ديمقراطية الغرب وديمقراطيتنا
حول قضية العلاقة بي ديفيد ميللور ومنى جويد الغصين
بقلم : الدكتور احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في " عرب تايمز " في عام 1992



انشغلت الاوساط البريطانية والعربية طوال الشهر الماضي بكامله بمتابعة القضية التي رفعتها المنتجة السينمائية الفلسطينية (منى الغصين) ابنة وزير المالية الفلسطيني (جويد الغصين) رئيس الصندوق القومي الفلسطيني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ضد صحيفة THE PEOPLE البريطانية لان الصحيفة المذكورة هاجمت في 2 ايلول سبتمبر عام 1990 وزير التراث البريطاني ديفيد ميللور لانه اثناء الاحتلال العراقي للكويت وفي الفترة من 3 آب اغسطس وحتى 28 منه استضافت (منى جويد الغصين) وزير التراث الوطني البريطاني في قصرها (او قصر والدها لا فرق) في ماربيا باسبانيا آنذاك في 2 ايلول 1990 هاجمت الصحيفة الوزير البريطاني لانه قبل دعوة منى الغصين لقضاء عطلته السنوية (25 يوما بكاملها) في قصرها وهو يعلم بغزو الكويت ويعرف ان صاحبة الدعوة ابنة مسؤول فلسطيني عضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ويعرف ان المنظمة ساندت الغزو العراقي وتهجمت الصحيفة البريطانية آنذاك على منى الغصين وعلى والدها ومنظمة التحرير متهمة اياهم بالارهاب ومساندة الارهابيين رفعت منى الغصين القضية ضد الصحيفة البريطانية في نفس الشهر (سبتمبر 1990) الا ان النظر في القضية في المحاكم البريطانية تأجل بسبب انشغال كل الدوائر البريطانية بالغزو العراقي وبالحشود العسكرية الساعية لطرد صدام من الكويت وتأجلت القضية حوالي عامين الى ان ساعدت ظروف بريطانية محلية خاصة بالصراعات داخل الحكومة البريطانية الى نفض الغبار عن ملفات القضية والبدء بنظرها في المحكمة العليا البريطانية في مطلع شهر سبتمبر 1992.
وقد كانت جلسات المحاكمة صاخبة للغاية تحولت في مجملها الى مبارزة قانونية واعلامية بين جورج كارمان محامي الصحيفة البريطانية وجون هارتلي موكل منى الغصين وشارك في جوانب منها رئيس تحرير الصحيفة ريتشارد ستوت ومنى الغصين وفي الوقت ذاته وصل الى لندن جويد الغصين نفسه ورابط في منزل ابنته في لندن واعلن للصحافة استعداده للشهادة في المحكمة اذا طلبته ولكن المحمة لم تستدعه فلم يشارك في المبارزة القانونية والاعلامية هذا وقد حاول محامي الصحيفة طوال جلسات المحكمة ان يجعل منها حربا دعائية ضد موقف منظمة التحرير الفلسطينية من الغزو العراقي واتهامها بالارهاب لانها ايدت الغزو رغم ان محامي منى الغصين قدم اثباتا للمحكمة بان جويد الغصين نفسه قد ادان الغزو وان ابنته (منى) لا علاقة لها برسم سياسة منظمة التحرير الفلسطينية وقراراتها السياسية وبعد كل محاولات التشهير بسياسة المنظمة ورغم عدالة القضية التي رفعتها (منى الغصين) الا ان المحكمة عندما رفعت آخر جلسة للمداولة واصدار الحكم انقسم اعضاء المحكمة الى فريقين 6 مع الغصين و 6 مع الصحيفة ومع رفض محامي الصحيفة ان يترك القرار النهائي للقاضي في المكمة العليا (اللورد ديريك) اعتبرت القضية شبه منتهية ما لم ترفع منى الغصين القضية من جديد ضد الصحيفة.
اثر ذلك تصاعدت الحملة الاعلامية خاصة في صحف التابلويد البريطانية ضد الوزير البريطاني حملة من كل الجهات مذكرة بالسلوك الشخصي للوزير وكيف انه اثناء اجازته في قصر منى الغصين كانت هي تنام في غرفة والوزير في غرفة اخرى مع عشيقة له ونبشت الصحف علاقته الجنسية بالممثلة المسرحية (انطونيا دي سانشا) واستمرت الحملة ضارية حتى اضطر الوزير مساء الخميس 24 سبتمبر 1992 لتقديم استقالته من الحكومة منهيا بذلك فصلا مثيرا من فصول التشهير بالمنظمة والعرب والفلسطينيية استمر شهرا كاملا في الصحف الشعبية البريطانية.
ان هذه القضية وتطوراتها تضع امامنا عدة حقائق:
1- ان الصراع الاعلامي الخفي ما زال محتدما بين الدوائر الغربية الموالية للحركة الصهيوينية ضد الفلسطينيين والمنظمة رغم كل التنازلات التي قدموها في مسيرة ما يسمى (السلام) منذ مؤتمر مدريد وحتى اليوم وهذا الصراع يستفيد من كل ابواب الديمقراطية الغربية فمثلا في احدى جلسات المحكمة عندما قالت (منى الغصين) ان ما يطرحه محامي الصحيفة يدخل ضمن نطاق السلوك الشخصي للوزير ديفيد ميللور وليس من حق الصحيفة تناوله والخوض فيه رد عليها القاضي: لا ... هنا في بريطانيا من حق الصحافة تناول كل هذه الامور وفي ردها نسيت منى الغصين ان الصحافة البريطانية لم توفر افراد العائلة المالكة البريطانية وزكمت الانوف الشهور الماضية بفضائحها فكيف ستوفر وزيرا مغضزبا عليه اساسا في الشارع البريطاني؟
2- كانت النتيجة خسارة وطرد او استقالة وزير بريطاني متفهم للقضية الفلسطينية ومعاناة شعبها وعلينا ان نتذكر ان الوزير ديفيد ميللور كان قد نال احتراما وتقديرا من الرأي العام الغربي والفلسطيني قبل عامين ونصف عندما تصدى امام كاميرات التلفزيون للعسكرين الاسرائيليين في قطاع غزة الذين كانوا يعتدون بالضرب على مواطن فلسطيني اثناء احدى مظاهرات الانتفاضة ونتذكر يومها انه شد عسكريا اسرائيليا من كتفه صائحا فيه: ماذا تفعل هنا؟؟ وربما هذا الطرد او الاستقالة هو ما دفع البعض للتساؤل عن : هل كانت منى الغصين عندما رفعت القضية ضد الصحيفة البريطانية تعرف انها تدافع عن سمعتها ام تغامر بمستقبل ديفيد ميللور؟ ونحن هنا لا نلوم منى الغصين ولكن نؤكد ان اية دراسة منطقية قبل رفع الدعوى كانت تبرهن انها قضية خاسرة.
3- الحقيقة الثالثة وهي سائدة في الغرب اكثر من الهم على القلب وهي احترام الرأي العام حتى ولو كان مخطئا من وجهة نظر الشخص فعند احتدام المعركة ضده استقال الوزير ديفيد ميللور وتتكرر هذه الحكاية دائما في الدول الغربية ويفعلها رؤساء عندما يعرفون ان شعبيتهم تدهورت وعلى رأسهم القائد العظيم الرئيس ديجول اما نحن في الوطن العربي فقد ابتلينا بوزراء وحكام ورؤساء وزعماء منظمات فلسطينية واحزاب عربية ارتكبوا بحقنا كل الموبقات او كما كانت تقول جدتي (السبعة وذمتها) وما زالوا على قلوبنا واحيانا كثيرة على ظهورنا بعضهم منذ خمسة وعشرين عاما واقلهم مغوار مظفر منذ 13 عاما و كل ذلك يرتكبونه ايضا باسم الديمقراطية ... ايتها الديمقراطية كم من الجرائم والمخازي ترتكب باسمك في وطننا المسمى (العربي)!!