|
ناهض منير الريس
ما هو الحل الاميركي ـ الإسرائيلي الذي يقوم على استبعاد عرفات ومصر ؟!
عن الحياة الجديدة
يجب أن تسمى الأشياء بأسمائها .. يجب أن توضع الأشياء في مواضعها..
وعلى هذه القاعدة لا يمكن تسمية التصريحات الاميركية حول الفلسطينيين وقضيتهم
في الأسبوع الماضي بخاصة إلا بوصفها جزءا يخص الساحة الفلسطينية من الحرب
الشاملة ضد المنطقة ، وهي الحرب التي دعاها جورج بوش ودونالد رامسفيلد باسمها
الصريح ( الحرب ) وألحقوا بها عبارة (ضد الإرهاب) لكي يجعلوا لها سببا يخالف
سببها الحقيقي .وما سببها الحقيقي إلا استضعاف المنطقة ونهب مواردها . بينما
أطلق الجنرال كولن باول وزير الخارجية عليها وصفا دبلوماسيا ، قائلا إن هدف
الولايات المتحدة هو ( إعادة تشكيل المنطقة ) ، وعادت كوندوليزا رايس تستخدم
هذا الاسم التمويهي في أحدث تصريحاتها في الأسبوع الماضي .
( دمروهم ! ) هكذا قال بوش لشارون هاتفيا في الأسبوع الماضي . والمقصود
بالمفعول بهم في فعل الأمر هذا : نحن الفلسطينيين لا غيرنا . والمناسبة هي
عملية القدس قبل عشرة أيام .
فتروي صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أن آريئيل شارون تلقى غداة العملية إشعارا
بأن الرئيس الاميركي سوف يخاطبه هاتفيا . وفي انتظار الموعد المحدد خطر بباله
أن بوش ربما سيطلب منه ضبط النفس ، وما كان أشد دهشته وارتياحه عندما بدأ بوش
مهاتفته بالقول ( دمروهم ) !
كان الرئيس الحالي للولايات المتحدة ، وهو يعقد النية على ترشيح نفسه لفترة
ولاية ثانية ، يحاول بذلك أن يحجز لنفسه مرتبة المرشح المفضل لدى اللوبي
الصهيوني المتأهب منذ الآن فصاعدا لتقرير اختياراته في معركة الرئاسة الاميركية
، ومقياسه في ذلك ما يعرضه كل مرشح على إسرائيل من مال اميركا وسلاح اميركا
ونفوذ اميركا السياسي.
وخلال الأسبوع توالت الحملات الاميركية الإعلامية من صبية ميكروفونات البيت
الأبيض ، ضد الرئيس الشرعي المنتخب للشعب الفلسطيني ، الذي نتمسك بحق أصغر نائب
فلسطيني منتخب أن يوجه إليه النقد والمساءلة . ولكننا نغضب ونثور ونشعر
بالإهانة عندما يتطاول عليه رب البيت الأبيض الذي يظن أن بوسعه أن يتصرف كما لو
كان رب الكون . أستغفر الله العظيم .
اميركا تحتج
ففي يوم الثلاثاء الماضي أصدر الرئيس ياسر عرفات قراره بتعيين جبريل الرجوب
مستشارا له لشؤون الأمن القومي . وفي اليوم التالي ( الأربعاء ) قالت الناطقة
باسم البيت الأبيض : « إن ياسر عرفات يضعف مكافحة الإرهاب ويلحق مزيدا من الضرر
بآمال الشعب الفلسطيني في إحلال السلام وإقامة دولة فلسطينية يمكنها أن تعيش مع
إسرائيل جنبا إلى جنب في سلام وأمن ، من خلال عرقلته دمج أجهزة الأمن
الفلسطينية تحت قيادة رئيس الوزراء عباس « . وفي يوم الخميس ظهر آخر تلك
التصريحات يقول :« عرفات أظهر من جديد أنه يشكل جزءا من المشكلة ولا يشكل جزءا
من الحل «. وقبل ذلك بأيام تكلم شارون في تل أبيب قائلا إن مصر لن يكون لها دور
في عملية السلام إلا بعد أن تطلق سراح محكوم عليه من قبل القضاء المصري بتهمة
التجسس لحساب إسرائيل !
وهكذا تكون السياسة في عهد شارون وبوش وإلا فلا ( ! ) يشطب كل منهم بجرة قلم
شخوص السياسة الذين لا يعجبونه ، وقوى السياسة التي لا تنطبق رؤيتها مع رؤيته .
مهما كانت تلك الشخوص وتلك القوى أساسية في الموضوع المطروح قيد البحث والنظر .
لأن اميركا تدرك جيدا أن ياسر عرفات الرئيس المنتخب للجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير الفلسطينية ، وللسلطة الوطنية الفلسطينية وللجنة المركزية لحركة فتح هو
الوحيد صاحب القلم الذي يمكن أن يمهر بتوقيعه اتفاقا يكون حجة على الفلسطينيين
وعذرا للعرب المحتاجين إلى عذر . وإسرائيل تدرك جيدا أن مصر الشقيقة الكبرى
للدول العربية وحجر الزاوية الاستراتيجي بين آسيا وإفريقيا ومركز الثقل الثقافي
والروحي في العالم الإسلامي ، هي الوحيدة التي تعني موافقتها على أي حل قطع
الطريق بقوة على غير الراغبين في ذلك الحل من الجانب العربي والإسلامي ، فضلا
عن أن إدخال مصر والسعودية والأردن في مجرى العملية السياسية التي انتهت إلى
المبادرة المدعوة ( خارطة الطريق ) هو رغبة اميركية صريحة وملحة
فما هي هذه السياسة الاميركية التي تريد أن تخرج من التسوية الطرف الفلسطيني
الأساسي الذي لا غنى عنه في التو واللحظة ولا بديل لتوقيعه ؟ وما هي هذه
السياسة الإسرائيلية التي تريد أن تخرج من التسوية الطرف العربي الأساسي الذي
رأت اميركا أن له ثقلا ووزنا وطالبته أن يتدخل وأن يقول وأن يفعل وأن يقترح وأن
يساعد وأن يتوسط ؟
هل هي سياسات جدية ؟ هل هي سياسات تهدئة وتسوية ؟ أم هي سياسات مراوغة وتهرب من
التسوية من جانب إسرائيل ، وسياسات تخبط وفقدان للقرار وللقدرة وللعزم على
تنفيذ القرار من جانب اميركا ( على افتراض أن لاميركا أصلا سياسة خاصة بها ـ
خلاف السياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط ؟
أسئلة أجابت عليها إسرائيل ( وضمنا اميركا ) إجابة واضحة ، بالممارسات الدموية
، وبسياسات الحصار والإفقار والتجويع المتزايدة ، بينما الرئيس الاميركي الذي
هو أمل المتمسحين بالأذيال الاميركية يبدأ فاصل الغزل الطويل مع الصهيونيين في
اميركا ، ويقوم بتعيين أحد الصهاينة المعروفين بشدة عدائهم للعرب في أحد مراكز
الأبحاث الممولة فيديراليا . ثم يستمر في معزوفة التهجم والإدانة والتحريض على
القوى الفلسطينية التي ترد عل العنف والاغتيال الإسرائيلي بالمقاومة والدفاع عن
النفس . ويا أسفا .. أن تكون اميركا برئيسها هذا هي بيضة القبان في الساحة
الدولية . !
ماذا يتبقى الآن بالتالي من التصريح الذي صرح به مساعد وزير الخارجية الاميركي
قبل أسبوعين ، حين أدخل إلى بورصة التصريحات السياسية تصريحه الجديد الذي يقول
فيه إن اميركا تدرك الآن أن أقامة الدولة الفلسطينية هي أقصر طريق وأهم طريق
للحفاظ على المصالح الاميركية في المنطقة . ؟ وهل يدخل ضمن هذه المصالح
الاميركية اشتراط ركوب إسرائيل ظهر المنطقة وأن تصبح تل أبيب عاصمة المنطقة ؟
لا نقصد واقعة بعينها ولا شخصا بعينه ، ولكن ظاهرة قد تقفز في وجهنا في أي وقت
!
بسلاح من سلاح السلطة ، وبرجال ممن يقبضون راتبهم الشهري من السلطة ، وفي سبيل
امتيازات
السلطة وبهرج السلطة ومكاسب السلطة تشكلت عندنا ممالك طوائف تطلق من دهاليزها
مافيات تعيث في الأرض فسادا ، وتشجع بصورة خاصة الفرد الأجهل والأقذر والأشقى ،
الذي تدفعه قلة التربية وخفة الرأس إلى مد يده إلى مسدسه وإطلاق النار بمناسبة
وبدون مناسبة . وترمقه عين سيده بالرضا :« هو كلب واعد ، سأرمي به الفرائس
وأصطاد به الأموال ، وسيكون قرمية نافعة إذا حمي وطيس الاقتتال مع زعماء
المافيات الأخرى «!
إن تلك الطفيليات تكلف المجتمع كثيرا . وهي لم تأل جهدا في نخر الجسم الفلسطيني
الذي متعه الله بالصحة والعافية والذي ما زال بفضل هبة الرب وبركة الأقصى يفرز
بطولات وأبطالا وفتية شجعانا ، هم في واد وغيرهم ممن ليسوا على شاكلتهم في واد
آخر .. .
لم يسبق للمجتمع العربي الفلسطيني أن أغرق في مثل هذه العصبيات والعشائريات
المخترعة . لقد حدث تعميم مشين لنموذج العشائرية وغرارها : في الوزارات ،
والإدارات ، والأجهزة . بل أصبح الحزب عشيرة ، والنادي عشيرة ، والجمعية عشيرة
، وذلك في تقليد مزر للعشائرية التقليدية التي تجمعها وحدة الدم . ونقول إنه
تقليد مزر مشين لأن العشائرية التقليدية ملكت مع ذلك بعض الفضائل . ولم يكن
قوامها اللصوصية بشكل خاص وإنما تبادل الحماية . أما العشائرية المبتكرة في
الدهاليز المشار إليها فقائمة على أكل المال العام والاستئثار بالغنائم
والأسلاب . وما تلك الغنائم والأسلاب إلا جسم السلطة ولحمها ودمها ..
هذه الظاهرة أوسع كثيرا من أن نطلقها على حادثة واحدة أو على موضع واحد أو على
شيخ منسر واحد . وربما يقول البعض : إنها من صنع أيدينا نحن الفلسطينيين على كل
حال . فذلك هو مستوانا . وتلك هي عقليتنا وأخلاقنا . ولكن الحقيقة غير ذلك .
فإذا كانت هذه الظاهرة قد بدرت من بعضنا فعلا في حال انحدارنا وانحطاط مستوى
الحل والعقد عندنا وتعطل آليات المراقبة والمحاسبة بسبب التواطؤ الخفي ممن
بيدهم تلك الآليات وتهافتهم على شيء من فتات الموائد ، فحاشا لله أن يكون ذلك
ما تتطلع إليه غالبيتنا الصامتة ؛ أو ما نستحقه بعد طول كفاحنا ؛ أو ما نرضى به
لأنفسنا مختارين .
إن كثيرا من الناس عندنا يخشون سطوة القتلة الفالتين الذين لم يشأ ( أصحابهم )
أن يلجموهم ، ولم يلتفت الأخيار والعقلاء لردعهم كي لا يفتحوا معركة في الجبهة
الخلفية أثناء اشتعال معركة الجبهة الأمامية، بل يبدو ـ أكثر من هذا ـ أن أذرعا
خفية نجحت في التلاعب بميزان العدالة المقدس نفسه احتياطا لأنفسهم من يوم
يمثلون فيه أمام عدالة القانون .
فإلى متى ؟!
وزعماء المافيات لن يتوقفوا عن جني الملايين وعن إلقاء الفتات لطلاب الفتات .
والعلة الكائنة في التركيبة من أكثر العلل استعصاء على العلاج . وباستمرار هذه
التركيبة في العمل لا مناص أبدا من استفحال الأمور وتزايد الوقائع التي ستصيب
بالأذى الكثيرين ، وربما يموت في غمارها أولئك الذين يحسبون أنهم يديرونها أو
أنهم بمنجى من آثارها .
و .. ( ليس لها من دون الله كاشفة ) ..
*النائب عن مدينة غزة |