أسلوب "السيف" يُعقّد معركة السعودية ضد "القاعدة"
نبيل ابو جعفر

عن العرب


يبدو من المستحيل معرفة العدد الحقيقى للقتلى الامريكان فى عمليات الرياض، تماما كما يبدو من المستحيل معرفة العدد الحقيقى لقتلاهم فى معركة مطار بغداد. ونفس الشيء يقال ايضا عن معرفة الجهة الحقيقية التى تقف وراء عملية الدار البيضاء المشابهة لها فى الاسلوب لا اكثر.
عملية الرياض ومهما عُتم عليها وعلى الخسائر التى خلفتها، فإن تأثيرها الداخلى فى العمق الامريكى سيبقى اكثر رسوخا لانها تُثبت ان التنظيم الارهابى الاول مازال موجودا، يُذكّر الامريكان بما تم صبيحة 11 سبتمبر 2001، ويبقيهم تحت رعب احتمال تكرارها فى اى وقت ومكان داخل الولايات المتحدة وخارجها، كما يُذكّر الادارة الامريكية ذاتها ان ما أقرّت تنفيذه من خطط وزارة الدفاع السرية السابقة لم تتمكن من تنفيذه كاملا حسبما تريد، خصوصا ما تضمنه ذلك التقرير السنوى الذى وضعه البنتاغون بدفع من المتشددين فى اواخر ولاية كلينتون الاولي، وفيه جزء كامل يتحدث عن الاستراتيجية الامنية الامريكية فى منطقة الشرق الاوسط، وهو الجزء الذى بقى سرا لفترة من الوقت ويتضمن الخطوات التفصيلية التى يجب اتخاذها لكى تتمكن الولايات المتحدة من ابعاد شبح تهديد المصالح الامريكية فى المنطقة من الدول الحليفة لها الى معسكر الاعداء، وتحديدا من دول الخليج العربى الى كل من العراق وايران وسورية.. وغيرها، بهدف زعزعة استقرار هذه الدول المارقة ، والعمل مع الجماعات المعارضة فى بعضها ــ كالعراق وايران ــ من اجل الوصول الى السلطة بمعاونة ودعم اجهزة المخابرات الامريكية، وهو ما تم فعلا بالنسبة للعراق نتيجة العدوان الذى ادى الى تدميره واحتلاله، وما سيتم لاحقا بالنسبة للآخرين كما هو مدون على لائحة الاولويات الامريكية!
انتبهوا للمخاطر الآتية!
هذا التقرير لو قرأه الحكام العرب بجدية ووقفوا على مدى خطورته، لكان من الممكن ــ ان ارادوا ــ تفادى الكثير مما يحل بنا فى هذه الايام. لكن العكس هو الذى حصل، حيث جند معظم حكامنا انفسهم وبدرجات متفاوتة لتمرير هذا المخطط دون التحسب الى انهم سيكونون يوما من ضحاياه، وهذا ما بدأنا نراه الآن على الارض السعودية قبل ان تمتد ناره الى كل ارض الخليج وسائر اقطار الوطن العربي.
ففى الجزء الثالث من تقرير البنتاغون نقرأ بالحرف: لابد ان تعتمد المرحلة القادمة على ضرورة تقوية عناصر المعارضة الداخلية فى كل من العراق وايران، واى من الاعداء المحتملين، على اساس ان تقوم هذه العناصر بأعمال تتخطى مجرد عقد الندوات والمؤتمرات والمناداة اللفظية بأسقاط الانظمة من الخارج كى تصل الى مرحلة توفير السلاح فى الداخل من اجل زعزعة الاوضاع السياسية واشغال السلطات بالتهديد التى تواجهها داخليا.
ويؤكد التقرير على ان هذه الوسيلة يجب تطبيقها خلال السنوات القادمة (اى فى هذه الايام تقريبا)، وذلك لأن دول الاعداء تتحرك بفاعلية وسرعة باتجاه امتلاك اسلحة الدمار الشامل. وهذا يعنى بالضرورة ان تبدأ الولايات المتحدة تكثيف تواجدها الامنى فى المنطقة عن طريق دعم قواتها وقدراتها العسكرية، وان تنشر احدث انواع الاسلحة تطورا فى العديد من دول المنطقة !!
هذا الكلام ما زال نقلا حرفيا عن تقرير البنتاغون الذى توقع فى خاتمته بأن مخاطر منطقة الشرق الاوسط ستزداد بشكل كبير فى السنوات القادمة، نظرا لاحتمال تحقق نجاحات من قبل الحركات الارهابية على الارض، لذلك فإنه لابد من فرض سياسة السيطرة الامنية الكاملة عليها.
التحوّل الى العمق المكشوف
اذا كان معظم ما ورد فى هذا التقرير قد حصل بالنسبة للعراق، فإن الصفحات الاخرى مما خطط له البنتاغون لم تر النور بعد بعضها ينتظر الايام، وبعضها الآخر لا يبشّر الامريكان بامكانية حصوله. ولا يعود ذلك الى همة الحكام المذعنين للارادة الامريكية ــ طبعا ــ بل الى المفاجآت التى لم تكن فى حسبانهم المؤكد.
ففى الوقت الذى كانت الولايات المتحدة تخطط لاستكمال تنفيذ هذا التوجه، فاجأتها احداث 11 سبتمبر، وخرج عليها حليفها السابق اسامة بن لادن وتنظيمه القاعدة ليقلبا المعادلة رأسا على عقب. وقد زاد من انقلاب هذه المعادلة استمرار العمليات المفاجئة حتى بعد ضرب القاعدة واسقاط حكم طالبان الداعم لها فى افغانستان، وبعد النجاح فى ضرب العراق واحتلاله وفرض ازلام السي. آي. ايه عليه.
وقد انتقلت حدة المواجهة الجديدة مع الولايات المتحدة من اسلوب الضرب المفاجيء الى الاسلوب المكشوف من حيث العلم المسبق بالعملية وبمكانها، وحتى توقيتها ــ تقريبا ــ دون التمكن من درئها، وهذا ما حصل بالفعل فى عملية استهداف الامريكيين فى الرياض واستهداف مؤسسات امريكية معروفة.
لقد جاءت عملية الرياض لتمثل قمة التحدى الارهابى لدولة الارهاب العالمى / الولايات المتحدة، وعلى ارض اكبر حلفائها التاريخيين من العرب الذين ساعدوها فى كل مواجهاتها ضد امتهم سواء من حيث التوقيت او الدقة أو التأثير القوى فى المعنويات.
فبعد اقل من ثلاثة اسابيع من اجتماع وزراء خارجية الدول المجاورة للعراق الذى تم فى الرياض لهدف سعودى ــ كويتى بالدرجة الاولي، يرمى الى درء الخطر المحتمل ثأرا لدورهما فى العدوان، صعق العالم بسماع خبر اكبر عملية انتحارية لا سابق لها فى المملكة العربية السعودية تحمل بصمات بن لادن وتنظيم القاعدة بكل وضوح.
الثابت والمتحول بين القاعدة وادارة بوش
كانت المفاجأة فى كل ذلك قبل ساعات قليلة من وصول وزير الخارجية الامريكى كولن الى الرياض وبأسلوب غاية فى التنظيم، وفى احد الاحياء التى صودرت فيها كميات من السلاح والمتفجرات قبل اسبوع فقط، وفى ظل تصاعد وتيرة ملاحقة السلطات السعودية لشباب القاعدة الذين لم تتمكن من القبض عليهم فاكتفت بمصادرة ما كان لديهم من عتاد وذخيرة، واعلنت صراحة انهم عازمون على ارتكاب اعتداءات تزعزع الاستقرار فى المملكة اى بما يعنى دون اى لبس ان تنظيم القاعدة موجود بقوة وهو يتمتع بتأثير ملموس، وان كل العنتريات الامريكية حول ضربه فى العصب والقضاء عليه.. الخ، سواء على الارض ام عبر وسائل الاعلام ليست دقيقة، ولا تعنى ان هذا التنظيم قد اختفى من الوجود، بل العكس هو الصحيح.
فالثابت ان تنظيم القاعدة لم يدع الايام تمر هدرا من 11 سبتمبر 2001 حتى اليوم، بل عمل على اعادة بناء قدراته بشكل اقوى واكثر خطرا من ذى قبل، وهو ما كشف النقاب عنه المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية فى لندن الذى قال فى احدث تقرير له ان هذا التنظيم قد استطاع ان يوجد له ارضية صلبة فى السعودية وان يستقطب عددا غير قليل من العناصر المدربة جيدا، والمستعدة للقيام بعمليات انتحارية ، كما استطاع ان ينشر له خلايا جديدة فى 90 دولة فى العالم، وانه بدل ان يضمحل اثر ضربه فى افغانستان وملاحقته فى كل مكان استجمع قواه وكسب المزيد من الانصار والمقاتلين وقام بتدريبهم وتوزيعهم على عدة بلدان ومناطق مختلفة من العالم، مستغلا فيها اما الفراغ الامنى او التربة الاصولية المتحمسة، او وجود الاقارب والانصار السابقين، كما فى باكستان واندونيسيا والسعودية ذاتها. واصبح له الآن ــ على ذمة تقرير المعهد ــ اضعاف قوته السابقة لتاريخ 11 سبتمبر 2001، فضلا عن قدرته الجديدة على استقطاب اعداد من الشباب السعودى الغاضب ضد نظامه والمتحمس للعمل ضده، سواء من خلال الاتصالات المباشرة، او شبكة الانترنيت التى استغلها الى ابعد الحدود، معتمدا على تكنولوجيا الاتصالات الحديثة بشكل ذكى جدا فى اعادة بناء نفسه ومؤسساته والتواصل مع اصدقائه واعدائه فى الوقت نفسه. كما مكنته قدراته وتجربته من اللعب فى اعصاب اعدائه الى درجة اصبحوا معها يدركون فعلا مايريد تنفيذه، واين، ولكن دون ان يتمكنوا من تعطيل ما يريد تنفيذه، وهو ما شاهدنا اوضح صورة له فى عملية الرياض الاخيرة.
فليس سرا ان خبر هذه العملية قد وصل بعمومياته الى كل من الامريكان والانجليز والسعوديين وغيرهم منذ زمن. ولهذا ركزت سلطات المملكة على تشديد الرقابة وتمكنت من رصد احدى الخلايا وملاحقتها، غير انها لم تفلح فى القبض على اعضائها الذين تمكنوا بعد ايام قليلة من العودة لنفس المكان وتنفيذ عمليتهم بكل التصميم والاعصاب الهادئة ولمزيد من التمويه وزعزعة الامريكان حملت عملية الرياض اسم المجاهدون فى جزيرة العرب ، رغم ان اسلوبها واضح الدلالة ولا يستدعى الخبرة ليكتشف المرء انها تكاد تكون نسخة طبق الاصل عما نفذته القاعدة ضد السفارتين الامريكيتين فى افريقيا قبل عدة سنوات، الامر الذى يثبت ان هذا التنظيم لم يهزم كما صورت ادارة بوش، وان هذه الادارة لم تنتصر عليه كما حاولت اقناعنا اثر الحرب التى شنتها ضده على ارض افغانستان. والدليل نجاحه فى تنفيذ اهدافه المعلنة فى غير مكان وقيام الولايات المتحدة وبريطانيا بتحذير رعاياها مسبقا من مثل هذه العمليات الانتحارية التى تستهدفهم على طول وعرض العالم، ثم الطلب منهم اخيرا عدم التجول او فتح ابوابهم ونوافذهم.. وعدم التواصل مع من حولهم من البشر!!
طبعا وكعادته، خرج الرئيس الامريكى كالثور الهائج يهدد ويتوعد من جديد كل ارهابيى العالم باقتراب اليوم الذى سيُلقى فيه القبض عليهم ليتعلموا العدالة الامريكية ! اى لم يجد مرة اخرى لمواجهة العنف و الارهاب إلا الارهاب الحقيقى والرسمي، ولم يسأل نفسه مجددا لماذا كل هذا الكره للامريكان، ولماذا هذا العنف المسلح ضدهم.. وما هى اسبابه وجذوره؟
كيفية المواجهة
ولكن، اذ كان تصرف بوش طبيعيا ومتوقعا، فعلى اى جانب سيستقر الرأى السعودى الرسمى والشعبى وكيف سيكون التصرف لمواجهة القاعدة أو معالجتها على حد تعبير البعض؟
ردود الفعل الاولية التى صدرت عن المملكة عكست موقفين متناقضين ازاء هذا الامر، ففى الوقت الذى طلعت فيه عدة اصوات سعودية شابة لتعبر عن رأيها بهدوء. وكان فى مقدمتها عضو مجلس الشوري، رئيس تحرير صحيفة (الوطن) السعودية، الصحفى المقرب من القصر وقوى النفوذ فى المملكة فهد العرابى الحارثى الذى قال لابد من معالجة مشكلة القاعدة بأسلوب غير الاسلوب الامنى فقط. يجب معالجة المشكلة بالفكر والثقافة وبخلق البديل الاخر، البديل الذى يقوم على الحوار وفتح القنوات مع الآخر، ولابد من الاعتراف بأن للقاعدة وجود وتأثير فى عموم العالم الاسلامي، وفى المملكة ايضا .
وفى الوقت الذى ركز غيره من الشباب السعودى على ضرورة اعادة النظر فى طريقة التعامل مع هذه الظاهرة فكرا وشرحا لا قمعا واعتقالا وتعذيبا لكل مشبوه بأنه متطرف كما قال صحفى سعودى يعمل فى احدى مؤسسات بلده الاعلامية فى لندن.
فى هذا الوقت، خرجت العديد من الصحف السعودية لتحرض الحكومة على التصرف مع الارهابيين كما تصرف الكاوبوى بعد احداث 11 سبتمبر وضربهم فى كل مكان بلا هوادة.. الخ، كما خرج ولى ا لعهد الامير عبدالله يهدد على طريقة بوش واسلوبه التيار المتشدد فى المملكة بالضرب دون رحمة، وحذّر بصفة خاصة كل من يحاول ان يجد لهذه الجرائم الشنعاء تبريرا من الدين الاسلامى الحنيف او يتعاطف معها بالقول والفكر!. اى باختصار: انتهج خطا يختلف تماما عن الخط الذى ارتآه المعتدلون من ابناء بلده كأسلوب امثل لــ معالجة هذه الظاهرة . وطبعا فى هذه الحالة لن يرى نهج المعتدلين النور بل سيراه سيف الامير عبدالله وحرسه الوطنى ومخابراته بمساعدة فريق من الــ (اف. بي. آي) الذى وصل الرياض للمشاركة فى التحقيق والمطاردة.. والثأر! ولكن من يضمن لهذا النهج النجاح فى وجه تنظيم افقد رئيس الدولة الاعظم صوابه؟ ويبقى من الضرورى التساؤل: هل ما تم على ارض الرياض مجرد عملية، ام بداية لمرحلة جديدة من المواجهة الاكثر تنظيما ورعبا بين القاعدة وادارة بوش ومن يتحالف معها هنا وهناك؟
صحيفة الواشنطن بوست الامريكية الواسعة الانتشار والاطلاع معا رجحت الاحتمال الثانى بكل تأكيد فى عددها الصادر بعد وقوع الحدث مباشرة (الاربعاء 14 مايو ــ ايار الجاري) قائلة: بالرغم من قدرة امريكا على تعقب القاعدة والحؤول دون تنفيذ بعض عملياتها فى السابق، كما حصل فى باكستان، إلا انها لم تستطع اكتشاف العملية الاكثر خطرا، ولن تستطيع اكتشاف الاكثر والاكثر هولاً، مما يعرض ادعاءات بوش بأن الارهاب قد دخل مرحلة الغيبوبة والاحتضار الى الاستهزاء، خصوصا امام آخر التحذيرات التى وجهت للرعايا الامريكيين والبريطانيين فى السعودية من عمليات اخرى على الطريق السريع وهى تحذيرات بحسب الصحيفة ــ ليست نتيجة تخمين، بل نتيجة استقصاء مخابراتى امتد على طول الاشهر الاخيرة الماضية داخل السعودية وخارجها.
وباختصار: ها هم رعايا الدولة الاكثر تطرفا فى الارهاب والعدوانية يعيشون حالة خاصة منبوذة. ويجدون انفسهم ــ ومعهم شركاءهم البريطانيين مستهدفين فى كل ارجاء العالم، وكل ذلك بفضل زعمائهم الديمقراطيين الداعين الى عالم حر ولو على جثث الشعوب الاخري!