اعترافات دبلوماسي عراقي في قضية كوبونات صدام
قدمنا رشاوى وهدايا لصحفيين مصريين
مجلة روزاليوسف العدد رقم 3949


أخطأ الناصريون والقوميون خطأ فادحاً في التعامل مع قضية رشاوى صدام حسين التي قدمها للصحفيين والمثقفين والسياسيين والفنانين لشراء اقلامهم وذممهم وضمائرهم ... اخطأوا لانهم تعاملوا معها على اعتبار انها اتهام يطالهم جميعا وينال من تياراتهم السياسية ويحط من افكارهم ويظهرهم وكأنهم مرتزقة فلجأوا الى اسلوب غريب هو نفي التهمة كلية ومحاولة اثبات انها قضية وهمية ومختلقة بل وذهبوا الى ابعد من ذلك وهو اتهام كل من يثير هذه القضية من قريب او بعيد بانه عميل لامريكا واصسرائيل فاعطوا بذلك حصانة لمجموعة من الفاسدين حصلوا على اموال وهدايا ورشاوى من صدام حسين وحولوهم من "مرتزقة" الى ابطال وضحايا لعملاء امريكا لمجرد انهم ناصريون وقوميون.( انقر على العدد لتكبيره )
وانا هنا لا اتحدث عن قائمة صحيفة "المدى العراقية" ولكنني اتحدث عن المرتزقة الذين حصلوا على رشاوى بالفعل واصبحوا محصنين الان.
ان حصول ناصريين وقوميين على رشاوى من صدام حسين لا يسيء الى اي ناصري او قومي شريف ولكن الذي يسيء اليه هو تعمده التستر على هذه الرشاوى والتعتيم عليها لمجرد ان المتهم فيها ينتمي الى نفس تياره السياسي والفكري.
ثم ان الناصريين والقوميين مارسوا نفس اسلوب خصومهم الذين يهاجمونهم حيث اكدوا ان اثارة قضية رشاوى صدام حسين في هذا الوقت بالذات هدفها هو تخويف وترهيب الناصريين والقوميين وكل اعداء امريكا من اتخاذ مواقف معادية للولايات المتحدة ولكنهم في الوقت نفسه لجأوا الى تخويف وترهيب كل من يثير قضية رشاوى صدام حسين باتهامه بانه من عملاء امريكا ووقعوا في نفس المحظور وكأننا امام معركة بين جبهتين : عملاء امريكا وعملاء صدام وهذا الاختزال هو الذي يسيء الى كل المثقفين والصحفيين لان هناك من يكرهون امريكا ويكرهون سياساتها وممارساتها - وانا واحد منهم- ولكنهم رغم ذلك مع اثارة قضية رشاوى صدام حسين واي رشاوى يحصل عليها اي صحفي او مثقف من اي نظام.
لقد تحمست لاثارة قضية رشاوى صدام حسين وفضح الذين حصلوا عليها لانها يمكن ان تكون فرصة لفتح كل الملفات ... ملفات الذين يحصلون على رشاوى وهدايا ثمينة من كل الدول والانظمة.
هناك ايضاً رشاوى وشيكات وهدايا دول الخليج للصحفيين والمثقفين وهناك رشاوى الولايات المتحدة ... ومعظم الانظمة كانت وما زالت تلجأ الى اسلوب شراء الاقلام والذمم والضمائر قضية رشاوى صدام فرصة فاغتنموها ولا تهدروها لمجرد انها تمس بعض الناصريين والقوميين ... فرصة لفضح جميع المرتشين من الانظمة.
لذلك اعتقد انه كان على الناصريين والقوميين ان يتعاملوا مع القضية على الوجه التالي ...


اولاً: نحن ضد الرشاوى التي تدفعها الانظمة للصحفيين والمثقفين والسياسيين.


ثانياً: نحن مع التحقيق في رشاوى صدام حسين واحالة كل من يثبت - بالمستندات- تورطه فيها الى المحاكمة.


ثالثاً: نحن مع فتح كل الملفات ... ملفات وشيكات ورشاوى الخليج والولايات المتحدة وكل الانظمة التي تدفع للمثقفين والسياسيين.
ثم انه لا يعقل ان يتعامل الناصريون والقوميون بحدة وبافاضة مع قضايا من نوع اتهام الكاتب الكبير الراحل مصطفى امين بالعمل لحساب امريكا او اتهام الدكتور سعد الدين ابراهيم - حسب مقالاتهم- بتهمة مشابهة بينما يلجأون الى التهوين من - والاستخفاف ب- قضية رشاوى صدام حسين للصحفيين والسياسيين لمجرد ان طرفي الرشوة في الحالة الاولى هما امريكا و مثقفون معادون للناصريين والقوميين بينما طرفا الرشوة في الحالة الثانية زعيم قزمي وصحفيون ومثقفون ناصريون وقوميون يجب ان نكون ضد رشوة الصحفيين والمثقفين بكل اشكالها وصورها بغض النظر عن اطرافها ومهما كانت انتماءاتهم السياسية والفكرية.
وانا لا استبعد ان يكون احد اهم اهداف الترويج لقضية كشوف ورشاوى صدام حسين هو تخويف وترهيب المثقفين والصحفيين من اتخاذ مواقف هجومية معادية للولايات المتحدة ولا استبعد ايضا ان يكون الدافع انتقاميا من قبل اعضاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق ضد كل من ايدوا نظام صدام حسين في السابق.


لكن هل نواجه ذلك بالتستر والتعتيم ام بالشفافية والمكاشفة والوضوح والصراحة؟
الحل هو الشفافية ثم الشفافية ثم الشفافية فهي وحدها الكفيلة بكشف الزيف والتلفيق وفضح المرتزقة والمأجورين ثم ان الناصريين والقوميين يعلمون جيدا ان احد خطوط استراتيجية حزب البعث بقيادة صدام حسين هي شراء الاقلام والذمم والضمائر للترويج لفكر البعث ولصدام حسين نفسه ويعلمون جيدا ان هناك صحفيين ومثقفين وفنانين وسياسيين حصلوا على رشاوى وهدايا مماثلة من دول الخليج والولايات المتحدة ويؤسفني ان اقول ان اسلوب الناصريين والقوميين في التعامل مع قضية رشاوى صدام حسين اعطى حصانة لكل المرتشين من كل الجهات والانظمة وهي حصانة لا يستحقونها.
الحل في مثل هذه القضايا والازمات هو الشفافية والدعوة الفورية الى التحقيق في الامر ما دامت القضية تتعلق باتهامات رشاوى وشراء ذمم وضمائر.
وعلى هذا السياق اجدني مضطراً للكشف عن اعترافات مهمة وخطيرة اعترف بها لي دبلوماسي عراقي سابق كان يعمل في السفارة العراقية بالقاهرة وحتى لا يتهمه احد بالعمالة لامريكا فهو يعتبر ان قضيته الاولى هي اخراج قوات الاحتلال الامريكية من العراق ... اسمه لؤى الهاشمي ... اعترف لي بانه كان يسلم بنفسه رشاوى صدام حسين وهداياه الثمينة الى صحفيين ومثقفين وفنانين وسياسيين مصريين ... وهذه هي اهم واخطر الوقائع والمحطات في اعترافات لؤى الهاشمي - الموظف السابق في السفارة العراقية بالقاهرة- انقلها على لسانه:
بعض الصحفيين المصريين كانوا يحصلون على رواتب ثابتة ويأتون الى السفارة العراقية ليتسلموها ومع العلم بان السفارة مجرد وسيط حيث تأتينا الاموال من بغداد ولدينا قوائم باسماء معينة محددة من بغداد ايضاً.
انا شخصيا - والكلام ل"لؤى الهاشمي"- كنت ضد هذا الاسلوب لانه لا صلة له بالعمل الدبلوماسي وكلمت السفير العراقي آنذاك سمير النجم ليعفيني من هذه المهمة التي لم اؤمن بها.


في احدى المرات - يروي لؤى الهاشمي- جاء احد الصحفيين المصريين ليتسلم راتبه الثابت فاعطيته شيكا امام صحفي مصري آخر وكنت متعمدا ذلك فشكاني الصحفي للسفير الذي استدعاني على الفور وعاتبني قائلاً: كيف تتعمد ان تعطي الصحفي راتباً او مبلغاً من المال امام صحفي آخر؟ فقلت له: اذا كان رافضاً لهذا الاسلوب لماذا استلم المبلغ كان عليه ان يرفضه.
اخطر ما كشفه لي لؤى الهاشمي ان السفارة العراقية في القاهرة وبتعليمات من نظام صدام حسين كانت تتدخل بالاموال والرشاوى في الشؤون الداخلية لمصر وفي الانتخابات النقابية وانها تدخلت بالرشاوى في احدى انتخابات نقابة الصحفيين المصرية منذ سنوات بدعم مرشح تابع لصدام حسين على حساب مرشح آخر.


قال لؤى الهاشمي : طلب مني السفير وفقاً لتعليمات جاءتنا من بغداد بان اسلم مبلغاً ضخماً من المال الى احد الصحفيين المرشحين في انتخابات نقابية فتباطأت ولم اذهب حيث كنت اعتقد ان هذه عملية خاطئة وانا لا اؤمن بها لانها ضد مبادئي فانا احترم البلد الذي فتح ابوابه لي واكرمني ولا يمكن ان اقدم على تصرف يسيء اليه ... المهم انني لم اذهب بالاموال لتسليمها الى الصحفي المصري الذي جاءتنا التعليمات من بغداد لدعمه وانجاحه ونتيجدة لذلك سقط هذا الصحفي في الانتخابات وفاز المرشح الاخر.


ووجه لي السفير العراقي اللوم وحملني مسئولية سقوط مرشحهم وحققوا معي داخل السفارة وعاقبوني.
يواصل لؤى اعترافاته الخطيرة ويروي ان ابنة شخصية مصرية كبيرة كانت تتزوج فارسل لها صدام هدية ثمينة جداً وسبق ان كرر ذلك مع ابنة اخرى لنفس الشخصية حينما تزوجت وقال الهاشمي : حينما القيت نظرة على الهدية الثمينة وانا اغلفها دبت الحسرة في قلبي لانها ثمينة جداً ولا يوجد سبب جوهري لاهدار الاموال بهذه الطريقة.


وروى لؤى الهاشمي قصة كاتبة صحفية مصرية ذهبت الى بغداد وقابلت صدام حسين وكتبت عنه مقالة تمتدحه فارسل لها صدام هدية ثمينة عبارة عن عقد ثمين جداً وتولى الهاشمي توصيله للصحفية ويقول: الغريب انني شاهدت هذه الصحفية في السنوات الاخيرة ترتدي هذا العقد الثمين في الحفلات والمنتديات العامة دون خجل واضاف الهاشمي: هذا الصنف من الصحفيين لا يعبر عن الصحافة المصرية العظيمة انهم مرتزقة ولم اكن احترمهم ولكنني كنت موظفاً علي ان انفذ ما يطلب مني وفي بعض الاحيان كنت اتمرد ولذلك اعتذرت للسفير ورجوته ان يخلصني من هذه المهمة.
سألته: هل يمكن ان تكون هناك مستندات في بغداد تتعلق بالرشاوى التي دفعت للصحفيين والمثقفين المصريين من خلال السفارة العراقية بالقاهرة؟
قال: بالتأكيد توجد مستندات لاننا كنا نبلغ بغداد باننا سلمنا الهدايا والمبالغ الى فلان وفلانة وهذه طبعا تتم بين السفير والسلطة في بغداد خاصة المخابرات العراقية.


انتهت شهادة لؤى الهاشمي - الموظف السابق بالسفارة العراقية بالقاهرة- والتي كشفها لي في اكثر من جلسة خاصة وفي برنامج تلفزيوني على شاشة دريم الاسبوع الماضي وانا انشرها هنا لاتحمل مسئوليتها القانونية والادبية ولتكون نصا مكتوبا وموثقا يفضح المرتشين وهدفي هو ان اثير الفزع في نفوس كل من يحصلون على اموال وهدايا ورشاوى من اية دولة ومن اي نظام ... هدفي ان يتأكد المأجورون انه سوف يأتي اليوم الذي يفتضح فيه امرهم ... هدفي ان يتردد المأجور والمرتشي الف مرة امام هدايا ورشاوى هذه الانظمة ... اية انظمة ... سوف يقول البعض ان هذه الشهادة تشوه مصر وتظهر الصحفيين المصريين على انهم مرتزقة مأجورون وهذا هو كلام الفاسدين الذين يسعون الى ترهيب وابتزاز كل من يسعى الى فضحهم بشعار تقليدي جاهز وهو "سمعة مصر" مع ان مصر ليست هي المرتشين والمأجورين ... ومع اننا نعلم ان اية اتهامات توجه الى قلة لا تسيء الى الكل ولا تنال من المجموع والا رفعت الحكومة الشعار وقالت لنا : لا تنشروا قضايا فساد المسئولين لانها تسيء الى سمعة مصر.
الذي يسيء الى سمعة مصر هو التستر والتعتيم على وقائع الفساد والرشوة ثم اننا المنتمين الى قبيلة الصحفيين يجب ان نكون اكثر قسوة على انفسنا واكثر وضوحا وشفافية في التعامل مع اتهامات الفساد والرشوة لان الصحافة تلعب دوراً في فضح وكشف الفساد في المجتمع.


ولا يجب ان نحبط ذلك بتساؤلات من نوع: ولماذا رشاوى صدام؟ اين رشاوى دول الخليج والولايات المتحدة؟ ... بل يجب ان نقول صارخين:
حققوا في رشاوى صدام وافتحوا كل الملفات وافضحوا رشاوى دول الخليج والولايات المتحدة.
وفي النهاية ... اعترافات لؤى الهاشمي تتطلب اهتماماً من نقابة الصحفيين صحيح هي تتعلق بسنوات سابقة ولكن اصحابها ما زالوا على قيد الحياة ينشطون ويكتبون وينتمون الى نقابة الصحفيين وتتطلب تدخلاً من جهات التحقيق واجهزة الرقابة والهيئات القضائية لمعرفة ما اذا كانت اتهامات كيدية ام حقيقية؟
قضية رشاوى صدام هي افضل فرصة لكشف وفضح المرتشين من اية انظمة ولاثارة الرعب والفزع في نفس كل من تسول له نفسه الحصول على هذه الهدايا والرشاوى ... اغتنوا الفرصة ولا تهدروها.