" الوفاءُ لأهلِ الغدر، غَدر "
                                                                   ( الإمام علي)

بقلم : مصباح الغفري

عن ايلاف

كان الإمام أبو حنيفة معروفاً بمعارضته للخلفاء، و كان قد تهرّب من أبي جعفر المنصور، بعد أن أرغم على مبايعته، ثم أُدخل عليه و هو شبه مخفور، فسأله المنصور:
- أنت صاحبُ حِـيـَل، فالله شاهدٌ عليك أنك بايعتني صادقاً من قلبك؟
فأجابه أبو حنيفة:
- الله يشهد عليّ حتى تقومَ الساعة!
فقال الخليفة : حسبُك... و سمحَ له بالخروج، فلما خرج، قال له أصحابه :
- حكمتَ على نفسك ببيعته حتى تقومَ الساعة؟
فبيّن لهم الوجه في ذلك قائلا ً:
- إنما عنيتُ حتى تقومَ الساعةَ من مجلسك إلى بولٍ أو غائط أو حاجة!

* * *
تذكّرت حكاية أبي حنيفة في جلسة في مقهى باريسي، كان معنا واحدٌ من الذين لم يغادروا البلاد، إلا بعد أن أهلكوا الحرث والعباد، تقول الشائعات المُغرضة، أن ثروته التي جمعها خلال توليه إحدى المؤسسات الاقتصادية التابعة للقطاع العام، لا تقل عن بضع مئات من ملايين الدولارات، ويؤكد الضالعون في علم السلب و النهب، أن الرجل كان لا يقبل عمولة تقلّ عن نسبة خمس وعشرين بالمئة من أي صفقة تعقدها المؤسسة التي تولى إدارتها، في هذه الجلسة تعرفت إلى هذا " الشخص "، سَحب نَفساً عميقاً من سيجارته و قال :
- أقسم بالله وبأولادي أنني غادرت البلاد لا أملك هذه السيجارة!

* * *
و لا شك أن " الشخص " لم يحنُث في قَسَمه، فهو فعلا ً غادر البلاد، ولم تكن معه تلك السيجارة التي يدخنها أمامنا، و إذا أسقطنا من حسابنا المبالغة التي تتضخم مع روايات الناس، فقد يكون الرجل أثرى بعشرات الملايين من الدولارات لا بالمئات كما يزعم الحاسدون.
على أن ثروة " الشخص " لا تعنيني، خصوصاً وأنه لا يمدّ يده إلى جيبه إلا لإخراج علبة السجائر، ثم يعيد العلبة إلى جيبه، كاحتياط أمني، لئلا تمتد إليها يد أحد الحاضرين! و لم يُضبط " الشخص " يوماً في موقف يدفع فيه ثمن قهوته أو قهوة غيره، ما يُعنيني هو الآراء الاقتصادية الثمينة التي تكّرم بها في تلك الجلسة، وهي آراء تزري بالدكتور شاخت و بالطيب الذكر كارل ماركس، وبجميع وزراء الاقتصاد في آسيا و أفريقيا و أميركا اللاتينية، وقد رأيت نقلها إلى القراء تعميماً للفائــدة، قال " الشخص " و قد رسم على وجهه علائم الجديّة والمسؤولية تجاه الأمة العربية من الخليج إلى المحيط، ما يلي :
إن الولايات المتحدة الآن تتبع ذات السياسة الاقتصادية التي اتبعتها البلدان العربية في العقود الثلاثة الماضية من السنين، وأثبتت نجاحها في تقوية الاقتصاد الوطني والازدهار الذي تنعم به بلادنا...
فغرَ الحاضرون أفواههم دهشة، ظنوا " الشخص " يمزح، لكنه تابع قائلا ًبعد أن شدّ إليه اهتمام الجميع :
- كان الاقتصاد في جميع البلدان العربية في حالة ركود، كان الدولار يساوي أربع ليرات سورية أو ثلاث ليرات لبنانية، ومعنى ذلك أن الموظف الذي كان راتبه خمسمئة ليرة، كان يعيش في بحبوحة، فهذا المبلغ يعادل أكثر من مئة دولار، وقوته الشرائية كبيرة جداً. اليوم هبطت قيمة العملات المحلية بالنسبة إلى الدولار، فقدَت تسعين بالمئة من قيمتها، الرواتب زادت ثلاث مرات، الأسعار ارتفعت ثمانية عشرة مرة، و قد أدى هذا الوضع إلى أن المواطن العربي، سواء في المغرب أو في الجزائر أو في بلدان المشرق العربي، اضطر إلى البحث عن عمل إضافي، صار المواطن يعمل أكثر ليحصل على مبلغ أقل، و هذا يعني ازدياد الانتاج من جهة، و انخفاض الانفاق من جهة أخرى! لذلك امتلأت خزانة الدولة بالمال، وصار بإمكانها تنفيذ المشاريع العمرانية و الطرقات، و سأضرب لكم مثلا ً، في إحدى المدن الصغيرة، كان هناك في الماضي خمسة دكاكين لبيع اللحوم، و كانت كل دكان تبيع يومياً سبعة رؤوس من الغنم، في هذه القرية انخفض عدد بائعي اللحوم إلى اثنين فقط، يبيع كل منهما رأس غنم واحد فقط، و هذا توفير للثروة الحيوانية وللقطع النادر الذي تحتاج إليه البلاد في معركتها المصيرية ضد الامبريالية و الصهيونية، كما أن الإقلال من أكل اللحوم، يخفّف من عدوانية المواطن تجاه الغير، و يُقلل من الاعتمادات اللازمة لاستيراد الأدوية، فاللحم سبب لعدد من الأمراض، المواطن النباتي لا يصاب بالكولسترول ولا بارتفاع ضغط الدم!

* * *
كنا نستمع إلى محاضرة " الشخص " و كأن على رؤوسنا الطير الأبابيل، سحب نفساً عميقاً من سيجارته التي أكد لنا في بداية الحديث، أنها لم تكن معه يوم ترك وظيفته وغادر البلاد إلى فرنسا و تابع :
- في أميركا اليوم، يتبعون ذات السياسة الاقتصادية التي اتبعتها حكوماتنا الرشيدة، وأثبتت نجاحها، إنهم يخفضون سعر الفائدة لتخفيض قيمة الدولار، ومتى هبطت قيمة الدولار، اضطر المواطن الأميركي إلى البحث عن عمل إضافي فيزداد الإنتاج و تمتلىء خزانة الولايات المتحدة بانخفاض الانفاق، ثم إن انخفاض قيمة الدولار يصيب قطاع الاستثمارات العقارية بالجمود، و جمود الاستثمار العقاري هو لصالح قطاع الانتاج، فالعقارات ليست في النهاية سوى نوعاً من الإنفاق الاستهلاكي، سوف تتجه رساميل العقارات إلى المصانع فينتعش التصدير و تمتليء الخزانة الأميركية بالمال.
قال أحد المستمعين بتهذيب بالغ :
- لكن غنى الدولة هنا على حساب فقر المواطن و معاناته...
أجاب الشخص بثقة و اعتداد :
- هذا صحيح... لكن الدولة الغنية أفضل من المواطن الغني! المواطن الذي يملك المال ينفقه على اللذات و الاستهلاك، أما الدولة فتنفقه على المشاريع.

* * *
هذا ملخص آراء " الشخص " في الاقتصاد، حاولت نقلها بأمانة، مع إضافات كاريكاتورية لا بد منها، لكنها من حيث الجوهر لا تخرج عما تفضل به علينا من دُرر في تلك الجلسة، و يبدو فعلا ًأن الرئيس الأميركي بدأ منذ زمن بعيد بالاستفادة من الخبرات العربية في جميع المجالات، و إلا كيف نفسر عمليات النصب و الفساد التي أثرى فيها أقاربه بمئات الملايين، أليس في ذلك دليلا ًعلى استفادته من خبرات الشعوب العربية و الحكام العرب، من الرباط إلى أبو ظبي؟
ولا حـــول ولا قـــوة إلا باللــــه!