|
هوامش الديمقراطية في الصحافة الاردنية
صحافي اردني يطلب من الملك فهد ضم الكويت الى السعودية
بقلم : الدكتور احمد ابو مطر
نشر هذا المقال في " عرب تايمز " في حزيران يونيو
1994
نعمت الاردن منذ خمس سنوات بهامش واسع من الديمقراطية في العديد من الميادين
وعلى سبيل المثال فقد جرت انتخابات برلمانية حرة وديمقراطية للمرة الثانية منذ
عام 1989 وقد كانت الثانية (نوفمبر 93) على قاعدة التعددية الحزبية والسياسية
وعاد مئات من ابماء الاردن الى وطنهم بعد غياب طويل لاسباب امنية وشاركوا
بفعالية في تشكيل النقابات والاحزاب واعيدت الشرعية لبعض النقابات التي سبق ان
حلها الحاكم العرفي مثل رابطة الكتاب وسمح بتشكيل الاحزاب بترخيص من وزارة
الداخلية وقد بلغت حتى الآن حوالي (22) حزبا موزعة على كافة الاتجاهات القومية
والوطنية والاسلامية واليسارية وسمح كذلك بصدور الصحافة الحزبية فظهر منها
العديد مثل (نداء الوطن) و (العهد) ... الخ ولاول مرة فتحت منظمة العفو الدولية
مكاتب وفروع لها في الاردن ورغم بعض التجاوزات الا ان الشواهد الميدانية توحي
بان الممارسة الديمقراطية وقد تجذرت في اوساط المجتمع الاردني بشكل يضعب بع
الان العودة والنكوص عنها فقد اصبحت هذه التجربة الديمقراطية دليلا عمليا
ممارسا على ان الممارسة الفعلية للحريات الديمقراطية ترسخ الثقة بين فئات
المجتمع والحكومة شرط انيلتزم الطرفان بقواعد (اللعبة) ونتئجها فعلى سبيل
المثال فان الانتخابات البرلمانية الاخيرة اسفرت عن نجاح اغلبية برلمانية مؤيدة
للحكومة وتوجهاتها السياسية وتحديدا الموقف من عملية السلام التي هي مثار خلاف
واسع وهذا عنى في المقام الاول انه ليس دائما تسفر الانتخابات الديمقراطية عن
نتائج معاكسة لتوجهات الحكومات مما يؤكد ان الانظمة والحكومات تكسب في احيان
كثيرة عن طريق الممارسة الديمقراطية اكثر مما تكسبه عن طريق القمع ومصادرة
الحريات.
الصحافة الاردنية والممارسة الديمقراطية
اضطررت لهذا التقديم كي اطرح السؤال المعنى به هذا الموضوع وهو: هل انعكست هذه
الهوامش الديمقراطية التي نعم بها المجتمع الاردني على الممارسة الفعلية
للصحافة الاردنية؟ وسوف اجيب على هذا السؤال من خلال تجربتي مع الصحافة
الاردنية ككاتب وقارئ وهي تجربة واسعة ومطلعة تسمح لي على الاقل الادعاء والزعم
بامكانية الاجابة على هذا السؤال بعمق وموضوعية وفي البداية اود التنبيه الى
انني لن اذكر اسماء الصحفيين والكتاب والصحف الذين يستدعي واقع الحال ذكرهم
وذلك لسببين: الاول كي لا يفهم هذا الموضوع على انه قصد التجرير الشخصي وهو ما
لا يقصدهمطلقا والثاني كي تسمح رئاسة (اركان) الجريدة بنشره فبدون ذكر الاسماء
تبدو لي امكانية نشره غير واردة فكيف سيكون الحال عند ذكرها؟
اعتقد ان مسيرة الصحافة الاردنية طوال السنوات الخمس الماضية تثبت ان هذه
الصحافة لم تتنفس بعد اجواء الحريات الديمقراطية التي هبت على الساحة الاردنية
وذلك عائد لمزاجية المحررين ورؤساء التحرير من ناحية ومصالحهم الشخصية من ناحية
اخرى فانعكس ذلك على ادائها المهني فاذا بها في مفاصل عديدة تنسخ بعضها البعض
مبتعدة عن تعددية الاراء التي تؤدي الى مقارعة الرأي بالرأي وصولا الى حوار
متفتح يخدم مصلحة القارئ الذي تعتمد عليه الصحف وتدعي انها في خدمته ...
وللتدليل على مزاعمي هذه ساورد الامثلة الميدانية التالية:
* الموقف من حرب الخليج
اثناء حرب الخليج الاخيرة التي نتجت عن احتلال العراق للكويت في آب 1990
انحازت الصحافة الاردنية انحيازا كاملا للموقف العراقي غير سامحة بنشر اي مقال
يعارض هذا الاحتلال وما سيجره على الامة العربية وضمن هذا السياق رفض نشر اعلان
مدفوع للترحيب بالوفد الشعبي الكويتي الذي زار عمان في نوفمبر 1990 قبل بدء حرب
طرد العراق من الكويت رغم ان هذا الوفد ضم شخصيات وطنية كويتية ايدت كل قضايانا
ومواقفنا الاردنية والفلسطينية وطالما تمنت الصحافة الاردنية نفسها مواقفهم مثل
الدكتور احمد الربعي ومحمد مساعد الصالح وغيرهما انا شخصيا لست ضد الصحفي او
الكاتب الذي وقف موقف التأييد للعراق ولا ضد من اعتبرموقف العراق عملا وحدويا
ضم الفرع الى الاصل ولكن شرط السماح لكتاب ذي موقف مغاير ان ينشروا اراءهم
فهناك من اعتبر عمل العراق مغامرة لا علاقة لها باي عمل وحدوي فالنظام العراقي
لم يعلن اي موقف وحدوي قبل دخول الكويت وكانت كل مطالبه مالية تتلخص في شطب
الديون الكويتية عليه ودفع مبلغ 13 مليار دولار تعويضا عن بترول عراقي يقول
النظام العراقي ان الكويت سحبته من حقل الرميلة من باطن الارض بعد تغيير في
نقاط الحدود ولما رفضت الكويت هذه المطالب المالية كان احتلال العراق للكويت
... ان الممارسة الديمقراطية الحقيقية هي التي تسمح بنشر كافة الآراء مهما
تناقضت وتصادمت خاصة ازاء موضوع خطير مثل هذا الموضوع ما الضرر من الحوار
الفكري؟ ما الضرر من النقاشات الفكرية الحرة التي تخدم حرية الرأي؟ انها ممارسة
لم نتعود عليها بعد ونحتاج لمران كبير وعميق كي نصل الى تطبيق فعلي لقول العرب
الذي معناه (ان الخلاف في الرأي لا يفسد لامودة بين الناس).
* الموقف من الحريات الديمقراطية
ربما يثير الغرابة ان صحفيين اردنيين دخلوا السجن وطردوا من وظائفهم
يقفون مع القمع نفسه ومع مصادرة حريات البشر في اقطار عربية اخرى اليس ذلك
ازدواجية في المعايير ؟ فانا حتى لان لا استطيع فهم او تفسير كتابة زميل في
مجلة اسبوعية اردنية متهما المعارضة العراقية بالعمالة لامريكا ومبشر الشعب
العراقي بان نظام الرئيس صدام حسين هو افضل نظام وعلى الشعب العراقي ان لا يبحث
عن بديل هل هذه المواقف تنسجم مع الممارسة الديمقراطية؟ وقد وصل الانفعال بزميل
آخر في الاسبوعية ذاتها الى مطالبة الملك فهد ملك السعودية بضم الكويت الى
مملكته ناسيا انه قد كان أيد العراق عندما ضمت الكويت ذاتها.
ان الاخلاق لا تتجزأ والحرية واحدة فلا يعقل ان يكون الكاتب مع الحرية للشعب
الاردني ويؤيد القمع للشعب العراقي ولا يعقل ان يكون مع دحر الاحتلال
الاسرائيلي عن فلسطين ويؤيد الاحتلال العراقي للكويت فالاحتلال كريه مهما كان
اسمه وهدفه!
* المزاجية في النشر
انسحبت الممارسات غير الديمقراطية السابقة على النشر حتى في موضوعات لا
تثير خلافا او حساسية سياسية فاختلط الحابل بالنابل فاصبح الكاتب لا يعرف
مزاجية او سياسة رئيس التحرير او مسؤول الصفحة (الفلانية)! في يناير الماضي
1993 عندما افرج النظام السوري عن المواطن (حكم الفايز) بعد سجن دام ثلاث
وعشرين سنة ارسلت لسكرتير تحرير مجلة اسبوعية اردنية مقالتين الاولى تفنيد
للنقاشات التي دارت في مجلس الامة الكويتي وصحافة الكويت حول الموقف من
المبعدين الفلسطينيين والثاني ترحيب ب(حكم الفايز) وادانة للقمع والسجن ومصادرة
حرية البشر نشر سكرتير التحرير المقال الاول بعنوان (نقاش الاعراب الجهلة في
برلمان الكويت وصحافتها) ولم ينشر المقال الثاني وحتى الان لا اعرف هل عدم نشره
هو موقف مني ام موقف من حكم الفايز ام تأييد لمصادرة حريات البشر في القطر الذي
كان حكم الفايز مسجونا فيه ام لاسباب اخرى اجهلها.
زميل آخر مسؤول الصفحة الثقافية في جريدة يومية اردنية ارسلت له موضوعا عن
(كارولين فروجنر) الفتنانة النرويجية المعروفة بتعاطفها مع القضية الفلسطينية
ولما سألته عن عدم نشر الموضوع قال:" وضعته على طاولة الزميل (فلان) لينشره في
صفحته" سألت الزميل الثاني فقال:" لم يصلني الموضوع" راجعت الزميل الاول وحاولت
تسهيل الموضوع مبديا استعدادي لكتابة الموضوع مرة ثانية لكن المشكلة الصور
المرافقة للموضوع فاجابني :ليست مشكلة الصور عندي. فكيف وضع الموضوع على طاولة
الزميل (فلان) والصور في درجه؟ وفعلا كتبت الموضوع مع الصور التي في الدرج ونشر
الموضوع في الصفحة الفنية التي يحررها الزميل الثاني.
الزميل نفسه مسؤول الصفحة الادبية اعطيته باليد موضوعان: الاول عرض لكتاب عن
الشاعر حسن البحيري للدكتور حسن محمود الاستاذ بجامعة اليرموك ولم ينشر الموضوع
حتى اليوم لا ادري هل هو موقف مني ام موقف من الشاعر حسن البحيريام موقف من
الدكتور حسني محمود ام منا نحن الثلاثة معا! والموضوع الثاني عن (الاسماء
الحركية ومشكلاتها في الادب) فيه ذكر لعدة كتاب اردنيين وعرب يكتبون باسمهم
الحقيقي واسمائهم الحركية احيانا ... لماذا؟ لا ادري!
سكرتير تحرير مجلة اسبوعية اردنية كتبت له موضوع بعنوان (ممارسات جمهورية
الفاكهاني اللاديمقراطية) عرضت فيه للقمع ومصادرة الحريات الفلسطينية على يد
قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عندما كنا في بيروت فقال لي: "المقال عنيف ولا
نريد مشاكل مع قيادة المنظمة" بعد شهور قليلة شنت المجلة ذاتها هجوما عنيفا
بكافة انواع الاسلحة على قيادة المنظمة ذاتها كان اخف اعيرة ذلك الهجوم
المقابلة الصحفية مع اللواء نعيم الخطيب قائد جيش التحرير الفلسطيني الذي اتهم
ياسر عرفات شخصيا باغتيال اللواء سعد صايل في البقاع اللبناني وتهم اخرى اخفها
الخيانة! ما هو تفسير ذلك؟ هل هو المزاجية ام المصلحة الشخصية التي ترفض نشر
موضوع في وقت وتنشر مثله في وقت آخر؟
تلك مجرد نماذج ولقطات اعتقد انها تؤيد وجهة نظري التي ترى ان الصحافة الاردنية
ما زالت بحاجة الى المزيد من الخطوات كي تكون منبرا ديمقراطيا يسمح بالحوار
الفكري وصولا لخدمة القارئ الذي يهمه الاطلاع على الرأي ونقيضه فهذا وحده طريقه
نحو الحقيقة
ووصولا كذلك لا بد من الابتعاد عن المزاجية الفردية التي تصل الى حد
الديكتاتورية ونبذ المصلحة الشخصية او كي نكون موضوعيين المحافظة عليها - ان
امكن- دون قمع ومصادرة آراء الاخرين ... وضمن سياق التفاؤل والتشاؤم في الوصول
الى هذا المستوى لست متفائلا بنشر هذه المقالة لان اسلوب المجاملة والحرص على
مشاعر الآخرين - رغم عدم ذكر اسمائهم- اهم عند زملائنا الصحفيين من قمع مقالة
واخفائها لا ادري في الدرج ام سلة المهملات.
|