|
ياسر عرفات: ارحل، فقد أصبحت شوكة في حلق فلسطين!
الاثنين 01 سبتمبر 2003 16:17
د. شاكر النابلسي
عن ايلاف
-I-
الصراع السياسي والذي يمكن أن يتحول بين لحظة وأخرى إلى صراع مسلح بين ياسر
عرفات (73 سنة) الذي انتهى عمره الافتراضي السياسي في العُرف الدولي، ولم ينته
بعد في العُرف العربي الذي يُبقي الحاكم حاكماً حتى بعد الموت، وبين رئيس
الوزراء محمود عباس الذي قلنا منذ اليوم الأول لحكومة محمود عباس بأن عرفات
يريده رئيساً للوزراء بدون وزارة، ولا سيادة، ولا صلاحية، وانما (شُرابة خُرج)
و(لهّاية) فلسطينية لشارون وبوش اللذين أتيا بمحمود عباس، رغم أنف عرفات.
فما هو ذنب عباس إذا كان عرفات لا يجيد القراءة السياسية جيداً هذه الأيام؟
وما هو ذنب عباس إذا عرفات (مطنّش) استحقاقات المرحلة السياسية الحالية
الفلسطينية، ويقول كما يقول كل الحكام العرب "أنا ومن بعدي الطوفان" وها هو
الطوفان الاسرائيلي يغمر الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني بفضل الرياح
الأمريكية، وعرفات ما زال يردد: "أنا ومن بعدي الطوفان"؟
وما هو ذنب عباس إذا كان عرفات ما زال يدير السلطة الفلسطينية بالعقلية التي
كان يدير في السبعينات "جمهورية الفكهاني" ومكاتب المنظمة في بيروت، رغم كل
المتغيرات الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية التي طرأت على القضية
الفلسطينية؟
-II-
لم تظلم أمريكا عرفات حين همّشته، واحضرت إلى الواجهة السياسية الفلسطينية
العقل الفلسطيني الراجح والواقعي السياسي عباس.
فتهميش عرفات كان تحصيل حاصل، وكان من مقتضيات المرحلة السياسية الراهنة، التي
تستدعي لاعبين جُدد للدور الجديد وللمرحلة الجديدة من نقل العالم العربي من
مجتمع الصراعات الدينية والقومية والاقليمية الداخلية إلى مجتمع القناعات
القائمة على العلم والمعرفة والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق
الانسان.
فما لم تجرؤ على قوله الدول العربية لعرفات قالته أمريكا بالفم الملآن لعرفات:
ارحل!
وما لم تجرؤ القيادات الفلسطينية على قوله لعرفات، قالته أمريكا لعرفات بصراحة
وجرأة: ارحل!
وما لم تجرؤ النخبة العربية المثقفة والليبرالية على قوله لعرفات الذي يعتبر من
سلالة الديكتاتوريين العرب المتشبتين أبداً بالكراسي والقابضين مدى العمر على
المراسي، حيث لا منبر متوفراً لقول هذا، قالته أمريكا لعرفات: ارحل!
فقد تم تهميش عرفات من قبل نفسه أولاً، لأن المرحلة الفلسطينية قد تخطّته،
وتخطّت تفكيره السياسي وقدراته السياسية المتواضعة.
وتم تهميشه أيضاً من قبل الفصائل الأصولية الدينية المسلحة، حين انفردت باللعب
وحدها على الساحة الفلسطينية مقابل اسرائيل، (الدم مقابل الدم)، دون أن يكون
للسلطة الفلسطينية أي دور سياسي أو عسكري.
وتم تهميش عرفات كذلك من قبل الدول العربية التي راحت في معظمها تدعم هذه
الفصائل وتمدها بالمال والسلاح كطريق انتحاري أخير لتحرير ما تبقى من فلسطين.
وتم تهميش عرفات أخيراً من قبل الاتحاد الأوروبي الذي كان يكن لعرفات احتراماً
شخصياً، ولكنه لم يَكنْ يُكِنُّ له احتراماً سياسياً لعلم الأوروبيين بأن
العجلة قد فلتت من عرفات، ولم يعد قادراً بكهولته، وجهله السياسي، وعقده
النفسية، وتسلطه الديكتاتوري، وقيادته الفردية الفاشلة التي تتسم بالقبلية
السياسية والولاء الشخصي له كآلهة فلسطينية، لا يُطالها النقد ولا الحساب ولا
العقاب، وهيمنته على المال الفلسطيني كسلاح مبتذل ورخيص ضد معارضيه على طريقة
شيوخ القبائل.
-III-
نعم، على عرفات أن يرحل، بعد أن تحول الآن إلى شوكة قاتلة في الحلق الفلسطيني،
ووضع العصي في دولاب حكومة محمود عباس، واعاقتها عن تنفيذ ما جاءت من أجل
تحقيقه، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى قبائل سياسية متناحرة، وانشاء محاور
سياسية عصابية حتى تظل الآلهة العرفاتية هي العليا، وهي المهيمنة. فالآلهة
العرفاتية المتهالكة على نفسها والمتهافتة على كرسيها، راضية وسعيدة بالمحاور
المتصارعة داخل السلطة الفلسطينية، والمشغول بها الشارع الفلسطيني الآن، والتي
هي من تأليف عرفات نفسه كمحور عرفات- رجوب، ومحور عباس- دحلان، ومحور عريقات -
عرفات، ومحور عبد ربه – عرفات، ومحور عباس- نبيل عمرو، ومحور أبو شريعة –
عرفات، ومحور بسيسو –عباس، وغيرها. وهي سياسة كان يتبعها عرفات منذ اليوم الأول
لتوليه القيادة الفلسطينية في العام 1969، حتى يظل هو الآلهة الفلسطينية
العليا، والمتصارعون يسقطون حولها، قرابين لها. فقد سقط معظم رفاق دربه ورحلوا،
وبقيت الآلهة العرفاتية المتهالكة والمتهافتة هي القائمة، وهي الآمرة الناهية!
-IV-
لقد كان أحمد الشقيري (1908-1980) أكثر شجاعة وفروسية ونبلاً سياسياً من عرفات
عندما قدم استقالته في العام 1967 من رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية في اعقاب
هزيمة 1967، وبعد حدوث تغيير كبير على الساحتين العربية والفلسطينية، وقيام
تباين في وجهات النظر بين بعض أعضاء اللجنة التنفيذية ورئيسها، وهو الذي أدى
للقضية الفلسطينية خدمة أكبر وأجلَّ وأرفع مما قدمه عرفات لهذه القضية متمثلاً
بقيام الشقيري برئاسة اللجنة التنفيذية في القدس، ووضع أسس العمل والأنظمة في
منظمة التحرير الفلسطينية، وانشاء الدوائر الخاصة بها ومكاتبها في الأقطار
العربية وفي الدول الأجنبية، وبناء الجهاز العسكري تحت اسم جيش التحرير
الفلسطيني، والصندوق القومي. ولكن الشقيري عندما أحس وهو السياسي المحنك
والمعروك في الأمم المتحدة والدوائر السياسية العربية أن المعادلات السياسية قد
تغيرت، تقدم كأي فارس سياسي محترم، وقدم استقالته من رئاسته لمنظمة التحرير
الفلسطينية.
فلماذا لا يفعل عرفات الذي حكم منظمة التحرير الفلسطينية 34 عاماً حتى الآن
(1969-2003) ما فعله الشقيري، ويذهب إلى تونس ليقضي بقية عمره في القصر الذي
يبنيه هناك – كما يشاع - بين زوجته وابنته، ويتمتع بالجلوس والاستجمام على
شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ويكتب لنا مذكراته المهمة التي ستؤرخ حقيقة للقضية
الفلسطينية في النصف الثاني من القرن العشرين، ويترك الشعب الفلسطيني لقيادة
جديدة تستجيب للمعادلات السياسية الجديدة في المنطقة؟
-V-
نعم، إن الدواعي والأسباب المؤدية إلى رحيل عرفات وجلوسه على شاطئ البحر
والتفرغ لكتابة مذكراته هي الآن أكثر بكثير من الدواعي التي ارغمت احمد الشقيري
على الاستقالة.
فعرفات، كان سبب القطيعة بين الأردن والفلسطينيين من خلال التجاوزات السياسية
والعسكرية التي مارسها في الأردن والتي أدت إلى كارثة المواجهة بين السلطة
الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1970(ايلول الأسود)، وأدت إلى
خروج المنظمة من الأردن وموت عبد الناصر.
وعرفات كان سبب الصدام بين اللبنانيين والفلسطينيين والذي أدى إلى الحرب
الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاماً (1975-1990) وأحرقت لبنان
والفلسطينيين معاً، وأدت إلى اجتياح اسرائيل للبنان 1982، والى ارتكاب مجاز
صبرا وشاتيلا، والى خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان في 1983.
وعرفات هو الذي وقف إلى جانب صدام حسين في غزوه للكويت، وأيده ودافع عنه، ووقف
ضد الكويت وشعبها في تلك الأثناء، والكويت هي التي آوته، واطعمته، وآوت مئات
الآلاف من الفلسطينيين، واطعمتهم، وفتحت لهم مجالات العمل وأبواب الرزق، وفتحت
أبوابها لاقامة منظمة "فتح" التي انطلقت من الكويت في 1965، ومدّت الكويت هذه
المنظمة بالمال والدعم السياسي فكان جزاؤها "جزاء سنمّار". مما اضطر الشعب
الكويتي أن يعتبر الفلسطينيين أعداءً لا يقلّون عداوة عن صدام حسين نفسه. فخسر
الفلسطينيون في الكويت الحضن الدافئ، والقلب المفتوح، والوطن الثاني، بفضل
حماقة ورعونة وقُصر نظر عرفات.
وعرفات هو الذي كان سبباً في القطيعة التي تمت بين السعودية والفلسطينيين
لموقفه السياسي المشين من غزو الكويت واعتداء صدام على السعودية، فكانت النتيجة
أن تم الغاء عقود عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وترحيل عشرات الآلاف من
الفلسطينيين، وخسارة الاقتصاد الفلسطيني مئات الملايين من الدولارات نتيجة
لانقطاع المساعدات الخليجية الرسمية والشعبية عن منظمة التحرير الفلسطينية.
وحساب عرفات يطول، ولكننا لسنا الآن بصدد محاكمة عرفات، فعرفات سيحاسبه التاريخ
الفلسطيني والعربي غداًً، ولكننا بصدد أن نقول أن الدوافع التي تدفع عرفات إلى
التنحي الآن - وهي سُنّة سياسية عربية غير محمودة وغير مُتبعة، كما هي في الأمم
الراقية – أقوى بكثير من الدوافع التي دفعت أحمد الشقيري إلى التنحي.
فلماذا لا يفعلها عرفات، وينزع هذه الشوكة من حلق الشعب الفلسطيني، والقضية
الفلسطينية؟
-VI-
نعم، على عرفات أن يرحل الآن، قبل أن يُلقى به خارج مكتبه، أو يُغتال أو يُقتل
لا سمح الله، وهو ما ينتظره (الشهادة)، وما يريده الآن!
فعرفات يريد أن يرحل رحيل بطل فريد، وشهيد دراماتيكي عظيم في التاريخ
الفلسطيني.
وهو يعلم، بأنه لا يريد أن يموت بهدوء في تونس، كما مات احمد الشقيري. عرفات
يريد أن يموت كبطل، وكشهيد، وكضحية من ضحايا العدوان الإسرائيلي، أو كضحية من
ضحايا السياسة الأمريكية في فلسطين. وهو يعلم بأن اسرائيل لن تقتله، ولن تمنحه
شرف أن يموت على يديها شهيداً وبطلاً، وكذلك أمريكا.
والفلسطينيون والقيادات الفلسطينية لا تريد أن يتم عزل عرفات "المجاهد الأكبر"
في تاريخ القضية الفلسطينية على يديها، حتى لا يقال غداً أن الشعب الفلسطيني قد
تنكّر لقائده "المجاهد الأكبر" الذي أوصله إلى أبواب الدولة الفلسطينية
الموصدة!
والفصائل الدينية الفلسطينية المسلحة لا تريد أن تمنح عرفات حق الشهادة على
يديها، ولا تريد تلويث يدها بدم عرفات، حتى لا تُضطر إلى تصويب فوهة بندقيتها
إلى عناصر السلطة الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها "فتح الفتوح".
إذن، عرفات لن يستقيل، ولن يُقال، ولن يُقتل، ولن يُنحّى، ولن يتحرك من على
كرسيه.
والله وحده هو صاحب الأمر في عرفات.
والكل بانتظار أمر الله، حتى تنفك عقدة كبيرة من عقد الشعب الفلسطيني، والقضية
الفلسطينية، وتُنتزع هذه الشوكة العالقة في حلق فلسطين، وتكاد تخنقها!
Shakerfa@worldnet.att.net |