|
مخيم عين الحلوة والنضال البائد
بقلم :د. عبدالستار قاسم
تتناقل وكالات الأنباء بين الحين والآخر أخبارا غير سارة عن مخيم عين الحلوة/لبنان
من حيث التفجيرات أو محاولات الاغتيال أو استنفار القوات. ويري المشاهد علي
شاشات التلفاز صور المسلحين الذين يجوبون الشوارع أو ينهمكون في اتخاذ مواقع
قتالية تحسبا لمواجهات عسكرية داخل المخيم. ومن ثم يظهر المعلقون من داخل
المخيم وخارجه من العسكريين وغير العسكريين ليحللوا ما يجري وليقولوا للمشاهد
أن الجهود حثيثة نحو تطويق الأزمة ومحاصرة الخلافات داخل المخيم وإعادة الحياة
إلي وضعها الاعتيادي. تتكرر المشاهد وتتكرر الأقوال.
علي الرغم من اهتمام وسائل الإعلام بنقل الأخبار حول الحدث، إلا أنها لا تنقل
اللا حدث والمتعلق برد فعل الناس داخل المخيم حول ما يجري. هل جماهير الناس
منخرطة بهذه الأحداث التي تشكل أخبارا، أم أنها منعزلة عنها أم أنها تمقتها
وتريد أن تري نهاية لها؟ من معرفتي لما يجري، الجواب معروف وهو أن الفئات
المتصارعة تضع الجماهير في وضع صعب لا تريده ولسان حالها يقول ليت المتنافسين
يبحثون لأنفسهم عن بقعة أرض نائية يصفّون عليها حساباتهم فنخلص منهم ومن
مشاكلهم. هذا علما أن أغلب الناس لا يجرؤون علي التعبير عن أنفسهم بوضوح خوفا
من المسلحين الذين يثيرون الذعر والإرباك.
المظاهر التي يشاهدها العربي ليست غريبة ولا جديدة، إنها ذات المظاهر العسكرية
التي سادت في المخيمات الفلسطينية في الأردن ولبنان وفي المدن الأردنية
واللبنانية لفترة من الزمن، وهي ذاتها التي أتت علي الشعب الفلسطيني بالكثير من
المتاعب الأمنية ومن سوء السمعة لدي الشعبين الأردني واللبناني. أناس مدججون
بالسلاح يظهرون في الشوارع متمخترين وبصورة استفزازية أمام الناس، وكل منهم يضع
شارة معينة تدل علي تنظيمه الفلسطيني وربما يرفع إصبعين منفرجين يشيران إلي
النصر العظيم الذي تم تحقيقه أو الذي سيتم صنعه. إنه يحمل الكلاشينكوف وربما
مسدسا إلي جانبه، ويتوشح بالرصاص والقنابل اليدوية ظانا أنه الجنرال الكبير
الذي سيحقق الطموحات العظيمة التي طالما حلم الفلسطينيون بها.
هذه المظاهر هي التي تفسر جزئيا الهزيمة وعدم قدرة الفلسطينيين المقاتلين علي
التعايش مع جماهير الشعب العربي، وهي التي استهلكت الجهد الذي كان من المفروض
أن يوظف للعمل السري المحكم لمواجهة العدو. لقد رأي الفلسطينيون الاستعراضات
المهيبة وإطلاق النار في الهواء وسمعوا التصريحات النارية والتهديدات الكبيرة
للعدو وأعوانه ولكنهم انتهوا في نهاية الأمر إلي مدريد واتفاقية أوسلو التي
تناقضت تماما مع كل ما قاله قادة هؤلاء المسلحين. تلهت القيادات الفلسطينية
بالمظاهر المسلحة ولم تعط عظيم انتباه للجهود الأمنية الضرورية لمقارعة العدو
ذلك لأنها كانت مهتمة بإثبات قدرتها في مواجهة منافسيها من الفلسطينيين أو من
الحكومات العربية. كان لدي هذه القيادات الاستعداد للاقتتال الداخلي كما حدث
أكثر من مرة في الأردن ولبنان، وكذلك لقتال العرب لفترات طويلة، لكنها ولت
الأدبار في جنوب لبنان مع بدايات الهجوم الإسرائيلي عام 1982 تاركة أرض المعركة
لليافعين والصبيان من أبناء فلسطين ولبنان لمواجهة الإسرائيليين.
انتقلت عدوي المظاهر العسكرية غير الجادة إلي الضفة الغربية وغزة مع قدوم
السلطة الفلسطينية. كثيرون هم الذين رغبوا في امتشاق السلاح في الشوارع
واستعماله في مناسبات الأفراح والأتراح. الرصاص ينطلق بغزارة وبأسلوب استعراضي
في الأفراح أو عند وداع الشهداء، وحامل المسدس يتعمد القيام بحركات من أجل
إفهام الآخرين أنه يحمل سلاحا، وكأن ذلك من قبيل إثبات الرجولة ودعوة للناس
للاهتياب. حتي أن عددا من هؤلاء قد عرّضوا أنفسهم وغيرهم لمصاعب أمنية دفع
الشعب الفلسطيني ثمنها غاليا. ومن الملاحظ أيضا أن أفراد السلطة، علي ذات النمط
الفصائلي القديم الذي كنا نراه في بيروت، يستعملون زامور الخطر بصورة كثيفة
ومزعجة داخل المدن ويتعمدون ما يسمي بتشفيط السيارات والظهور بالانهماك الجاد
في قضايا خطيرة. لقد ثبت أن هذا الأسلوب المظهري والتنظيمي فاشل جدا. إنه
استعراضي واستفزازي من ناحية، ولا يستطيع الصمود أمام العدو؛ من ناحية أخري
واضح أن المقتتلين داخل مخيم عين الحلوة لا يعرفون شيئاً عن التطورات التقنية
الحديثة ولا عن الأساليب التنظيمية المحصنة في مواجهة الاختراقات الأمنية التي
يقوم بها الأعداء وأجهزة المخابرات المختلفة. يبدو أن هؤلاء المدججين بالسلاح
علي باب المخيم وداخله لم يسمعوا بعد بالصواريخ الموجهة بالليزر وبقدرة العدو
الصهيوني علي تسديد ضربات سريعة وخاطفة.
إذا كان الهدف هو الدفاع عن فلسطين والفلسطينيين فإن الأسلوب القائم الآن في
المخيم لا يخدم هذا الهدف ولا يؤدي إليه، بل علي العكس يفاقم الأزمة لدي
الفلسطينيين ويضعفهم أمام العدو، وبدل أن يتحد الجميع علي هدف واحد تتنوع
الأهداف حسب تنوع الأهواء الشخصية التي تحكم قادة المتصارعين. القتال ضد
إسرائيل يتطلب إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية الداخلية والأولويات التنظيمية
والوسائل والآليات الممكن استخدامها. وتقع السرية علي رأس المتطلبات في خوض
صراع فاعل ينتهي إلي نجاح. أما ما نراه الآن فلا علاقة له بسياسة التحرير أو
الدفاع عن الشعب الفلسطيني في مواجهة الأعداء.
أما إذا كان المقصود من وجود المسلحين والمظاهر المسلحة تحقيق الأمن للمخيم
والمحافظة علي أمن وممتلكات المواطنين فإنه من الواضح أن الفصائل المعنية قد
فشلت فشلا ذريعا. الأمن غائب عن المخيم وتشيع الفصائل المتحاربة الذعر والخوف
في قلوب وحياة المواطنين. مرت سنين طويلة وما زال الأمن في المخيم بعيد المنال،
ومن المفروض أن يتخلي من فشلوا عن المهمة التي قالوا للناس أنهم يقومون بها
ليسلموها لآخرين قد يكونون أكثر قدرة وذكاء وشجاعة.
أما إذا كان المقصود هو حماية المخيم من الحكومة اللبنانية والشرطة اللبنانية
فهذا يشير إلي مشكلة كبيرة وهي أن الفصائل الفلسطينية المتصارعة غير قادرة حتي
الآن علي التوصل إلي تفاهم مع الحكومة اللبنانية حول إدارة المخيم. وحقيقة من
الصعب أن يصدق المرء أن من لا يقدرون علي التفاهم مع الدولة التي يعيشون في
ظلها سيعملون علي تحرير فلسطين. علي أية حال، إذا كانت هناك أزمة ثقة بين
الحكومة اللبنانية والفلسطينيين في المخيم فإنه من الممكن إقامة قوة شرطة
فلسطينية بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية للإشراف علي أمن المخيم، أو إقامة مجلس
مدني من سكان المخيم للإشراف علي شؤونهم المدنية.
لا يحق للعسكري في أي حال أن يكون مشرفا علي الحياة المدنية أو أن يقوم بمهام
الشرطة، ومن المفروض أن يتفرغ للأعمال المنصوص عليها في لوائحه وهي استعادة
الحقوق الفلسطينية من العدو الصهيوني. أما أن يكون محاربا وشرطيا ورجل دين وشيخ
قبيلة ورجل عصابة في آن واحد فذلك من سوء التدبير وفشل الصنيع. من المفروض أن
تكون شؤون الحياة المدنية من اختصاص غير المختصين في الشؤون العسكرية.
في النهاية أقول أن ما يجري في عين الحلوة وبقية المخيمات الفلسطينية في لبنان
يسيء للشعب الفلسطيني، وأظن أن الشعب الفلسطيني قد أسيء اليه من قبل قياداته
بما يكفي.
|