* كتب : أسامة فوزي

* فليعذرني الصديق رسام الكاريكاتير الكبير علي فرزات لاني اخترت واحدة من اجمل رسوماته لتكون مدخلا لمقالي هذا .... وليعذرني المصريون لاني اخترت مثلا شعبيا مصريا يقول :" المال مال ابونا والغرب بيحسدونا " لاغيره الى " الطيز طيز ابونا والغرب بيحسدونا " .... حتى يستقيم المعنى والصورة مع واقع الحال بخاصة بعد ان رأى العالم كله اطياز السجناء العرب في سجن ابو غريب دون ان تهتز شعرة واحدة في رأس اي حاكم عربي لان رأس الحاكم العربي - كما رسمها علي فرزات - عبارة عن طيز هي الاخرى وبالتالي الحال من بعضه .


* منذ الاعلان عن وجود صور لسجناء عراقيين في "ابو غريب" انتهكت اعراضهم وحتى اليوم والبريد الالكتروني يحمل الينا صوراً عن عمليات اغتصاب يزعم مرسلوها ان جنوداً امريكيين ارتكبوها ومنها صور لثلاثة رجال يغتصبون امرأة في الصحراء وكان من الواضح لاي شخص لديه بعض المعرفة ببرامج الكمبيوتر ان هذه الصور مركبة وليست حقيقية ومع ذلك تبنتها بعض المواقع العربية وروجت لها وكأنها صور حقيقية .


* ميزة الصور التي عرضتها شبكات التلفزة الامريكية وتسببت بكل هذه الضجة هو انها التقطت بكاميرات الجنود انفسهم وبالتالي لا مجال للزعم انها صور مفبركة وتبين ان جنوداً آخرين اطلعوا على هذه الصور هم الذي (فسدوا) عن زميلهم للمسئولين وبالتالي فان محامي الجندي او الجنود المتهمين المتهم  لن يتمكن من الدفاع عن موكليه بالقول ان الصور مفبركة او مركبة ... فكيف اذن يمكن الدفاع عن هذه الممارسات التي ارتكبت على الارض العراقية امام المحاكم الامريكية ؟


* انا لست محامياً ... ولكني ومن كثرة دخولي المحاكم الامريكية اصبحت خبيراً بالقضاء الامريكي حتى اني كسبت قضية (نشر) في محكمة الاستئناف الفدرالية دون ان اوكل محامياً ودون ان التزم بالكثير من الشروط المطلوبة اصلاً للاستئناف في تلك القضية.... كتبت دفاعي بنفسي بعد ان اطلعت على قوانين الاستئناف في المحاكم الفدرالية وشروطها وقدمت الدعوى الى المحكمة بنفسي ونظر فيها ثلاثة قضاة فدراليون انتصروا للرأي الذي ادليت به ودخلت القضية في ارشيف المحاكم الفدرالية الامريكية باعتبارها اول قضية استئناف في دعوى نشر ( لايبل ) يفوز بها صاحبها دون ان يوكل محاميا عنه .


* انا لست محامياً كما قلت ... لكنني استطيع ان ادل المحامين هنا في امريكا على استراتيجية ناجحة للدفاع عن الجنود الذين انتهكوا اعراض السجناء في ابو غريب واؤكد لكم ان هذه الاستراتيجية ( الدفاعية ) ستربح لانها تقوم على نفس الاستراتيجية (الهجومية) التي قد يلجأ اليها محامو السجناء وهي طبعا القول ان انتهاك العرض في الثقافة والممارسة عند العرب والمسلمين كارثة وعار لا يمحوه الا الدم او التعويض المالي الكبير ... او الانسحاب من العراق.


* لو كنت محاميا امريكيا عن احد الجنود المتهمين سأبدأ مرافعتي بالقول ان ما فعله الجنود في سجن ابو غريب  هو ممارسة عادية ومألوفة عند العرب كانت ولا تزال وستظل تمارس في سجونهم دون ان يعترض عليها احد وبالتالي فان الجنود الامريكان لم يخالفوا العرف العربي والتقاليد العربية وقوانين السجون العربية .


* سأبدأ بطلب عرض اشرطة الفيديو المصورة للسجناء العراقيين في سجن ابو غريب في عهد صدام كتمهيد فقط وكفرشة لما سيلي من افادات.


* صحيح ان محامي السجناء العراقيين سيرفع يده في المحكمة محتجاً من باب ان تدخل الولايات المتحدة العسكري في العراق كان من اهم اسبابه تخليص العراقيين من هذه الممارسة وبالتالي لا يجوز اعتماد الاسلوب نفسه في السجون العراقية والا زالت اسباب التحرير ودواعيه وشعاراته!!


* كلام جميل ... وفيه بعض الصحة والمعقولية ولكن المحامي الشاطر سيسارع الى تقديم نص مصدق للمحكمة لشهادة خطية ادلى بها الدكتور هشام البستاني احد نشطاء حقوق الانسان في الاردن والشهادة منشورة في مجلة الآداب البيروتية كما انها موثقة لدى منظمة حقوق الانسان الدولية في نيويورك بل وفي منظمة حقوق الانسان الاردنية.


* الدكتور هشام تعرض شخصياً للاعتقال في مدينة عمان عن طريق الخطأ بعد احدى المظاهراتع التي خرجت في مخيم البقعة  واجبر مع سائر السجناء على خلع ملابسه امام السجانين في سجن الجويدة ( اللهم كما خلقتني ) وقام السجانون بالاعتداء على السجناء العراة بالضرب والاهانات وهو - تماماً- ما حدث للسجناء العراقيين في سجن ابو غريب مع فارق كبير وهو ان الدكتور هشام البستاني لم يكن ضابطاً في المخابرات العراقية ... والاردن ليس دولة محتلة والسجانون لم يحضروا الى عمان من امريكا وسجن الجويدة ليس سجن ابو غريب ... مما يعني ان الاعتداء على اعراض السجناء  غير مرهون بالعراق والعراقيين ولا يرتبط بنوع جواز السفر الذي يحمله السجان وانما هي ممارسة عادية ومعروفة ومشروعة تمارس في السجون العربية بحق مواطني الدولة وعلى ايدي سجانين من ابناء الدولة نفسها ودون سبب يذكر .... نوع من السادية لا اكثر ولا اقل .


* طبعا ....سينط محامي السجناء العراقيين معترضاً من باب ان الاردن ليس مثالاً يحتذى بدليل ان منظمات حقوق الانسان الدولية والعربية كثيراً ما تحدثت عن الفظائع التي ترتكب في زنازين المخابرات الاردنية.


* كلام جميل ... لن يمر على هيئة المحلفين والقضاة طويلاً لاني ساطلب من المحامي ان يختار بنفسه دولة اخرى غير الاردن على ان تكون دولة عربية واسلامية.


* صدقوني ان حمار المحامي سيغلب لان ما يدور في زنازين عمان هو ذاته ما يدور في زنازين دمشق ودول الخيج وجميع دول المغرب العربي وجميع الدول العربية الافريقية وزنازين ياسر عرفات ... وشهادات السجناء الذين انتهكت اعراضهم في سجون السلطان قابوس او في زنازين العقيد علي فليفل (في البحرين) او حتى في زنازين شيوخ قطر لا تختلف كثيراً عما ارتكبه الامريكيون في سجن ابو غريب مع فارق اساسي وهو ان جنوداً امريكيين لم تعجبهم هذه الممارسات من قبل زملائهم قاموا بتقديم شكوى للمسئولين في الجيش  فحول الضابط المسئول هؤلاء الجنود الى التحقيق بعد ان وضع تقريرا من 53 صفحة شرح فيها بالتفصيل ما جرى في السجن وقام المحققون الامريكيون انفسهم بتسليم محطة تلفزيونية امريكية الصور والتفاصيل فقامت المحطة الامريكية بعرض البرنامج ... واضطر رئيس امريكا نفسه الى الظهور على الفضائيات العربية ليلة امس حتى يعتذر ويؤكد ان الجنود الذين ارتكبوا هذه الجريمة سنالون عقابهم .


* هذا هو الفرق بيننا وبينهم ... الملك عبدالله نفسه تسلم النص الحرفي لشكوى المواطن الاردني الدكتور هشام البستاني والدكتور شادي مدانات - وكلاهما اردنيان- حيث شرحا للملك بالتفصيل الممل كيف انتهكت اعراضهم في سجن الجويدة دون سبب ودون تهمة ... ومع ذلك لم يعتذر الملك لهما ولم يأمر بالتحقيق مع ضباط السجن بل وسارع الملك الى منع مجلة محترمة مثل (الآداب) من دخول الاردن لانها نشرت شهادة الدكتور هشام البستاني عن السجون الاردنية وما يدور فيها .


* هتك الاعراض في المفهوم القانوني المدني وحتى المفهوم الشرعي لا يعني بالضرورة (ايلاج رأس الاحليل في قبل او دبر) ولا يحتاج السجين الاردني الذي ينتهك عرضه في سجن الجويدة الى  كاميرا حتى يصور عصا الشرطي وهي تدخل في دبره كي يثبت للمحكمة  جريمة انتهاك العرض التي تعرض لها لان الجريمة لم ترتكب وراء الغرف المغلقة .... انها ممارسة عادية وعامة تطبق على كل السجناء الجدد سواء دخلوا السجن بحكم محكمة او عن طريق الخطأ كما وقع للدكتورين هشام وشادي ... اما سجناء ابو غريب فقد تمت الجريمة في زنزانة واحدة فقط تصادف وجود بعض الجنود المنحرفين فيها .

*  ان مجرد اجبار سجين بريء - مثل الدكتور هشام البستاني- دخل السجن عن طريق الخطأ بخلع ملابسه - اللهم كما خلقتني- امام بقية السجناء وبقية السجانين هو بحد ذاته انتهاك صارخ لانسانيته ولعرضه ولشرفه ولكل القيم العربية والدينية التي نشأنا عليها.


* لذا لم اشعر بالقرف من صور السجناء العراقيين وهم يعذبون وتنتهك آدميتهم على هذا النحو لان السجانين هنا جنود احتلال (اجانب) والجندي الاجنبي قد يطخك ايضاً دون ان تهتز في رأسه شعره لانك عدوه ... لكن الذي دفعني الى التقيؤ هو قراءة عشرات المقالات لكتاب عرب اكثرهم من ضباط المخابرات نشرتها صحف عربية تمولها المخابرات تلطم الخدود على ضيعة الشرف العربي ... وانتهاك اعراض السجناء العرب !! وكأن لسان حال هذه الصحف يقول: ان انتهاك اعراضنا هو من صلاحية حكامنا و جنودنا ومخابراتنا وسجانينا فقط لان الطيز طيز ابونا والحاكم العربي حر في أطياز شعبه يفعل بها ما يشاء .

* بصراحة .... الاقربون اولى بالمعروف .... وبدل ان تبكي محطة الجزيرة على اعراض سجناء ابو غريب عليها اولا ان تبكي  على اعراض السجناء القطريين - ومنهم اولاد عم الشيخ حمد - الذين  اتهموا بتدبير انقلاب على الحاكم  .... وبدل ان تلطم جريدة الرأي الاردنية الخدود شفقة على سجناء ابو غريب عليها اولا ان تطالب بتعليق مدير سجن الجويدة على المشنقة لانه ينتهك يوميا اعراض السجناء الاردنيين .... وبدل ان يمزق الشيخ زايد دشداشته حزنا على سجناء ابو غريب ليبدأ اولا بالنواح على مئات المعتقلين " العرب " في سجونه ومنهم من يغتصب من قبل اولاد الشيخ نفسه .

* لعلكم ادركتم الان لماذا اخترت هذه الرسمة الكاريكاتيرية المعبرة والرائعة لرسام الكاريكاتير العربي السوري الشهير الصديق علي فرزات .... فرأس الحاكم العربي لا يختلف عن مؤخرته .

* ما حدث في سجن ابو غريب هو امر بشع ولن ينتصر للسجناء ويأخذ لهم حقوقهم الا القضاء الامريكي وقد يدفع الرئيس الامريكي نفسه ثمنا باهضا لحماقة الجنود ال 16 الذين ارتكبوا هذا العمل البذيء بدليل ان الكونغرس نفسه قرر ان يحقق في الفضيحة ونحن نرى - هنا في امريكا - علامات الاستياء مما حصل على وجوه جميع الذين نقابلهم من الامريكيين .... في حين لم نسمع حتى اليوم كلمة اعتراض واحدة او شجب لما حدث في سجن ابو غريب من اي حاكم او ملك او رئيس او شيخ عربي لان هؤلاء يعلمون ان فتح هذا الملف لن يكون في صالحهم لان ما دار في سجن ابو غريب  لا يقارن بما يرتكبه الحكام العرب في سجونهم .... ولان اعراض العراقيين قطعا لا تعني الحكام العرب .... لان هؤلاء الحكام هم الذين اوصلوا الجنود ال 16 الى بغداد ومنهم من قبض اجره على ذلك .