|
الحركة الإسلامية في سورية والرؤية للمستقبل
بقلم: الدكتور محمد بسام يوسف
خلاف الإسلاميين مع النظام السوري الحاكم، كان في الأصل جزءاً من الخلاف بين
الفكر العلماني والفكر الإسلامي، إلى أن استأثر حزب البعث بالسلطة عام 1963م،
واتبع أساليب القمع والإرهاب ضد خصومه السياسيين، وقام بخطواتٍ استئصاليةٍ ضد
الحركات الإسلامية عامةً في سورية، وذلك تنفيذاً لمقرراتٍ حزبيةٍ بعثيةٍ اتخذت
منذ عام 1965م وما بعده، إذ صُنّفت بموجبها الحركات الإسلامية ضمن القوى
الرجعية المضادة للثورة البعثية الاشتراكية، فبدأت حملات التصفية، وفُتحت
المعتقلات لأبناء الحركات الإسلامية والإسلاميين، وقد كانت حالة الطوارئ
والأحكام العرفية المفروضة على البلاد منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأساليب القمع
ومحاولات استئصال الآخر التي اتبعها النظام .. هي الخطأ الأكبر والأول الذي
أسّس للصراع بين الطرفين .. كما أنّ الحرب المعلنة على الحركات الإسلامية وعلى
الإسلاميين وتهديدات النظام لهم بالتصفية، والشروع في تنفيذ تهديداته بحقهم،
واتهامهم اتهاماتٍ باطلة، وتحميلهم مسؤولية أحداثٍ واعتداءاتٍ لا علاقة لهم
بها، واستمرار الاعتقالات والتصفيات في السجون، والإعدامات الظالمة من غير
محاكمات، وفرض القانون رقم (49) لعام 1980م، الذي يحكم بالإعدام على كل من
ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين (مجرد الانتماء)، واستمرار الملاحقات داخل
الوطن وخارجه، وتنفيذ المجازر الجماعية العديدة التي باتت معروفة للجميع،
كمجزرة تدمر، ومجازر حماة، وحلب، وجسر الشغور، و.. كل ذلك قاد إلى حالة
الاحتقان القصوى، ثم إلى تفجّر الصراع بين الطرفين!..
موقف الإسلاميين الحالي وأولوياتهم
الإسلاميون لا يفكرون الآن في الماضي، ولا يتوقفون عنده، ويعتقدون أنه من
واجبهم وواجب الآخرين أن يفكروا في المستقبل ويتجاوزوا الماضي وجراحاته، وهذا
لا يعني أنّ الرجوع إلى الماضي يُظهر أن الإسلاميين هم المخطئون، لا.. فهم
يريدون الخروج من الأزمة الوطنية لأنهم يضعون المصلحة العليا للوطن والأمة فوق
كل الاعتبارات!..
لقد طرأت تحولات كبيرة على الأنظمة في العالم باتجاه الانفتاح على الشعوب،
وباتجاه التعددية، تستدعي إعادة النظر في كثير من العلاقات والمواقف، وإعادة
ترتيب الأولويات، كما أنّ التحديات الكبيرة المفروضة على أمتنا وعلى بلدنا
سورية خاصةً بعد احتلال العراق الشقيق من قبل العدوّ الأميركي الصهيوني ..
تستدعي تعزيز الوحدة الوطنية والجبهة الداخلية!..
إنّ أي حديثٍ من قبل النظام الحاكم عن انفراج سياسيّ، ومكافحةٍ حقيقيةٍ للفساد
المستشري، ومقاومةٍ لضغوط القوى الخارجية .. كل ذلك إذا كان حديثاً جاداً
وحقيقياً .. فإنه يستدعي استيعاب جميع القوى الوطنية وليس الإسلاميين وحسب،
فالوطن بحاجةٍ للجميع، ومكافحة الفساد اليوم شعار لا يمكن تحقيقه من غير
معارضةٍ سياسيةٍ إيجابيةٍ حقيقية، ولا بد من التمييز بين محاربة الفساد التي
يرفع النظام شعارها .. وبين تصفية الحسابات التي يمارسها بين مراكز القوى
داخله!.. والسؤال المهم هو: هل لدى النظام السوري استعداد لقبول مبدأ التعددية
الفكرية والسياسية، وقبول حركةٍ إسلاميةٍ تعبّر عن نفسها بالطرق السلمية
والوسائل الديمقراطية؟! ..
رؤية الإسلاميين لحل الأزمة مع النظام
الأزمة في سورية ذات صبغةٍ سياسية، وينبغي حلها ضمن هذا الإطار وهذا المفهوم،
وإنّ الإصرار من قبل النظام الحاكم على الأسلوب الأمنيّ في التعامل مع هذه
المشكلة ذات الصبغة السياسية، والتمسك بوهم الاستقرار الأمني القائم على القمع
والإرهاب، بديلاً عن الاستقرار السياسي الحقيقي، الذي يقوم على الانفتاح
والتعددية والحرية والمشاركة الشعبية .. كل ذلك يبقي الأزمة قائمةً، بل يؤجّج
أوارها، وهذا ما يجعل الوطن هو الخاسر الأكبر، ويجعل عدوّه المتربّص به أكبر
الرابحين!..
إنّ حل الأزمة، هو بيد النظام وحده بشكلٍ كامل، والإسلاميون لا يملكون الحل،
لأنهم في موقع الدفاع وموقع الضحية، ولا بد للنظام الذي يملك كل أوراق الحل، أن
يعمل على إزالة العوائق الرئيسة أمام حل الصراع بين الطرفين:
أول هذه العوائق هو إصرار النظام على النهج الدكتاتوريّ في الحكم، وعلى سياسة
الحزب الواحد القائد، وإلغاء الآخرين ومحاولة استئصالهم .. في عصرٍ يتجه نحو
الانفتاح على الشعوب، وإطلاق الحريات، وإقرار مبدأ التعددية والديمقراطية ..
وذلك في كثيرٍ من البلدان التي كانت تنهج نهج النظام السوري نفسه!..
وثاني هذه العوائق هو النظر إلى الماضي وجراحاته أكثر من النظر إلى المستقبل
وتحدّياته!..
وثالث هذه العوائق هو حالة الاحتقان المستمرة التي تسود العلاقات بين مختلف
الفئات في الوطن، وحالة العداء المفروضة على الإسلاميين والحركات الإسلامية ..
كالحرب المعلنة المستمرة عليهم، والقانون رقم (49) لعام 1980م، واستمرار
الاعتقالات والملاحقات، وعدم الاعتراف بالحقوق الشخصية وحقوق المواطَنَة
للملاحَقين والمهجَّرين والمنفيّين!..
ورابع هذه العوائق هو وجود بعض مراكز القوى المتطرفة داخل النظام، المستفيدة من
حالة الصراع والاحتقان، والرافضة للحل السياسي .. هذه المراكز والعناصر، هي
التي كانت وما تزال وراء تضخيم المشكلة وتأزيم المواقف وإيغار الصدور، وهي التي
نفّذت كثيراً من المجازر الشنيعة بحق شعبنا وحق الإسلاميين منهم خاصة، كمجزرة
تدمر، ومجزرة حماة .. و.. وغيرها!..
مطالب الإسلاميين
مطالب الإسلاميين لا تخرج عن تمتّعهم مع أبناء شعبهم بحقوق المواطَنَة التي
كفلتها كل شرائع السماء وقوانين الأرض: إنهاء حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام
العرفية والقوانين الاستثنائية بما في ذلك القانون رقم (49) لعام 1980م، الذي
يحكم بالإعدام على مجرّد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وإطلاق الحريات
العامة والسياسية، والكفّ عن ملاحقة المواطنين واعتقالهم خارج إطار القانون
والقضاء، ووقف الإجراءات التعسفية والقمعية، واحترام عقيدة الأمة، والسماح
بحرية العمل للإسلام والدعوة إليه، وقبول مبدأ التعددية الفكرية والسياسية،
وتحقيق المساواة بين المواطنين، وإلغاء كل أشكال التمييز الطائفيّ والفئويّ
والحزبيّ، وكل أشكال الاستبداد والتسلط .. أما المعتقلون السياسيون وضحايا
الرأي الآخر الذين يفوق عددهم الآلاف، فهم مواطنون سوريون، والحكومة مسؤولة
عنهم وعن أرواحهم وأرزاقهم وحقوقهم، وهم ليسوا سلعةً للمساومة، وحمايتهم
وتحريرهم وضمان كامل حقوقهم من واجب الحكومة، ونعتقد أنه لا توجد حكومة أو نظام
متمدّن يقوم بأسر مواطنيه، ويجعلهم سلعةً للمساومة السياسية مع المعارضة أو مع
غيرها من فئات الشعب!..
لابد من تحقيق انفراجٍ سياسيّ، يشعر فيه المواطن بالأمن والحرية والكرامة
والمشاركة، ولابد من قبول الرأي الآخر والتعايش معه، لبناء الوطن وتعزيز صموده
في وجه التحديات!..
كما لا بدّ من رفع الوصاية العسكرية والأمنية والحزبية والطائفية والعائلية عن
شعبنا العربيّ السوريّ، والإسلاميون ليس لديهم مشكلة مع شخص الحاكم الحاليّ،
ولا يحمّلونه مسؤولية الماضي، فالمهم عندنا هو منهاج الحكم والسياسات وبرامج
العمل والإصلاح، والذي يهمنا موضوع الحرية، وقبول التعددية الفكرية والسياسية،
والمساواة بين المواطنين، وتحقيق الوحدة الوطنية وبرامج التنمية، .. ونطمح أن
يقوم الإسلاميون بدورهم كاملاً في الساحة الوطنية مثل: تدعيم الوحدة الوطنية
على أساس أن الوطن لجميع أبنائه، والمشاركة في الحياة السياسية بشكلٍ إيجابي،
ومناهضة المشروع الصهيوني والهجمة التطبيعية بالتعاون مع جميع القوى الوطنية،
والمساهمة في برامج التنمية الاقتصادية للخروج من الوضع الاقتصادي الذي ينوء
تحته المواطنون، وإزالة عوامل الفساد والاحتقان السياسي والاجتماعي، والتعامل
الإيجابي مع مشروعنا الحضاري لسورية المستقبل!..
المشروع الإسلامي الحضاري لسورية المستقبل، الذي يقدمه الإسلاميون
الإسلاميون السوريون على استعدادٍ للتعاون مع جميع القوى الوطنية، لإخراج البلد
من دائرة الرؤية الواحدة إلى دائرة الرؤية الوطنية الشاملة، والبحث دائماً عن
نقاط الالتقاء والقواسم المشتركة مع الآخرين، لمواجهة التحديات الكبيرة
المفروضة على الوطن والأمة!..
على ذلك .. فالإسلاميون السوريون لهم مشروعهم الحضاري لسورية المستقبل، وهو
مشروع وطني عام يُعتبر ورقة عملٍ للحوار الوطني ليلتقي عليه الجميع، وهو يناهض
المشروع الصهيوني والهجمة التطبيعية، ويؤكد على احترام عقيدة الأمة وهويّتها
الإسلامية، وعلى تنشئة الأجيال على مبادئها وأخلاقها، وتعزيز الوحدة الوطنية،
وتقوية الجبهة الداخلية للصمود في وجه التحديات والأخطار، وإطلاق الحريات
العامة، والتأكيد على التعددية الفكرية والسياسية، وإقامة دولة المؤسسات وفصل
السلطات، والمساواة بين المواطنين، وإفساح المجال أمام المعارضة الإيجابية
لتؤدي دورها الوطني في الرقابة والنصح والتسديد والمشاركة في بناء الوطن،
وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، والتأكيد على برامج التنمية الاقتصادية ومكافحة
الفساد المستشري، للخروج من الوضع الاقتصادي الخانق الذي يرزح تحته المواطن
السوريّ!..
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)
|