أسباب الحرب الطويلة ضد أحمد الجلبي
د. مهدي البصام

عن ايلاف

لا بد وأن يرى المراقب الحاذق إن تاريخ العراق الحديث وصعود حزب البعث وصدام حسين إلى السلطة على تناقض تام مع حياة ونضال أحمد الجلبي. أنا أعرف الدكتور الجلبي لمدة 58 عاماً وعايشت عن قرب جميع مراحل حياته. وقد حان الوقت لطرح بعض المعلومات عن أحداث وقعت في منتصف السبعينات التي تمت إثارتها، بين حين وآخر وخاصة في الوقت الحاضر من قبل خصوم الجلبي وفي هذا الوقت بالذات حيث يمر العراق بفترة حرجة من تاريخه ويمكن للجلبي أن يلعب دوراً إيجابياً مهماً في تشكيل مستقبله. بدءً أرى من الضروري التأكيد على أن الجلبي لا يحتاج إلى مدافعين عنه ولا إلى تقديم إعتذار لأحد، بل كل ما يحتاجه هو كشف الحقيقة كما هي عما حصل خلال صراعه مع الأحداث دون زيادة أو نقصان.
في منتصف الثمانينات، ترك الدكتور الجلبي منصبه كأستاذ في الرياضيات، مجال تخصصه الذي حصل على درجة الدكتوراه فيه من جامعة شيكاغو، ليؤسس مصرفاً خاصاً بإسم مصرف البتراء في عمان، الأردن. وكما في جميع جوانب حياته، كرس د.الجلبي كل طاقاته وخبراته لعمله. وخلال فترة قصيرة حقق نجاحاً كبيراُ حيث احتل مصرف البتراء موقعاً قيادياً بين البنوك في الأردن. وصار الأول من نوعه في إدخال الكومبيوترات واعتماد التقنية المتطورة في العالم العربي وبعد فترة قصيرة حقق تفوقاً على جميع بنوك البلاد.
في عام 1985 دخل العراق العام الخامس من حرب الإستنزاف مع إيران. كانت الأمور تسير ضد نظام صدام، حيث آلاف الجنائز من قتلى الجنود العراقيين تنقل من جبهات القتال. ونتيجة لذلك كان النظام مهدداً بالزوال، ومع هذا التهديد، تصاعد القمع في العراق شراسة وعلى نطاق واسع.
وكان تعطش النظام الشديد لامتلاك أسلحة الدمار الشامل هو الدافع القوي وراء حملة شراء تلك الأسلحة من الشركات المنتجة لها في أوربا وأمريكا. لم يكن المال مشكلة لأن الدول العربية النفطية كانت وراء صدام. والغرب كان يوفر له المعلومات وحتى تمويل الحملة في بعض الحالات. ولأجل إبعاد الشبهة حول مصادر التمويل، كان تحويل الأموال يتم من خلال البنوك الأردنية. وفي نفس الوقت كان الاقتصاد الأردني يعتمد كلياً على العراق وقسم كبير من سكان الأردن كانوا مجندين لصدام حسين. وحكام الجزيرة العربية كانوا مهددين ب"الموجة الإسلامية" الوافدة من إيران.
كان طبيعياً لعملاء صدام أن يتصلوا بالجلبي لتحويل الأموال من خلال مصرفه لسد الدفوعات المترتبة عليهم للشركات الغربية. وكان طبيعياً أيضاً من الجلبي أن يقابلهم بالرفض. لأن أحمد الذي عاش ويده تجس نبض العراق، كان يعرف مدى معاناة العراقيين من فضائع النظام البشعة، فكان عنده جواب واحد " ليس من خلال مصرفي". هذا الموقف دشن المرحلة الأولى في مواجهة الجلبي مع صدام. وقد استثمر صدام نفوذه الواسع على عاهل الأردن، الراحل الملك حسين للتخلص من الجلبي المزعج. وتحت ضغط شديد اضطر العاهل الأردني إلى التدخل في تعليق مجلس الوزراء واختيار رئيس وزراء جديد أكثر تودداً للحاكم العراقي. وقد أثيرت في وقتها إشاعات في عمان ضد مصرف البتراء. ونظراً للمستوى العالي للسيولة المالية التي كان يتمتع بها، تعرض مصرف البتراء إلى الإستيلاء، حيث صار من الضروري لإنهاء العمل باتهام الجلبي بالاحتيال والاختلاس. وقد أكد لي، مراراً وتكراراً، العديد من الذين اشغلوا مناصب عالية في المصرف أن الإتهامات كانت لا أساس لها من الصحة. وكلنا أدركنا كم كان موقف الملك صعباً ومحرجاً. فقد قام والد الدكتور الجلبي قبل سنوات من ذلك بزيارة الملك الذي كان إبن عم الملك فيصل الثاني وسلمه مبلغاً من المال الذي تركه عنده الملك الراحل كأمانة. إنه تقليد عربي أن يعاد المال إلى عائلة المتوفي. الملك الشاب فيصل قتل بوحشية من قبل "الثوار" عام 1958. ولهذا كان الملك حسين هو القريب الأول المخول ليرث ذلك المال.
في الصباح الباكر من أحد الأيام، جاء الأمير حسن، ولي العهد، إلى الدكتور الجلبي وأخبره أنه على وشك أن يتم القبض عليه واعتقاله من قبل محكمة عسكرية شكلت من قبل رئيس الوزراء الجديد المؤيد لصدام للتخلص منه. وقد أخذ الأمير الجلبي في سيارته إلى خارج البلاد. وفعلاً فقد تم حجز المصرف من قبل هيئة عسكرية شكلت في الأردن لهذا الغرض. ومع نقص الخبرة والمعلومات في الكومبيوتر والأعمال المصرفية تعرض المصرف إلى الإفلاس بعد حوالي عام من سيطرة العسكر عليه. كما تمت محاكمة الجلبي وأدانته غيابياً من قبل تلك المحكمة العسكرية. ومن المهم ذكره أن السلطات الأردنية لم تطالب لإعتقال الجلبي أو تسفيره إلى الأردن من البلدان التي أقام فيها منذ صدور الحكم الغيابي عليه ولحد الآن. كما لم يستلم البوليس الدولي أو الإنتربول أي طلب لجلبه إلى الأردن. فالسلطات الأردنية تعرف أن ادعاءاتها ضد الجلبي لم تكن لها أية مصداقية ولذلك لم تقم بمتابعتها في ملاحقة الجلبي.
وبعد سنوات عرف الملك الراحل عن فضائع صدام ضد شعبه، فدعا الدكتور الجلبي وقابله علناً في مناسبات عديدة وفي مختلف الأماكن. أراد الملك من الجلبي أن يعود إلى الأردن لتبرأة ساحته من التهم. ولكون عمان أكبر ملتقى خارج العراق لعصابات صدام المكلفين بالإغتيالات والجرائم ضد معارضي النظام، أنا كنت أحد الذين نصحوا الجلبي ضد الذهاب إلى الأردن. كانت هناك قصص مرعبة عن جرائم اختطاف المعارضين ونقلهم إلى العراق ليختفوا إلى الأبد. كان عندي إيمان كامل بعرض الملك، ولكن في نفس الوقت كنت أعرف أن النظام العراقي قد شدد قبضته على الأردن. وبعد سنوات، واصل الأمير حسن علاقته الحميمة مع الدكتور الجلبي بعد وفاة الملك.
في عام 1988 احتدم الصراع بين صدام حسين ود.الجلبي. كان الجلبي يسافر إلى واشنطن، لندن، باريس وبون مع وثائق مفصلة ومسندة عن برامج صدام لأسلحة الدمار الشامل ووسائل الحصول عليها. لقد قابل العديد من الشخصيات ولكنها لم تعره أذنا صاغية. كان في الغرب حيث حصل صدام على الأدوات والمعلومات والمواد الخام والعلماء الذين ساعدوه في تطوير برامجه وبناء ملاجئه. كذلك الولايات المتحدة ساهمت في تمويله على شكل منح للزراعة لمساعدته في حربه مع إيران. كما ساعدت أمريكا النظام حيث قدمت له صور ميدانية عن تحركات القوات الإيرانية بواسطة الأقمار الصناعية ومعلومات استخباراتية مفصلة تم تسليمها إلى النظام العراقي بواسطة ضباط إرتباط في مكتب السي آي أيه في بغداد. لا غرابة في الموقف الأمريكي آنذاك في غض النظر عن سلوك النظام، حيث كانت سياسة الولايات المتحدة تعتبر جميع معارضي صدام هم من الإسلاميين الأصوليين. وكان رأي الخارجية الأمريكية أنك أما مع صدام أو مع الأصوليين في إيران. لم يتغير هذا الموقف إلا بعد حملة (عاصفة الصحراء).
خلال عقود من الزمن كان الجلبي ملتزماً بموقفه المعارض لصدام حسين وتجاوزاته على حقوق الإنسان، وشنه الحروب، وجرائمه الفظيعة ضد الشعب العراقي وبرامج أسلحة الدمار الشامل. والبعض في الغرب قام بدورة كاملة في تقديم الدعم المخابراتي والعسكري والمادي لصدام حسين إلى الحرب الأخيرة التي أدت إلى إسقاطه. وفي نفس الوقت، كان الجلبي صار زعيماً للمعارضة العراقية الديمقراطية. الديمقراطية كلمة مهددة في بلدان الشرق الأوسط الأوتوقراطية. لذلك لا يمكن الحصول على أي دعم للجلبي في هذه البلدان.
الخارجية الأمريكية ومعها مثقفوها المتخصصون ب"الشأن العربي" عليها واجب وتتحمل مسؤولية الأخذ بأيدي أولئك الزعماء العرب في الشرق الأوسط. إنها مسؤوليتهم لتحقيق التعايش مع هؤلاء الزعماء وفي كثير من المناسبات عبروا عن مواقفهم لباقي أعضاء الإدارة الأمريكية. لقد أدرك هؤلاء لماذا يشكل الجلبي، بإيمانه بالديمقراطية الغربية، خطراً عليهم. وبمحاولتهم خنق جهود الجلبي، فقد قدموا له خدمة جليلة لتقوية شكيمته والمعارضة العراقية بوجه عام ضد صدام إلى درجة أنهم اضطروا معها أخيراً إلى شن حرب على نظام صدام حسين مع إسكاتهم لمحطات الراديو والتلفزيون العائدة للمعارضة. لقد ذهب الحلفاء إلى الحرب بدون مشاركة المعارضة العراقية التي كان بوسعها تقديم المساعدة في تهدئة السكان في المدن والقرى الجنوبية والتحدث إلى العشائر في مناطق الأهوار. لقد كل ذلك بسبب خلفية البيروقراطيين في الخارجية الأمريكية ونرجسية السي آي أيه المجروحة. وكانت حركة البنتاغون في الوقت المناسب ضرورية لنقل الجلبي إلى جنوب العراق ومعه قوات العراق الحر للمساعدة في تهدئة الأوضاع في الجنوب. هذا التحرك، رغم أهميته لتقليل الإصابات بين قوات الحلفاء والمدنيين العراقيين، فقد جلب غضب وسخط الخارجية الأمريكية والسي آي أيه على الجلبي.
ومهما كان الأمر، فإن الحقيقة هي أن الجلبي كان دائماً وأبداً يتمسك بقوة بمعتقداته وحسن نوايا الناس الذين يعمل من أجلهم، رافضاً نظام صدام حسين، معلناً كراهيته لأسلحة الدمار الشامل، وإيمانه العميق بالأمريكان وحسب كلمات ونستون تشرتشل عنهم " أنهم سيتخذون الإجراء الصحيح بعد أن يجربوا كل شيء". وكذلك أنا، أعتقد أن أمريكا في نهاية المطاف ستتخذ الإجراء الصحيح من الجلبي وستتوقف عن تدمير زعيم ديمقراطي حقيقي في العراق.



كاتب وطبيب إستشاري عراقي مقيم في أمريكا

إيلاف خاص