المطالب في قمة بوش - شارون: تؤخذ بالتمني أم غلاباً ؟!

د. اسعد عبد الرحمن

في افتتاحية حديثة لها، وتحت عنوان «خريطة الطريق.. إلى أين»، قالت صحيفة «واشنطن تايمز» المطلعة: بوش على حق في دفع خطته للسلام قدما في هذا الوقت فهو يعرف ان الفترة التي تعقب نصر التحالف بقيادة أمريكا في العراق هو الوقت الأفضل لتقديم عرض طموح لسلام إسرائىلي - فلسطيني، الهدف الذي سعى لتحقيقه الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء ولأكثر من نصف قرن. والذي لايمكننا الشك بأمره ولو للحظة هو تصميم بوش على التقدم والنجاح في ما هو عازم عليه. وبالمقابل، فإن د. حسن نافعة (رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة) في دراسة حديثة ومتميزة يعطي مجالاً، ولو متشككاً، لسيناريو «حسن النية» لدى الولايات المتحدة حيث كتب يقول: «على أية حال فإن الإدارة الأمريكية تمر الآن بمرحلة اختبار حقيقي وبوسعها تكذيب كل هذه التحليلات والاستنتاجات، إذ بإمكانها أن تنشر خريطة الطريق دون أن تسمح لشارون بالتلاعب بها وتدعو اللجنة الرباعية لاستكمال عملها على الفور. ولو عملت ذلك، لأثبتت بالدليل القاطع عدم وجود فجوة بين نياتها المعلنة والخفية». ومع ذلك، فإن افتتاحية الواشنطن تايمز لاتستطيع الحديث عن رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون باطمئنان كامل لنواياه ومشاريعه. فرغم مديحها النسبي له إلا أنها تقدم خلاصة ملتبسة حين تكتب: «هناك متغيرات في الجانب الإسرائىلي. فعلى الرغم من كون شارون من غير المتحمسين لعملية السلام، إلا أن شارون يختلف كثيرا عن شامير، الصقر الذي قاد الدولة اليهودية الى محادثات مدريد. ذلك أن شارون أعرب عن استعداده للتسوية، وهو أكثر استعداداً للمساومة بجدية مع عباس وليس مع عرفات، الذي يحمل له شارون مقتاً شخصياً».

وبالمقابل، فإن د. نافعة يقدم خلاصة أكثر تشاؤماً حين يختتم دراسته مؤكداً: «إن شارون لايريد خريطة الطريق يفضي الى دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، ولكنه يريد خريطة طريق يفضي الى دويلة فلسطينية تابعة لدولة إسرائىل الكبرى، ولأننا على يقين من أن شارون لم يتغير وأنه لن يكون بوسع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل إدارة من هذا النوع، أن تضغط للتوصل الى تسوية شاملة وعادلة، فاننا نتوقع السيناريو الأسوأ». وازاء هذين الطرحين، وكي نستطيع فحص مدى دقة التشخيص فيهما، سنتجاوز كثيرا من أدوات الفحص مركزين على المشهد الاسرائيلي. لماذا؟ لأنه مشهد أحد الطرفين الأساسيين المعنيين أكثر من غيرهما بالصراع، علماً ايضا بأن الجانب الإسرائيلي هو الأكثر كشفا لآفاق تطور الصراع بسبب كونه - ببساطة - الطرف الأقوى في المعادلة.


ü ü ü
في الأسبوع الأخير من أبريل المنصرم، وعلى نحو مفاجىء حمل معه - يومها - معاني عديدة، أجرى شارون مقابلة مع صحيفة «هاآرتس اليسارية» (بطبعتها الانجليزية) أكد فيها على جملة أمور أبرزها: 1 - أن انجازات الحرب على العراق «توفر فرصة لبناء علاقات مغايرة مع الدول العربية ومع الفلسطينيين». و2 - «من المحظور أن تفوت هذه الفرصة.. لذا، سأبذل جهودا كبيرة جدا وأعتقد أن ما يجب أن أخلفه ورائي هو محاولة للتوصل إلى تسوية». و3 - «هناك أمور يوجد لدينا استعداد لأن نقدم فيها تنازلات بعيدة واتخاذ خطوات مؤلمة جدا.. لكل يهودي ومؤلمة لي أنا شخصيا». و4 - «يجب أن ننظر للأمور بواقعية ففي نهاية المطاف ستنشأ دولة فلسطينية». و5 - «إن فرصاً.. قد لاحت الآن.. لاحتمالات التوصل الى تسوية بسرعة أكبر من المعتقد»!! وكما هو متوقع، أثارت هذه «الثورة» في المواقف والطروحات الشارونية، تموجات في المستنقع السياسي الإسرائيلي. وقد تراوحت ردود الفعل بين حديث عن «شارون جديد» سيحقق تسوية تاريخية مع الفلسطينيين (مثل الجنرال ديجول في الجزائر) وحديث عن «خيانة شارونية» لمبادىء «أرض إسرائىل وأحقية اليهود في الاستيطان فيها»!! ولكثرة ردود الفعل من مختلف ألوان الطيف السياسي الاسرائيلي، حسبنا التركيز على الأهم بينه. وفي هذا السياق، نبدأ بردود فعل حزب المعارضة الرئيسي: حزب العمل، وعلى هذا الصعيد، تميزت ردود الفعل بالتحول - كما البندول السياسي - من نقيض الى نقيض!! ففي أعقاب تصريحات شارون «السلمية» آنفة الذكر، أعرب زعيم حزب العمل متسناع (قبيل استقالته) عن استعداده للانضمام الى حكومة شارون اذا ما التزم هذا الأخير بشكل واضح باعتماد «خريطة الطريق» ونقلت الإذاعة الاسرائىلية عن متسناع قوله: «إذا كان رئيس الوزراء بحاجة الى دعم في البرلمان لتشكيل ائتلاف سلام فاننا سنكون بين محاوريه بعدما تعتمد حكومته «خريطة الطريق» الوثيقة التي أعدتها اللجنة الرباعية والتي تدعو الى قيام دولة فلسطينية بحلول عام 2005، واضاف متسناع «لقد قمت بتهنئة شارون على تصريحاته السلمية». وأضاف متسناع: «على الحكومة أن تضاعف من مبادرات التهدئة إزاء الفلسطينيين خصوصا عن طريق تفكيك مستوطنات يهودية في الأراضي المحتلة». غير أن ما حدث ميدانيا من أعمال اغتيال إسرائىلية للكوادر الفلسطينية، اضافة الى عمليات الاقتحام للمناطق الفلسطينية وما واكبها من حمامات دم (يوم تولي أبو مازن لسلطاته ويوم تسليم «خريطة الطريق» للطرفين!!) أعاد البندول السياسي لحزب العمل الى موقعه النقيض القديم! وما من كاشف لذلك افضل من تقرير «اطيلا شومفيلبي» في الموقع الالكتروني «ليديعوت احرونوت» ويقول هذا التقرير الذي تحدث عن اللقاء الشهري بين شارون وزعيم المعارضة العمالية (آنذاك) ما يلي: خرج متسناع من اللقاء مخذولاً للغاية بعد أن فقد الأمل تقريبا في أن يطمح شارون للتوصل الى تسوية سياسية مع الفلسطينيين. وقال مقربون من متسناع، شارون سيقوم بكل شيء من أجل سحق العملية السلمية، واضافوا، صحيح أنه - حسب الأقوال - يقوم شارون بكل الخطوات الصحيحة، لكنها تصريحات تهدف الى اسماع الآذان الأمريكية والأوروبية ذلك فقط من أجل ابعاد الضغط عنه».

ü ü ü
ذلك ما قيل وما حدث قبل شهر!! ومنذئذ، تزايدت اعمال الاغتيال، والاقتحام والتدمير (وبخاصة في شمال الضفة وفي جنوب وشمال القطاع) وعلى صعيد «الحديث» و«المواقف» بخصوص التسوية السياسية، فإن شارون سرعان ما عاد في الأسبوع الثاني من مايو الحالي لينقض كلياً ما سبق وقاله قبل شهر من كلام معسول عن «التنازلات المؤلمة»!! ليس هذا فحسب، ذلك أن وزير الخارجية الأمريكية - بطوله وعرضه - لم ينجح في اقناع رئيس الوزراء الإسرائىلي لا بالتهدئة الميدانية (فأعمال القتل والتدمير مستمرة) ولا حتى اقناعه بإعلان قبوله بخريطة الطريق!!! فهل ينجح الرئىس بوش مع شارون، في لقاء القمة بينهما، فيما لم ينجح فيه وزير خارجيته؟ ومع اننا سلفاً نقول مع الشاعر: «وما نيل المطالب بالتمني» إلا أننا نتساءل: هل «يأخذ (بوش من شارون) ما يسمى «بالتنازلات المؤلمة».. «غلاباً»؟