل العجب) ففي نهاية اللقاء الصحفي نكتشف سبب هذا النفاق اذ يقول كاتب اللقاء عن هذا الفارس:" ... ويجب علينا الا ننسى وقفته البطولية مع الاستاذ ... رئيس تحرير جريدة ... وذلك بالدعم المادي والمعنوي فكان سببا هاما في استمرارية صدور صحيفة ... وذلك بالدعم المادي والمعنوي". اللهم احمنا من الزلل واجعل (خواتمنا) -جمع خاتمة- سليمة ومدد يا ام (هاشم) كما يقول اخواننا في الريف المصري!
اما باقي عدد الصحيفة فهو فعلا وبموضوعية نقيض شعارها المرفوع على صدر صفحتها الاولى (من اجل وحدة القوة العربية ومن اجل قوة الوحدة العربية) لان اغلب موضوعات العدد واعلاناته عن قطر عربي واحد هو (سورية) ومن ضمنها اعلانات بحجم (نصف صفحة) لكل اعلان عن تهنئة للرئيس حافظ الاسد بمناسبة يومي السابع والسابع عشر من نيسان وهناك تعزية (ربع صفحة) موجهة للسيد محمود الزعبي رئيس مجلس الوزراء السوري بوفاة احدى سيدات العائلة وهناك اسماء وعناوين وهواتف ل (51) مراسلين في سورية وحدها ان هذا التوجه لا ينسجم مع شعار المجلة وهو في رأينا 0مغالاة) واضحة ودائما (الاعتدال) في الامور هو الافضل الا ان ما حيرني واستعنت عليه بشريط كاسيت لاغنية ام كلثوم (دليلي احتار) هو صفحتا اللغة الانجليزية في نهاية الجريدة لماذا؟ وموجهة لمن؟ ومن يقرأها؟ وما الفائدة منها؟ الم اقل لكم (دليلي احتار) !! ارحمونا واعطوا الشعير ل(طحانه) والعجين ل (خبازه)!! وبصراحة فان هذه الصحيفة غير (معتدلة) لان ساعتها لا تعرف الا توقيت العاصمة السورية وبالتالي فهي غير (مستقلة)!!


النموذج رقم (2)
تسمي نفسها (جريدة سياسية عربية مستقلة) بحجم نصف الصحف اليومية المعتاد العدد الذي بين يدينا هو عددها الاول (21 نيسان ابريل)1992 ونأمل ان لا يكون الاخير في الصفحة الثانية تضع عريفا باسرتها اي محرريها والمساهمين فيها وحسب المعلومات الواردة عنهم فهم موزعون على المهن التالية: واحد فقط درس الصحافة وآخر درس الاخراج الصحفي اما باقي اسرة التحرير فهم من الوسط العربي موزعون على المهن التالية: واحد مجاز في الكيمياء وعلم الاحياء وثانية مجازة في ادارة الاعمال وثالث مهندس مدني ورابع مهندس نفط وخامس مجاز في ادارة المستشفيات ومن مؤهلاته كما تذكر الصحيفة انه (شقيق الشهيد ...) وسادس مجاز في علم الفلسفة وسابعة مجازة في علم تطور الانسان.
بصراحة ان هذا الكوكتيل لا يمكنه ان ينتج صحافة ترفع الرأس وتشد (الوسط) لان الصحافة علم وفن وتقنية لذلك جاء العدد ساذجا فهو مجموعة اخبار منقولة عن بعض وكالات الانباء وعن بعض الصحف العربية ومنها ثلاث مقالات عن "الامير شكيب ارسلان" و " ظاهرة البعاد والحنين في الشعر المهجري" و "الخط العربي" وكلها منشورة بدون اسماء كتابها مع ذكر (خاص ب... ومذكور اسم الجريدة). واغلب الظن -مع معرفتنا ان بعض الظن اثم- ان هذه المقالات مأخوذة من كتب منشورة ولا لماذا يخجل او يخاف كتابها من وضع اسمائهم وكما ذكرنا بالنسبة للنموذج الاول فلم نفهم معنى وسبب الصفحات الخمس الاخيرة باللغة الانجليزية ويبشرنا رئيس التحرير بزيادة هذه الصفحات الى ثمانية وصفحات اخرى بالفرنسية!!! ان العدد الاول من هذه الجريدة لا يبشر ب(خير) صحفي فاذا كان هذا هو العدد الاول (توجيهة الصحارة) فكيف سيكون العدد الاخير؟


النموذج رقم (3)

 تسمي نفسها (جريدة سياسية ثقافية مستقلة) نصف شهرية وعددها بين يدي هو الثامن 15-31 مايو السنة الاولى وهي حتى الان افضل النماذج التي قرأناها فهي تحاول ان تكون صحيفة رغم ان صدورها (نصف شهرية) يحول بينها وبين متابعة اخبار نصف شهر. الملاحظ عليها فقط انها تهتم اكثر باخبار السودان وكأنها لفصيل سوداني معارض افضل مقالات هذا العدد ما كتبه مراسلها في دمشق فيصل وقيع الله الموظف بمكتب الاعلام بالسفارة الامريكية بدمشق ولا نقصد من ذلك الا المعلومة فقط فهو كاتب مطلع وقدير طبعا شكرت الله وحمدته لان هذه الصحيفة ليس فيها صفحات باللغة الانجليزية ولا باللهجة السودانية!


النموذج رقم (4)


تسمي نفسها (AM) وهذان الحرفان مكتوبان عليها فلا يعتقد القارئ انه خطأ مطبعي وان المقصود (FM) وقد احترت في دلالة هذين الحرفين فهما لا يتوافقان مع اسمها العربي المكون من كلمتين تبدآن بأل التعريف الا اذا قرأنا الحرفين AM من اليمين الى اليسار فربما - وهذا تخمين مني- يكون حرف M كناية عن (مشرق) وحرف A (أربي) ولكن من غير المعقول ان يكون اسم مجلة (مشرق أربي) ... المهم لماذا نضيع الوقت في مسألة شكلية فاسم المجلة موجود على صدر غلافها وببنط اسود كبير اكبر من (المشرق) كله واوضح من خارطة الوطن (العربي).
هذا هو العدد الاول من مجلة (AM) وهو صادر في شهر نيسان 1993 وبصراحة وموضوعية هذا العدد وصمة عار في جبين الصحافة العربية ولن يشفع له مطلقا ان سكرتير التحرير كان مندوبا لليمن في الامم المتحدة سابقا فهو ربما يفهم اكثر من (داج همرشلد) في السياسة ولكن بصراحة فان هذا العدد لا يعطيه الحق في صفة (سكرتير تحرير) حتى ولو كانت المجلة تصدر في جزر القمر وليس في دالاس-تكساس اي امريكا المتطورة في كل شيء ... من يتصور من القراء هذه الاخطاء وهذا الجهل والتخلف:


1- من يصدق ان مجلة في عام 1993 تصدر بدون ارقام على صفحاتها ولقد استعنت باربعة زملاء فربما كانت ارقام الصفحات مكتوبة في مكان سري او بحبر سري الا ان اربعتهم وخامسهم كلبهم اكدوا لي ان نظري سليم فلا توجد ارقام على الصفحات رغم اعتقادي انها مدفونة تحت (حيطان) رئيس التحرير!!
2- في مقالة عن (القدس) لجاك خزمو اعيد طبع صفحة ذاتها مرتين لماذا لا ادري؟ قرأت المقالة مرتين فكان تخميني ان هذه الصفحة كررت مرتين اما خطأ مطبعي او لاهمية المعلومات الواردة فيها او لعكس ذلك والجواب الحقيقي لا بد ان يعرفه مجلس الامن بصفة سكرتير التحرير السابق (كممثل) في هيئة الامم المتحدة!!
3- اما الامر المدهش الثالث فهو اسماء العظماء الذين تستشهد المجلة باقوالهم فالعظيم الاول هو بطل القادسية محرر الكويت مشرد ثلاثة ملايين عراقي قاتل ربع مليون عراقي الزعيم التكريتي صدام حسين فالمجلة تستشهد باقواله فتنشر (ابو عدي يقول: كل شيء درجات الا الخيانة) ونحن نؤيد ابو عدي في ذلك وليته يوافق هو ورئيس التحرير على تطبيق هذا القياس على اعماله طوال السنوات ال15 الماضية لكان دفن عشرات المرات تحت 0حيطان) النجف ولدق على ظهره كل (عماد) خرائب البصرة ويبدو ان كل اسم وله (مسمى)!
اما المفكر الثاني الذي يستشهد به (عماد الاصفهاني) فهو المفكر خالد الذكر (سيد زيان) ... من يتصور هذا الجهل هذا التخلف!!
اما باقي العدد فمنقول عن صحف ومجلات اخرى والنقل منشور بطريقة التصوير كي لا يكلف رئيس التحرير و سكرتيرته نفسيهما عناء وتكلفة (صف وتنضيد) المنقول من جديد ناهيك عن الاخطاء اللغوية والاملائية .. و .. و .. بصراحة ورحمة بالقارئ العربي في امريكا نأمل وندعو ان يكون هذا العدد من مجلة (AM) الاول والاخير كي لا يصلوا الى السنة الثانية فيكتبوا على الغلاف (السنة الثانيا) كما كتبوا على غلاف العدد المذكور (السنة الاولا) وقد اعتقدت ان مجمع اللغة العربية غير كتابة هذه الكلمة اذ لا يعقل ان يقع في هذا الخطأ المخزي سوى جاهل لا علاقة له باللغة العربية ولكن سألت ابن صديقي وهو تلميذ في الصف الثاني الابتدائي فكتبها هكذا (الاولى) فعرضت على والده ارساله الى امريكا فمن المؤكد ان يجد في هكذا صحف وظيفة (مدقق لغوي واملائي) وعندما لم اجد تفسيرا لهذا الجهل ظننت ان مجلس الامن او هيئة الامم المتحدة قد غيرت كتابة هذه الكلمة بقرار فقلت: لا بد من استشارة محمد زكي عبده مندوب اليمن السابق في هيئة الامم فربما يكون قد صدر هكذا قرار في زمانه ولم نسمع به!!


النموذج رقم (5)


عندما وصلت الى هذا الحد اعياني الارهاق واصابتني النماذج السابقة بشبه الغثيان فتركت القلم وذهبت للسرير بحثا عن قسط من الراحة دون فائدة وكأن كل (حيطان) (المشرق العربي) قد جثمت فوق صدري وفي الصباح عدت للكتابة من جديد الا ان صديقا صحفيا عربيا يسكن معي كان قد قرأ ما كتبته اثناء نومي وعندما رآني ممسكا بالقلم استعد لمواصلة الكتابة نزع القلم من يدي وقال: والله (بكسر الهاء) لن اسمح لك بمواصلة الكتابة عن بقية النماذج فهي تافهة مثل ما سبق وكفاية يا اخي على الاقل رحمة بقراء (عرب تايمز) ... وافقت الزميل وتوقفت عن الكتابة عن النماذج الاخرى حامدا الله شاكرا كم نحن عرب اسكندنافيا في راحة وحظوة لان هذه النماذج الصحفية المخجلة لا توزع عندنا ... وفي الوقت ذاته قلت ودعوت من قلبي: اعان الله عرب امريكا على صحافتهم (سخافتهم) والله من وراء القصد.