|
من هم عرب أميركا؟
هنادي سلمان
الجمعة، 15 كانون ثاني / يناير 2002
هم عرب في أميركا أم أميركيون عرب أم عرب أميركيون؟ هم عرب فقط أو أميركيون
فقط؟ من هم العرب في أميركا؟ هل هم كتلة واحدة أو مجموعة واحدة أم أنهم ليسوا
كذلك الا في نظر “الآخر”؟
منهم الفقير ومنهم المثقف، منهم “المندمج” كليا ومنهم من يناضل من هناك لنصرة
قضايا بلاده. منهم من ولد هناك ومنهم من هاجر حديثا، منهم من يقطن المدن الكبرى
ومنهم من يقطن في ديربورن في ديترويت في حي يحمل اسم قريته في مسقط رأسه حيث لا
يضطر لاستخدام اللغة الانكليزية الا في ما ندر. منهم من يقطن في الحي نفسه ولا
يتكلم العربية. منهم العامل ومنهم صاحب المهنة الحرة، ومنهم أيضا، حديثا،
المسلم والمسيحي.
منهم الذي غرف مما تقدمه أميركا من خيارات في الميادين كافة ومنهم من اكتفى
منها بالنمط الاستهلاكي السائد.
وعرب أميركا يلتقون على عدد من القضايا ويختلفون حول قضايا أخرى، مثلهم مثل أي
جالية أخرى. منهم الجمهوري ومنهم الديموقراطي ومنهم المؤيد لخيار بديل.
وبين الراغبين في العمل من داخل المجتمع الأميركي يختار كل أسلوبه و”حلفاءه”.
فهناك من يعمل عن طريق الحزبين الأساسيين وهناك من يؤسس جمعيات صغيرة لها مطالب
محددة. هناك من يفضل العمل في إطار أوسع يجمع “مسلمي أميركا” وهناك من ينتقد
هذه الخطوة ويرى أنها مجرد تبديد للجهود. وهناك أيضا، بين الأصغر سنا، من بدأ
يتحالف مع المجموعات العرقية الأخرى في البلاد، مستفيدا من خبرتها في التنظيم
والعمل، يؤيد قضاياها المحقة ويعرفها أكثر على قضايا بلادنا.
في الآتي، “جولة” على عدد من أفراد الجالية في محاولة لنقل بعض تفاصيل الصورة
التي تتألف من مشاهد كثيرة.
نيويورك
لا مطر يتساقط على نيويورك والمساء يزحف بهدوء. الشوارع تعج بالموظفين الخارجين
من مكاتبهم والحشود البشرية في بعض الشوارع أكبر بكثير من المجموعة المؤلفة من
نحو 25 شخصا الواقفين أمام مبنى البعثة الاسرائيلية في المدينة يحملون لافتات
وصورا لا تستوقف أيا من المارة ويهتفون بشعارات لا يسمعها أحد.
تهرول سيدة مصرية تصطحب ابنتيها في اتجاه الجمع الصغير وتسأل أحدهم “هل تأخرنا؟
هل انتهت التظاهرة؟” ويأتي الجواب “لا ، لا ، مازلنا هنا”، فتنظر مستغربة ثم
تخرج من حقيبتها علما تناوله لابنتها، قبل أن ينضم الثلاثة الى حلقة المتظاهرين
الذين تجمع معظمهم في حلقات يتحدثون في أمور شتى، فيما رجال الشرطة يتثاءبون
بملل ويلقون بين الحين والآخر نظرة باتجاه “المتظاهرين” للتأكد من أنهم لا
يشكلون أي “تهديد” قبل أن يعاودوا الدردشة في ما بينهم.
لا مطر يتساقط على نيويورك ودوام العمل والدراسة انتهى. لماذا تخلف الجميع اذا
عن موعد التظاهرة التي تقررت احتجاجا على الممارسات الاسرائيلية في الاراضي
التي ما زالت محتلة؟
“بات الناس يخافون الظهور في تجمعات مماثلة. شرطة المدينة ضاعفت نشاطها وأحكمت
قبضتها في بحثها عن ارهابيين”، يقول أحد المشاركين.
تقترب ريما، الناشطة في احدى المجموعات اليسارية، وتهمس لأحد المصورين
الصحافيين الذي يبدو أنه حضر بالصدفة طالبة منه الا ينشر صورتها في الصحيفة
“أخاف على أهلي. بعد الاعتداءات، صار كل شيء محتملا” تقول.
معظم المتظاهرين من الاميركيين المنتمين لجماعات تدعم القضية الفلسطينية. بعضهم
ينتمي لمجموعة تدعى “يهود ضد الاحتلال” أسسها طلاب يهود. ومن بين المشاركين
العرب من ينتمي الى مجموعة “العودة” التي تأسست قبل نحو عامين في أعقاب مؤتمر
نظم في بوسطن حول اللاجئين الفلسطينيين. بعد المؤتمر، اتفق عدد من المهتمين،
بينهم عدد كبير من الطلاب، على تأسيس المجموعة التي تركز أساسا على نشر الوعي
حول قضية حق العودة بين مختلف فئات الشعب الأميركي.
ثم بدأت المجموعة تنظم اللقاءات والمحاضرات والندوات في المدارس والجامعات
والكنائس وحتى المعابد اليهودية.
وبعد ذلك، بدأت النشاطات تتسع وافتتحت فروع للمجموعة في عدد من الولايات والمدن
من بينها واشنطن وشيكاغو وسان فرانسيسكو.
مع بداية الانتفاضة الثانية، تضاعف نشاط المجموعة وصار يلاقي صدى أكبر. “في
البداية” تقول سوزان عديلي (29 عاما ) “نظمنا الكثير من التظاهرات ولكننا تعبنا
بعد فترة، فمعظمنا طلاب ونعمل لنعيل أنفسنا، لم يعد بامكاننا الاستمرار
بالوتيرة ذاتها. ثم جاء 11 أيلول و ..”
تشرح سوزان أن المجموعة تسعى للتواصل مع المجموعات العرقية الأخرى في المجتمع
الأميركي “السود خاضوا تجربة ثرية يمكن أن نستفيد منها بالاضافة الى كوننا ندعم
حقوقهم وهم يدعمون قضيتنا، عندما نشرحها لهم. لم يسع أحد من قبل للتواصل مع هذه
المجموعات. كيف يدعموننا اذا كانوا لا يعرفون عنا شيئا؟. الأمر ذاته ينطبق على
اللاتينيين ( الذين أتوا من أميركا اللاتينية) ومجموعات أخرى كثيرة”.
لكن سوزان ترى أن المشكلة الأساسية تكمن في العرب أنفسهم “معظمهم لا يريد الا
تحقيق الربح الشخصي، ولا يحلمون الا بالتماهي مع الآخرين ولو على حساب اهمال
قضاياهم وتجاهلها”.
ربما كان للجمعيات “الكبرى” مثل المعهد العربي الاميركي واللجنة العربية
الاميركية لمناهضة التمييز الفضل في شق الطريق أمام الجالية العربية “لكنهم
ينتمون الى طبقة اجتماعية مختلفة وبعد فترة سيصبحون مجرد مؤسسات تقليدية مثلها
مثل كل مؤسسات النمط السائد. ربما نحن سنتغير أيضا، مازلنا طلابا الآن، ولكن
بعد التخرج سيختار كل مهنته ونتحول بدورنا الى محترفين ننتمي الى الطبقة
الوسطى”.
واشنطن (1)
في مكتبه الواقع في قلب العاصمة الأميركية حيث المباني الحكومية ومكاتب كبريات
الشركات والمصارف العالمية، يجلس رئيس المعهد العربي الأميركي جيم زغبي وسط
مجموعة كبيرة من الصور والرموز. صور لأفراد أسرته و”رموز” لمعالم سياحية في
معظم الدول العربية.
“قبل خمسة وعشرين عاما لم يكن هناك جالية عربية في هذه البلاد، الآن هناك جالية
وهي ناجحة بما يكفي لكي تستوعب ما يحدث وتتجاوزه. قبل خمسة وعشرين عاما لم يكن
الرئيس يجد قادة للجالية كي يدعوهم إلى البيت الأبيض. لقد أحرزنا تقدما هاما
ولا يمكن العودة عما أنجزناه”.
“مع الوقت بنينا وجودا سياسيا في الولايات المتحدة يجعل المرشحين يسعون للحصول
على الصوت العربي. كانوا في الماضي يخسرون أصواتا إذا قبلوا تبرعات من العرب.
في السبعينات والثمانينات كانت الجماعات اليهودية تحتج على وجودنا في الحملات
الانتخابية. بين العامين 1984 و 1988 لم يكن أي من المرشحين يرضى بمقابلتنا. في
العام 1994 أنشىء المجلس الإثني الوطني ولم يكن فيه عرب. اليوم نحن ممثلون فيه
مما يظهر أننا تقدمنا كثيرا في 16 سنة”.
“طبعا هذه الجالية ليست “شيئا” واحدا، هي جسم بأعضاء مختلفة وهناك انقسامات
داخلها، انقسامات وطنية، وطبقية، انقسامات بين أفراد الأجيال المختلفة، بين
أبناء الجيل الثالث مثلا وبين الذين هاجروا حديثا . وهناك أيضا انقسامات دينية
(لا سيما بين المهاجرين الجدد)، هناك مسلون عرب يتحالفون مع مسلمين غير عرب في
الانتخابات، ومع ذلك تجدين مثلا أن غالبية المسلمين صوتت في الانتخابات
الرئاسية الأخيرة للمرشح الديموقراطي آل غور (لأنهم أساسا من السود الاميركيين)
في حين انتخب العرب المسلمون بوش”.
يقول جيم زغبي “أنا متفائل بمستقبل الجالية في هذه البلاد، أنا متفائل من وجهة
نظر تاريخية، فقبل سنوات كان الراغب في الفوز في الانتخابات يخفي أصله العربي،
اليوم، لدينا وزراء عرب. لقد تقدمنا كثيرا”.
يفخر جيم زغبي بمسيرته داخل الحزب الديموقراطي التي أثمرت تعيينه في الحملة
الرئاسية لغور، وهو لا يشك في أن الآتي سيكون دوما أفضل.
ليس بعيدا من هنا، مكتب آخر لعربي جمهوري هو خالد صفوري من المعهد الاسلامي.
يسارع صفوري الى التوضيح “أنا لست اسلاميا. أنا علماني والمعهد ليس اسلاميا بل
هو جزء من مجموعة تضم ثلاثة معاهد جمهورية (مسلمون ومسيحيون ويهود)، هي مجموعة
تؤمن بمبادئ الحزب الجمهوري. انه تحالف بين المنتمين لليمين الوسط. مجموعة من
رجال الاعمال الجمهوريين”.
“تاسس المعهد الاسلامي في العام 1998 على نموذج “التحالف المسيحي” “الأميركي”
ونحن نعمل ضمن فئة سياسية لم يكن العرب ممثلين فيها من قبل”.
تعقد المجموعة اجتماعا كل يوم اربعاء يحضره صحافيون وساسة وشخصيات اليمين الوسط
المقربة من الحزب الجمهوري والمؤثرة في صناعة القرارات. وهو اجتماع يتيح
التواصل مع جميع انواع المجموعات الجمهورية المحافظة.
يروي صفوري قصة مجموعته مع الرئيس الاميركي جورج بوش ويقول انه كلم أحد مستشاري
بوش السياسيين قبل عامين “ثم قابلته في نيسان العام 1999 أي قبل عام ونصف العام
من الانتخابات وسلمته مذكرة من عشر صفحات عن الجالية الإسلامية ثم أخبرته ان
المسلمين ينتخبون معا وانتم تحتاجون لدعمهم. ومن بين مطالبنا كان تعيين مسلمين
في الحملة، وزيارة المرشحين للمساجد ,والغاء قانون الادلة السرية، واتاحة وسيلة
للتواصل مع البيت الأبيض (في حال الفوز)، ثم قلنا لهم لا تقتربوا من القدس”.
“كل شيء بدأ هكذا، وقدنا حملة لانجاح بوش في الانتخابات بين افراد الجالية
المسلمة واصطحبنا القادة المسلمين للقاء بوش في تكساس. قمنا بجهد لتوحيد صوت
المسلمين الانتخابي مما جعل الديموقراطيين والجمهوريين يسعون للحصول عليه”.
يعتبر صفوري أن “الصوت العربي لن يحدث أي تأثير في اميركا يوما لأنه منقسم.
الصوت المسلم سيؤثر لأن المسلمين متفقون على كونهم ....مسلمين”.
وهو يقر بأن ذلك يبعد بعض العرب الذين لا يعجبهم ذلك لكنه يعدد ثلاث فئات من
المسلمين: 28 الى 30 في المئة هم من العرب والنسبة نفسها تقريبا هم من
الآسيويين وهناك نسبة مماثلة من السود الأميركيين بالاضافة الى بعض الايرانيين
والاوروبيين. لماذا نخسر كل هؤلاء ونستبعدهم؟”.
“ثم أن الجيل الثاني والثالث من العرب لا يعرف المنطقة لكن المسلمين يتحدون
ويتجمعون ويتحالفون: هم قوة سياسية ونسبة الناخبين المسلمين تقدر بما بين اثنين
وخمسة في المئة”.
ماذا يجمع المسلمين؟ “نقيم مؤتمرين أساسيين كل عام لكي يتعارف كل فريق منهم على
قضايا الفريق الآخر”.
نويل وبوب
في مطلع القرن، هاجر جد نويل صالح من لبنان الى الولايات المتحدة. تزوج من
امرأة لبنانية وانجبا أطفالا ثم عاد بأسرته الى بلاده، لكن سبل العيش فيها
انعدمت مجددا فحمل اسرته الى الولايات المتحدة للمرة الثانية والاخيرة وقرر أن
ينسى كل شيء عن “هناك”. تزوج ابنه من أميركية وحول اسمه من صالح الى سالي.
هكذا، عندما ولد نويل قبل نحو خمسين عاما، كان كل شيء مهيئا لكي يتحول الى
أميركي “مئة في المئة”.
ما الذي دفعه لاحقا الى اعادة اكتشاف جذوره واحترامها من دون أن يفقده ذلك
احساسه بالانتماء للولايات المتحدة؟ ما الذي دفعه الى تغيير اسمه مجددا الى
صالح والى الاقتران بتلك السيدة الفلسطينية المميزة التي تعمل حاليا على انشاء
المتحف العربي الاول في الولايات المتحدة. العرب هنا منذ العام 1875 والمتحف
العربي الاول يفتتح في العام 2002.
يقول نويل، المحامي الناجح والمنتمي الى عدد كبير من مؤسسات الحقوق المدنية في
ديترويت، محاولا تبرير اتباع الآخرين لطريق مغايرة لطريقه “انه النظام
الاميركي. هو يبتلع المرء ويفرض التماهي. ربما لأنه يقدم نموذجا يرغب الجميع في
اتباعه”.
بوب نجح في اتباع “النموذج” وبات اليوم “في قمة العالم. أقول لك أنا في قمة
العالم”.
وبوب هو ابراهيم، الذي سافر الى الولايات المتحدة مباشرة بعد تخرجه من بيروت
قبل نحو عشرة أعوام. كان يعمل جاهدا في البداية. ما زال يعمل كثيرا لكن عمله
المتواصل في الأعوام الأولى كان اساسيا. تسلق السلم درجة درجة . أثبت كفاءة
مهنية عالية وانهالت عليه العروض من كبريات الشركات المالية في نيويورك.
ابراهيم ليس اسما سهلا للتهجئة في كل مرة، بوب أسهل وأقصر. يزور بوب بيروت كل
صيف. لكنه في نيويورك شخص آخر. يعمل طوال الوقت، لا يتحدث العربية الا نادرا،
في حال هاتفه أحد معارفه السابقين من بيروت. لا يختلط بعرب لأنه لا يملك وقتا
للزيارات. في جيبه جهازا هاتف خليوي، وهو ينتقل أسبوعيا بالكونكورد بين نيويورك
واوروبا. لديه أكثر من سكرتيرة، وأكثر من صديقة.
يعيش بوب في عالم لا يمت الى بلاده بصلة. اصدقاؤه من كل الجنسيات وقضيته
الوحيدة هي تحقيق المزيد من النجاح.
“أنا وصلت الى قمة العالم أقول لك. قمة العالم. لا ينقصني شيء. اطلاقا. ولكن هل
تعرفين فتاة مناسبة في بيروت ترغب في الزواج، فقد مللت اللقاءات العابرة ومن
العلاقات التي ليس لها أي أفق”.
واشنطن (2)
الشقة تتألف من غرفتين، إحداها خاصة وبابها مفتوح بما يكفي لتبين وجود مقعد
مريح وجهاز تسجيل وسرير في داخلها. وفي الغرفة الثانية التي تكاد تخلو من أي
أثاث تجلس مجموعة تتألف من أحد عشر شخصا، ستة منهم أميركيون و خمسة عرب، وبين
المجموعة، هناك خمس فتيات.
تتراوح أعمار الحاضرين بين السابعة والثلاثين والحادية والعشرين. الشقة لمارك
لينس، استاذ مادة الفلسفة الشاب في جامعة جورجتاون والحشد يضم طلابا وموظفين في
مجالات عدة. يجمعهم انتماؤهم لجمعية تأسست حديثا، قبل نحو عام واحد فقط، في
تشرين الاول من العام 2000 وتقرر أن تسمى “ساستاين”، واسمها مطابق لهدفها
الوحيد “وقف المساعدات الممولة من الضرائب الاميركية لإسرائيل الآن”.
(Sustain: Stop US taxfunded aid to israel now).
يناقش الحاضرون النشاطات المقبلة، المؤتمرات المقررة وحملات التبرعات وسبل
تطوير موقع المجموعة على الانترنت بالاضافة الى النشرة المطبوعة التي تصدر
عنها. على أحد الجدران، ما يشبه اللوح دونت عليه بنود النقاش. من يريد الكلام
يطلب الحديث وينتظر دوره. أما اذا بدأ أكثر من شخصين الكلام معا، او اذا دار
حديث جانبي، تجد فورا من يطلب التركيز و”بعض الجدية” فالتنظيم يجب أن يبقى سيد
الموقف.
تتقرر المشاركة في نشاطات الجمعيات المناهضة للعولمة خلال لقاء نيويورك، ويحدد
يوم مخصص “مضايقة أعضاء الكونغرس” على أساس أن ينظم بعد انتهاء فترة الامتحانات
“لنضمن نسبة حضور معقولة”. توزع المهام على لجان مصغرة كل منها مكلف بتحرك محدد
أو بالاتصال مع جهة معينة.
قبل شهر تقريبا، تنكر بعض افراد المجموعة، بعضهم ارتدى ملابس شبيهة بملابس جنود
الجيش الاسرائيلي وبعضهم ارتدى ملابس شبيهة بملابس العمال الفلسطينين، ثم قصدوا
حرم احدى الجامعات الكبرى في واشنطن.
في الساحة الرئيسية، نصبوا حاجزين، الأول مخصص للاسرائيليين والثاني مخصص
للفلسطينيين. ولدى مرور كل طالب كانوا يسألونه: هل أنت فلسطيني أم اسرائيلي؟ ثم
يحددون له الاتجاه الذي يجب أن يسلكه بحسب اجابته.
عند الحاجز الاول كان المارة يعاملون بلطف شديد. أما عند الحاجز الثاني فصراخ
وذل وشتائم وتأخير. فجأة تصل امرأة حامل تطلب العبور. يرفض الجندي السماح لها
بذلك “لأسباب أمنية”. بعد فترة تموت المرأة وجنينها.
تقول صفاء الأحمد (24 عاما)، الشابة السعودية التي تدرس العلاقات الدولية “كنا
نهدف الى جعلهم يدركون ما يحصل، أن يروه بعيونهم. حصلنا على تعاطف عدد كبير من
الطلاب و طبعا ثارت ثائرة الجماعات اليهودية في الجامعة ولكننا كنا قد طلبنا
رخصة من ادارة الجامعة”.
اساتذة وناشطون وطلاب يشاركون في المحاضرات التي تنطمها المجموعة في المدارس
والجامعات في مختلف الولايات الاميركية والتي تهدف الى نشر الوعي حول حقيقة
استخدام أموال دافعي الضرائب الاميركيين لتمويل المساعدات العسكرية لاسرائيل.
“لسنا سذجا” تقول صفاء، “نحن نعرف اننا لن نتمكن من فرض وقف المساعدات
لاسرائيل. ولكننا نحاول ونحصل على ردود فعل ايجابية كثيرة. الاساس هو في طريقة
صياغة المطلب : كل الناس في الولايات المتحدة يدفعون الضرائب وهي تذهب لخرق
حقوق الانسان. نسأل: هل تؤيدون الاحتلال؟ هل تؤيدون قتل المدنيين؟ فيقولون لا،
وجدنا انها وسيلة اكثر فعالية. في فصل الربيع الماضي كنا ننظم بين 2 و3 محاضرات
في الاسبوع ونتلقى دعوات للتحدث في المدارس وفي مقار جمعيات أخرى. اليوم، بات
لدينا 21 فرعا في مختلف الولايات” .
“انها مهمة طويلة المدى ولكن يجب القيام بها، فشلنا في انجاز ما نجح في تحقيقه
اليهود من تنظيم وتأثير. والمشكلة انه في بلادنا يعلمون الشباب تفادي السياسة
تجنبا للمشاكل، ولذلك لا تجدين عددا كبيرا من الناشطين، أمامنا طريق طويلة”.
وهذه المجموعة أيضا تسعى للتنسيق مع منظمات تعنى بحقوق الجاليات الاخرى مثل
السود واللاتينين بالاضافة الى الجماعات المناهضة للعولمة .
“ليس لدينا أوهام كثيرة، تقول صفاء، ولكن علينا الا نتوقف عن المحاولة”.
ديترويت المكاتب
جاء عبد حمود الى أميركا في العام 1990، وفي العام 2001 ترشح في الانتخابات
لمنصب رئيس البلدية في ديربورن. هو متزوج وله ولدان هما مصطفى ومازن .
وعلى الرغم من أن حمود (36 عاما) حصل على شهرة كبيرة من الصحافة التي اهتمت به
لأنه عربي يترشح لمنصب رسمي في أعقاب 11 ايلول (الانتخابات الأولية كانت يوم 11
ايلول)، الا انه لم يفز بالانتخابات.
لماذا؟ “لأن الناس يرتابون من الذين يحققون نجاحا سريعا في السياسة ولأنني
للأسف لم أحصل على أصوات أبناء بلدي. نسبة العرب من الجنسيات الاخرى الذين
صوتوا لي تفوق نسبة اللبنانيين الذين صوتوا لي”.
أسس حمود منظمة أعطاها اسم “ايباك” (كما الجماعة اليهودية الشهيرة) وهو يقول
مبتسما ان الامر “صادف” هكذا فالاسم الكامل هو اللجنة العربية الاميركية للعمل
السياسي للشبان في المهن الحرة (arab american young professionals for
political action committe) هدفها جذب الشبان المتعلمين والمساهمة في تقدم
الجالية وخدمة لبنان عبر تغيير السياسة الخارجية الاميركية تجاه العرب من هنا
وبذلك أخدم هدفين: العرب ولبنان واميركا”.
وحمود محام يعمل في مكتب المدعي العام. يقول “أنا عربي أميركي أضع المجرمين في
السجن ولكن على متن طائرة أصبح عربيا فقط”.
والشاب الذي غادر لبنان عندما كان في التاسعة عشرة من عمره ثم عاش في أفريقيا
وفي فرنسا قبل أن يهاجر الى أميركا، هو مندوب عن الحزب الديموقراطي في ولايته.
يقول انه قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حضر اجتماعا مع المرشح الديموقراطي
لمنصب نائب الرئيس “وقلت له خلاله: لن أنسى ولكنني سأتجاوز القصف الاسرائيلي
لبلادي، ولكن ما أطمح اليه هو أن تنجح أنت في احداث تغيير في السياسة الخارجية
الاميركية. فاذا قمت انت بذلك على الاقل لن يتهمك أحد بأنك معاد للسامية”.
يشعر حمود بالأسى ازاء النزاعات المستمرة بين أبناء الجالية العربية “لو أمكنهم
فقط تجاهل نقاط الخلاف التافهة والتركيز على نقاط التلاقي لتمكنوا من خدمة
مواطنهم الأصلية ومن خدمة جاليتهم وأميركا بشكل أفضل”. “على العرب أن يبذلوا
جهدا أكبر من الآخرين حتى يكتسبوا مكانة في المجتمع الأميركي. نحن العرب علينا
أن نعمل ليلا نهارا كي نثبت اننا اميركيون، اقول لولدي دائما ان الحصول على
تسعين على مئة في المدرسة لا يكفي. يجب أن تحصل على مئة. اذ ليس من السهل أن
تكون عربيا في هذه البلاد.
في مبنى بلدية ديربورن، وفي مكتب جو بيضون، مساعد رئيس البلدية المعين، الصورة
الشهيرة للشبان في ارنون ينزعون السياج الذي زرعه جنود الاحتلال. وأمام مبنى
البلدية لافتة كبيرة كتب عليها “رمضان سعيد” يقول بيضون “انها المرة الاولى
التي تثبت فيها لافتة من هذا النوع أمام مبنى البلدية. فالدولة هنا علمانية
ولكن تزامنت مواعيد أعياد الديانات الثلاث معا فوضعت لافتات للجميع”.
يشرح بيضون أن العرب لا يحبون الوظائف الحكومية “لأن رواتبها ليست مغرية. لكنهم
يناقضون أنفسهم، فهم لا يتقدمون للحصول على وظائف حكومية وفي الوقت ذاته
ينتقدون رئيس البلدية الحالي لأنه لا يوظف عربا. وعندما عينت في منصبي،
انتقدوني وقالوا أنني حصلت على المنصب بالرشوة. ماذا يريدون تماما، أنا لا
أعرف”.
ويرى بيضون أن هناك ثلاث فئات من العرب “هناك الذين يشغلون وظائف تضمن لهم عيشة
مريحة وهناك الذين افتتحوا أعمالهم الخاصة وهناك فئة لا ترغب بالعمل وتعيش من
مساعدات الدولة”.
ويروي قصة الشرطي العربي الاميركي داني صعب وهو من القلائل الذين يعملون في
جهاز الشرطة في المدينة “فهو معرض للتخوين دائما من قبل افراد الجالية. اذا حرر
مخالفة بحق احدهم يعتبون عليه ويسألونه: مع أي جهة انت، معنا أم معهم ؟”
يشرح بيضون أن رئيس البلدية الحالي مايكل غيدو حصل على 79 في المئة من الاصوات
في حين حصل عبد حمود على 21 في المئة من الاصوات ( الجولة الاولى من الانتخابات
كانت يوم 11 أيلول، وكثيرون لم يخرجوا من منازلهم). حصل حمود على أصوات
اليمنيين الذين يعيشون في جنوبي شرقي ديربورن، ولكن على الناس ان يصوتوا
للمرشحين بناء على القضايا التي يطرحونها وليس بناء على أسمائهم”.
وبيضون، الجمهوري، يقول أن “العرب في أميركا جمهوريون لأننا ضد نظام الضمان
الاجتماعي الذي يطبقه وينادي به الديموقراطيون والذي يجعل تعب البعض يذهب مجانا
الى الذين يبقون في المنازل (الضرائب التي تمول برنامج المساعدات للعاطلين عن
العمل) لا سيما وأن كثيرين من هؤلاء لا يعملون لأنهم كسالى وليس لأنهم لا يجدون
عملا. كما أن العرب بطبيعتهم محافظون، سياسيا واجتماعيا مما يجعلهم أقرب الى
الجمهوريين وقيمهم”.
ويأخذ بيضون على الجالية اللبنانية تأثرها بقادتها “اننا نتبع الفلسفة نفسها
السائدة في البلاد. وهذا أمر سيء. علينا أن نعمل في سبيل تحقيق طموحاتنا. ما
زلنا اقلية في هذا البلد ولكنهم باتوا يستمعون الينا. يجب الا نضيع الفرصة”.
وسط حشد من النساء والرجال والاطفال الموزعين على المقاعد المنتشرة في المكان،
يجلس أحد زوار المركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعي(ACCESS), وهو
خمسيني من قرية جنوبية، في القاعة الرئيسية في المبنى المزينة بما يشبه
الجدارية التي تحوي رسومات تمثل الدول العربية على امتداد العصور وفي المهن
كافة، منذ أيام الفراعنة وصولا الى الزمن الحديث.
وصل الى الولايات المتحدة قبل أسابيع، وهو لا يعرف الانكليزية. يحمل في يده
عددا من الأوراق ويمعن النظر مع كل الآخرين في جهاز التلفزيون العملاق الموضوع
في احدى زوايا القاعة الذي ينقل برامج قناة الجزيرة.
فجأة، تنادي صبية بعربية ركيكة اسمه ثم تصحبه الى أحد المكاتب المحيطة بالقاعة.
هناك سيجد من يترجم له الاوراق الرسمية التي وصلته بالبريد من ادارة الهجرة
وسيجد من يساعده على ملئها.
يتحدث حسن جابر، نائب مدير المكتب بهدوء شارحا أهداف مؤسسته وانجازاتها.
فالخدمات التي تقدمها تشمل ميادين الصحة والتوظيف والتعليم والصحة النفسية
والخدمات القانونية والاستشارات. وهناك أيضا مساعدات في مجال الاسرة: عنف
منزلي، تفكك أسري الخ ...
والمركز صلة وصل بين قاصديه وبين المحترفين الذين يتبرعون بأوقاتهم وخبراتهم
لخدمة ابناء الجالية.
يشكو جابر من غياب المؤسسات العربية الاميركية القادرة على استيعاب الازمة
الحالية التي تعيشها الجالية ويشرح الأسباب التاريخية لذلك قائلا إن “المهاجرين
الاوائل كانوا من جبل لبنان، وكان الهم الأساسي بالنسبة لهم هو الاندماج فلم
تقم مؤسسات على الرغم من النجاح المهني والاقتصادي الذي أحرزه أفراد الجالية
الذين تمكنوا من الحفاظ على التواصل في ما بينهم بفضل كنيسة مار مارون، ثم عبر
مسجد المسلمين الذين بدأوا يتوافدون منذ العام 1917. لاحقا، أخذ التعاون أشكالا
أخرى فصار اذا كثر عدد الوافدين من قرية معينة، قاموا بعمل مشترك لخدمة مصالح
قريتهم”.
“بعد ذلك، كانت موجة الهجرة الجديدة ومعظم أفرادها هم من الشيعة الذين جاءوا
بعد اندلاع الحرب اللبنانية. وموضوع لبنان كان شغلهم الشاغل وليس الحياة
الاميركية اذ كانوا يعتقدون انهم هنا لفترة مؤقتة وسيعودون لدى انتهاء الحرب
ولذلك لم يهتموا كثيرا بالحياة هنا. ونحن أصلا بطبيعتنا فرديون. ثم بدأوا
يشعرون بأن وجودهم هنا دائم وانهم بحاجة لتأسيس كيانات عربية اميركية واميركية
لبنانية. فصار لدينا عدد من المؤسسات التي اكتسبت الاحترام والمصداقية. لكن
الطريق ما زالت طويلة.
ديترويت المساجد
ليس مسجدا كالمساجد التي نعرفها في بلادنا. هو مسجد في أميركا. مبنى ضخم، يحوي
مكانا للصلاة ولكن أيضا قاعة محاضرات وكافيتيريا ومكاتب وقاعة للأفراح ومكتبة
وغرف مخصصة لدروس اللغة العربية.
هنا، تقصد النساء المساجد، والأطفال. ليس مكانا للصلاة فقط، بل هو مكان للتلاقي
والتواصل والتعلم.
تقول جميلة المولودة في الولايات المتحدة أنها فرحت عندما بدأت المساجد تقدم
دروسا في اللغة العربية للأطفال “فأنا ووالد أطفالي الثلاثة نعمل طيلة اليوم،
وهم في المدرسة وعندما نلتقي مساء نجد أنه من الأسهل للجميع أن نتحدث معهم
بالانكليزية. وجاءت الدروس في المسجد في الوقت المناسب. كثيرون هنا لا يجدون
الوقت لتعليم أطفالهم العربية، فيكبرون وهم يجهلونها”.
والدروس مناسبة جيدة لاصطحاب الأولاد يوم الأحد وانتظارهم في الكافيتيريا مع
أهالي الأطفال الآخرين الذين يتحول بعضهم الى أصدقاء.
يقول سيد، وهو مصري في السادسة والثلاثين من عمره، ويعيش في ديترويت منذ سنتين
أنه بالاضافة الى مواعيد الدروس “تشهد المساجد في العادة ازدحاما عند صلاة
العشاء (بعد العمل) ولكن معظم المصلين هم من المسنين فالشباب لا يقصدون المساجد
كثيرا”.
ولأن معظم المسلمين في المدينة هم من الآسيويين فان الدروس والخطب في بعض
المساجد تكون باللغة الانكليزية الا في المساجد العربية. ويؤكد سيد انه قلما
يختلط قاصدو المساجد ببعضهم البعض “الأمر يختلف عما يحصل في بلادنا، فهنا ليس
لدى أحد الوقت للاجتماعات والتعارف وتبادل الزيارات كما أن هناك بعض القلق
والتحفظ. تحفظ بين العرب بين الباكستانيين وتحفظ حتى بين العرب من جنسيات
مختلفة”.
وفي ديربورن نحو 15 مسجدا للشيعة وللسنة.
في قاعة اجتماعات ضخمة في أحد تلك المساجد، يجلس الشيخ محمد التيجاني السماوي
وهو تونسي تشيع في العام 1969 ويعيش بين تونس وفرنسا ويزور الولايات المتحدة
تلبية لدعوة لالقاء سلسلة من المحاضرات فيها. يقدم الشيخ السماوي نفسه على انه
كاتب ومؤلف وحاصل على شهادة دكتوراه من السوربون وعاش في العراق فترة.
* ما هو رأيك بأسامة بن لادن ؟
”أنا لا أعرفه الا من خلال ما بثته محطة الجزيرة من مقابلات معه وحسب ما سمعت
منه دعوته قرآنية، اللهم الا اذا كان يخفي أو يبطن عكس ما يقول او كان ما يشاع
عنه من انه يتخذ من الدين غطاء صحيحا.
هو يتحدث عن العقيدة والمبدأ والدفاع عن الظلم ولا يمكن مهاجمته في ذلك فهو فرض
على كل مسلم”.
* هل أسامة بن لادن مسلم ؟
”نحن نحكم بالظاهر والله يتولى الباطن. هو ملياردير ويعيش في كهوف الجبال وجهه
يبعث على الارتياح وعلى الاطمئنان. ترك زخارف الحياة ومباهجها ليعيش في الكهوف.
لا دليل عليه. لا دليل باستثناء انه بارك ما حدث وهو يدان على ذلك لأنه يعتبر
أميركا عدوه وهي تطالب به منذ زمن. < |