الحركة الإسلامية في تونس
من الثعالبي وإلى الغنوشي


بقلم الكاتب الصحفي
 يحي أبوزكريا



 الحركة الحزبيّة والسياسية في تونس



ينصّ الدستور التونسي على أنّ تونس جمهورية حرة مستقلة و ذات سيادة , وتناط السلطة التشريعية فيها بالجمعية الوطنية التي تنتخب بالاقتراع المباشر مرة كل خمس سنوات , ورئيس الدولة هو رأس السلطة التنفيذية وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ويتولى جميع التعيينات العسكرية والمدنية , وتستطيع الجمعية الوطنية حجب الثقة عن الحكومة ممّا يحتم استقالة الحكومة أو إجراء انتخابات جديدة , وفضلا عن ذلك فانّ الدستور الجديد ينصّ على صلاحيات مجلس الدولة والمجلس الاقتصادي والمجلس الاجتماعي .


وعلى صعيد أخر يؤكد الدستور على أنّ الحزب الدستوري وهو الحزب الحاكم هو الحزب الشرعي الوحيد , ورغم هذا الإقرار الدستوري إلاّ أنّ الخارطة السياسية التونسية ثريّة بالحركات السياسية المختلفة في مشاربها الفكرية . ومن هذه التيارات الجبهة الوطنية التقدميّة وتضمّ مجموعة الأحزاب والتي على رأسها الاتحاد الاشتراكي العربي التونسي


- الناصريون – وحزب البعث العربي الاشتراكي واليوسوفيون أصحاب صالح بن يوسف.


وحركة الوحدة الشعبية وكان يقودها المعارض التونسي أحمد بن صالح من الخارج , والحزب الديموقراطي الاجتماعي الذي كان يقوده أحمد المستيري والذي كان يطالب بالتعددية السياسية والحزبية وبالليبيرالية في مجال الاقتصاد , و هناك العديد من التنظيمات السياسية اليسارية والشيوعية والتي كان لها نفوذ كبير في النقابات العمالية .


وكانت الحركات اليسارية من أنشط الحركات في تونس في فترة السبعينيات , وقد شكلّت الحركة النقابية مصدر خطر على السلطة التونسية , ويصف أحد الإسلاميين تلك الفترة من تاريخ تونس بأنّها فترة تحديّات اليسار { في سنة 1977 تحديدا , ثمّ انتفاضة كانون الثاني – يناير 1978 أظهرت خطر استيلاء اليسار على السلطة في تونس , وهو خطر وقوع الدولة في أيدي اليسار , وكنّا نعتقد أن الإسلام في تونس في خطر وأنّ اليسار سيستولي على السلطة , لم نكن نعارض الحكومة لذاتها , كنّا نعارضها فيما يخص بعض النقاط , ولكننّا كنا نعتقد أنّ اليسار يمثّل خطرا أكبر من خطر الحكومة .} (1)


وكانت الأحزاب اليسارية تشنّ الإضرابات وتدعو إلى التظاهر ضدّ الحكومة لتنفيذ مطالب العمّال وصيانة حقوقهم , وفي الواقع كانت الحركة الشيوعية تختفي وراء النقابات العمالية والمطالب العمالية المحقة . و مثلما كانت الخارطة السياسية التونسية تضم مختلف التيارات الحزبية والسياسية من أقصى اليمين والى أقصى اليسار , فقد عرفت الخارطة السياسية تنوعا أيضا في الحركات الإسلامية التونسية ومن هذه الحركات حركة النهضة التي تأسست عام 1970 وذلك عندما أسسّ راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو ما عرف في تونس بالجماعة الإسلامية والتي كانت عبارة عن حركة تربوية واجتماعية (2) .
وقد مرّت هذه الحركة بثلاث مراحل سياسية , مرحلة التأسيس , ومرحلة التبليغ ومرحلة المنفى والمواجهة .ومن رحم هذه الحركة تأسسّ ما يعرف بالإسلاميين التقدميين الذين أنشقّوا عن حركة النهضة الإسلامية وهم أحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي و زيّاد كريشان وأسسّوا تيارا ثقافيّا وعقلانيّا , كما أسسوا مجلة ( 15 – 21 ) نسبة إلى القرن الخامس عشر الهجري والواحد والعشرين الميلادي .ويقدمّ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية تقييما لتيار الإسلاميين التقدميين ويوضّح أهم أفكارهم وما طرأ على هذه الأفكار من تطوّر وتغيير أو إلغاء أحيانا من خلال تفاعلها مع واقع متغيّر وفكر أخر , ويرى الغنوشي أنّ هذا التيار الذي وصفه بالتدين العقلاني قد بدأ يحدّ من غلوائه ويخفف من تطرفه وهذا التيار { لم يعد يطرح قضية التخلي عن الحدود ,أتخذ تناوله لرجال الحركة الإسلامية وأقطاب السلفية المعاصرين والقدامى طابعا أكثر جديّة كما تخلى عن مقولة اليسار الإسلامي وأستعاض عنها باسم أقلّ إثارة للحساسة السلفية . لكنّ تنظيم الإسلاميين التقدميين ظلّ يحتفظ برؤية صياغة جديدة , العلاقة الجدلية بين النص والعقل} (3)
(1) أنظر الإسلام السياسي : صوت الجنوب لأحميدة النيفر.
(2) أنظر دراسات في الإسلام السياسي لفايزة سارة .
(3) أنظر تحليل العناصر الكونة للظاهرة الإسلامية في تونس – حركة الاتجاه الإسلامي –لراشد الغنوشي .

وبالإضافة إلى الإسلاميين التقدميين , برز حزب التحرير الإسلامي نتيجة نشاط العديد من الحلقات الدينية المنتشرة في البلاد , وكان حزب التحرير الإسلامي المتأثر بحزب التحرير الذي عرف في نطاق واسع في المشرق العربي يهدف إلى قلب نظام الحكم في تونس عن طريق القوة وإقامة الدولة الإسلامية ثمّ إعادة تأسيس الخلافة الإسلامية .


وقد اتهمت السلطات التونسية هذا الحزب عدة مرات بمحاولة القيام بانقلابات عسكربة فاشلة , ومن أهمها ما حدث بين 1973 – 1976 .
ومن التنظيمات الإسلامية العسكرية طلائع الفداء وهي مجموعة إسلامية مسلحة كان يتزعمها محمد الحبيب الأسود , وقد جربّ الكشف عنها في العام 1987 عندما أتهمتها السلطات التونسية بالتخطيط لقلب نظام الحكم وإقامة دولة إسلامية .


ورغم هذا التنوّع الذي كان سائدا في الساحة السياسية التونسية فانّ الأحزاب في مجملها لم تتمكن من خلط الأوراق والوصول إلى الحكم , والسبب كما يراه الناشطون السياسيون في تونس يعود إلى السلطة التونسية بدءا بالحبيب بورقيبة ووصولا إلى زين العابدين بن علي التي كانت تقمع كل معارضة وتزجّ بكل أركانها وأتباعها في السجون , ولم تفرّق السلطة التونسية بين المعارضة الإسلامية واليسارية حيث كان مصير كل معارض في السجن أو المنفى .(1)
ورغم القمع السلطوي فانّ المعارضة التونسية لم تتحالف فيما بينها للقضاء على خصمها الحبيب بورقيبة والذي جاء بعده أو أقلا الحد من حالة الأحادية السياسية , ويذهب بعض الباحثين إلى القول أنّ السلطة التونسية تسامحت في فترة من الفترات مع الإسلاميين لضرب الشيوعيين , تماما كما تساهل الرئيس المصري أنور السادات في بداية عهده مع الإخوان المسلمين لضرب الناصريين , أو كما تساهل الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد مع الإسلاميين لضرب البومدينيين .
(1) موضوع هكذا كانت البدايات لمحمد الحداد في الحياة اللندنية بتاريخ 13-07-
01992

ويذهب بعض الباحثين ومنهم مصطفى التواني الى نفي ذلك جملة وتفصيلا معتبرا أنّ التيار العلماني بشكل عام كان يحظى ببعض الدعم المباشر وغير المباشر .(1)
ويمكن القول أنّ الخارطة السياسية والحزبية في تونس كانت مصنفة في ثلاث خانات :
- خانة التيار اليساري والشيوعي .
- خانة التيار الإسلامي بكل تشعباته .
- خانة التيار الليبيرالي .
وهذه التيارات الثلاث الكبرى كانت لها مواقفها ومشاريعها وبرامجها , ولم يتمكن أيّ منها من الوصول إلى دوائر القرار , وقد نجحت السلطة التونسية في استقطاب شخصيات من هذه التيارات , وخصوصا مع التيار الإسلامي حيث نجحت السلطة التونسية في استمالة العديد من الشخصيات الإسلامية التي كانت محسوبة على حركة النهضة التونسية.
وكل التنظيمات التي كانت تنضوى تحت مظلة الخانات التي جئنا على ذكرها كانت تغيّر طروحاتها أو تعدّل بعضا من فكرها تكيفّا مع الأوضاع الجديدة في تونس .
وحتى التنظيمات الإسلامية لم تحد عن هذه القاعدة , فالحركة الإسلامية التونسية خرجت عن الإطار التقليدي لأفكار المؤسسين والقادة الأوائل وطبقا لما أشار إليه زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي كان المطلوب إعادة قراءة أولئك المفكرين وبينهم سيد قطب و الذي شكلّت كتبه بداية تشكل الحركات الإسلامية في أكثر من إقليم عربي وإسلامي وكانت كتبه الأساس الذي قامت وتقوم عليه الدعوات لممارسة العنف .(2)
ويطالب راشد الغنوشي بإعادة قراءة سيد قطب قراءة جديدة تبرز أهم مناحي فكره بغية التوصل إلى ما في ذلك الفكر من أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية .
وحتى في الجوانب التنظيمية وقعت تغيّرات كثيرة للغاية , حيث اختفت شخصيات كانت في يوم من الأيام تسطع في سماء السياسة التونسية , وبرزت شخصيات جديدة .
(1) أنظر الحركة الإسلامية في تونس – قضايا فكرية عدد – أكتوبر 1989 صفحة 203 لمصطفى التواني .
(2) الحركات الإسلامية في المغرب العربي . لفايز سارة .
وقد حاولت التيارات اليسارية أيضا التكيّف مع الوضع الجديد وخصوصا بعد انهيار الإتحاد السوفياتي السابق .
وحتى الحزب الدستوري الحاكم عرف تغيّرات على صعيد تغيير عنوانه من الحزب الدستوري الاشتراكي الذي تحولّ مع مرور الوقت إلى الحزب الدستوري الديموقراطي .
وحركة النهضة الإسلامية كانت ترى أنّ الديموقراطية مجرّد منهج سياسي وحركتنا لا تؤمن بالديموقراطية كما قال عبد الفتّاح مورو الذي كان يعتبر الرجل الثاني بعد راشد الغنوشي .
لكنّ الغنوشي أصبح يعتبر الديموقراطية خيارا استراتيجيا وخصوصا بعد التحولات الكبرى التي عرفها العالم , هذه التحولات التي غيرّت معها الطروحات والمسلكيات والقناعات والرؤى .
انّه نوع من البيرسترويكا والنزوع إلى الجديد والتجديد باستمرار , تجديد المنهج والديناميكية, والإشكال الوارد هاهنا أنّ التيارات الحزبية في تونس ورغم تجديدها لنفسها مازالت تراوح مكانها , ومازال صوت السلطة عاليّا لا يعلو عليه صوت !!!
 

عودة الى محتويات الكتاب