|
الحركة الإسلامية في تونس
من الثعالبي وإلى الغنوشي
بقلم الكاتب الصحفي
يحي أبوزكريا
التطورات السياسية في تونس
في 01 حزيران – جوان 1959 تمّ وضع دستور جديد في تونس كرسّ بشكل مطلق النظام
الرئاسي حيث بات الرئيس الحبيب بورقيبة يتمتع بصلاحيات واسعة بدون منازع , ونصّ
الدستور الجديد على انتخاب الرئيس كل خمس سنوات مع إمكانية انتخابه ثلاث مرات
متتالية , ونصّ الدستور التونسي الأول الذي وضع في حزيران –جوان في سنة 1959
على أنّ الرئيس التونسي له كل الصلاحيات في رسم سياسة الدولة الداخليّة
والخارجية واختيار أعضاء الحكومة وتولّي القيادة العليا للجيش والقيام
بالتعيينات لجميع المراكز المدنيّة والعسكرية , كما نصّ الدستور على انتخاب
جمعية وطنية – برلمان – مرة كل خمس سنوات .
وفي 08 تشرين الثاني –نوفمبر 1959 أعيد انتخاب الحبيب بورقيبة رئيسا للدولة
بدون منافسة وفي هذه الأثناء شهدت العلاقات التونسية –الفرنسية تحسنا كبيرا ,
ووقعّ البلدان على إتقاقيّات في مجال التجارة والتعرفة الجمركيّة . وفي سنة
1961 قام الحبيب بورقيبة بزيارة إلى العاصمة الفرنسية باريس , والتقى آنذاك
بالرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول. وبعد استقلال الجزائر في 05 تموز 1962
تدهورت العلاقات الجزائرية –التونسية بسبب خلاف الإيديولوجيات , حيث كان الحبيب
بورقيبة مغرقا في إعجابه بالعلمانية الغربية , فيما كان أحمد بن بلة الرئيس
الجزائري يميل إلى الخط الناصري الثوري , وكان أحمد بن بلة دائم الخلاف مع
الحبيب بورقيبة , وكان بن بلة يعتقد أن بورقيبة لطالما تحركّ ضدّ الثورة
الجزائرية , وكانت الجزائر في ذلك الوقت تدعم صالح بن يوسف أحد أبرز خصوم
الحبيب بورقيبة . وفي كانون الثاني – يناير 1963 استدعت تونس سفيرها في الجزائر
بحجة تواطؤ الجزائر مع عناصر عسكرية تابعة لبن يوسف حاولت اغتيال الحبيب
بورقيبة في تونس .
وفي أيّار – مايو 1968 وبعد اتهام بورقيبة بمعارضة الكفاح الفلسطيني من أجل
فلسطين طلبت تونس من القائم بأعمال سوريا في تونس مغادرة تونس بعد أن أتهمته
بتحريض المواطنين التونسيين للقيام بأعمال تخريبية ضد الحكومة التونسية .
وفي أيلول – سبتمبر سنة 1968 رفضت الجامعة العربية الاستماع لوجهة نظر تونس
التي تضمنّت انتقاد المواقف العربية والمصرية تجاه فلسطين , وردّت تونس بإعلان
مقاطعتها لاجتماعات الجامعة العربية , وأكدّت في الوقت نفسه تأييدها لحركة
المقاومة الفلسطينية .
وعادت العلاقات الجزائرية – التونسية إلى التدهور مجددا بسبب موقف تونس من
الصراع العربي – الإسرائيلي . وقد منحت تونس بسبب هذه السياسة الجزائرية
المناوئة لها حق اللجوء السياسي للعقيد الطاهر الزبيري رئيس هيئة الأركان في
الجيش الجزائري والذي قاد محاولة انقلاب ضدّ حكم الرئيس هواري بومدين الذي كان
قد أطاح بدوره بنظام أحمد بن بلة في حزيران –جوان 1965 .
ويتضح من خلال ما ذكر أنّ علاقات تونس بمحيطها العربي كانت مضطربة بسبب تسرّع
الحبيب بورقيبة في الميل نحو رغبات المعسكر الغربي الذي كان يكّن له كل الإعجاب
.
وعلى صعيد داخل تونس فانّ الحبيب بورقيبة لم يكرّس مبدأ التداول على السلطة ,
ولم يفسح المجال للأحزاب السياسية التونسية بالعمل السياسي وعمل على تدجين
الصحافة , كما كان يلاحق كل من كان يشمّ فيه رائحة عدم الولاء . فأحمد بن صالح
وزير المالية والتخطيط والذي كان أحد أبرز أعضاء الحزب الدستوري , وأحد
المرشحين لخلافة الحبيب بورقيبة نقل سنة 1969 إلى وزارة التربية ثمّ جرّد من كل
مناصبه , وبعدها تمّ اعتقاله وحوكم بتهم متعددة , وفي 10 أيّار – مايو 1970 حكم
عليه بالسجن لمدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقة , غير أنّه فرّ من السجن في سنة
1973 ولجأ إلى أوروبا وقاد هناك المعارضة ضدّ نظام الحبيب بورقيبة .
وقد كان أحمد بن صالح الأول بين عدة وزراء أقيلوا بصورة مفاجئة , ففي سنة 1969
أقيل الباهي الأدغم من رئاسة الحكومة بعد أن رشحته التوقعات لخلافة بورقيبة
وخصوصا بعد أن تولّى الحكم الفعلي لمدة ست أشهر أثناء غياب بورقيبة لأسباب صحية
, إلى جانب رئاسة الباهي الأدغم للجنة اتفاقية القاهرة المعقودة بين الأردن
ومنظمة التحرير الفلسطينية والتي أكسبته شهرة واسعة في الوطن العربي .
وفي تشرين الأول –أكتوبر سنة 1970 عينّ الهادي نويرة رئيسا للحكومة , وأعلن
الرئيس بورقيبة أنّ الهادي نويرة سيكون خليفته في الحكم , وكان باهي الأدغم قد
استقال من جميع مناصبه السياسية وتبعه أحمد المستيري الذي كان وزيرا للداخلية
بين 1970 –1971 .
وفي أيلول – سبتمبر 1974 انتخب المؤتمر التاسع للحزب الدستوري الحبيب بورقيبة
رئيسا للحزب مدى الحياة , وعين الهادي نويرة كأمين عام للحزب , وعينّ الحبيب
بورقيبة مكتبا سياسيا من عشرين عضوا .
وفي تشرين الثاني – نوفمبر 1974 أعيد انتخاب الحبيب بورقيبة رئيسا للدولة
التونسية بدون منافس , وبعد ذلك بسنة واحدة أقرت إصلاحات دستورية واسعة عززّت
ديكتاتورية الحبيب بورقيبة .
أماّ المعارضة التونسية فقد عاشت أسوأ أيّامها في هذه المرحلة من تاريخ تونس ,
ففي 1974 صدرت أحكام بالسجن ضد 175 شخصا أغلبهم طلاّب بعثيون وماركسيون
وإسلاميون لإنتمائهم إلى فصائل سياسية غير معترف بها .
و في مطلع كانون الأول –ديسمبر 1975 وقع إضراب عام في الجامعة التونسية ووقعت
أثناءها إشتباكات عنيفة بين قوات الأمن والطلاب التونسيين , وتجددّت الإشتباكات
العنيفة بين قوات الأمن والطلاب سنة 1977 , وقادت النقابات العمالية المعارضة
ضدّ نظام الحبيب بورقيبة , وشهدت سنة 1976 إضرابات مالية مكثفة في تونس , وبين
1977 – 1978 تمّ اعتقال 28 شخصا بتهمة الانتماء إلى حركة الوحدة الشعبية
المرتبطة بأحمد بن صالح .
و في سنة 1977 انتعشت المعارضة الليبيرالية التي تعتبر أحمد المستيري أبرز
أعضائها وفي نفس السنة وفي شهر نيسان – أبريل شكلّ الليبيراليون لجنة الدفاع عن
حقوق الانسان .
و أبرز حدث داخلي شهدته تونس منذ استقلالها كان الانفجار السياسي الذي شاركت
فيه النقابات العمالية حول قضايا سياسية واجتماعية متعددة , وقد بلغ هذا
الانفجار ذروته يوم الخميس الأسود في 26 كانون الثاني – يناير 1978 حينما خرج
الجيش التونسي من ثكناته الى الشوارع وأدت المواجهات بينه وبين المتظاهرين الى
مقتل العشرات .
وتمّ اعتقال قادة الحركة النقابية ومحاكمتهم وعلى رأسهم الحبيب عاشور , وقد
سبقت هذه المواجهات والإضرابات سلسلة استقالات في صفوف الوزراء والذين عبروا عن
تفسخ النظام من الداخل .
وفي 12 كانون الثاني – يناير 1974 وقع تطور مفاجئ في تونس كاد يغيّر الأوضاع
السياسية رأسا على عقب , وتمثلّ هذا التطور أنّه في أعقاب اجتماع بين الحبيب
بورقيبة والعقيد الليبي معمّر القذافي رئيس ليبيا أعلن عن وحدة سياسية بين تونس
وليبيا , على أن يكون بورقيبة رئيسا للدولة الموحدة و القذافي نائبا له .
ولم يبصر هذا المشروع النور بسبب معارضة بورقيبة الدائم له , والواقع أنّ الذي
كان متحمسا للمشروع هو وزير خارجية تونس محمد المصمودي الذي عمل منذ تعيينه على
رأس الخارجية التونسية سنة 1970 على ترميم العلاقات العربية – التونسية , وقد
نجح في مهمته إلى أبعد الحدود , وتمكن بحنكته من بعث الروح في العلاقات
التونسية مع كل من مصر وسوريا ودول المحور الاشتراكي في ذلك الوقت .
|