|
الحركة الإسلامية في تونس
من الثعالبي وإلى الغنوشي
بقلم الكاتب الصحفي
يحي أبوزكريا
الصراع بين الأصالة والتغريب في تونس
لجأت النخبة الحاكمة في تونس بعد الاستقلال الى تطبيق الأنماط الغربية في تسيير
شؤون الدولة والمجتمع , وكان الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة يتفاخر بالعلمانية
الغربية التي كان يطبقّها في تونس , وكان بورقيبة يتمنى لو كان موقع تونس
الجغرافي على مقربة من الدول الإسكندينافية .
وفي حديثه لصحيفة الأمان اللبنانية قال زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أنّ
الحركة الإسلامية في تونس واجهت المصاب الجلل بآلاف المساجين والتعذيب الرهيب
والذي أفضى إلى استشهاد العشرات من الأخوة وتجويع العائلات ومنع كل عون عنهم من
أجل إضعاف صمود المساجين ودفع الزوجة إلى طلب الطلاق وما إلى ذلك من الأساليب
الهمجية ( 1 ) .
فالحبيب بورقيبة الذي كان مشبعا بالثقافة الفرنسية و أحد أبرز المعجبين بالطرح
العلماني حاول بناء دولة تونسية علمانية على غرار ما فعله مصطفى كمال أتاتورك
في تركيا , ولجأ في بداية حكمه إلى تجميد دور جامع الزيتونة الذي لعب أكبر
الأدوار في تاريخ تونس المعاصر وأحتضن روّاد حركات التحرير من كل دول المغرب
العربي , حيث كان دعاة الثورة على فرنسا من أقطار المغرب العربي يزاولون
تعليمهم في جامع الزيتونة .
و لم يقم بورقيبة بأي خطوة في سبيل استرجاع الاستقلال الثقافي بل ظلّت تونس
خاضعة ثقافيّا للغرب , والأكثر من ذلك فقد أقصى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة
كل المحسوبين على التيار الوطني والعروبي ووضع الكثير منهم في المعتقلات
( 2 )
.
(1) حوار أجرته صحيفة الأمان البيروتية مع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي في
العدد 229 بتاريخ 01 تشرين الثاني – نوفمبر 1991 .
(2) راجع كتاب يحدث في تونس للصحفي قصي صالح الدرويش .
و كان الحبيب بورقيبة يوصف بأنّه الصديق الحميم لفرنسا ووطدّ علاقات تونس
بالمحور الغربي وهو ما جلب له السخط من قبل بعض جيرانه ومن قبل العديد من الدول
العربية .
ولم يكتف الرئيس الحبيب بورقيبة بتكريس العلمانية بشكلها الغربي والمتوحش بل
ألغى كل قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية , كقانون تعدد
الزوجات والإرث والطلاق وحتى فريضة الصوم أراد إلغاءها بحجّة أنّ الصوم يضعف
الإنتاج .
وفي عهد الحبيب بورقيبة ازدهر دور الجاليّة اليهودية في تونس وخصوصا بعد أن
أصبح بعض اليهود التونسيين وزراء في أول حكومة تونسية ومنهم ألبير بسيسي وتجدر
الإشارة إلى أن أندري باروش مؤسس الحزب الشيوعي التونسي هو من اليهود التونسيين
.
وهذا الاتجاه السياسي الذي تبنّاه الحبيب بورقيبة ساهم إلى أبعد الحدود في
انبلاج التيار الإسلامي الذي حمل على عاتقه لواء المحافظة على الهويّة المصادرة
و القيّم الضائعة وقاوم بكل ما أوتيّ من إمكانات الغزو الفكري والمسخ الثقافي
لتونس .
وفي سنة 1970 وفي جامع سيدي يوسف بالعاصمة التونسية التقى راشد الغنوشي وعبد
الفتّاح مورو لتقديم مفاهيم عن البديل الإسلامي في مواجهة البديل التغريبي
(1).
ويذهب بعض الباحثين ومنهم الدكتور إبراهيم حيدر علي إلى القول بأنّ التغريب في
تونس ليس وليد البورقيبية , بل أنّ احتكاك تونس بالحضارة الغربية تمّ في مرحلة
متقدمة من العهد البورقيبي , وتعتبر تونس ومصر من أقدم الدول العربية في
احتكاكها بالحضارة الغربية ومحاولة تبنيّ عناصرها العملية والمفيدة فيما يخص
المؤسسات والوسائل المادية
(2) .
والصراع بين القديم والجديد , وبين الأصالة والمعاصرة , وبين الأسلمة والتغريب
ظاهرة
لا تقتصر على تونس وحدها بل هي ظاهرة عمّت البلاد العربية والإسلامية نظرا
للغزو الاستعماري الغربي لهذه البلدان .
____________________________________________
(1) أنظر كتاب الإسلام الاحتجاجي في تونس لمحمد عبد الباقي الهرماسي .
(2) أنظر كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية لإبراهيم حيدر علي .
وكانت الجيوش الاستعمارية تحمل معها قبل الذخائر الحربية المشروع الثقافي
والفكري والإيديولوجي الذي كانت تعدّه سلفا وزارات الخارجية والاستعمارية
الغربية في ضوء ما لديها من معلومات عن الخصوصيات العربية والإسلامية والتي
أستطاعت أن تحيط بها من خلال حركة الجواسيس والبعثات الاستكشافية الغربية
المكثفّة إلى بلادنا .
وكان استراتيجيو الحركات الاستعمارية يتصورون أنّه عندما يسود الفكر الذي
يحملونه معهم إلى البلاد المحتلة فانّ هذا من شأنه أن يسهلّ عملية الغزو ويجعل
الناس ترضخ للإرادة الاستعمارية .
وفي المغرب العربي فانّ السلطات الاستعمارية الفرنسية كانت تقوم بتشييد المعاهد
التعليمية لا حبّا في تثقيف الناس والقضاء على الأمية , بل إنّ هذه المعاهد
كانت تضطلع في تكوين النخب المثقفة التي تؤمن بفكر المستعمر .{ وفي تونس على
وجه التحديد كان هناك تنافس كبير بين المدرسة الصادقيّة التي أنشئت عام 1875
وجامع الزيتونة , وهو صراع بين رمز المشروع التحديثي كما جسدته المدرسة
الصادقيّة والتي كانت تنتج كوادر الدولة المتخصصة لإدارة الدولة والمجتمع في
مواجهة جامع الزيتونة الذي يحاول الإبقاء على الأمر الواقع أو العودة إلى
الماضي الذهبي }
(1) .
وهذا الصراع انعكس سلبا على الحركة الوطنية التونسيّة التي أنقسمت على نفسها
بين شخصيات تؤمن بالثقافة العربية والإسلامية وجدواها في الحياة السياسية
وتسيير شؤون الدولة وحملة الثقافة الفرنسية الذين أبدوا انبهارهم بالمشروع
الثقافي الغربي ومع هؤلاء تفاوضت الحكومة الفرنسية عندما أرادت أن ترفع يدها عن
تونس لتتفرغّ للثورة الجزائرية.
وعن هذه المرحلة يقول الهاشمي الحامدي : أنّ الانشقاق الذي حدث في الحركة
الوطنية أدّى الى قيام الحزب الحر الدستوري الجديد الذي أصبح الحبيب بورقيبة
سكرتيره العام في آذار – مارس 1934 , وضم ّ الحزب القديم خريجي الزيتونة
والشخصيات ذات الميول العربية والإسلامية , بينما جمع الحزب الجديد المثقفين
الجدد من المدرسة الصادقية والمعاهد الثانوية الخاصة وجامعات باريس .
(2)
(1) الدولة والمسألة الثقافية في تونس للمنصف ونّاس .
(2) أنظر أشواق الحرية :
قصة الحركة الإسلامية في تونس للهاشمي الحامدي .
وبعد إستقلال تونس ووصول بورقيبة إلى الحكم أو بالأحرى تسهيل وصوله إلى الحكم
من قبل الفرنسيين انتقلت المعركة إلى أرض الواقع وذلك عندما شرع الحبيب بورقيبة
ومعه عناصر النخبة الحاكمة ذات الميول الفرانكفونية في تنفيذ المشروع التغريبي
في بناء الدولة الوطنية الحديثة { ولذلك أصدرت السلطة الجديدة سلسلة من
القوانين والإجراءات الجديدة مثل إلغاء دور المجالس الشرعية والمحاكم الدينية ,
وإعلان مجلة الأحوال الشخصية التي أثارت جدلا بسبب تناقض بعض بنودها مع أحكام
الشريعة الإسلامية وإلغاء مؤسسة الأوقاف وحلّ الحبوس و ألحقت معاهد الزيتونة
بوزارة التربية وأصبحت الجامعة التونسية البديل القومي للجامعة الزيتونية
للتعليم العالي }.
(1)
وعلى الرغم من أنّ النخبة الحاكمة في تونس كانت متحمسّة لمشروع التغريب
والتحديث ونفذتّه بالحرف , وفرضت هذا المشروع على المجتمع التونسي فرضا إلاّ
أنّ هذا المشروع أخفق ولم يؤت ثماره المرجوة , وسرعان ما تعرضّ حكم الحبيب
بورقيبة إلى هزات وأصابه الفشل الذريع في ميادين الاقتصاد والمجالات السياسية
والثقافية .
وقد ساهمت هزيمة حزيران – يونيو 1967 في بداية بروز المعارضة التونسية التي
كانت تحمل مشروعا مغايرا لمشروع الحبيب بورقيبة التغريبي , فكانت الحركة
الإسلامية التونسية والتي كانت وليدة الأزمة التي وصل إليها نظام بورقيبة .
وكانت هذه الحركة الصاعدة هي المشروع المغاير لمشروع بورقيبة كما قال المنصف
وناس في بحثه عن الدين والدولة في تونس بين 1956 – 1987 تحمل فكرا مغايرا .
وقبل الحركة الإسلامية كانت هناك الحركة اليوسفية التي كانت تعارض نظام الحبيب
بورقيبة , وبرزت إلى الوجود قبل الاستقلال بقليل عندما عارض صالح بن يوسف
التنازلات الخطيرة التي قدمها الحبيب بورقيبة للسلطات الفرنسية , غير أنّ نظام
بورقيبة تمكنّ من القضاء بقوة على اليوسفيين. وخطأ بورقيبة كما يقول خصومه
السياسيون أنّه أراد أن يفرض علمانية متوحشة على مجتمع مسلم متمسّك بالعادات
والتقاليد ولم يتحرر من معتقداته بتاتا .
(1) أنظر الدولة والمسألة الثقافية للمنصف ونّاس و الإسلام الاحتجاجي في تونس
لمحمد عبد الباقي الهرماسي .
{ ولذلك جاءت حداثة بورقيبة منقوصة وعلمانية فوقية وتنمية تابعة وغير عادلة
فدخلت تونس في مأزق الاقتصاد ومأزق التغريب }
(1) .
وكانت نتيجة علمانية بورقيبة أن أنتهت تونس إلى أزمة اقتصادية خانقة أدّت إلى
إضرابات عماليّة واسعة وثورة الخبز والعديد من الإضطرابات , وأزداد الاقتصاد
التونسي تبعيّة للشركات الغربية التي راحت تستبيح تونس باسم حرية الاستثمار ,
وفي المسألة الثقافية كانت الجامعات التونسية عرضة للصراعات الحادة بين
المحسوبين على الثقافة العربية و الثقافة الفرنسية وعاشت الجامعات إضطرابات
موسعة كانت تستدعي دخول رجال الشرطة والجيش إلى الحرم الجامعي .
و في هذه الظروف بدأت حركة النهضة التونسية تطرح مشروعها الذي تمثلّ في :
- بعث الشخصية الإسلامية لتونس حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة
الإسلامية في إفريقيا ووضع حدّ لحالة التبعية والتغريب والضلال .
- تجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الحياة المتطورة
وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وأثار التغريب .
- أن تستعيد الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيدا عن كل وصاية داخلية
أو هيمنة خارجية .
- إعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية وتوزيع الثروة في البلاد
توزيعا عادلا في ضوء المبادئ الإسلامية .
- المساهمة في بعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام على المستوى المحلي و
المغاربي والعربي والعالمي حتى يتم إنقاذ شعوبنا والبشرية جمعاء مما تردّت فيه
من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلطّ دولي .
(1)
(1) أنظر الحريات العامة في الدولة الإسلامية لراشد الغنوشي .
و إذا كان نظام بورقيبة قد مثلّ ذروة التيار العلماني فانّ حركة النهضة كانت
تمثل التيار الإسلامي البديل الذي ساهمت عوامل تاريخية وفكرية وسياسية في بروزه
.
وإذا كان الحبيب بورقيبة قد التحق بالرفيق الأعلى فانّ خطّه السياسي مازال
قائما حتى في مرحلة العهد الجديد التي قادها زين العابدين بن علي .
|