|
ايها الزملاء في
الصحافة الاردنية
ارحمونا من هذا الحب المشبوه لديكتاتور العراق الدموي القاتل صدام حسين
بقلم :
د. احمد ابو مطر
كاتب فلسطيني مقيم ما بين النرويج والسويد
نشر هذا المقال في " عرب تايمز " في عام 1992
في البداية ومنعا لاي التباس وقبل ان يتهمنا احد بالعمالة للامبريالية العالمية
اعلن بوضوح لا لبس فيه بانني ضد الهجمة الامبريالية على العراق وضد الاستمرار
في حصاره وضد تقسيمه الى خطوط طول وعرض وضد الهجمات الصاروخية التي شنها الرئيس
الامريكي بوش في الاسبوع الاخير من ولايته ضد العراق لانها فعلا هجمات مفتعلة
لا مبرر لها سوى تدمير ما تبقى من اقتصاد العراق وصناعته وكل عربي مخلص لا بد
ان يدين هذه الهجمات الصاروخية والطيرانيةلانها فعلا همجية ومتحيزة ضد العرب
كعنصر وشعب وقد كشفت الامبريالية الاريكية عن تحيزها وكيلها بمكيالين فهي تضرب
العراق بوحشية بحجة عدم التزامه بقرارات الامم المتحدة في الوقت التي تسكت فيه
على كل انتهاكات اسرائيل لقرارات الامم المتحدة ذاتها بل وتشجعها على ذلك.
بعد كل هذا البيان التوضيحي نود التاكيد على ان ظروف الحصار والحرب التي يمر
بها العراق الان لا يمكن ان تكون لدى اي مؤمن حقيقي بالديمقراطية سببا للمطالبة
بتأجيل الحديث عن الديمقراطية والتعددية السياسية في العراق وذلك لاننا نؤمن ان
اقرار الديمقراطية وحقوق الانسان والتعددية السياسية والافراج عن الاف
المعتقلين السياسيين والسماح بعودة مئات الالاف من العراقيين المنفيين اجباريا
في كل بقاع الارض هو المقدمة الحقيقية لصمود العراق وتقوية قاعدته التحتية
لبناء ما دمرته حربي الخليج الاولى والثانية لذلك استغرب رأي بعض الزملاء في
الصحافة الاردنية الذين يدينون المعارضة العراقية بشكل مطلق ويرون "ان اي دعوة
لغير فك الحصار عن العراق ورفض تقسيمه هي دعوة حق يراد بها باطل".
ان هذا المنطق هو وحده (حق يراد به باطل) لانه منظق انتهازي يريد استغلال ظروف
الحصار لتببرير استمرار مصادرة الحريات الديمقراطية لشعب العراق والغريب ان هذه
الدعوات تصدر عن زملاء في الصحافة الاردنية عرفوا طعم السجن وصودرت حرياتهم
وطردوا من وظائفهم اي انهم جربوا معنى القمع الذي يفقد الانسان انسانيته ويحيله
الى كتلة من اللحم تتألم وتنزف الدم والمثير للحزن ان بعض هؤلاء الزملاء جربوا
من جديد طعم الديمقراطية ولذتها وقفزوا بسرعة الضء من الزنزانة الى مقاعد مجلس
النواب الاردني وتقلدوا مناصب وظيفية ونقابية لم يحلموا بها فاذا هم نجوم
الشارع والصحافة والمجلس وفجاة اعمت الاضواء - وربما امور اخرى- ابصارهم
ليكتبوا بحماس عن عدم قانونية ولا وطنية المطالبة بالديمقراطية والتعددية
السياسية للشعب العراقي بحجة ان دول التحالف تحاصره فالاولوية - عند هؤلاء
الزملاء- لفك الحصار فقط هل هذا معقول؟ وهل يستقيم هذا مع العقل والمنطق؟ هل
الحصار المفروض على العراق يبرر لحاكم العراق صدام حسين كل هذا القمع والفتك
ومصادرة الحريات وهذا السيل من الاعدامات والاعتقالات التي ادت الى فرار وهروب
ما لا يقل عن ثلاثة ملايين عراقي موزعين في الاردن واوروبا وامريكا؟ هل هذا
الحصار يبرر لصدام حسين الاستمرار في السلطة بالدم والحديد بعد كل المصائب
والكوارث التي جرها على شعب العراق والامة العربية؟
تصوروا هذا الوميل في الصحافة الاردنية يقول بالحرف الواحد :: الذين يحبون ان
يطلقوا على انفسهم اسم المعارضة العراقية يقومون بهجمة مريبة شعاراتها الحرص
على شعب العراق وحقيقتها دعوة الامريكان للهيمنة على القرار العراقي". هل هذا
صحيح؟ هل هو صدق ان عشرات الالاف من اعضاء وكوادر وقيادات المعارضة العراقية
الذين يتوزعون على مختلف التيارات الفكرية البعثية والقومية والاسلامية كلهم
عملاء لامريكا؟ هل اعضاء حزب البعث الذين عملوا مع صدام حسين نفسه سنوات طويلة
ووصلوا اعلى المناصب الحزبية والحكومية ثم هربوا من بطشه وظلمه ايضا عملاء
لامريكا؟ ان هذا ليس تجنيا على المعارضة العراقية فقط ولكنه ظلم للعقل البشري
لاننا اذا اعتمدنا هذا المنطق فسوف نحكم على المعارضة على المعارضة الاردنية
بالعمالة لاسرائيل لانه استنادا لهذا المنطق يصبح من حقنا التساؤل: لماذا
تظاهرت المعارضة الاردنية في نيسان عام 1989 مطالبة بالديمقراطية والخبز
والتعددية السياسية وهي تعرف ان الاردن محاصر - فعلا- من دولة اسرائيل وتتربص
به لطرد سكان الارض المحتلة الى اراضيه تمهيدا لاقامة الوطن البديل؟ اذا
اعتمدنا منطق الزميل فالاردنيون الذين تظاهروا وطالبوا بالديمقراطية عملاء
علنيون لاسرائيل لانه في وضع الاردن المحاصر المترص به من دولة اسرائيل تصبح
الاولوية لصد العدوان الاسرائيلي وتحرير الارض المحتلة؟ هل يقبل الزملاء في
الصحافة الاردنية هذا القياس؟
والاغرب من ذلك ان بعض هؤلاء الزملاء ينصبون انفسهم بديلا عن (15) مليونا من
العراقيين فيصدرون حكما عاما مطلقا نيابة عنهم - دون ان يوكلهم احد- فيقول
احدهم : " ان المعارضة في العادة تفترض وضعا بديلا افضل مما هو قائم فما هو
الوضع البديل الافضل للحكم في العراق في ظل المعطيات الراهنة". هل يحق لاي كاتب
او صحفي مهما كان وزنه وحجمه وفهمه ان يصدر هذا الحكم عن اي نظام عربي؟ كان من
الممكن قبول الحكم مع كثير من التحفظ لو صدر عن مواطن عراقي ولكن مواطنا اردنيا
لم يعش في العراق ولم يجرب ممارسات نظام العراق والشعب الاردني نفسه لا يحق له
اصدار هذا الحكم.
ثم يتساءل الزميل في الصحافة الاردنية عن البديل الافضل للحكم في العراق وهو
استفهام يحمل جوابه بمعنى انه ليس في العراق افضل من هذا النظام وانا اجيبه: ان
البديل الافضل هو ارادة الشعب هو انتخاب ديمقراطية تعبر عن هذه الارادة هو
احترام حقوق الانسان هو اطلاق سراح عشرات الالاف من السجناء والمعتقلين هو
السماح بعودة ثلاثة ملايين عراقي مشردين ومطرودين خارج العراق وفي الاردن منهم
حوالي ربع مليون وهو ايضا وقف الاعدامات المزاجية وهو ... وهو ... هذا هو
البديل الافضل ايها الزميل الا اذا كنت تقبل للاردن هذا النوع والحجم من القمع
والموت اللذين لا يرحمان.
ايها الزميل ...
ايها الزملاء في الصحافة الاردنية
ارحمونا من هذا الحب المشبوه لديكتاتور العراق الدموي القاتل صدام حسين
... ارحمونا من هذا الغزل اللاعذري المفضوح لشخص صدام الذي قاد شعبه الى كل هذه
الكوارث وما زال مستمرا في دمويته وغطرسته ... ايها الزملاء مخيف ما تكتبونه
ومرعب وايضا - وبصراحة- مشبوه.
ان حرية الشعب العراقي والتعددية السياسية واحترام حقوق الانسان والافراج عن
المعتقلين السياسيين وعودة ملايين المشردين هو وحده القادر على بناء عراق
ديمقراطي يوحد العراق وشعبه ويسحب كل المبررات اللامنطقية من ايدي قوات التحالف
التي تضرب العراق بمبرر وبدون مبرر.
نحن مع شعب العراق ووحدته وضد ضربه وتدميره وحصاره ... نحن نعرف اهمية العراق
القوي الموحد الديمقراطي للامة العربية ... فلا تزايدوا علينا لكننا لن نكون مع
القمع ومصادؤة حقوق الانسان لان مطلب الديمقراطية لا يتجزأ في زمن السلم والحرب
والحصار في كل الظروف فالحرية والديمقراطية اولا وثانيا وثالثا واخيرا.
|