الحركة الإسلامية في تونس
من الثعالبي وإلى الغنوشي


بقلم الكاتب الصحفي
 يحي أبوزكريا



 تونس : نبذة تاريخية



تعدّ تونس من أصغر بلدان المغرب العربي مساحة وهي عبارة عن جيب جغرافي بين الجزائر وليبيا , وتبلغ مساحة تونس 163610 كلم مربع , ومعظم أراضيها منخفضة يحدّها البحر الأبيض المتوسط من الشمال والشرق .
تمتاز تونس بسهولة الوصول إليها برا وبحرا ممّا جعلها عبر تاريخها عرضة لتأثيرات خارجية لعبت دورها في تكوين خصائص مجتمعها , ويبلغ عدد سكان تونس 07 ملايين نسمة يتكلمّون اللغة العربية وللغة الفرنسية انتشار واسع للغاية , والديانة السائدة في تونس هي الإسلام الذي هو دين الغالبية من السكان .


والعاصمة التونسية هي تونس وأهم المدن فيها هي سوسة وصفاقس وبنزرت والقيروان وهي العاصمة العربية القديمة .


يبدأ تاريخ تونس مع إقامة المستعمرات الفينيقية ونشوء أمبراطورية قرطاجة على شواطئها وقد أحرزت قرطاجة التفوّق البحري والتجاري في البحر الأبيض المتوسط في منتصف القرن السادس قبل الميلاد , ومدّت مستعمراتها التجارية حتى جنوب البرتغال وحكمت قسما من جزيرة صقلية وبلغت الأمبراطورية أوجها في القرن الرابع قبل الميلاد إلى أن أصطدمت بالدولة الرومانية الصاعدة بسبب السيطرة على المتوسط و أشتبكت الدولتان في الحروب البونيّة الثلاث التي برز في ثانيها غزو هنيبعل لايطاليا والتي انتهت بتدمير قرطاجة وإلحاقها بأمبراطورية روما .


ظلّت قرطاجة مهجورة طوال قرن ونصف إلى أن أعاد بناءها الأمبراطور أغسطس في بداية القرن الأول الميلادي , وخلال القرنين الأولين بعد الميلاد أصبحت مقاطعة إفريقيا -- وهو الاسم الذي أطلقه الرومان على تونس – مزدهرة جدا وغدت قرطاجة المدينة الثانية بعد روما .


وبعد انحسار الأمبراطورية الرومانية غزاها الوندال عام 439 وبقيت تحت سيطرتهم إلى أن أستعادتها الأمبراطورية البيزنطية بين عامي 533-534 . وطوال القرنين والنصف التاليين شكلّت تونس جزءا من شمال إفريقيا البيزنطية التي امتاز حكامها المحليون بنزوع واضح للاستقلال عن القسطنطينية , كما أمروا باعتناق المذاهب المسيحية غير الأرثوذكسيّة وهو المذهب المسيحي الذي كانت عليه القسطنطينية .


وقد بدأ الفتح العربي الإسلامي لشمال إفريقيا في 647 وأستتبّ عام 698 مع فتح قرطاجة وتأسيس مدينة تونس , وانتشر الإسلام بسرعة بين سكان تونس وخاصة البربر منهم . غير أنّ النزعات الاستقلالية عن مركز الخلافة ظلّت تبرز من وقت لأخر طوال القرن الثامن في شكل مذاهب خارجية – نسبة إلى الخوارج - , وبدأت تونس تتمرّد على السلطة المركزية , وفي أواخر الحكم الأموي وبداية الحكم العبّاسي خرجت تونس من الخلافة الأموية , ولكنّ العباسيين استعادوها ثمّ أخرجوا منها في عام 767 ميلادية إلى أن أخضعوها مجددا في سنة 800 بقيادة إبراهيم بن أغلب والذي عينّه هارون الرشيد حاكما لإفريقيا أي مقاطعة إفريقيا الرومانية سابقا .


أمنّت دولة الأغالبة الاستقرار والازدهار لتونس وشرعت في غزو صقليّة في ايطاليا عام 827 وبنت مساجد كبرى في المدن وشبكة متقنة من السدود والخزّانات لتأمين المياه لعاصمتها القيروان , غير أنّ حكم الأغالبة بدأ بالانهيار في أواخر القرن التاسع رغم استكماله لغزو صقلية عام 878 , وقد أطاحت به ثورة دينية اندلعت في المناطق الواقعة غربي تونس في مطلع القرن العاشر .


وقد خضعت تونس للحكم الفاطمي الشيعي حيث أقام الفاطميّون على الساحل التونسي عاصمتهم التي حملت اسم المهديّة , وقضى الفاطميّون على ثورة " خطرة " التي قام بها البربر بين عامي 943-947 وسيطروا على مصر وسوريا في 969- 970 , وبعد ثلاث سنوات نقلوا عاصمتهم إلى مدينة القاهرة التي شيدوها وتركوا حكم تونس لأمراء البربر المعروفين باسم الزيريين حيث تمتعّت تونس في عهدهم بالازدهار والتقدم .


وأنتعشت في تونس الفنون والعلوم والتجارة والصناعة , وفي عام 1050 ميلادي أعلن الزيريون عن ولائهم للخليفة في بغداد , فردّ الفاطميون على ذلك بإرسال مئات الألوف من البدو العرب الهلاليين الذين قضوا على سلطة الزيريين فيها ومزقّوا وحدة تونس السياسية .


وفي عام 1087 إحتلت قوات إيطالية من مدينتي بيزا وجنوا في ايطاليا العاصمة المهديّة , ثمّ أحتلها النورمانديون في سنة 1148 و طردوا الزيريين منها . و في سنة 1160 أصبحت تونس جزءا من دولة الموحدين في مراكش , ومن تمّ استعادها العباسيون لفترة وجيزة في مطلع القرن الثالث عشر ونصبّوا لإمرتها الحفصيين وهم من أسرة البربر والذين ظلّوا أهمّ قوة فيها إلى بداية السيطرة العثمانية .


وطوال معظم القرن 13 سيطر الحفصيون على شمال إفريقيا من طرابلس إلى وسط الجزائر, وأقاموا علاقات تجارية ودبلوماسية مع دول الساحل الشمالي للمتوسط ومدنه .
وقد اصطدم الحفصيون بمحاولات الدول الأوروبيّة للتوسع وقاموا بعمليات هجومية ضد مالطا إلى أن تورطوا في النزاع بين الملكة الإسبانية والسلطنة العثمانية , هذا النزاع الذي كان حاسما في مستقبل تونس .

الحكم العثماني في تونس :

بدأ الحكم العثماني في تونس في 1516 وأستتبّ في 1574 أقام فيها العثمانيون إدارة إقليمية دامت 17 سنة , إلى أن قامت ثورة عسكرية في عام 1591 حدّت من سلطة الباشا العثماني ونقلت السلطة الفعلية إلى الداي وهو لقب كان يحمله حوالي أربعين ضابطا كبيرا في الجيش العثماني , وفي سنة 1600 أصبحت السلطة في تونس حكرا على الدايات الذين أقاموا علاقات ديبلوماسية مع فرنسا دون علم السلطة العثمانية .


كان وضع تونس في النصف الأول من القرن 17 مزدهرا حيث انتعشت التجارة والمبادلات الاقتصادية مع مارسيليا وليفورنو وأقيمت علاقات تجارية مع أنجلترا وهولندا , وبعد عام 1650 انحسرت سلطة الدايات وحلّ محلهم البايات الذين كانوا أدنى منهم رتبة في الأصل , وقد أسسّ الباي حمودة في عام 1659 سلطة المراديين و أستمرت هذه السلطة تحكم تونس كلها إلى عام 1702 وبعد عام 1705 حكمت تونس سلالة جديدة من البايات عرفت البلاد عندها استقرارا نسبيّا رغم توتر العلاقات مع الجزائر وبداية ظهور الأساطيل الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط .


وبعد الحروب النابوليونية أحسّت تونس بوطأة أوروبا الاستعمارية عليها بشكل حاسم , ففي مؤتمري فيينا وأيكن 1815 – 1817 فرضت الدول الأوروبية على الباي محمود وضع حدّ لنشاطات القراصنة الذين كانوا يؤمنّون لتونس قسطا من مداخيل الدولة , وفي عام 1830 احتلّ الفرنسيون الجزائر , وقد شهدت الخمسون سنة التالية بعد هذا التاريخ محاولات تونسية لتجنّب نفسها المصير نفسه . وفي سنة 1881 حسمت فرنسا موضوع احتلالها لتونس بحجة وقوع حوادث على الحدود مع الجزائر وفرضت معاهدة قصر سعيد والتي صار الباي التونسي بموجبها حاكما اسميا لتونس .


وفي عام 1883 أجبر الباي علي الرابع على التوقيع على اتفاقية مرسى التي كرسّت الحماية الفرنسية لتونس , ونقلت السلطة إلى المقيم العام الفرنسي , وقد شجعّ الفرنسيون مجيئ مستوطنين أوروبين إلى تونس حيث منحتهم السلطات الاستعمارية في تونس الأراضي الخصبة بعد أن سرقتها وأغتصبتها من الفلاحين التونسيين الذين لم يكونوا يملكون غيرها لإعالة أنفسهم ووسط هذا المناخ الاستعماري الغاشم بدأت الحركة الوطنية التونسية تتشكّل وتتأسس مستلهمة الموروث الحضاري لتونس , وسوف تلعب بعد حين أكبر الأدوار في تاريخ تونس المعاصرة .

في شهر أيّار – مايو 1881 احتلّت الجيوش الفرنسية تونس ودخلتها عن طريق البر والبحر وقد أحتلّ الفرنسيون مدينة بنزرت وتوجهوا إلى تونس العاصمة لمقابلة الباي وقدموا له نسختين من معاهدة فرنسية معدّة سلفا , وقد أرغم الباي على التوقيع على المعاهدة الفرنسية التي عرفت باسم معاهدة باردو والتي أخضعت تونس رسميا للسيطرة الفرنسية .


ونصّت هذه المعاهدة على أنّ الاحتلال مؤقت وأنّ القوات الفرنسية سوف تحتل فقط جهات على الحدود والشواطئ تراها لازمة لتوطيد الأمن , وأنّ هذه القوات سترحل عندما تكون الإدارة التونسية قادرة على حفظ الاستقرار والأمن والنظام وأنّ فرنسا ملتزمة حماية الباي وأسرته وأنّه لا يحق له بأن يعقد أي عقد مع أي أجنبي بغير علم فرنسا والتفاهم معها مسبقا , وأنّه سينوب عن فرنسا وزير فرنسي مقيم يراقب تنفيذ ما تضمنته المعاهدة , وأنّ على حكومة الباي أن تتعهدّ بمنع إدخال الأسلحة إلى البلاد .


وفي فترة احتلالها لتونس سيطرت فرنسا على التعليم فأخضعته لنظم فرنسيّة حتى أصبح الطالب التونسي يتقن اللغة الفرنسية ويفقه أسرارها ويتذوق أدبها , ونفس المشروع التغريبي الذي نفذته فرنسا في الجزائر قامت باستنساخه في تونس , حيث قضت على المعاهد الأصلية التي كانت تخرّج علماء اللغة والشريعة وأبقت على الجزء اليسير منها , وفي محاولة لإخضاع تونس للثقافة الفرانكفونية الاستعمارية قامت فرنسا بمحاربة كل مظاهر التديّن لدى الشعب التونسي وعملت على القضاء على اللغة العربيّة وشيدّت مدارس ومعاهد فرنسية . وباعتبار أنّ مساحة تونس صغيرة جدا إذا ما قورنت بمساحة الجزائر أو المغرب فقد تمكنّت السلطات الفرنسية من بسط نفوذها بسرعة على كل الأراضي التونسية وهو ما شكلّ خرقا صريحا للمعاهدة الفرنسية التي أجبر الباي على توقيعها .


وتجدر الإشارة إلى أن يهود تونس لعبوا دورا كبيرا في التمكين للغازي الفرنسي , حيث كان اليهود التونسيون والذين يكثر وجودهم في معظم المناطق التونسية وتحديدا في منطقة جزيرة جربة حيث مقام الغريبة اليهودية التي يحج إليها اليهود سنويا وبعشرات الآلاف , وقد كافأتهم السلطات التونسية بمنحهم الجنسيّة الفرنسية .


وقد نجحت السلطة الاستعمارية الفرنسية في تكريس مشروعها الثقافي كما السياسي في تونس , ومازالت الآثار الثقافية الفرنسية قائمة إلى يومنا هذا , وبالإضافة إلى هذا فقد نجحت السلطات الفرنسية في شقّ الحركة الوطنية التونسية التي كان فيها جناحان , جناح يؤمن بالثورة على الطريقة الجزائرية لدحر المستعمر الفرنسي , وجناح لا يعترض على الوجود الاستعماري الفرنسي لكن يطالب بإصلاحات سياسية وتكريس حقوق الإنسان التونسي .


والحبيب بورقيبة الذي كان على رأس الحركة الوطنية التونسية تخرجّ من جامعة السوربون في فرنسا , ومعروف أن فرنسا كانت حريصة على تعليم بعض الشخصيات التونسية اللامعة في جامعاتها تمهيدا لاستيعابها ومن تمّ توظيفها , كما حدث مع العديد من الزعماء المغاربة والأفارقة الذين درسوا في المعاهد الفرنسية وعادوا رؤساء إلى بلادهم .


وبالتوازي مع بسط مشروعها الثقافي عملت السلطات الفرنسية على إقامة سيّاج أمني على امتداد الحدود الجزائرية –التونسية , وكان هذا الخط الفاصل بين الجزائر وتونس مكهربا ويحمل اسم خط موريس , وهذا الخط الحديدي المكهرب لم يحل دون تهريب الأسلحة إلى الثورة الجزائرية .
ومع مرور الوقت تأكدّ للسلطات الفرنسية أنّها لا يمكن أن تتفرغّ للثورة الجزائرية دون أن ترفع يدها عن تونس والمغرب , فجاء الاستقلال التونسي على شكل صفقة سياسية بين أطراف في الحركة الوطنية التونسية وعلى رأسها الحبيب بورقيبة و السلطات الإستعمارية الفرنسية .
 

عودة الى محتويات الكتاب