|
العراق.. نموذج التأديب!.
د. عبدالله السويجي
عن الخليج
يقال في الأسباب المعلنة، إن قوات التحالف احتلت العراق بسبب تطويره لأسلحة
الدمار الشامل، وإزاحة حزب البعث عن سدة الحكم، واعتقال الرئيس المخلوع صدام
حسين وولديه أو قتلهم، وإعادة الأمن للعراقيين ورفع الجور عنهم، وبناء دولة
ديمقراطية. وكانت النتيجة ان قوات التحالف لم تعثر حتى الآن على تلك الأسلحة
المزعومة، ووجدت بدلاً عنها ترسانة عسكرية تقليدية قديمة ومتخلفة، وانها لم
تعتقل او تقتل صدام حسين، بل قتلت ولديه عدي وقصي. كما أن قوات التحالف لم
تستطع توفير الأمن ولا العمل للعراقيين، وإنها لم تؤسس دولة ديمقراطية حتى
الآن.
ورغم ذلك، نشم رائحة تراجع امريكي وبريطاني عن دورهما، وتفكر الولايات المتحدة
في تقديم مشروع قرار لإنشاء قوة متعددة الجنسيات للانتشار في العراق، بعد أن
لاحظت انها وقعت في مستنقع يصعب الخروج منه، وفي سعي منها للمحافظة على أرواح
الجنود الامريكيين بعد أن بدأت سمعة اقوى جيش في العالم تتلطخ بالوحل وبأسلحة
خفيفة وقذائف صاروخية عتيقة، ناهيك عن الخلاف الذي ظهر الى السطح بينها وبين
الأمم المتحدة اثر تفجير مقر الأخيرة في بغداد.
ويبدو أن الولايات المتحدة الامريكية قد (غرر) بها من قبل المعارضة العراقية،
التي زودتها بمعلومات ليست دقيقة تماما بشأن الواقع العراقي ذي العرقيات
المتعددة والانتماءات الأكثر تعددا، وظنوا بأن إزاحة شبح صدام عن الساحة
السياسية سيؤدي تلقائيا الى إيجاد دولة آمنة ومستقرة. لكن ما حدث أثبت ان وجود
صدام كان يخفي صراعا مستميتاً على السلطة، فلكل أقلية ومذهب وحزب طموح للوصول
الى السلطة منفردا، فالعقلية العشائرية لم تنضج بعد لتقبل المشاركة في الحكم،
والمذاهب الدينية لم تتصالح بعد بشأن تقاسم السلطة، والأقليات تريد الثأر من
النظام السابق وإعادة الاعتبار لها عن طريق مشاركة رئيسية بالسلطة، إن لم يكن
احتكارها وفي ظل هذا الواقع، وجد مؤيدو صدام حسين تربة غنية للعمل، كما وجدت
العصابات المسلحة أجواء صالحة للسطو، وبات حلم المواطن العراقي ان ينام ليلة
واحدة هادئة وآمنة من هجوم العصابات، ورصاص قوات الاحتلال الطائش!، وبعد قليل
لن يهنأ اي شرطي او مسؤول عراقي مهما كبر شأنه بالسلام والطمأنينة، لأن جماعات
جديدة أطلقت على نفسها “جيش محمد الثاني” هددت كل من يتعاون مع قوات الاحتلال،
وأهدرت دمه. وبذلك فإن الأمور مرشحة لمزيد من الفوضى وعمليات القتل والاغتيال،
ولمزيد من الصراع الطائفي والعرقي، خاصة بعد المذابح التي تعرض لها التركمان،
وفي كل يوم يتم الإعلان عن محاولة اغتيال مسؤول او مرجعية دينية معينة.
لقد عاد العراق كما حلم بوش الأب، الى العصور الوسطى، عصر التخلف وانعدام
الأمن، ناهيك عن تدمير البنى التحتية والمؤسسات الاجتماعية والإنسانية
والثقافية والرياضية والفنية والسياسية والعلمية، فبعد ان كان العراق دولة
علماء ومثقفين، اصبح الآن دولة العصابات في الليل وقوات الاحتلال في النهار.
وبعيدا عن الحالة الأمنية في العراق وقريبا من مستقبله السياسي، بعد أن اصبح
رهينة للولايات المتحدة الامريكية، التي تعتبر نفسها بأنها صنعت جميلا للشعب
العراقي، ومقابل هذا لا بد ان يحدث الآتي:
- ألا تكون السياسة العراقية معادية للولايات المتحدة او العدو الصهيوني.
- أن يستورد العراق كل ما يلزمه من مواد عادية او استراتيجية من امريكا.
- ان تحظى الولايات المتحدة بالأولوية في الحصول على المشاريع وتنفيذها.
- أن يدخل الامريكيون ويخرجوا ويتنقلوا (الى ومن وفي) العراق بحرية تامة وأن
تكون كل الأجهزة المستخدمة في الاتصالات امريكية.
- أن تبني الولايات المتحدة قاعدة عسكرية ضخمة في العراق.
وباختصار ان يضاف العراق الى الولايات المتحدة وان يعترف بدولة “اسرائيل” ويطبع
علاقاته معها، وبدلاً من أن يأكل “التمّن والمرق” سيتناول البيبسي والهمبورجر،
كما حدث في ساحات أخرى.
وبعد هذا، سيكون بمقدور الولايات المتحدة ان ترصد كل شاردة وواردة في العراق
والمنطقة، إن لم يكن بوساطة تكنولوجيا المراقبة والرصد والتنصت، فبعملائها
الكثيرين، وبهذا تكون قد اضافت قاعدة مهمة لنفسها في المنطقة، وحققت نصرا جديدا
على التحالف الشرقي، وباتت قريبة جدا من روسيا وايران وباكستان وحتى الصين
وكوريا الشمالية.
إن ما يحدث في العراق وما حدث له هو نموذج أمريكي تسوقه واشنطن في المنطقة
والعالم، ودرس يجب ان يتعلمه الآخرون الذين تحدث لهم نفوسهم بأن يشبوا عن
الطوق.
وبغض النظر عن مراحل التعاون بين الولايات المتحدة الامريكية والعراق، إن كان
قبل حرب الخليج الأولى او اثناءها، وبغض النظر عن حجم التهديد الذي كان يشكله
العراق على الدولة العبرية، إلا أن هذا الكيان يشعر بالراحة (على الأقل الآن)
ويعتقد انه استطاع تحييد دولة كبيرة، كان من الممكن ان تشكل خطرا جسيما في وقت
من الأوقات، لكن الذي لا تعلمه قيادات الكيان، ان السحر قد ينقلب على الساحر
وتنقلب الأمور في العراق فيحكمها من يناصب العداء الكبير للدولة العبرية، وهذا
ما يرجحه البعض، عندئذ، ستشهد المنطقة حروبا ربما أشرس مما شهدته.
إن ما يحدث في العراق هو بداية الفوضى، والولايات المتحدة أخطأت في حساباتها،
وربما كان هدفها توصيل الأمور الى مرحلة من عدم الاستقرار في المنطقة، وشرذمة
الصف العربي، فالعراق لن يكون (حتى وإن حقق الديمقراطية المثالية) في إطار
السياسة العربية المواجهة للعدو الصهيوني (إن وجدت)، سوى سوق للبضائع الأمريكية
وربما “الاسرائيلية”، إذن، هو اختراق سياسي وأمني واقتصادي للعراق وللمنطقة،
وما خفي كان أعظم.
إن الدرس واضح ومؤلم، وكل من له بصيرة يتحسس فداحته، وكل محلل يتعرف الى
تداعياته، فيكفي ان تضع امريكا أي دولة عربية في هذه الحالة من الفوضى، حتى
يتحقق هدفها الذي يصب بداية ونهاية في المصلحة الصهيونية، ولست أدري ان كنا لا
نزال تلاميذ نجباء، فإن لم نتعلم من دروس الماضي، فدرس العراق لم يجف بعد،
والعناوين مكتوبة في كل حي ومدينة وقرية عراقية. |