|
كيف يدفع
النظام العربي معارضيه إلى الحضن الأميركي؟
هادي دانيال
عن الوطن القطرية
قبل أربعة عقود تقريبا قام التيار اليساري في حزب البعث الذي كان يتزعمه فعليا
اللواء صلاح جديد بحركة انقلاب أطاحت نظام الرئيس الفريق محمد أمين الحافظ (ابو
عبدو) المدعوم حزبيا من اعضاء القيادة القومية المؤسسين للحزب مثل ميشيل عفلق‚
منيف الرزاز‚ شبلي العيسمي‚ وغيرهم‚ وبعد ان فر هؤلاء الى خارج سوريا‚ لجأوا
لاحقا إلى العراق بعد سنوات من تسلم حزب البعث السلطة فيه (بما يسمى ثورة 17ـ
30 يوليو) قادمين من البرازيل ولبنان وغيرهما‚
وعلى مدى ثلاثين عما من سيطرة حزب البعث على الحكم في العراق كانت القطيعة
عنوان علاقته مع نظيره الحاكم في دمشق‚ حتى بعد اقدام الفريق حافظ الأسد على «حركة
تصحيحية» اطاحت نظام جديد ـ الاتاسي سنة 1970 وأودعتهما غياهب السجون التي مات
الدكتور نور الدين الأتاسي خلف الرئيس حافظ الأسد عقب مغادرة زنازينها بأسابيع‚
بينما غادر اللواء صلاح جديد تلك الزنازين بعد ان قضى نحبه ليوارى الثرى‚
وتخللت هذه القطيعة بين بغداد ودمشق أشهر انفراج سنة 1979 عادت الأمور بعدها
بين النظامين البعثيين الى قطيعة أشد وتوتر أخطر تخللته اعمال عنف في العاصمتين
زادها ضراوة الدعم الذي كانت تقدمه بغداد للثورة الفلسطينية عندما سعت دمشق الى
احتوائها بعد (الحركة التصحيحية) التي قامت على خلفية تحميل وزير الدفاع حافظ
الاسد مسؤولية ضياع الجولان سنة 1967 متجاهلا قرار القيادة السياسية الحزبية‚
كما وسع شقة الخلاف الدعم السياسي والعسكري الذي كانت تقدمه العاصمة السورية
لطهران في الحرب العراقية ـ الايرانية‚ وفي هذا السياق احتضنت دمشق بعض فصائل
المعارضة العراقية مثلما احتضنت بغداد بعض فصائل المعارضة السورية من بعثيين
وناصريين واشتراكيين عرب واخوان مسلمين ومستقلين‚ وفي السنوات الثلاث الأخيرة
من حكم الرئيس صدام حسين أعيدت العلاقات بين عاصمتي الأمويين والعباسيين على
المستوى الاقتصادي خاصة‚ وكانت مرشحة لتطبيع كامل مهد له بتجميد نشاط
المعارضتين العراقية والسورية في دمشق وبغداد‚
وعلى خلفية ما بدا من موقف سوري رسمي داعم للعراق قيادة وشعبا في مواجهة الحرب
العدوانية الانجلو ـ أميركية‚ واثر دخول القوات الأميركية الى بغداد واحتلالها‚
توجه «المعارضون» السوريون مع عائلاتهم الى الحدود العراقية ـ السورية بنية
العودة الى الوطن في هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية التي كانت تستوجب تسامحا
سياسيا وشهامة وطنية من القيادة السورية‚ خصوصا وان معظم «العائدين» المفترضين
رفاق أبعدتهم عن بلادهم خلافات حزبية على كيفية خدمة الحزب والقطر والوطن‚ وبعد
مضي هذا الوقت الطويل في الغربة ما عاد أي منهم يمثل خطرا متوهما على أمن
السلطة في دمشق واستقرارها‚ الا ان السلطات السورية منعت الرجال الذين جاوزت
اعمارهم الثامنة عشرة ان يطأوا تراب وطنهم العزيز (وان جار) وان يلتقوا اهلهم
الكرام (وان ضنوا)‚ وسمحت للنساء والصبية دون الثامنة عشرة بالدخول مع ابقائهم
جميعا تحت المساءلة الأمنية المستمرة‚ فدخل بعض العائلات الى سوريا لكن اكثرية
العائلات فضلت البقاء في العراق تحت الاحتلال الأميركي ـ البريطاني مع رب
العائلة‚ وشمل مصير هذه العائلات السورية تعتيم اعلامي نحاول اختراقه بجهود
مضنية‚
لا شك ان الألم اعتصر منا العقل والوجدان ونحن نراقب وبخجل كيف اغلقت الحدود
السورية مع العراق بعد احتلاله في وجه القيادات الفلسطينية والعراقية التي
أعلنت الادارة الأميركية وقيادة قواتها الغازية انها تريد القبض عليها‚ بل
اعادت السلطات السورية الى الاراضي العراقية من كان قد لجأ الى سوريا من عائلات
المسؤولين العراقيين‚ وهذا السلوك الذي بدا وكأنه يتنزل في سياق استجابة مذعورة
للتهديدات الأميركية المستمرة ضد سوريا الا انه في العمق يعكس مستوى الحقد الذي
تكنه العشائر الحزبية العربية الواحدة للأخرى عندما يختلف بعضها مع بعضها الآخر‚
بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها والطلاء الايديولوجي (التقدمي) و(المعاصر)
الذي تزعم الانتساب اليه‚ فمن منا نسي صراعات الحزب الاشتراكي اليمني والمجازر
التي ارتكبها الرفاق الماركسيون اللينينيون في حق رفاقهم في القيادة والحزب‚
والأمر نفسه ينسحب على البعثيين (العلمانيين) في بغداد ودمشق حيث شملت التصفيات
الجسدية والسجن حتى الموت رفاقا من الحزب والقيادة لتعزيز سلطتي الرفيقين
الراحلين المهيب الركن صدام حسين والفريق الركن حافظ الاسد‚ إلا ان كون نظام
الرئيس الدكتور بشار الاسد يمثل استمرارية لنظام والده الرئيس الراحل لا يبرر
سلوكه ازاء المعارضة السورية التي كان يفترض بالنظام السوري دعوتها وحثها على
العودة الى احضان الوطن لا اغلاق حدوده أمامها في لحظة تاريخية استثنائية تتطلب
من الدولة بذل الجهود الاضافية لتحقيق المصالحة بين الدولة والشعب بقواه الحية
كافة داخل القطر وخارجه خصوصا وان الوطن في خطر داهم!
لقدكان بمقدور الدكتور بشار الاسد ان يسجل لنفسه ولعهده اكثر من موقف وطني
حضاري لو انه استقبل الرئيس الاسبق محمد أمين الحافظ وأمن له اقامة كريمة
وجراية سخية هي من حقه الدستوري والقانوني كرئيس جمهورية أسبق‚ وكان حريا به ان
يسمح بعودة جميع المعارضين السوريين في العراق مع عوائلهم وتسوية اوضاعهم
ودمجهم في الدولة والمجتمع مما يخفف من آلامهم ويشيع جوا من التسامح داخل
مجتمعنا الذي ارهقه تراكم التوتر السياسي والاقتصادي والاجتماعي‚ خصوصا وان
لهؤلاء المعارضين امتداداتهم العائلية والعشائرية في المجتمع السوري لم يفعل
النظام غير اهمال مشاعرها وترك غضبها الكظيم يحتقن ويكمن‚‚ ناهيك عن الامتدادات
السياسية التي قد تكون الاجهزة الأمنية قد استأصلتها تنظيميا لكنها موجودة
شعبيا على المستويين الافقي والعمودي وتختمر في هذ المرحلة بسرعة قياسية‚
فهل كانت السلطات السورية تخشى مثلا من ان تهدد عودة 35 عائلة سورية ذاقت
الأمرين من غربة قاسية في مجتمع طائفي عشائري يقوده نظام شمولي من حرب إلى حرب؟
وعانت من قسوة دزينة من سنوات الحصار بلا سند داخلي أو خارجي؟
وأنا شاهد على ان الحنين كان يقض مضاجعها وآخر ما كانت تفكر فيه التحرك سياسيا
ضد نظام دمشق الحالي أو «السابق»‚ برغم انها كانت تجتر ماضي عملها السياسي داخل
القطر‚ وان اصدرت بيانا أو ادلت بتصريح في هذه المناسبة أو تلك فإنها كانت
مضطرة ان لم نقل مجبرة‚ بل ان الاجيال السورية التي ولدت ونشأت في العراق كانت
تلوذ يائسة من واقعها باستحضار رومانسي لوطنها الاصلي‚ وكانت في منأى عن أي
نشاط سياسي أو حزبي وقد وجهت السلطات العراقية اللوم مرارا الى شيوخ المعارضة
السورية في العراق متهمة اياهم بعدم حث ابنائهم على الانخراط في النشاط الحزبي
والسياسي‚ فما الذي كان يضير السلطات السورية لو فتحت الباب لمئات الشباب
السوريين كي يعيدوا صياغة مستقبلهم في ربوع وطنهم وتحت سمائه‚ لماذا حرمتهم هذه
الفرصة‚ وحملتهم مسؤولية خلاف سياسي وحزبي مع آبائهم‚ يفترض انه‚ أي الخلاف‚
سقط بالتقادم؟
والأهم من ذلك كله‚ هل فكر المعنيون في الحكومة السورية أي مصير يمكن ان ينتظر
هؤلاء المواطنين السوريين الذين تدفع بهم حكومة بلادهم دفعا كي يكونوا اما
ضحايا جاهزين للغوغاء الذين حملهم الغزاة في ركابهم كي ينهبوا ويحرقوا ويقتلوا‚
واما ضحايا لامكانية عدهم من قبل القوات الأميركية انصارا لنظام صدام حسين
وجيوب مقاومة محتملة ضد الاحتلال‚ وبالتالي التخلص منهم بالاغتيال أو الاعتقال‚
لكن آلية التفكير الأميركي كانت اكثر خبثا‚
لقد انتظرنا وقتا طويلا نسبيا حتى تأكدنا من حقيقة مؤلمة هي ان قوات الاحتلال
الأميركية بدت اكثر «رحمة» بهؤلاء المواطنين السوريين من الحاكم السوري عندما «تفهمت»
حقيقة ان ظروفهم فرضت عليهم اللجوء الى ظل نظام شمولي هربا من نظام شمولي آخر‚
كانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار‚ فقد أبلغت قوات الاحتلال الأميركي جميع
السوريين المنضوين في ما سمي بعد بالعدوان الثلاثيني على العراق «الجبهة
الوطنية لانقاذ سوريا» بعد ان كان اسمها ويا للمفارقة «التحالف الوطني لتحرير
سوريا»‚ انه يمكنهم البقاء في العراق آمنين لأنهم كلاجئين سياسيين غير مسؤولين
أو ملامين على اساس ان وضعهم الاستثنائي يرغمهم على القيام بوظائف مدنية في
الدولة أو الحزب الحاكم اللذين منحاهما حق اللجوء السياسي‚
ويمكننا فهم هذا السلوك الأميركي الماكرعلى ضوء السلوك الموازي مع مقاتلي منظمة
مجاهدي خلق الايرانية المعارضة لنظام طهران‚ حيث جردتهم قوات الاحتلال الأميركي
من الاسلحة الثقيلة ليحتفظوا باسلحتهم الخفيفة‚ واذا كانت اول ثمار الحوار بين
فدائيي خلق والقوات الأميركية إدلاء حركة مجاهدي خلق بتصريحات تتهم نظام طهران
بامتلاك اسلحة بيولوجية وتطوير اسلحة كيمياوية‚ فماذا ننتظر على صعيد التعامل
الأميركي «المتفهم» لوضع المعارضة السورية في العراق؟
نحن بالتأكيد لا نتوقع من مناضلين مجربين كالرئيس السوري الاسبق محمد أمين
الحافظ واخوانه في «الجبهة» ان يغامروا بتاريخهم الوطني والقومي الذي سلخوا سني
عمرهم للحفاظ على نصاعته‚ ولكن ان انزلق احدهم في لحظة ضعف بشري فإن العدل يحمل
نظام دمشق وحده مسؤولية هذا الانزلاق‚ إلا اننا لا نستبعد ان الجيل الفتي الذي
عانى من حصار مزدوج كانت تتقاضى فيه العائلة كراتب لجوء سياسي خلال السنوات 91ـ
92ـ 93ـ 94‚ مبلغ ألف دينار عراقي‚ أي اقل من نصف دولار شهريا‚ ناهيك عن الضغوط
الأمنية والحزبية‚ والغربة الاجتماعية‚ يضاف اليه اقدام نظام بلادهم الاصلي
الذي علقوا عليه الآمال وبنوا الاحلام الرومانسية على اذلالهم بمنعهم من دخول
وطن آبائهم واجدادهم وتركهم عرضة للموت المحدق بهم من كل صوب‚ لولا ان امتدت يد
المحتل الأميركي لانتشالهم من حيرتهم الوجودية وطمأنتهم على التمتع بالأمن
والأمان في ظل حمايته‚ وبعد ان ردمت نيران الحرب العدوانية وتداعياتها كل ما
يكون قد علق بالعقل والوجدان الناشئين في ظل نظام شمولي غاب مخلفا في الاذهان
اسئلة لا اجوبة لها تقريبا‚ لا نستبعد ان هذا الجيل المخذول المهان من بغداد
ودمشق معا يمكن ان يكون مادة خصبة وجاهزة لحركة معارضة سورية تصوغها الولايات
المتحدة تنظيميا وسياسيا وتكون مع ما قد يتوافر مستقبلا ـ ان استمر نظام دمشق
في سياسته الداخلية الراهنة ـ أداة ضغط فاعلة بالمفهوم الأميركي على نظام دمشق‚
وسيكون الشارع السوري والعربي متفهما نسبيا لوضع المعارضة السورية في العراق‚
خصوصا وأنها ستجد نفسها مستقبلا تتسول اللقمة من حماتها الأميركيين الذين
اشتروهم بعد ان باعهم حماة الديار!
اننا على يقين من ان الرئيس بشار الاسد قادر على تدارك الوضع قبل استفحاله‚
عندما يتأكد من ان الاجهزة التي اقنعته بمنع سوريي العراق من دخول القطر كانت
تخدم موضوعيا اهدافا أميركية‚ آملين ألا نفجع مستقبلا بأنها تفعل ذلك عن وعي
وقصد مسبقين‚ وبالتالي ننتظر قرارا رئاسيا عاجلا يعيد السوريين الموجودين في
العراق جميعهم دون استثناء الى القطر مشمولين بعفو رئاسي شامل وبضمانات رئاسية
لدمجهم فور عودتهم في الدولة والمجتمع‚ وبذلك نكون قد تداركنا خطيئة وجنبنا
الوطن والمواطنين خطرا لا يبدو ان البعض يتلمس جسامته‚ فالأمر أخطر من كونه خطأ
تكتيكيا يمكن السكوت عنه!
لقد كنا وما زلنا ونبقى نُسفِّه كل خطاب يسوغ التعامل مع الاجنبي ويبرر اللجوء
الى المستعمر للتخلص من الاستبداد المحلي‚ ولكن ان يقوم بعض انظمة الاستبداد
واجهزتها بدفع المواطن دفعا الى حضن الاجنبي من اجل اتهام المواطن لاحقا
بالخيانة فهذا حمق يضاف الى حماقات النظام العربي الرسمي التي لن تهز اقتناعنا
بمقاومة اشكال التدخل والاحتلال الاجنبية كافة‚ لكن في الوقت نفسه هي حماقة يجب
على النظام العربي الرسمي وحده دفع ثمنها‚ واذا كان بعض الاجهزة مصابا برمد
سياسي وأمني‚ فالمفترض معالجته وعدم تركه يوغل اكثر في الاساءة الى مصالح سوريا
الوطنية والقومية والى سمعتها الحضارية والانسانية‚
منذ أن بدأت المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين ظل الإسرائيليون يتباحثون
من موقع القوة العسكرية والفلسطينيون من موقع الضعف فكيف ستكون أي اتفاقية تنتج
عن هذا التفاوت في القوة «عادلة منصفة وواقعية» دون التدخل الكامل والحماية من
جانب المجتمع الدولي؟ وإلا فإنه سيتم مرة أخرى إرهاب وتهديد الفلسطينيين وحتى
إنذارهم بقبول ما تضعه إسرائيل على الطاولة حتى ولو كانت مثل هذه المقترحات غير
عادلة أو منصفة أو منطقية |