* كتب : أسامة فوزي


* قدم برنامج كوميدي مشهور هنا في امريكا يعرض اسبوعيا مساء كل يوم سبت ممثلين امريكيين
يسخران من جورج بوش ونائبه ديك تشيني  وهما يقفان امام اللجنة التي تحقق باحداث سبتمبر .... وقبل ذلك بأيام ضرب المذيع التلفزيوني الشهير " دان راذر " - وهو من ابناء تكساس - البنتاغون تحت الحزام حين قدم في برنامج " ستون دقيقة " صورا لسجناء عراقيين يتعرضون لعملية تعذيب مهينة ومخجلة من قبل جنود امريكيين ..... وتبعه بعد يوم واحد الصحافي والتلفزيوني الامريكي الشهير " تيد كابل " - وهو بالمناسبة يهودي - ببرنامج اخر في " نايت لاين " عرض فيه رغم انف وزارة الدفاع الامريكية صور واسماء 750 قتيلا امريكيا كانوا ضحايا حرب العراق الامر الذي دفع وسائل الاعلام الموالية لاسرائيل او للادارة الامريكية والتي كانت تتجاهل هذه المواضيع الى الاشارة اليها - مثل محطة فوكس نيوز - حتى لا تظل خارج دائرة اهتمام المشاهد الامريكي .


* وعلى الفور انضمت الصحف العربية وفضائيات الحكام العرب الى الصحف الامريكية ومحطات التلفزة الامريكية في التنديد بما حدث في سجن ابو غريب والتي تتلخص في ان 15 جندياً امريكياً اجبروا بعض السجناء على خلع بناطيلهم (ملط) واحدهم ظهر وعلى جسده كلام بذيء باللغة الانجليزية وسجين ثالث ظهر وهو يقف على صندوق وتتدلى من يديه اسلاك اوهموه انها اسلاك كهربائية كما ظهر سجين وهو ممدود تحت عسكري امريكي قعد على ظهره.


* فقعت من الضحك وانا اقرأ تعليقات الصحف الاردنية والعراقية والسورية والليبية والقطرية بل وانضمت الصحف الموريتانية والصومالية الى "الهوجة" منددة بما تمارسه السلطات الامريكية في سجن ابو غريب بحق السجناء العراقيين.... مذكرة البيت الابيض والعالم بحقوق الانسان ... وكأن "حقوق الانسان" انتاج عربي ... وكأن سجون الحكام العرب مدارس وجامعات تراعي حقوق المساجين الذين تغص بهم هذه السجون - واكثرهم دخلها دون محاكمة - واكثرهم لن يخرج منها الا جثة هامدة تلقى في مزبلة السجن ولا تسلم لاهلها .


* قلبت كل الصحف والتقارير التي كتبت عن حاثة سجن ابو غريب فم اقرأ سطراً واحداً يفيد - مثلاً- ان الجنود الامريكيين ال15 قتلوا احد السجناء او قلعوا عينه  او شبحوه او علقوه بالمروحة او ذوبوا جسده بالاسيد او اغتصبوا امه او ابنته او زوجته امامه ... وهي ممارسات كانت ولا زالت تمارس في جميع السجون العربية التي تقع على مرمى حجر من الصحف والفضائيات العربية التي تتبارى هذه الايام في البكاء على الشعب العراقي وما دار في سجن ابو غريب ... وهو السجن الذي مارس فيه صدام وعدي انوعا مبتكرة من التعذيب لم نقرأ عنها كلمة واحدة في اية جريدة عربية ... ولم تنشر اخبارها فضائية الجزيرة التي زار مديرها بغداد قبل السقوط وجلس الى صدام وعاد بما تيسر من رشاوى تم الكشف عنها بعد سقوط صدام فأقيل مدير المحطة القطري لرفع العتب ليس الا .


* هل قرأتم ما قالته النائب البرلماني السابق " توجان فيصل" عن عمليات التعذيب التي تعرضت لها في سجن الجويدة على ايدي قوات الاحتلال الاردني والتي توجت بأن " تشخ " مديرة السجن السيدة ابتسام الضمور في ماء الشرب المقدم لتوجان.... ويمد الى زنزانتها تسجيل صوتي مزعج لعلم ادارة السجن بان توجان مريضة ثم تلبيسها تهمة التذمر من القران الكريم وكأن السجانات حماة للقران وكأن ابتسام الضمور التي تستمتع باجبار السجينات على ممارسة السحاق امامها معنية كثيرا بالقران الكريم .... ودخول توجان السجن كان - كما نعرف - لانها احتجت على قرار رئيس الوزراء علي ابو الراغب بمضاعفة اسعار تأمين السيارات وهو قرار انتفعت منه ابنته التي تمتلك شركة كبيرة لتأمين السيارات في الاردن .... وبدل ان يدخل رئيس الوزراء السجن تم ادخال توجان وكأنها هي التي سرقت المواطنين الاردنيين وليس رئيس الوزراء وابنته .


* هل قرأتم ما كتبه الدكتورهشام البستاني الذي اعتقل خطأ ونقل الى سجن الجويدة حيث اجبر على خلع ملابسه كلها امام بقية السجناء حتى يتسلى بالفرجة عليهم موظفو السجن قبل ان يقوم المدير المصاب بمرض سادي بجلد السجناء الذين لم يكن قد صدرت بحقهم بعد اية احكام وكل جريمتهم - آنذاك- انهم تظاهروا ضد اسرائيل في مخيم البقعة!!( انقر هنا لقراءة رسالة الدكتور البستاني التي بعث بها الى الملك عبدالله حول هذا الموضوع  ).


* هناك سجناء قتلوا في سجون ابو عمار في الضفة وغزة اثناء التحقيق معهم وكانت سجون ابو عمار في مخيمات الفلسطينيين في بيروت عبارة عن ابار وحفر لا يدخلها هواء ولا ضؤ بينما تحولت دهاليز المدينة الرياضية في بيروت الى معسكرات اعتقال نازية لحركة فتح دخلها - دون سبب - الشاعر الشهيد الصديق علي فودة وقال لي بعد ان خرج منها :" يا خوي يا اسامة ... انا دخلت سجون الملك حسين ... وسجون عرفات .... سجون الملك جنة بالنسبة لسجون عرفات " .

 * اما سجناء المزّة في دمشق فحكاياتهم تصلح لان تكون مواضيع لافلام رعب حقيقية وهناك سجناء تم تذويبهم بالاسيد وانماط التعذيب في سجن المزة لم يرد ذكرها في اي كتاب تاريخي حتى الان لا ينافسه في هذه الخاصية الا سجون الاشباح في الخرطوم وسجن الجفر الصحراوي في الاردن المؤجر حاليا - كما علمنا - للامريكان ... وسجن " ابو سليم " في ليبيا الذي حصدت فيه الاف الارواح من الليبيين السجناء لمجرد انهم احتجوا على المعاملة ... وعدد الذي خرجوا بعاهات من سجون عربية اخرى لا يعد ولا يحصى بما في ذلك سجون الشيخ زايد وشيخ قطر وسجون قابوس فما بال حكام هذه الدول تحولوا فجأة الى حمل وديع يصدم بصورة لسجين عراقي شخ عليه جندي امريكي او انجليزي  في سجن ابو غريب خاصة وان المساجين المشخوخ عليهم كانوا من كبار الضباط في جهاز المخابرات العراقي الذي كان ينسف المعتقلين بالمتفجرات .


* اليس سجن ابو غريب هذا هو ذاته الذي مارس فيه صدام حسين صنوفاً من القتل والتعذيب توزع افلامها الان في اسواق بغداد في وقت صمتت فيه كل الصحف والفضائيات العربية لان اصحابها كانوا من زوار بغداد ومن رواد مهرجان المربد الذي كانت تتغزل فيه الشيخة سعاد الصباح بالعراقيين وبصدام حسين شعرا ... ونثرا !!


* من المؤكد ان الجنود الامريكيين ال15 الذين مارسوا هذا الفعل بحق سجناء ابو غريب قد سمعوا او شاهدوا بعض ما كان يجري للسجناء العراقيين في العراق (قبل تحريرهم) فارادوا اثبات انهم اكثر رحمة من صدام على الاقل لان السجين الذي شخوا عليه خرج من السجن حياً حتى يدلي بشهادته لمحطة الجزيرة ووجد صحفيا امريكيا يتبنى قضيته ووجد فضائيات امريكية شهيرة تدافع عنه وتهاجم البيت الابيض ووزارة الدفاع بسبب ذلك بينما فضائيات الحكام العرب مشغولة بعرض افلام وبرامج دعارة ونشرات اخبار عن انجازات الحكام كلها كذب في كذب .... والسجناء العرب في سجون الحكام يشخ عليهم ويعتدى عليه جنسيا ويعذبوا ومنهم من يموت تحت التعذيب دون ان يجد من يتبنى قضيته بما في ذلك منظمات حقوق الانسان العربية التي تتشكل في معظمها من رجال مخابرات .


* الطريف ان الصحف العربية المملوكة للحكام العرب ولاجهزة المخابرات ووزارات الاعلام - بما في ذلك طبعاً الفضائيات العربية- عممت هجومها على وسائل الاعلام الامريكية ناسية او متناسية ان المحطة الفضائية التي فضحت ممارسة الجيش الامريكي في سجن ابو غريب هي محطة امريكية ... وان الصحفي الذي اثار هذه القضية واستنطق المسئولين عنها هو صحفي امريكي وان عرض البرنامج التلفزيوني الذي فضح هذه الجريمة ( برنامج ستون دقيقة) هو برنامج امريكي وقد  عرض في وقت كانت فيه فضائية الشيخ زايد تعرض نتائج سباقات الهجن والجحوش في اسطبلات الشيخ واولاده ... وكانت فضائية الامير الوليد بن طلال اللبنانية تعرض آخر نتائج ستار اكاديمي.... وكانت محطة الجزيرة تعرض اخر خطاب لشارون وكانت فضائية الاردن تعرض نشيد " هاشمي هاشمي ".


* الجيش الامريكي في العراق كان وسيظل جيش احتلال ومن المؤكد ان هناك الكثير من المنحرفين في هذا الجيش شجعهم على الانحراف هذا الذل والانحطاط الذي تتميز به الامة العربية حكاما ومحكومين ولو كان السجناء في " ابو غريب " من كوريا او الصين او حتى افغانستان لما فعل الجنود الى 15 ما فعلوه ولكن السجناء هنا عرب " مقطوعون من شجرة " لن يجدوا من يسأل عنهم .... من سيسأل : الملك عبدالله ام شيوخ الخليج ام صاحب محطة الجزيرة القطرية ... ومن اوصل سجناء ابو غريب اصلا الى ما هم عليه ؟ اليس الحكام العرب الذين قدموا الدعم المادي والعسكري واللوجستي لاسقاط بغداد ؟

 *  سجناء ابو غريب لن يشعروا بالمرارة ذاتها التي كانوا سيشعرون بها لو ان السجان كان ابن بلدهم واغلب الظن ان سجناء سجن (ابو سليم) الليبي او المزة (السوري) او الجويدة (الاردني) يحسدون سجناء ابو غريب على الاقل لان سجناء ابو غريب وجدوا من ينقل معاناتهم الى الفضائيات والصحف العالمية بل وتجدهم يحسدون سجناء (عسقلان) الاسرائيلي على الاقل لان السجان الاسرائيلي يسمح للسجناء باستخدام الهاتف الجوال للاتصال بفضائية الجزيرة !! بينما السجين الفلسطيني في زنازين عرفات لا يسمح له حتى بشرب بوله حتى لا يموت من العطش.


* الجنود الامريكيون ال15 اعتقلوا وتم التحقيق معهم ومن المؤكد ان عقابهم سيكون بالسجن والطرد وربما بدفع غرامات مالية كبيرة ليس خوفا من العرب ولا من فضائية الجزيرة ولا استجابة لمقالات الصحفيين العرب وانما خوفا من الرأي العام الامريكي ووسائل الاعلام الامريكية والقضاء الامريكي لذا سارعت الجنرال جانيس المسئولة السابقة عن السجون العراقية الى تعيين محام لها ليدافع عنها وسارعت الى توجيه الاتهام لغيرها من الجنرالات لانها تعلم ان القضاء الامريكي لن يسكت عما حصل وليس مثل قضاء " ابو حسين " الذي ارسل لص البنوك " سميح البطيخي " ليس الى المشنقة وانما الى شاليه على البحر في العقبة .

* المقالات التي تنشر في الصحف العربية هذه الايام عن سجناء ابو غريب هي نوع من الدعارة السياسية والكذب الصراح يمارسه الحكام العرب علنا ودون خجل لهدف واحد فقط وهو الضحك على شعوبهم والظهور بمظهر المتأذي من مصير السجناء العراقيين مع ان هؤلاء الحكام كانوا سببا في هذه المحنة التي يعاني منها جميع العراقيين ... ولو وقع السجناء العراقيون في قبضة حاكم عربي لما اكتفى السجانون العرب بالشخ عليهم وتجريدهم من ملابسهم ..... وهذه حقيقة يعرفها كل مواطن عربي من المحيط الى الخليج .

* صور السجناء في ابو غريب والتي بدأت تتفاعل في المجتمع الامريكي ووسائل الاعلام الامريكية بل وفي حملات السباق الى الرئاسة قد تطيح بالرئيس بوش نفسه في الانتخابات القادمة كما تتوقع بعض المصادر ... فكم شرطيا عربيا - ولا اقول رئيسا او ملكا - فقد وظيفته بعد مقتل سجين عربي تحت التعذيب في سجون الحكام العرب !!

* الجواب .... ولا نص شرطي !!