|
الحركة الإسلامية في تونس
من الثعالبي وإلى الغنوشي
بقلم الكاتب الصحفي
يحي أبوزكريا
الجماعة الاسلاميّة التونسيّة بين 1971- 1981
بين سنتي 1971 و 1981 أي فترة عشر سنوات كانت الجماعة الإسلامية التي تزعمها
راشد الغنوشي تقصر عملها على النشاط الثقافي والتربوي والفكري , وكانت الحلقات
الداخليّة التي تعقد بين كوادر الجماعة الإسلامية تساهم في بلورة العديد من
الطروحات والأفكار بين أعضاء الجماعة الإسلامية .
ويقول بعض الكتّاب (1) أنّ الحركة الإسلامية التونسية استفادت من تسامح السلطة
مع انحسار التأييد لها نتيجة تفاقم المشكلة الاقتصادية بالإضافة إلى محاولة
السلطة لتحسين علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية خلافا لموقفها الصدامي
السابق .
ويتوافق كثير من الباحثين على أنّ البورقيبية كنهج فكري وسياسي ساهمت إلى أبعد
الحدود في إفراز التيار الإسلامي , ذلك أنّ التطرفّ في تبنيّ الطروحات الغربية
أدىّ إلى ردة فعل للنخب التي لا تؤمن بالبديل الغربي في تونس .
ولاشكّ في أنّ مؤسسي الجماعة الإسلامية قد تأثروا الى أبعد حدّ بكتابات
المفكرين الإسلاميين من أمثال سيد قطب وأبو الأعلى المودودي ومالك بن نبي وحسن
البنا وغيرهم. وقد ركزّ هؤلاء المفكرون في كثير مما كتبوه على إبراز الجوانب
الحضارية للإسلام وضرورة أن يصبح الإسلام هو البديل الحقيقي لأزمة الحضارة
الإنسانيّة .
وعندما تأسست الجماعة الإسلامية التونسية كانت مجرّد جماعة ثقافية وفكرية تتحرك
من منطلق بعث الشخصية الإسلامية ووضع حدّ للإنسلاب الثقافي والتبعية للغرب
وتجديد الفكر الإسلامي , وكانت المنطلقات الثقافية والفكرية تحول دون دعوة هذه
الجماعة إلى العنف لأنّها كانت تعتبر معركتها ثقافية بالدرجة الأولى في صراعها
مع التيارات العلمانية التي كانت تجرّ تونس إلى دائرة التغريب .
(1) الحامدي في أشواق الحرية : قصة الحركة الإسلامية في تونس . وعبد اللطيف
الهرماسي في كتابه الحركة الإسلامية في تونس وغيرهما .
وقد أنعكس تاريخ تونس الخاص على فكر الحركة الإسلامية في تونس من قبيل رفض
العنف كأداة للتغيير وتركيز الصراع على أسس شوروية تكون هي أسلوب الحسم في
مجالات الفكر والثقافة والسياسة .(1)
وفي مكان أخر يقول الهاشمي الحامدي : ربمّا على العكس ما كان يشتهي البعض لم
يدخل الإسلام السياسي الساحة مطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية وتنفيذ الحدود
وتعديل قانون الأحوال الشخصية حتى تنهال عليه سهام الدعاية العلمانية التقليدية
الممجوجة وإنّما حددّ قادة الحركة الإسلامية ( في تونس ) معركتهم منذ البداية ,
إنّها معركة الحرية . (2)
ويعترف راشد الغنوشي أنّ الظاهرة الإسلامية في تونس وغداة انطلاقها كانت تخضع
لتجاذبات عناصر قد تكون متناقضة وهي التي أدّت إلى توزّع الفكرة الإسلامية على
ثلاثة أجنحة . فالعنصر الأول ويتمثل في التديّن التقليدي التونسي ويتكوّن من
التقليد المذهبي المالكي والعقائد الأشعرية والتربية الصوفية أو كما صاغها ابن
عاشر في عقد الأشعري وفي فقه مالك وفي طريقة جنيد السالك .
والعنصر الثاني ويتمثل في التديّن السلفي الإخواني الوارد من المشرق والذي
يتكوّن بدوره من المنهجية السلفية أو الأصولية أي العودة إلى الكتاب والسنة
المطهرة أو الرجوع إلى سلطة النص الديني بالاضافة الى الفكر السياسي والاجتماعي
و الاخواني القائم على شمولية الإسلام ومبدأ حاكميّة الله وتكفير الأنظمة
القائمة ثمّ منهج تربوي ومنهج فكري يميّز كل الأمور بحسب العقيدة وينتهي إلى
تصنيف الناس إلى كفّار ومؤمنين حتى في الصراع السياسي . والعنصر الثالث يتمثل
في التديّن العقلاني ويتألف من التراث العقلاني الإسلامي وذلك من خلال ردّ
الاعتبار إلى المنهج الاعتزالي والمعارضة السياسية في التاريخ الإسلامي
كالخوارج والشيعة والزنج والتيارات المناوئة للسلفية وأهل السنة عموما , والنقد
الجذري للإخوان المسلمين وإعادة الاعتبار للمدرسة الإصلاحية التي مثلّها محمد
عبده و الكواكبي والأفغاني والطهطاوي وقاسم أمين وخير الدين التونسي والطاهر
حدّاد .
(1) الحريات العامة في الدولة الإسلامية لراشد الغنوشي.
(2) أشواق الحرية الإسلامية : قصة الحركة الإسلامية في تونس للهاشمي الحامدي .
ويرى هذا التيار اعتماد الفهم المقاصدي للإسلام بدل الفهم النصي , كما يرى هذا
التيار وجوب ردّ الاعتبار إلى الغرب والاستفادة من اليسار في تنظيماته وثقافته
وعلومه الإنسانية وفي مقابل اعتماد التديّن الإخواني المقياس العقيدي في تقسيم
الناس إلى كافر ومسلم أعتبر التدينّ العقلاني ذلك تهميشا للصراع الحقيقي , إذ
ينبغي أن يقوم التقسيم على أسس سياسية واجتماعية , وطني وخائن, ثوري ورجعي .
وهذه الأجنحة الثلاث التي جاء على ذكرها راشد الغنوشي كانت موجودة داخل الجماعة
الإسلامية التي عرفت كل هذه الأفكار والطروحات . فالجماعة الإسلامية التونسية
كانت تضمّ عناصر من مختلف المشارب الإسلامية ومختلف الرؤى السائدة في الدائرة
الإسلامية .
وكانت الجماعة الإسلامية التونسيّة تركّز على :
-الدروس الوعظية والحلقات الدراسية في المساجد .
- تكثيف المحاضرات في المعاهد الثانوية والجامعات .
- إقامة معارض للكتاب الإسلامي وما يتخلل ذلك من عقد ندوات وحلقات دراسية .
- المشاركة في مؤتمرات إسلامية داخلية وخارجية كملتقى الفكر الإسلامي الذي كان
يعقد سنويّا في الجزائر .
- إقامة صلات ومدّ جسور مع شخصيات إسلامية خارج تونس على قاعدة التواصل الثقافي
والفكري .
- تركيز الدعوة في أوساط النساء لإقناعهنّ بارتداء الحجاب وتبنّي الفكر
الإسلامي على أساس أنّ المرأة نصف المجتمع وعلى أساس أنّ النظام التونسي عمل
المستحيل من أجل تغريب المرأة التونسية .
- نشر المقالات الهادفة والواعية في جرائد الصباح , المعرفة والجيب والفجر في
وقت لاحق .
ومن خلال هذه المنابر الإعلامية كانت الجماعة الإسلامية وبعدها حركة الاتجاه
الإسلامي تعبّر عن طروحاتها وتفاعلها مع القضايا العامة وموقف الإسلام منها .
وكانت الأدبيات الخاصة بالجماعة الإسلامية في هذه المرحلة ثقافية وفكرية بعيدة
عن السجال السياسي . وكانت تحدث إسقاطات على الواقع المعيش , فالغنوشي مثلا
وعندما كان يلقي محاضرات عن العلمانية وضررها على المجتمعات الإسلامية كان
البعض وخصوصا في دوائر السلطة يفهمون ضمنا أنّه يقصد الحالة التونسية و النظام
تحديدا لكنّ الغنوشي لم يكن يسمّي الأشياء بمسمياتها .
وكانت الحلقات الداخلية للجماعة الإسلامية التونسية تركّز على أساليب تفعيل
الدعوة الإسلامية وتكثيف التبليغ الإسلامي في مؤسسات التربية والتعليم وإيصال
التبليغ الإسلامي إلى القرى والأرياف .
وكان الغنوشي باستمرار يعلن أنّه ضدّ العنف والعنف المضاد وهذا ما جعل السلطة
التونسية تغضّ الطرف عن تحركاته , لكنهّا كانت تحصي كل أنفاسه لمعرفة وجهة
الغنوشي والى أين يريد أن يصل هذا الرجل .
ولم تكن للجماعة الإسلامية فروع في القرى والأرياف بل كانت هناك شخصيات تونسية
إسلامية متعاطفة مع هذه الجماعة وكانت تستقبل الغنوشي بين الفينة والأخرى في
بعض الأقاليم التونسية .وأستطاعت الجماعة الإسلامية أن تخرج من تونس العاصمة
إلى العديد من المناطق التونسية. و كانت حلقات التشاور والبحث في مستقبل الدعوة
الإسلامية في تونس وكيفية تفعيلها تتمّ في البيوت و بعض المساجد , ولأنّها لم
تكن تنظيما كباقي التنظيمات فقد كانت الجماعة الإسلامية تعتمد على تبرعات من
عناصرها وخصوصا عندما تقام معارض الكتاب الإسلامي , وكان أغلب المنتمين إلى هذه
الجماعة يعملون في حقل التربية و التعليم .
وكانت الجماعة الإسلامية على علاقة ببعض الشخصيات والتيارات الإسلامية خارج
تونس , وكانت بعض الحلقات الداخلية في هذه الجماعة تعالج التجارب الإسلامية في
خط طنجة – جاكرتا . وتمكنّت الجماعة الإسلامية من استقطاب العديد من المثقفين
والجامعيين والمعلمين حتى عرفت هذه الجماعة بجماعة النخبة , وربما هذا ما أدّى
الى عدم تحوّل الجماعة الإسلامية إلى مدّ جماهيري كما هو شأن الجبهة الإسلامية
للإنقاذ وبقية التيارات الإسلامية في الجزائر .
وعن حركة الإسلامية التونسية يقول أحد مؤسسيها راشد الغنوشي أنّ الحركة
الإسلامية التونسية لم تظهر في مجتمع بدوي تسوده علاقات الفطرة بل ظهرت في
مجتمع أرهقته الحضارة الغربية وفتّ عضده ونخر كيانه تقليد الغرب والجري وراء
المظاهر الزائفة من حضارته , لقد خيّل لزعماء البلاد وكلهم إعجاب بالغرب أننّا
لن ننضمّ إلى ركب المتحضرين الغربيين حتى نسير سيرتهم في مظاهر حياتهم .
(1)
وعلى الرغم من حدّة التغريب والتبعية المفرطة للغرب في تونس ثقافيا واقتصاديا
وسياسيا, فقد تمكنت الجماعة الإسلامية من إعادة بعث الشخصية الإسلامية في تونس
, وتمكنت هذه الجماعة من تجنيب نفسها معارك جانبية مع السلطة ومع القوى
العلمانية الموجودة في الخارطة السياسية التونسية . ونجحت في تكريس القيم
الإسلامية في وقت كان فيه لبورقيبة إجتهادات غريبة من قبيل إباحة الإفطار في
شهر رمضان على اعتبار أنّ الإفطار يعززّ قوة الإنتاج الاقتصادي والصوم يضعف
الإنتاج الاقتصادي , ومن قبيل أنّ الحج يشكّل استنزافا للعملة الصعبة وتونس في
حاجة ماسة إلى هذه العملة الصعبة , ولنشر هذه المفاهيم الخاطئة عن الإسلام كانت
السلطة التونسية تعيّن مباشرة أئمة المساجد وكانت خطب الجمعة تصاغ في وزارة
الشؤون الدينية .
وكانت الجماعة الإسلامية تقوم بعمل موازي حيث كانت تقدم ما أصطلحت على تسميته
بالصورة الناصعة للإسلام الحضاري وذلك عبر أسلوب ثقافي وتربوي لا يستفّز السلطة
لكن يجعلها في حذر دائم ..
(1) المرأة المسلمة في تونس لراشد الغنوشي . عن دار التعلم في الكويت .
|