أمن إسرائيل استراتيجية أميركية



بقلم : عزمي بشارة

إذا سيطرت الولايات المتحدة بواسطة <<نظام صديق>> على مصادر النفط في العراق تكون الولايات المتحدة قد أحكمت السيطرة على معظم ينابيع النفط في العالم. فاحتياطي النفط العراقي هو الثاني في العالم بعد المملكة العربية السعودية، وتكلفة استخراجه رخيصة بكل المقاييس، 1,5 دولار للبرميل الواحد. والولايات المتحدة تستهلك سنويا ربع الاستهلاك العالمي للنفط، وهي في الوقت ذاته لا تنتج إلا نصف ما تستهلك، هذا عدا الطاقة الهائلة الكامنة في السيطرة على هذه المقدرات في ما يتعلق باقتصاديات العالم أجمع. هذه الحقائق دعت الأيكونومست البريطانية المؤيدة للحرب والتي اتخذت هي أيضا موقفا صقريا بعد 11 سبتمبر إلى تقرير ما يلي: <<تنطلق مصلحة أميركا الاستراتيجية في ملاحقة صدام حسين من ضرورة إنقاذ العالم من أسلحة الدمار الشامل القائمة والممكنة، ولكن هنالك اعتبارًا ضخمًا آخر مهما كان ثانويا، إلا أنه لم يحظ بالاهتمام الذي يستحق، والمقصود هو الأثر الهائل الذي سيتركه فتح احتياط هذا البلد الهائل من النفط>>. وإذا أحكمت الولايات المتحدة قبضتها على احتياطي النفط العالمي فلن تبقى بالتأكيد استقلالية ولو نسبية لتتمتع بها منظمة أوبك في ما يتعلق بكمية النفط التي تضخ وأسعاره.
لقد صرح الرئيس الأميركي ان مجرد وجود قوة عظمى واحدة عالمية، امبراطورية، معرضة في عقر دارها لهجمات بطائرات مدنية حوِّلت سلاحا تدميريا، يضاف إليها مجرد سهولة إنتاج الأسلحة الكيماوية، هذه <<المجردات>> وحدها تبرر أن تقوم هذه الدولة العظمى بضربات وقائية مانعة خارج حدودها. هذه أصول اللعبة الجديدة. والسؤال هو: ما الذي يدخل في نطاق الخطر والوقاية منه، وما هو نوع الوقاية المتاح؟ هكذا نطق جورج بوش بالعقيدة الاستراتيجية الجديدة يوم 20 سبتمبر 2002.
هذه الأفكار وحدها تغني عن السؤال عن المشترك بين إسرائيل وأميركا، لأن فكرة الضربة الوقائية المانعة خارج الحدود لتجنب نشاط معاد داخل الحدود، خاصة في المنطقة العربية، هي فكرة إسرائيلية قلبا وقالبا، جسدا وروحا.
وتستطيع الولايات المتحدة أن تدّعي أن مجرد وجود النظام العراقي بحد ذاته هو خطر. كما قد تدعي في المستقبل أن وجود حزب الله هو كذلك، وأن التخلص نهائيا من وجود حركات مثله يتطلب تغييرا جذريا في لبنان، وهذا يتطلب بدوره تغييرا جذريا في سوريا. وقد ادعت الولايات المتحدة أمرا مشابها بالنسبة لياسر عرفات شخصيا، وهي تقوم في هذه الأثناء بمحاولة إجراء التغييرات اللازمة على مستوى القيادة الفلسطينية للبدء بمفاوضات إسرائيلية فلسطينية بعد تنفيذ المخططات العدوانية لإقامة دولة فلسطينية بالشروط التى تتصورها أميركا.
في هذه الأثناء، تبتز الولايات المتحدة أنظمة صديقة لها مثل مصر والمملكة العربية السعودية بإثارة موضوع أوضاعها الداخلية المطلوب إصلاحها كجزء من هذه الوقاية المطلوبة للدولة العظمى ضد <<خطر الإرهاب>>. وقد يتبين أن هذا التكتيك الابتزازي هو جزء من استراتيجية شاملة، أو قد تضطر الولايات المتحدة للتعامل معه بجدية إزاء ديناميكية الأحداث.
أفكار أولية عن عجزنا
أمام تناقضات الإمبراطورية
يرجع جور فيدال تاريخ السلوك الإمبراطوري للولايات المتحدة إلى حقبة ترومان ويعرض ولادتها بشكل مسرحي كما يليق بكاتب قصة ويستعير المشهد من كتاب Dean Acheson, Present at the Creation: My Years in the State Department (1969) ودين أتشيسون هو وزير خارجية ترومان، والمشهد هو جلسة في غرفة اجتماعات الحكومة في البيت الأبيض بمشاركة كبار المسؤولين في الخارجية والأمن القومي والأغلبية في الكونغرس يوم 27 فبراير 1946 لاتخاذ قرار للتدخل في اليونان ضد إمكانية وصول اليسار إلى السلطة في ذلك البلد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ويعني هذا القرار بداية تحلل إدارة ترومان من إرث روزفلت وبداية التحلل من اتفاقيات يالطا والتصرف كإمبراطورية ذات <<أجندة>> سياسية مدعومة بالقوة العسكرية في كل مكان لا يخضع لسيطرة السوفيات المباشرة. إنه عهد ترومان الذي اتخذ فيه القرار بإلقاء نار جهنم على هيروشيما ونغازاكي لغرض إرهاب الاتحاد السوفياتي سياسيا (إرهاب سياسي ضد حكومة بغرض التأثير على قراراتها بواسطة قتل المدنيين) وتحذيره من قدرة أميركا النووية. وهي أيضا حقبة الانقلاب الدموي المدبر أميركيا ضد حكومة ديموقراطية في غواتيمالا لأنها تجرأت على فرض ضريبة حد أدنى على شركة يوناتد فروتس الأميركية العاملة فيها والتي تجاوزت ميزانيتها ضعف ميزانية غواتيمالا. مفتتحة بذلك سلسلة من الانقلابات المدعومة من جهاز المخابرات الأميركية لأسباب شبيهة في العديد من دول أميركا اللاتينية.
وتسلك الولايات المتحدة في المنطقة العربية سلوكا إمبراطوريا يشير إلى التراتبية ويؤكد مصدر الشرعية، ولكنه أيضا يلمح من الآن إلى تناقضات الحالة الإمبراطورية (الإمبريالية) الأميركية وحدودها.
خذ مثلا السلوك الأميركي على الصعيد العالمي الذي يذهب باتجاه تأكيد نسبية الحدود الوطنية للدول في ما يتعلق بحقوق الإنسان كما ادعى بشأن العراق وصربيا، وجرائم الحرب تحديدًا. فمن المفترض أن ينسجم هذا السلوك مع محكمة لاهاي بشأن جرائم الحرب، خاصة أن الولايات المتحدة نفسها قد بادرت إلى هذا النوع من المحاكم ضد قادة الصرب وجرائمهم في الحروب الأهلية البلقانية الأخيرة في نهاية القرن العشرين. ولكن طابع محكمة لاهاي القانوني المجرد الذي يتعامل مع الكونية بجدية، يناقض السلوك الإمبريالي الذي يلتقي مع الكونية في حالة واحدة فقط، وهي حالة تطابقها معه (اقرأ! مع مصالحه الخارجية كما تتمخض عنها أيضا بنيته الداخلية ومناقشاته حول الاختلاف على فهمها أيضا).
إن مجرد محاولة الولايات المتحدة <<التهرب>> من محكمة مجرمي الحرب في لاهاي بعد أن وقعت على وثيقتها التأسيسية، ثم عادت ورفضت الانضمام إليها كعضو كامل، يعني أن الولايات المتحدة قد تحجم ذاتها وتتصرف مثل دولة صغيرة تحتال على القانون. كان هذا أيضا حالها عندما طرحت الحرب على العراق لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بالقوة العسكرية، ثم تهربت من التصويت في مجلس الأمن تجنبا لموقع الأقلية هناك. وقد بلغ صغر الإمبراطورية حداً جعلها يوم الثالث من أغسطس 2002 توقع اتفاقية مع إسرائيل، تتفاهم فيها <<الدولتان>> على عدم تسليم أي منهما مواطني البلد الآخر لمحكمة مجرمي الحرب الدولية في لاهاي. هذه الاتفاقية لا تشير فقط إلى وجود دولتين تتهربان من القانون الدولي، مثل مجرمين صغيرين يتفقان على عدم وشاية أحدهما بالآخر، إنها تشير أيضا إلى أن التوازن بين القيم الكونية ومؤسساتها ومدى تأثيرها على الرأي العام ثم على مجموعات من الدول من ناحية، وبين الامبراطورية وسلوكياتها كمصدر للشرعية من ناحية أخرى قد يحل على المدى البعيد محل التوازن بين <<المعسكرين>>. فالتصرف الأميركي الإسرائيلي يذكر بأيام محاصرة معسكر لمعسكر آخر في الأمم المتحدة، الأمر الذي كان يجعل الولايات المتحدة وإسرائيل يرتبان أوراقهما خارج مؤسسات ما سمي بالشرعية الدولية.
ولا تدعي الولايات المتحدة ضمنا في هذه الاتفاقية أن ما تقوم به قواتها خارج الحدود الأميركية لا يمكن أن يعتبر جرائم حرب فحسب، بل إن هذا يسري أيضا على ما تقوم به الدولة اليهودية خارج حدودها المعترف بها دوليا. أي أن الإمبراطورية الكبيرة تفرخ إمبراطورية صغيرة تمضي في طريقها لا تلوي على شيء. وتخطئ هذه الأخيرة الصغيرة خطأ فادحا ومميتا إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تحتل دولا ناسخة الإمبراطورية، فهذا السلوك في النظام العالمي محفوظ للامبراطورية، ولها فحسب.
تبدأ اللاعقلانية الأميركية في المنطقة العربية في المرحلة الراهنة باستثناء إسرائيل من قواعد الشرعية الإمبراطورية. فبموجب منطق هذه الشرعية ذاته المستثنى الوحيد هو أميركا لأنها هي مصدرها، ولا يوجد مبرر لاستثناء إسرائيل إلا اللاعقلانية الأميركية في التعامل معها. وقد وصلت اللاعقلانية الأميركية في التعامل مع إسرائيل مؤخرا حد التحالف مع اليمين الإسرائيلي وإحراج اليسار الإسرائيلي الصهيوني. هنالك أكثر من عنصر لاعقلاني في تحالف اليمين الأميركي المسيحي المتطرف مع اللوبي الإسرائيلي اليميني في الولايات المتحدة ومع اليمين الإسرائيلي. لقد كنا نقول إن القضية الإسرائيلية هي قضية أميركية داخلية، فبتنا نضيف أنها قضية أميركية داخلية متعلقة باللاهوت السياسي الاستيطاني أي ب<<الميتابوليتكس>>، ما وراء السياسة.
قد ينسحب بعض كتاب الورقة موضوع قراءتنا من نصائحهم الفجة لنتنياهو حول القضية الفلسطينية، فقد أصبحوا في السلطة. ووجودهم في الإدارة يحتم عليهم مسؤولية وتكبلهم بقيود لا تكبل الأيدي التي كتبت تلك الورقة. ولكن ما كتب هناك هو ما يؤمنون به. والحل الوسط الممكن، السلم الممكن للنزول عن شجرة الغرور العالية هو إقامة دولة فلسطينية ضمن ما يرضي الرأي العام الإسرائيلي من شروط، والقيادة الفلسطينية التي ترضى بهذه الشروط هي الشريك المؤهل لتغيير فكرتهم عن الفلسطينيين.
لقد ثبت أيضا أن تحرك الدول العربية كلاً على حدة في الحوار مع الولايات المتحدة يجعلها أكثر تعرضا للضغط مما لتوجيه الضغط، فالمتوجه إلى واشنطن بغرض التأثير عليها يجد بانتظاره إدارة تحمل بيدها ملفاته وتضغط عليه في المكان الذي يؤلمه، <<حيث يوجع>>. قد يكون ما نقوله أضغاث أحلام وكلامًا للتمني ولكن على العرب أن يحاوروا الولايات المتحدة سوية بالحد الأدنى من الاتفاق. ولا يستطيع التيار القومي أن يحل محل التعاون بين الدول العربية بهذا الشأن، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، لا يستطيع أن يقنعها أن هذه هي مصلحتها إذا لم تكن مقتنعة، فهو أي التيار، ليس أدرى منها بمصلحتها.
ولو كانت الدول العربية دولا ديموقراطية لسهل تبني الشرعية الدولية على مستوى الرأى العام باتجاه استخدام هذه <<الاستثنائية الإسرائيلية>> من أجل تثبيت رفض <<الاستثنائية الأميركية>> أيضا والتمسك بالقيم الكونية لمحاربتها، ولسهلت أيضًا ترجمة هذا الرأي العام على مستوى عملية صنع القرار العربي الرسمي. ولكن في غياب الحالة العربية القادرة على استغلال هذه التناقضات القائمة فعلا والتي تحجم الولايات المتحدة، لا يدعو الرئيس بوش أمم العالم للتصدى لل<<إرهاب الفلسطيني>> فحسب، بل وإلى احتلال بلد عربي دون توافر حجة شكلية إطلاقا، ودون أن يجهد نفسه بالدفاع عن قراره هذا إلا في جلسات الإدارة الأميركية الداخلية التي لن نعلم ما يدور فيها إلا بعد عشرين عامًا في أفضل الحالات.
والطامة الكبرى أن إسرائيل ماضية في إرهابها فيزداد عندنا الشعور بالغبن والمرارة و<<الاستثنائية>> العربية أو الإسلامية، ويتحول الموقف المطلوب تجاه بلد عربي يواجه خطر الهجوم الشامل إلى تقاعس وعجز من ناحية، وإلى تعصب وسياسة هوية ترفض أن ترى طبيعة النظام العراقي إلا ضمن المقولة المخففة: <<المنطقة كلها ديكتاتوريات>>، فلماذا العراق؟ ولكن كل هذا التعميم أسهل من سماع مسؤولين عرب يتحدثون بالديموقراطية في دول غير ديموقراطية كل ما يميزها أنها متحالفة مع المشروع الأميركي. على أي أساس؟ أو ينتقدون الفساد بغرور من موقعهم في دول تملك فيها عائلات حاكمة الدولة وثرواتها فلا تحتاج إلى الفساد لأنها تملك كل شيء أصلا، وينتشر فيها نظام العمولات إلى درجة فرض الشراكة في الأعمال الاقتصادية. فعلى أي أساس يتحدثون عن الفساد؟
سوف يكتشف قباطنة العدوان أن إحدى أكبر جرائم الولايات المتحدة هي التعامل أداتياً مع موضوعة الديموقراطية تعاملا قد يدفع أوساطا واسعة من الشعوب المظلومة والمغلوبة على أمرها وذات المصلحة بالديموقراطية الاجتماعية والسياسية في أحضان سياسات الهوية المعادية لهذه الأدوات باعتبارها شأنًا إمبرياليًا. وإذا لم تتحول قضايا هذه الشعوب والمجتمعات الحياتية ومنها الحقوق السياسية والديموقراطية إلى هم القوى الوطنية القومية، فإن ذلك لن يقلل من شأن هذه القضايا بل سيقلل من أهمية هذه القوى على المدى البعيد. وسوف يجعل هذه القضايا موضوع صراع بين سياسات الهوية وبين الأميركان والنخب المتحالفة معهم، وهذا صراع يتضمن حلولا وسطا كثيرة ولا يتخذ بالضرورة شكل مقاومة الاحتلال. التحول في العراق إلى مقاومة الاحتلال ليس بديلا لبرامج قومية ديموقراطية سياسية تطبيقية، أي برامج سياسية تمارس، في كل بلد عربي. لقد ولى العهد الذي ترفع فيه قضية واحدة إلى مرتبة <<القضية القومية>> وتؤجل بموجب ذلك كل القضايا في انتظار حلها، وتتحول مهمة القوميين إلى التضامن معها، مهمة القومي هي أولا مهمة وطنية ديموقراطية في بلده، ولن يتقن حتى التضامن القومي مع قضية تعتبر قومية إذا لم يشكل قوة وطنية ديموقراطية في بلده. وكما تحاول الولايات المتحدة أن تقيم نموذجا جذابا كما تعتقد في العراق، على التيار القومي في كل بلد عربي أن يشكل في بلده نموذجا جذابا ولا يمكن أن يتم ذلك دون مشروع سياسي في الحكم أو في إصلاح الحكم.
ولكي نفهم ردة الفعل، علينا اليوم أن نتذكر بذهول أن الشعوب مغلوبة على أمرها من قبل الدكتاتورية ومن قبل مستوردي الهيمنة الأميركية بحجة استيراد الديموقراطية إلى درجة أننا لم نحص حتى الآن عدد قتلى وجرحى العدوان الأميركي على العراق. نحن ببساطة لا نعرف عدد ضحايا هذا العدوان. هل هم عشرة آلاف؟ هل هم أكثر من ذلك؟ هل يهتم أحد بإحصاء القتلى والجرحى والمعاقين العراقيين من المدنيين والجنود؟ والجنود أيضًا بشر، والقتلى الأميركيون هم جنود أيضًا، وجهلنا بالرقم ليس صدفة ولا هو من مزايا الديموقراطية التي تحترم حياة ومصير حياة المواطن الفرد.
A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm
(بداية جديدة: استراتيجية جديدة لأمن الدولة)
Richard Pearle (Study Group leader)
Jerusalem, Washingon D.C.:
DInstitute for Advanced Strategic and Political dies, July 8. 6991