|
الكنيسة
المارونية ودولة لبنان: العلاقة العاثرة
جهاد الزين
عن النهار
من زاوية التجارب التاريخية لعلاقة ولادات الكنائس بالدول،
خصوصاً في القرنين التاسع عشر والعشرين، تشكّل علاقة الكنيسة المارونية مع
الدولة اللبنانية علاقة عاثرة... اشتقاقاً من كلمة "تعثُُّر"... وعلى وزن تعبير
"الحظ العاثر".
ذكّرني بهذا الاستنتاج ما رشح في الصحف عن احد التقارير التي جرى اعدادها
لتقديمها الى "المجمع البطريركي الماروني" الذي سيبدأ انعقاده يوم الاحد المقبل...
التقرير - على ندرة المقتطفات التي نشرتها منه بصورة خاصة الزميلة دنيز عطاالله
حداد في "السفير" امس - يبدو انه يحاول القيام بـ"مراجعة" لاعادة قراءة دور
الكنيسة المارونية في ولادة الدولة اللبنانية بحدودها الحالية ومن ثم في مسار
حوالى اكثر من ثمانين عاماً انقضت حتى الآن على هذه الولادة.
علاقة عاثرة... في الحصيلة التاريخية... فعلى سبيل المثال - بل الحصر! - سبقت
الكنائس البلقانية والقوقازية الكنيسة المارونية في "إلهام" ودفع وتشجيع ولادة
"دول قومية" في القرنين التاسع عشر واوائل القرن العشرين، كما حصل في اليونان
وبلغاريا ورومانيا وصربيا، ناهيك طبعاً عن العلاقة العتيقة جداً بين الكنيسة
الروسية وتبلور "دولة الروسيا"، أو بين الوعي المعاصر للوطنية الارمنية وبين
الكنيسة الارمنية.
كل هذه الكنائس كانت في اساس المساهمة ببلورة "الوطنيات" التي ادت الى نشوء تلك
الدول البلقانية بمعظمها (حتى لا نعطي المثال البولوني الكاثوليكي في هذا الخضم
الارثوذكسي)... دول لا تزال مستقرة الشخصية "الكيانية" منذ ولادتها، حتى بعد
تعديل حدودها في منعطفات معينة، وهي غالباً تعديلات ساهمت في تعزيز هذه الشخصية،
ولم تطرح على بساط البحث "الكيان" نفسه رغم التجربة "الايديولوجية" الخاصة التي
تعرضت لها على يد السيطرة الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها سيطرة
اقصت الدور السياسي للكنيسة عن السلطة، لكن الكيان - الدولة بقي وعاد هو نفسه
بشخصيته الدينية - الوطنية (وهي مزيج معقد حتى لدى غير المؤمنين!) بمجرد سقوط
الشيوعية، في بلغاريا وارمينيا، ورومانيا واوكرانيا وبولونيا (التي رعت كنيستها
تجربتها الحديثة في العقد الاخير من عمر السيطرة السوفياتية).
... الكنيسة المارونية - اساساً - مثل هذه الكنائس، كانت تحتضن "مشروع دولة"
خاصة بالجماعة المارونية وعموماً المسيحية، وتبلور سعيها الاول عام 1860 عن "نواة
دولة" هي متصرفية جبل لبنان الى ان تمكنت من اقناع الدولة العظمى الثانية في
العالم آنذاك وهي فرنسا بانشاء لبنان بحدوده الحالية المعروفة بـ"لبنان الكبير"
(وكان هناك مشروع آخر تراجعت عنه فرنسا بعد ان اسقطه قتال "الوطنية التركية" هو
الدولة الارمنية - المسيحية في منطقة كيليكيا). الا انه في الحالتين، لبنان
الصغير، ولبنان الكبير، لم يكن مشروع الدولة عام 1860 فالدولة عام ،1920
مقتصرين لا على الموارنة وحدهم ولا على المسيحيين.
في مجال المراجعة - التي "يحرّض" عليها التقرير كما فهمنا - بامكاننا تحديد "نقطة"
التعثر في هذه العلاقة بين الكنيسة والدولة:
لقد سار الكيان - الدولة، بسبب محتواه الديموغرافي، باتجاه لم يعد هو الكيان -
الدولة الذي تطمئن اليه، لا الكنيسة عموما ولا الجماعة. حتى لو ان هذا المشروع
بنى واحدة من "أجمل" و"احدث" دول الشرق الاوسط... حتى العام .1975
منذ العام 1975 - والواقع منذ ما بعد 1967 - لم يعد الكيان - الدولة هو فعلاً
ما تريده الكنيسة... من مشروعها الاصلي، وهذا ما يجعل مآل العلاقة مختلفاً
تماماً عما حصل مع الكنائس في دول البلقان... بقيت الدولة بـ"وطنيتها" الاصلية
المتبلورة في القرن التاسع عشر في اليونان وبلغاريا ورومانيا، وعادت الى ان
تكون كذلك في صربيا بعد انفراط يوغوسلافيا وروسيا... بقيت الكيانات غير موضع
بحث في كل هذه الامكنة رغم قلق المرحلة الاولى من الاستقلال في ارمينيا في
اوائل التسعينات، وهو قلق "توسعي" لا انكفائي... باتجاه "ارمينيا اكبر" في "نوغورنو
قره باخ" الاذربيجانية، او في كوسوفو والبوسنة بالنسبة للصربيين... الا انها
تهورات سنوات "المراهقة" الاستقلالية الاولى التي اخذت تهدأ الآن رغم الاكلاف
الدموية التي نتجت عنها.
الكنيسة المارونية - من زاوية علاقتها بدولة لبنان - هي الوحيدة التي واجهت
سيرورة مختلفة من كل بقايا مشاريع "الوطنيات" المسيحية في البلقان والمشرق
ومعظمها بالاصطدام مع البنية السياسية للدولة العثمانية... بسبب اختلاف المنطقة
نفسها التي قام فيها المشروع الماروني.
لن نعدد الاسباب... هذه معروفة. الامر الاكيد ان "الكيان اللبناني" لو اتيح
المجال لـ"المزاج العام" في الجو المسيحي ان يعبّر بحرية عنه، لاتجه عموماً الى
اعلان تململه منه وحاجته الى تعديله... انه باختصار - اياً تكن المواقف
التوحيدية لعدد مهم من النخب المسيحية - لا يدعو لـ"الاطمئنان" من زاوية "الاجوبة"
التي ترى البيئة المسيحية ان التشكيلات السائدة للبيئة المسلمة في لبنان... قد
قدمتها... والملفت، اذا صح ما نقلته "السفير" عن التقرير المقدم الى "المجمع
الماروني"، هو اعتراف كاتبيه بـ"الخروج الماروني عن اطار الدولة خلال الاشهر
الاولى من سنة 1975".
هذه مراجعة في غاية النقد الذاتي الشجاع... تصلح ان يقابلها على مستوى المسلمين
مراجعة عميقة وصريحة لنوع رؤيتهم "الفئوية" للكيان في مراحل التأزم... ومن ثم
في مرحلة ما بعد ...1990 بدون اقنعة من تلك الاكاذيب التعايشية المتبادلة بين
اللبنانيين من نوع عدم الاعتراف بالتيار الانفصالي في البيئة المسيحية، والذي
يقابله عدم الاعتراف بالرغبة العميقة للانشداد الى مشاريع ولاء خارج لبنان (وحتى
ضد استقلال لبنان) في الجو المسلم. (او "الاكذوبة" الرائجة ان فلسطينيي لبنان
لا يريدون الجنسية اللبنانية اي ما اصبح تعبيراً "هستيرياً" في السياسة حتى بعد
ادراجه في وثيقة الطائف الدستورية الآن: التوطين. كلا انهم يحبون هذه الجنسية
ويريدونها!).
صحيح ان "المجمع الماروني" مهموم بمشاكل "داخلية" كثيرة حول دور الكنيسة
الاجتماعي - الاقتصادي، الا اننا نأمل ان تشكل مراجعته السياسية الصريحة مقدمة
لكلام بلا اقنعة... ومواربات تجريها نخب الجماعات اللبنانية... نحو بلد اكثر
توحداً حوارياً... وحداثة وبالتأكيد ديموقراطية فعلية.
|