"عليَّ وعلى أعدائي يا رب"
غسان تويني
جريدة النهار (لبنان)
السبت، 30 آذار / مارس 2002

هذه العبارة تنسبها التوراة الى شمشون، عندما أراد أن يثبت قوته (هل نقول "مرجلته"؟) بعدما قصّت له دليلة شعره، عنوان رجولته. ربطوه اذ ذاك بأعمدة الهيكل، فاستنجد بالله وهزّ الأعمدة، التي ما لبثت ان ارتجت، فوقعت، هي والهيكل، على "شمشون الجبار"... وأعدائه!

أوَليس هذا ما يفعله بالضبط "شارون الجبار"؟

سوى أن أعداءه، هذه المرة، اختاروا القدس المدينة الإلهية وطناً وجنة، فصرخ أبو عمار، الرئيس الأسير في الهيكل، اننا الى القدس شهداء سائرون، بالملايين سائرون!!!".

يمكن واحدنا أن يشتري انساناً، أن يرشوه ليغتال سواه، لكن احداً لا يمكنه أن يرشو انساناً لكي ينتحر شهيداً... فماذا، بأبسط الكلام، يمكن أن يفعل المرتشي بمال الدنيا كلها، لو رشوته به، وقد اختار "مدينة الله" جنة ومثالاً؟

* * * * * *

نعود الى الأرض!

أبعد من السليقة الانتحارية التي تسكن النفس اليهودية من الأصل - حتى لو كان "شارون الجبار" (!) منها براء - الرجل يجد نفسه، بالمقاييس البراغماتية التي لا يفقه العسكري اذا عقل سواها، ولو "توحّش"، أمام الانتصار المستحيل... بل أمام فشل سياسته التي كشف المفكرون الفلسطينيون وثائقها (ولا سيما "خطة داليت") ورددنا صدى تحذيراتهم هنا مراراً، تفريغ "أرض الميعاد" من سكانها، أي الفلسطينيين، لتصبح الأرض البلا شعب المعطاة (من الله ولورد بلفور!!!) يسيرة للشعب التائه بلا أرض.

تهجير دير ياسين عام 1948 كان بداية التنفيذ، فلم نفقه، وبعده، وبعده، وبعده...

لكن الزمن الآن ليس زمن تنظير.

القمة العربية التي تمخّض جبلها عن خطة سلام هي تكرار للمواقف العربية "الثوابت"، جديدها فقط أنها تتضمن اعترافاً بإسرائيل جاء مِن أبعدنا الى الأمس عن التفكير في ذلك...

حتى هذه القمة لم يسعها، بتغييب صوت الرئيس "أبو عمار" وصورته، أن تسقط الرئاسة الفلسطينية للقضية العربية. فمن القمة كان الكلام، والمال نهديه والخيل والليل والبيداء... (أولم تكن الجلسة الإفتتاحية بمثابة المباراة الخطابية في حفلة توزيع شهادات يحضرها أهل الطلبة؟) انما الدماء من فلسطينيي الشهادة، والأرض قدساً لا بيروت!

* * * * * *

والآن ماذا؟ أولاً وقبل كل شيء، تبرئة للذمة، هذا الاقرار بأن عار القمة أنها أصدرت بياناً بمشروع سلام ولم تتخذ كما كان يطالبها الناس الحقيقيون قراراً عملياً ينص على طريقة تنفيذ هذا المشروع، والى أين السير به. وكنا رددنا الصدى بالحاحنا على أن يعطى المشروع بعده العملي فتتخذ القمة هي قراراً بالدعوة الى مؤتمر سلام، ولو كان شارون قد استبقها ورفض سلامها كما كان يفترض فيها أن تعرف وتنتظر وتترقب وتهيئ البدائل.

الآن ماذا؟... الآن دعت "نروج"، بصفتها رئيسة مجلس الأمن (لم يدع العرب حتى المساء المجلس) فبات علينا أن نتجاوز صغائرنا وحقاراتنا ونرفض أن ينتهي مجلس الأمن بما يعيّر جهّالنا "الشريعة الدولية" به: أنها، هي أيضاً، كالعرب، كلامية... فيكتفي مجلس أمنها بالإستنكار والإدانة والدعوة الى... والى... والى... إنما مجرد الدعوة!

وتتقلّص القضية الفلسطينية، بل "قضية السلام"، فتصير حماية رام الله هي المطلب، بدل استرجاع الاراضي المحتلة وتحرير فلسطين واعلان دولتها!

* * * * * *

المطلوب أن يبتكر العرب طريقة يحملون بها مجلس الأمن (ولا نقول "يقنعون"، فالأمر ليس خطابة!) على اتخاذ تدابير عملية لوقف شارون الذاهب الى الهاوية، من جرّ العالم الى حربٍ أخرى، تبدأ إقليمية وتنتهي كونية المترتبات والأبعاد.

هذه الحرب، بالطبع، بالطبع، لن تخوضها الحكومات العربية الحاضرة، فتنتهي إذ ذاك الى ما انتهت اليه حربٍ 1948 و،1967 وسواها...

هذه الحرب سيتحالف في خوضها الأضداد، فيلتقي في صفوفها المتطرفون من كل صوب وحدب.

ما لم يمنع مجلس الأمن، اليوم قبل غد، "شمشون" اسرائيل من أن يمضي في اجرامه فيهز أعمدة الهيكل لعلمه بأنه هو زائل، فيصرخ: عليّ؟...

إذاً على أعدائي كذلك يا رب... واعدائي هم العالم كله!!!.