تفاعل حضاري في”ميثاق إسلامي” ألماني
أحمد صدقي الدجاني
عن الخليج
هذا حديث من وحي زيارة قمتُ بها إلى مدينة آخن بألمانيا للمشاركة في ملتقى موضوعه “ومرة أخرى.. الإسلام والغرب إلى أين؟” وذلك بين يومي 31/7 و5/8/،2003 وقد تعودت عند عودتي من زياراتي للدائرة الحضارية الغربية وتفاعلي مع أهلنا أبناء الحضارة العربية الإسلامية المقيمين هناك، أن أكتب عما خرجت به عن أحوالهم فيما يتصل بظاهرة التفاعل الحضاري بين الدائرتين. وذلك إسهاماً في التعريف بالظاهرة وطرحاً لموضوعات تتصل بها. ولعلي أجمع ما كتبتُ على مدى العقود الثلاثة الماضية في كتاب يضم ما نشرته منجماً في كتبي.

الملتقى نظمه المركز الإسلامي في آخن (مسجد بلال) مع اتحادي الطلبة والعمال المسلمين في أوروبا. وهو الملتقى السنوي الثامن والعشرون لهذه المؤسسات الثلاث. وقد سبق لي أن شاركت في واحد منها صيف 1995 قبل ثماني سنوات. وتعذّر علي أن أُلبّي أكثر من دعوة وصلتني للمشاركة في الأعوام الماضية، كانت واحدة منها في العام الماضي وكنت عازماً على تلبيتها والانتقال من باريس بعد فراغي من ندوة في معهد العالم العربي نظمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ولكن عارضاً صحياً جعل من المتعذر علي أن أسافر منفرداً في القطار. وجاءت رفقة مدعوٍ آخر في الملتقى نفسه هذا العام لتمكنني من الاستجابة بإقبال. وبخاصة أن “الصاحب في السفر” هو مهدي أحمد صدقي الدجاني المحامي والمحلل السياسي. وقد عرفتُ أنه مدعو للمحاضرة في “الحالة الاستعمارية المتجددة وكيف نتعامل معها”. وكان قد شُغل بدراسة الظاهرة الاستعمارية الغربية لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية، ونشر في مجلة “السياسة الدولية” مؤخراً تحليله لخريطة الطريق ثم قدم في التلفزة بمصر شرحه للسور “الإسرائيلي” العازل، وهما من تجليات هذه الحالة الاستعمارية المتجددة.أما موضوع المحاضرة الذي دُعيت لتناوله فهو”فلسطين والتطورات العالمية”.

وجدنا حين استلمنا ملف الملتقى أننا على موعد مع برنامج غني يضم سبع محاضرات أخرى تتناول “دور المؤسسات الاستراتيجية في القرار الغربي” “والمسيحية التوراتية وأثرها في العلاقة بين الإسلام والغرب”، “والتطورات الدولية وأثرها في الفكر الإسلامي”، “والتيارات الأوروبية الفاعلة ونظرتها إلى المسلمين في أوروبا”، “والتيارات الإسلامية ونظرتها إلى المجتمع الأوروبي”، “وقراءات حول الولايات المتحدة”، “ودور المسلمين في صياغة الأمن الاجتماعي في أوروبا وصور تواصلهم مع العالم الإسلامي في ضوء الأزمات المتلاحقة”. وهناك أيضاً لقاءان بعصام العطار الذي نذر نفسه لهذا المركز الإسلامي على مدى ثلث قرن، والأساتذة والضيوف.

حين وصلنا المركز الإسلامي الكائن في مبنى مسجد بلال المقام وسط جامعة آخن استمعت لمديره وهو يشرح تاريخ المسجد. فقد بدأ التفكير في إنشائه عام ،1958 وقام الطلاب المسلمون بمتطلبات التشييد بعد أن منحتهم الجامعة الأرض وكان الاحتفال بوضع حجر الأساس عام 1964 بمشاركة الجامعة وسفراء البلاد الإسلامية وبحضور أعداد من الطلاب والخريجين. واكتمل البناء عام 1967 وجرت توسعته عام ،1979 وكانت المدينة قد عرفت منذ الستينات وفود هجرة عمالية واستقرار أسر من العمال والخريجين والتجار، فأضحى الوجود الإسلامي ظاهرة في الحياة العامة. وقد حدد المركز الإسلامي أهدافه بالحفاظ على الهوية الإسلامية للجالية المسلمة من خلال إقامة الشعائر وتنظيم النشاطات الثقافية وعقد الملتقى السنوي والتعليم، وبالاهتمام بالشؤون الاجتماعية. وكذلك تكوين المحاضن التربوية للشباب والشابات والتعريف بحضارة الإسلام، وتوفير مصادر المعرفة الدينية، وتقديم الخدمات العلمية، والمحافظة على الارتباط بالعالم لإسلامي، والتعاون مع المؤسسات الإسلامية، وتوثيق الصلات بالمجتمع الألماني.

في صلاة الجمعة، في اليوم التالي لوصولنا، رأينا المسجد والمركز يعجان بالمصلين أزواجاً، آباء وأمهات وبنين وبنات، شباباً وأطفالاً. وقد تحولت غرف المركز إلى مصلى لتستوعب العدد الغفير. وعند الشروع في الملتقى مساء ذلك اليوم رأينا أربعمائة مشارك ومشاركة تابعوا المحاضرات وشاركوا في الحوار. وهكذا تجلى لنا أحد أمثلة ما يجري في المراكز الإسلامية في العواصم والمدن الأوروبية.

الحديث عن المحاضرات والمناقشات ذو شجون. وقد أوضحت بمجموعها ما يحدث من تفاعل حضاري بين جالياتنا والأوروبيين. ولافت أن هذا التفاعل لم يعد يجري بتلقائية غير منظمة، بل غدا في ألمانيا على صعيد أبناء حضارتنا الإسلامية منظماً من خلال تشكيل “المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا”. وهذا المجلس هو”مؤسسة عليا تضم في عضويتها الروابط الإسلامية في ألمانيا من أجل دعم الحوار بينها وتنسيق جهودها ونشاطها، ومن أجل القيام بواجب الحوار مع الدولة الألمانية ومؤسساتها ومع سائر الفصائل الاجتماعية الأخرى. وهو يضم حالياً تسع عشرة رابطة تتبعها مئات المساجد التي تشكل قاعدة نوعية تمثل الجنسيات الألمانية والتركية والعربية والألبانية والبوسنية والفارسية وغيرها”. كما جاء في التعريف به. ولهذا المجلس هيئة إدارية ومجلس أمناء وثلاث عشرة لجنة متخصصة. وقد أصدر للتعبير عن مواقفه من مختلف القضايا التي تطرحها ظاهرة التفاعل الحضاري”الميثاق الإسلامي”. وأجدني بعد قراءة هذا الميثاق متوجهاً لعرضه بدلاً من عرض المحاضرات والمناقشات، لأنه يتضمن عصارة ما جاء فيها، ويقدم في الوقت نفسه رؤية.

ألاحظ بين يدي قيامي بعرض هذا الميثاق أن المناخ المحيط بالمسلمين في دائرة الحضارة الغربية لا يزال متأثراً بالحملة الإعلامية المعادية لهم ولدينهم ولحضارتهم التي استهدفتهم بها قوى الطغيان الأمريكية والصهيونية العنصرية. كما أن عدداً من مفكري الغرب باتوا مشغولين بدراسة الوجود الإسلامي وظاهرة التفاعل الحضاري الجارية معه. وإذا كانت تلك الحملة الإعلامية قد بدأت في مطلع التسعينات في نطاق “البحث عن عدو” إثر سقوط الاتحاد السوفييتي فإنها بلغت ذروة بعد زلزلة حدث 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن، وغدا شعارها”الحرب ضد الإرهاب” الذي يحاول دمغ كل مقاومة لطغيان العولميين المتوحشين ولإرهابهم الرسمي بأنه “إرهاب” ويخص بالذكر ما يسميه “الإرهاب الإسلامي”. الأمر الذي أدى إلى سوء الفهم للإسلام والمسلمين في الأوساط الغربية.

ينطلق “الميثاق الإسلامي” الصادر عن المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا في شرحه للموقف الأساسي من الدولة والمجتمع من مفهوم “المواطنة”. ففي التوطئة يوضح أن “الإسلام ليس ظاهرة جديدة أو عابرة في ألمانيا حيث يعيش 2.3 مليون مسلم، كثير منهم من أبناء الجيل الثالث والرابع. ولقد تعايش معظم المسلمين هنا مع هذا المجتمع واستقر مقامهم فيه، وأصبحت ألمانيا موطناً لهم جميعاً، وليس لنصف المليون منهم فحسب الذين يحملون الجنسية الألمانية. وهكذا لم يعد المسلمون يشعرون بأنهم ضيوف في هذا البلد بل مواطنون فيه”. وهذا يعني “أنه يتوجب على هذه الأقلية الكبيرة العدد أن تندمج في هذا المجتمع وأن تنفتح عليه وأن تعرفه معتقداتها الدينية، وممارساتها العبادية وأن تدخل معه في حوار بناء. ومن حق مجتمع الأغلبية أن يتعرف إلى موقف المسلمين من أسس هذه الدولة ونظامها الأساسي، ومن الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان التي ينطلق منها”. ويقول د. نديم محمد عطا إلياس رئيس المجلس في التوطئة “وبالرغم من أن المسلمين عبروا عن موقفهم تجاه هذه المواضيع مراراً، إلا أن الحاجة لا تزال ماسة لردود شاملة وواضحة وملزمة على عدد من هذه الأسئلة الهامة” وبخاصة في ضوء ما دار من حوارات عقب أحداث 11/9/2001. وقد جرى إقرار هذا الميثاق في برلين في 20/2/2002.

تناول الميثاق أول ما تناول “المنطلقات الإسلامية العقيدية”، وحددها في نطاق سبع هي “الإسلام دين السلام”،”نؤمن بالله الرحمن الرحيم”، “القرآن كلام الله”، “نؤمن بأنبياء الله جميعاً”، “نؤمن بيوم الحساب”، “واجبات متكافئة”، “أركان الإسلام”، وشرح كل منها بإيجاز. ثم تحدث ثانياً عن”المتطلبات الإسلامية الاجتماعية” في نقطتين هما”الإسلام نظام وسط” و”التعددية الاجتماعية”. وفي شرحه للثانية يقول “لا يهدف الإسلام إلى إزالة الغنى، بل إلى مكافحة الفقر، وهو يحمي الملكية الفردية المرتبطة بتكاليف الفرد بالتضامن الاجتماعي والتكافل الخيري والمسؤولية الفردية عن البيئة والمجتمع”. ويأتي الميثاق ثالثاً إلى “نطاق الدولة” فيتناوله في نقاط ثلاث أولها”واجب الأقليات المسلمة” وفيه “وتفرض الشريعة الإسلامية على المسلمين في مغترباتهم الالتزام بأنظمة الدولة التي يعيشون فيها، ومراعاة قوانينها واحترام العهود والمواثيق التي تربطهم بها”. والنقطة الثانية في “النظام الأساسي” وفيها نص عن احترام المسلمين النظام الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية وما يرتبط به من أسس النظام الديمقراطي الحر لدولة القانون وتوزيع الثروة، وما ينبثق عنه من تعددية حزبية وحق الانتخاب للجنسين، وحرية الدين التي تشمل حرية اعتناق دين أو تغييره أو عدم اتباع دين.. حرية دون قهر ولا إرغام، فهذا يتعارض مع حظر الإكراه في الدين، كما ينص على ذلك القرآن الكريم”. والنقطة الثالثة “لا نهدف إلى إنشاء دولة دين اكليروسية ثيوقراطية ونحيي نظام جمهورية ألمانيا الاتحادية الذي توافرت فيه علاقة منسجمة بين الدين والدولة”. ويصل الميثاق رابعاً إلى الموقف من “الحضارة الغربية” ويتناوله في ثلاث نقاط. أولها”لا تعارض مع حقوق الإنسان” وفيها دعم التوجه لحماية حقوق الأفراد ومراعاة القانون المحلي في شؤون الزواج والإرث والمرافعات القضائية. والنقطة الثانية “الحضارة الإسلامية أثْرَت الحضارة الغربية” وهذه حقيقة تاريخية.”والمسلمون قادرون اليوم وعازمون على القيام بدور إيجابي لحل مشكلات البشرية على عتبة الانتقال إلى حقبة ما بعد العصر الحديث. وهذا يتسنى من خلال قبول التعددية الدينية وفق ما ورد في القرآن الكريم، ورفض كل أنواع العنصرية والعرقية ومحاربة الإدمان والعبودية للأهواء والشهوات”. والنقطة الثالثة “هوية إسلامية في إطار أوروبي”. و”الإسلام يحث على العلم ودعم الاجتهاد ويلزم بفهم النصوص في إطار العصر والحاجات.

بهذا الفهم للإسلام المتصف بالمعاصرة والوسطية يمضي الميثاق في خامساً إلى الحديث عن “دورنا الاجتماعي” فيطرحه في خمس نقاط. تتحدث الأولى عن “مهمة المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا” الذي يدعو المواطنين المسلمين “ألا يجعلوا هذا المجتمع موطن إقامة فحسب بل مركز اهتمامهم الأول ومحل عطائهم ونشاطهم”. وتتحدث الثانية عن “الحوار من أجل البناء” لإرساء قاعدة من الثقة المتبادلة بين المسلمين والعناصر الأخرى في هذا المجتمع “من أجل ضمان تعايش مشترك وذلك من خلال قيام المسلمين بواجب التوعية والانفتاح والشفافية والحوار الإيجابي”. وتتحدث الثالثة عن “واجبنا تجاه المجتمع”. وتحدد الرابعة الهدف بأنه “اندماج بدون تخل عن الهوية الإسلامية”. وتفصل الأخيرة ما يسعى المجلس الأعلى لتحقيقه من مطالب تتعلق بالتعليم وأماكن العبادة والرعاية الاجتماعية. ويعلن الميثاق في سادساً “الحياد الحزبي” فالمجلس “مؤسسة محايدة دون ارتباط حزبي سياسيا”. وللناخب المسلم أن يعطي صوته لمن يعمل لصالح البلاد والجماعة. واضح من خلال هذا العرض “للميثاق الإسلامي” مدى ما أثمره التفاعل الحضاري على صعيد أهلنا، ومدى تجلي “المعاصرة” فيه، والحرص على المواطنة والفهم العميق لها والوفاء بواجباتها والإفادة مما يترتب عنها من حقوق.

إن لنا أن نتوقع أن يُبلور أخوتنا مفهوماً “للهوية” من خلال الممارسة يتضمن “دوائر الانتماء” الموجودة فيها يحقق التكامل بين هذه الدوائر فالمواطنة الألمانية دائرة انتماء تتكامل مع دائرة الانتماء للحضارة الإسلامية ومع دائرة الانتماء للقطر العربي الذي جاء منه “المهاجر”. كما أن لنا أن نتوقع أيضاً أن يتحقق في نطاق الانتماء الحضاري الإسلامي تعاون إيجابي مثمر لاخوتنا من غير المسلمين الذين ينتمون للحضارة الإسلامية. وأخيراً فإن لنا أن نتوقع تعاظم دور اخوتنا المسلمين في الغرب مستقبلاً.