ثمن الرأس
مي كحالة
عن الجزيرة السعودية
التاريخ: الأحد 2003/08/31 م


من يدفع ثمن قتلى الحروب في العالم العربي؟ لا سيما هؤلاء الذين سقطوا بقرار خارجي فرض عليهم القصف والقنص والسيارات المفخخة؟
إذا كان رأس الأمريكي يساوي خمسة ملايين دولار في الأقل، ورأس الفرنسي مئتي ألف دولار تقريباً، فما هو سعر رأس العربي؟
ربما لن يتسنى لنا إنجاز الحساب قبل معرفة النسبة المئوية التي سيضيفها الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي على السعر المطلوب من فرنسا لضحايا طائرة "أوتا" أو مساواتهم بضحايا "بان أمريكان" التي تفجرت فوق لوكربي في اسكوتلندا. لكن في مجمل الأحوال لم نسمع بعد أي تصريح من المسؤولين العرب يحدد فيه صاحبه أن الضحية العربية يمكن أن تقترب من سعر الفرنسي أو أن ترتفع إلى سعر الأمريكي، أو في أسوأ الأحوال أن تكون سعراً وسطاً بين السعرين، من دون حساب القيمة المضافة، لكن خصوصاً من دون قبول التصفيات الموسمية أو ما بات يُعرف بالتنزيلات في شهر التسوق التي تصل أحياناً إلى الخمسين في المئة. والعوربة (تيمناً بالعولمة) التي نشهدها منذ سنوات باتت في تعميم مبدأ الانتقال من أجل الامتلاك بين عواصم معينة وفي فترات محددة بحيث يحمل صاحب الثروة بطاقات الائتمان البلاتين أو الغولد. ويستقل الطائرة من شهر تسوّق إلى آخر ليحصل على مختلف العروض المثيرة لشهية الاستهلاك.
والحقيقة اننا نتقن فن الشراء لا البيع، خصوصاً اننا كعالم عربي لا ننتج غالباً سوى الكلام وبأبخس الأسعار لفرط استعمال الكلمات ذاتها والمدائح إياها. ولم ننوع إنتاجنا الوطني، لا صناعياً ولا تجارياً أو ثقافياً. كما اننا لا نصدّر سوى الأدمغة على اختلاف قدراتها وبالجملة بدلاً من المفرّق. حتى ليكاد المرء يحتار ماذا يبيع الأجنبي حين يأتي إلى بلادنا فلا يجد سوى صناعات خفيفة ندرجها تحت عنوان "التراث". بينما تجتاحنا حمى شراء كل صنف مستورد من أقلام رسم الشفاه وصولاً إلى الطائرات الفخمة لاستعمالنا الخاص قبل العام. فالأهم أن نمتلك كل جديد حتى غير المجدي منه، ونشيح الطرف عن الإنتاج المحلي لأنه في مستوى "التيرسو" أي الدرجة المتدنية. وبما اننا نشتري أكثر مما نبيع، لم يفكر أي نظام بعد إلا في قيمة الجمارك المفروضة على البضاعة الداخلة عبر الحدود لكنه ينسى دوماً تحديد سعر البضاعة الخارجة ومن أبرزها الإنسان العربي. فهو بالبلاش "في أرضه" لأنه كائن خام لن يبرهن عن تفوقه إلا بعد تصدير نفسه إلى الخارج، تدفعه قوة البحث عن لقمة العيش إلى قرع أبواب العمل الذي يرفض تأديته في وطنه. فإما يموت على طريق تحقيق الأحلام، مجهولاً وعادياً أو فقيراً كما في بلد المنشأ، أو يثري ويترقى ويظهر اسمه على الشاشات الدولية فيتذكره وطنه ويتهافت على تكريمه. وغالباً ما نسمع أن الهجرة القسرية إلى العالم المتقدم تتم سراً في البواخر المتخمة بأجساد المنهكين الذين ينتهي أمرهم أحياناً في السجون الضيقة بعدما هربوا من سجن الوطن الواسع أملاً بالوصول، مثل كريستوف كولومبس، إلى عالم جديد. ألم توّقع أخيراً معاهدات دولية تحرّم "الاتجار بالبشر" بعد تفاقم ظاهرة تهريب المعدمين ورميهم في باطن السفن مثل المواشي المعدة للذبح؟ وحين تكتب النجاة للعربي الطموح ثم ينجح في ميدان عمله بعد كد وكدح، ينال التقدير المحلي بمفعول رجعي للغاية، ويصبح رمزاً لتفوق أهل بلاده ولبراعة نظام الحكم الذي "سمح" له بالتعبير عن ذاته في الخارج، فيتسابق الجميع على التقرب منه وتتسع عائلته ودائرة أصدقائه. عندها فقط يتذكر أصحاب الفضل في اغترابه بأنه يشرّف جنسية بلد المولد فيضيفون إلى الجوائز الغربية التي حصل عليها جائزة الإقرار بأهميته. وينال من دولته التكريس المعنوي بعد اكتسابه التقدير المادي من وطنه الثاني. فنكتشف أن الغرب الذي نرذل تقاليده المتحررة يعرف بالتأكيد قيمة العربي بعد التصدير فيما لم يحسن أو حتى يحاول أهل البلد اكتشاف براعته العلمية أو الأدبية حين كان يرتمي على أبواب النافذين. وباختصار يبقى المواطن في أدنى الدرجات هنا ويترقى إلى أعلاها هناك. يترافق الأمر مع أدنى الرواتب في الوطن والثروات الضخمة في الخارج. هذا في حياته، فكيف إذا توفى بطريقة "غير طبيعية" وبفعل حكم إعدام مبرم لم يطلعه أحد عليه؟
ونعود إلى "سعر الرأس" بفعل تحطم الطائرات. فمن حظ العالم العربي حتى الآن أن أي دولة لم تستهدفه بعد بتفجير طائرة تقل ركاباً مدنيين. وإلا لأصبح من الممكن تبين حقيقة من اثنين: تطالب دولة الطائرة المعتدى عليها بفتح تحقيق دقيق حول ظروف الحادث، أو تعتبر الأمر "قضاء" دولة عدوة وقدر مواطنين مساكين. فإذا جرى التحقيق وثبت الجرم، تحدد السلطة البدل العادل لكل ضحية، بل لعائلتها، أما إذا حلّ القدر مكان القضاء تكتفي السلطات بالصلاة على أرواح الضحايا البريئة ثم تدفن الرأس في الرمال. أما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وقبلهما فرنسا فلم تتوقف لأكثر من عشرين عاماً عن المطالبة بحقوق الضحايا وبتسليم منفذي التفجير. وهل إقرار الدولة الليبية بفعلتها كاف إذا صحب بشيكات مسحوبة على المصرف الدولي لمحو عار التفجير المقصود؟
لا شك أن الدول الرأسمالية تحسب كل الأمور بمقابل مالي يعبر عن مدى اهتمامها به أو تقديرها لأهميته. فالحروب تُقاس بكلفتها وليس بعدد الجنود القتلى الذين يسقطون فيها، أما الحملات الانتخابية فتتحول إلى مهرجانات جمع التبرعات تلبية لمصاريف المرشح ومتطلبات الظهور في الإعلام. حتى اكتشفنا أن للمال مفعول إلغاء الأحزان أو النقمة خصوصاً إذا ارتفع المبلغ إلى حد يفوق التصور. فيكون "العقاب المالي" الدليل الحسي على ضخامة الجريمة. من جهة أخرى، تجعل قوة الامبراطورية الأمريكية من المواطن حامل جنسيتها أو البطاقة الخضراء مواطناً فوق العادة، مثلما عاملت روما مواطنيها المنتشرين في كل أصقاع العالم القديم. فمهما طال الزمن سينال الضحايا "حقهم" لأن الأمم المتحدة أقرّت بأن التفجير المقصود هو بمثابة اعتداء عسكري على مدنيين. وبالتالي لا يمكن إسقاط الحق العام إلا بعد نيل كل عائلة مصابة حقها الخاص، وهو كمية من المال يتوقف رقمه على جنسية المواطن لا على قيمته الإنسانية المطلقة.
وفي وقفة سريعة نسأل: من يدفع ثمن قتلى الحروب في العالم العربي؟ لا سيما هؤلاء الذين سقطوا بقرار خارجي فرض عليهم القصف والقنص والسيارات المفخخة؟ من يعوّض اللبنانيين "قيمة" قتلى الحرب وشهداء المشاريع السياسية الذين سقطوا في هذا الجانب أو ذاك؟ من يقرر قيمة العراقي الذي وجد أهله بقاياه في المقابر الجماعية بعد طول انتظار وتنقيب عن مكانه، وأين تفتش الكويت عن أسراها الذين لم يحدد أحد أين يرقد رفاتهم؟ وهل ستفرض الأمم المتحدة على إسرائيل أن تدفع مقابل المدنيين الأبرياء الذين يقتلون يومياً في قصفها الأراضي الفلسطينية أو خلال تدمير المنازل؟
ليس المطلوب جواباً بالطبع، فهو معروف. أن ما مضى في بلاد العرب قد مضى، ولا ضرورة لتحريك السكاكين في الجرح. فنحن في المعيار الدولي نعد بالملايين لكن قيمتنا توازي الصفر وتوصف بالتخلف لأن دخلنا القومي لا يتعدى راتب أسبوع لبائع في دكان باريسي أو لندني، أما صفتنا الأساسية فهي الأصولية كبديل من الحرية الممنوعة. لكننا شعوب واعدة لأن قيمتنا تتضاعف حين نحمل جنسية مزدوجة: الأولى عربية لا تعني سوى تاريخ الولادة ومسقط الرأس وواجب الرضوخ لحكام البلاد. والثانية غربية أو من دولة كبرى لها معنى الدرع الواقية من كل مصائب الدهر وحق المطالبة بكل الحقوق. فالمصري حامل الجنسية الأمريكية يعتبر أمريكياً أولاً وربما مصرياً ثانياً. ولا تجوز محاكمته إلا وفق القانون الأكثر حماية لحقوقه الشخصية. كذلك فإن الصحافية الإيرانية التي تحمل جوازاً كندياً تعتبر ضحية أجنبية لأن وطنها الأم لم يحترم حقها في البحث عن الخبر. ويمكن لخبير الأسلحة العراقية ديفيد كيلي أن يرتاح في عالمه الأفضل لأن انتحاره سينحر دون شك سلطة رئيس الحكومة البريطانية ويصمها بعار التسبب بموت إنسان فرد! ولا غرو إذا درجت في لبنان عادة أن تلد الأمهات أطفالهن في الخارج، شرط قدرتهن على تأمين ثمن بطاقة السفر ومصروف بضعة أسابيع في فندق محترم، وخصوصاً اختيارهن لدولة متينة تمنح أبناءهن أو البنات جوازاً "قوياً" يفتح الأبواب الموصدة في وجه جواز الوطن. فيما تقبع الأخريات في الوطن الأصلي على أمل أن يتربى مواليدهن على التقاليد الوطنية لكن أن يتسنى لهم في وقت لاحق التسلل إلى دولة من العالم الأول تحتضن دروسهم وتفتح لهم آفاق العمل فينالون شرف حمل جنسيتها. والهدف اكتساب حماية الآخر لأنه أقوى وأكثر احتراماً لمعنى المواطنية لدرجة ملاحقة الحكومات لرعاياها في كل زاوية من الأرض وحمايتهم وقت الخطر وإجلائهم من المناطق المضطربة وصولاً إلى تحصيل حقوقهم بعد الموت مثل الضحايا الذين قضوا في الطائرات التي فجرتها بعض الثورات العربية ظناً منها بأن قتل المسافرين بمثابة رسالة سياسية وأن الوقت كفيل بمحو الجراح.
ويقول الأمريكيون أن لا رائحة للمال؟ أحياناً هو برائحة الموت. بل انهم يعتبرون أن الوقت هو المال، فمهما طال الزمن سيقبضون ثمن موتاهم. وهم حالياً يجمدّون ثروات العراق بهدف تغطية كلفة الحرب التي خاضوها ولحجز تعويضات الجنود القتلى أو الجرحى. فثمن الرأس الأمريكي لا يزال في نظرهم غالياً جداً. وهو الأقوى على تحديد قيمته. فمتى دور رأس العربي؟