الحركة الإسلامية في تونس
من الثعالبي وإلى الغنوشي


بقلم الكاتب الصحفي
 يحي أبوزكريا



حركة النهضة والحركات الاسلامية الأخرى




عندما غادر راشد الغنوشي السجن بعفو من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أشرف على إحداث تغيير جذري على حركة الاتجاه الإسلامي وتمثلّ هذا التغيير في تحويل هذه الحركة إلى حزب النهضة , وصدرت التعليمات إلى مختلف الولايات والمحافظات بأنّ حزب النهضة الجديد هو حزب سياسي يملك استراتيجية جديدة وتكتيكا مختلفا عما كانت عليه حركة الاتجاه الإسلامي , وأصدرت حركة النهضة جريدة الفجر لتكون الناطق الإعلامي والسياسي باسم حركة النهضة .


وفي سنة 1989 بعد سنة واحدة من إطلاق سراح راشد الغنوشي عصفت الخلافات الداخليّة بحركة النهضة و أضطرّ العديد من قيادييها إلى تقديم استقالتهم , وقد نجحت السلطة التونسية في استقطاب العديد من القياديين في حركة النهضة تماما كما نجحت السلطة الجزائرية في استقطاب عناصر قيادية في الجبهة الإسلامية للإنقاذ والذين أصبح بعضهم وزراء مثل سعيد قشي و أحمد مراني حيث أصبح سعيد قشي وزيرا للتشغيل وأحمد مراني وزيرا للشؤون الدينية في وقت كان فيه عباسي مدني وعلي بلحاج في سجن البليدة العسكري .


وبين 1989 – 1992 اندلعت في تونس أعمال عنف جرى إثرها اعتقال العديد من القياديين في حركة النهضة ومنهم حمّادي الجبالي رئيس تحرير جريدة الفجر الإسلامية وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدّة 15 سنة وكان الجبالي بالإضافة الى تولّيه رئاسة تحرير جريدة الفجر عضوا في المكتب السياسي لحركة النهضة . أمّا راشد الغنوشي فقد حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالسجن المؤبّد في 28 –08-1992 .


وبعد إطلاق سراحه بعفو رئاسي خاص غادر تونس وتوجّه إلى الجزائر حيث واكب تطورات الساحة السياسية في الجزائر منذ تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أيلول – سبتمبر 1989 , وكانت الحكومة التونسية تطالب برأسه وأوفدت لهذا الغرض مسؤولين تونسيين رفيعي المستوى لاسترداده من الجزائر بحجّة أنّ هناك حكما قضائيّا صدر بحقّه في تونس ولم ينجح هؤلاء المسؤولون في إقناع نظرائهم الجزائريين بضرورة استرداده .


وعندما تمّ اعتقال قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في 30 حزيران – يونيو 1991 طلبت السلطات الجزائرية من راشد الغنوشي أن يغادر الجزائر فتوجّه إلى السودان ومنها إلى بريطانيا حيث حصل على اللجوء السياسي وبات يقيم في العاصمة البريطانية لندن .


وفي منفاه الجديد حاول أن يعيد ترتيب البيت النهضوي فنجح إلى حدّ ما في الحفاظ على الإطار السياسي للحركة الإسلامية التونسية – النهضة – وأخذ يصدر البيانات تباعا تعليقا على مستجدات الأحداث والتطورات السياسية في تونس .


و أستمرّت جريدة الفجر التابعة لحركة النهضة في الصدور من العاصمة القبرصيّة نيقوسيا ثمّ توقفّت لأسباب مادية فيما يبدو .


وفي بريطانيا عكف الغنوشي على إيصال صدى الحركة الإسلامية التونسية إلى مختلف المعنيين بهذا الشأن الإسلامي وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات التي تعقد في بعض المناطق العربية والإسلامية . وبسبب انتقال حركة النهضة إلى المنفى فقد فقدت الكثير من فعّاليتها السياسية وبات عملها يقتصر على إصدار البيانات , وحتى هذه البيانات الورقية راحت تقلق السلطات التونسية التي طالبت مرارا و بشكل رسمي من السلطات البريطانية وضع حدّ لنشاطات الغنوشي , وكان ردّ الحكومة البريطانيّة أنّ الغنوشي لم يخرق القوانين المعمول بها في بريطانيا .


ومن رحم حركة النهضة انبثقت تيارات إسلامية برؤى أخرى , كما أنّ خارطة الحركة الإسلامية التونسية كانت متعددة التوجهات , وأهم هذه الحركات هي : الإسلاميون التقدميون :

الإسلاميون التقدميون تيار إسلامي عقلاني الاتجاه , إشتغل في أوساط الجماعة الإسلامية منذ بداية السبعينيات في المساجد والجامعات والمعاهد التربوية , وعندما قررّ راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو تحويل الجماعة الإسلامية إلى حركة الاتجاه الإسلامي في بداية الثمانينيات , عارض الإسلاميون التقدميون وعلى رأسهم أحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي وزيّاد كريشان وأصرّوا على الاستمرار في خطهم الإسلامي ضمن رؤيتهم الثقافية والفكرية والعقلانية .
وكان هذا التيار يحمل في بدايته على ما يسمى بمذهب السلف الصالح وأقطاب السلفية القدامى والمعاصرين وأعتمد على مقولة اليسار الإسلامي , وكان هذا التيار يركّز على العقل أكثر من تركيزه على النص , وحمل الإسلاميون التقدميون على عاتقهم فكرة تجديد الإسلام وطرح كل الأشواب التي علقت به الفقهية والعقائدية والأصولية وغيرها , وذهبت هذه الجماعة إلى حدّ القول بجواز تعطيل الثوابت عندما تكون هناك ضرورة إلى ذلك .


وفي كتاب المقدمات النظرية للإسلاميين التقدميين : لماذا الإسلام , وكيف نفهمه ؟ نجد ما يلي : تبدو مجموعة الإسلاميين التقدميين أقرب إلى ما يسمى داخل الحركات الإسلامية عموما بالاتجاه التربوي أي القائلين بأسبقية تربية أفراد المجتمع الإسلامي على تجنيدهم وتجييشهم سياسيا , لهذا السبب ولخصوصيّة المسألة الثقافية في تونس كان طرح الإسلاميين التقدميين .(1)


وكان الجورشي وهو من رموز هذا التيّار يطالب بثورة ثقافية لأنّها تمثّل عنصرا جوهريّا في إعادة بناء وعي المجتمع و أن تتمّ بعد ذلك عملية إعادة هيكلة المجتمع .
ويتساءل الجورشي عن أيّهما حدث في بداية الأمر : الدولة أو المجتمع ؟
وقد أتجّه الإسلاميون التقدميون نحو ثورتهم الثقافية من خلال فهم جديد للدين , وفي نظر أحد أقطاب هذا التيار أحميدة النيفر فانّ المسألة السياسية مسألة هامة ولكنّها لم تعد لها


(1) المقدمات النظرية للإسلاميين التقدميين : لماذا الإسلام ؟ كيف نفهمه ؟ صياغة صلاح الدين الجورشي ومحمّد القوماني وعبد العزيز التميمي الصادر عن دار البراق للنشر في تونس سنة 1989 .

الأولويّة أصبحت مشكلة إعادة قراءة الفكر الديني هي التي تحتّل المركز الأول . ويحددّ الإسلاميون التقدميون منهجهم في التجديد الثقافي والإسلامي باعتماد العقل وسيلة في فهم النصوص المقدسّة من كتاب وسنّة دون الوقوع في الحرفيّة أو النصيّة , ويعتمدون على الاجتهاد كمنهج نحو تحقيق التجديد المنشود .
وكان الإسلاميون التقدميّون يتحركون في الوسط الجامعي ,كانوا يركزّون بالدرجة الأولى على النخبة لأنّ هذه النخبة بيدها تغيير مناحي الحياة .

حزب التحرير الاسلامي التونسي :

ظهر حزب التحرير الإسلامي في تونس نتيجة نشاط العديد من المؤمنين بفكرة حزب التحرير المشرقي المولد والذين كانوا على مدار سنوات منخرطين في حزب التحرير الإسلامي , وقد عقد الاجتماع التأسيسي للحزب في كانون الثاني – يناير 1983 , وكان هذا الحزب يخططّ للاستيلاء على السلطة ومن تمّ إعادة تأسيس الخلافة الإسلامية وذلك من خلال وسائل وطرق تبنّاها الحزب في دستوره العام .


و قد تمّ اعتقال وملاحقة معظم قياديي حزب التحرير وبينهم عدد من العسكريين في النصف الثاني سنة 1983 بتهمة تشكيل جمعية سياسي والانتساب إليها وحضور اجتماعاتها وتحريض عسكريين على الانتساب إلى هذه الجمعية وأصدرت المحكمة العسكرية أحكاما بالسجن على عدد من قادة الحزب وكادراته وبينهم محمد جربي زعيم حزب التحرير في تونس . وفي آذار – مارس 1990 تمّ تقديم مجموعة جديدة من أعضاء الحزب إلى المحاكمة بتهمة توزيع منشورات في المساجد .


وتولّت قيادة الحزب مجموعة مدنيّة – عسكرية بالتوافق فيما بينها ومن رموزها الطاهر العيادي ومحمد فاضل شطارة ومحمد جربي , وكان حزب التحرير الإسلامي يصدر نشرة سريّة بعنوان : الخلافة .


وقد ربطت السلطات التونسية عدة مرات بين نشاطات الحزب ومحاولات انقلابيّة فاشلة لإسقاط السلطة في تونس وأهمها ما حدث عام 1983 وعام 1986 , وكانت السلطات التونسية تتوجّس خيفة من تغلغل هذا الحزب داخل المؤسسة العسكرية , وكانت استراتيجية حزب التحرير تنصّ على غرس أكبر قدر ممكن من العناصر داخل الجيش التونسي , لتتمكنّ في نهاية المطاف مجموعة من الضبّاط الإسلاميين من الانقضاض على السلطة من الداخل , وقد نجح الحزب في استقطاب عشرات العسكريين الذين كانوا يمدّون الحزب بالدخائر الحربية والأسلحة الخفيفة , وتمّت تصفية هذا الحزب في وقت مبكر من تاريخ الحركة الإسلامية التونسية .

طلائع الفداء :

طلائع الفداء مجموعة إسلامية مسلحة يتزعمها محمد حبيب الأسود وقد جرى الكشف عنها في عام 1987 عندما اتهمّتها السلطات التونسية بالتخطيط لقلب نظام الحكم وإقامة دولة إسلامية , وبعد توليّ زين العابدين رئاسة الدولة التونسية صدرت قرارات بالعفو عن معتقلي المجموعة وتمّ إطلاق سراحهم

عودة الى محتويات الكتاب