|
الحركة المسرحية في الامارات وأجهزة الاعلام
نص محاضرة اسامة فوزي
القيت في غرفة الصناعة والتجارة في الشارقة
بدعوة من الدائرة الثقافية
بمناسبة المهرجان المسرحي في الامارات
لعام 1982

اسامة فوزي يتسلم شهادة تقدير عام 1982
من الشيخ احمد القاسمي رئيس دائرة الثقافة
والفنون في الشارقة بعد مشاركة الزميل اسامة
في الملتقى المسرحي في الامارات
(1)
عندما كلفت من اللجنة التحضيرية للملتقى المسرحي بإعداد دراسة عن المسرح وأجهزة
الإعلام ، غلب حماري ، ووقف جحشي أمام مجموعة كبيرة من الطروحات آلتي تدخل كلها
تحت هذا العنوان الكبير، الفضفاض ، الذي لم أجد له ذكراً في آي من كتب المسرح
ومراجعه ، وقد كنت أظن أنّ العودة إليها والنسخ منها ــ أو السرقة عنها ــ
سيكفيني مؤونة الجهد كما يفعل غيري من كبار نقاد المسرح والسينما ، لكن واضعي
تلك الكتب طرقوا أبواب المسرح كلها ونسوا هذا الباب رغم أهميته وخطورته .
(2)
ولأنني أدمنت الاشتراك في "الملتقيات " ؛ فقد أشفقت على نفسي من الاعتذار للجنة
التحضيرية ؛ التي توزعت الموضوعات فيما بينها ؛ ذلك أن الاعتذار سيحرمني متعة
الجلوس على المنصة وممارسة التعالم أوتلقيه من متعالمين مثلى ؛ وربّما محاكمتي
ــ كما حدث في ملتقى القصّة ــ بل والتصويت برفع الأيدي على جودة الدراسة أو
رداءتها ، من قبل جمهور مسرحي عزيز أمل أن يكون أكثر "حنية " واطلاعاً على هموم
المسرح من جمهور القصّة .
(3)
ربّما من أجل هذا ، وافقت على دخول التجربة البكر ، للمرة الثانية ، واضعاً نصب
عيني معادلة خرجت بها بعد تصفح كل كتب المسرح ومراجعه ، وهى أنّ موضوع "المسرح
وأجهزة الإعلام " سواء في الإمارات أو في الوطن العربي موضوع بكر ، ومن ثمّ
فإنّ اجتهادي فيه ؛ إن لم يدخل في باب الريادة ، لن يكون سسبة على أي حال ؛ لأن
أحداً من المحكمين لن يتمكن من وضع الدراسة على مسطرة فلان أو علاّن من
المنظرين ، وهم كثر في المسرح.
(4)
كانت البداية في تلك الأسئلة المتلاطمة التي عصفت بي وأنا أقلب عنوان البحث على
وجوهه فأجدها كثيرة ، كل وجه فيها أو منها يصلح لأن يكون موضوع محاضرة قائمة
بذاتها .
عنوان المحاضرة " المسرح في الامارات وأجهزة الأعلام "!!
هذا العنوان العام أو الفضفاض قد يقودني إلى التنظير وأنا أعلم أنكم لا تحبونه
لأنهّ ارتبط بالأستاذية والبابوبة والبطريركية والتعالم ، فالحديث عن المسرح
بمعناه المطلق دون تحديد لهويته ، عربياً كان أم أجنبياً تعنى أن نصل ما بين
طقوس الفراعنة على النيل وطروحات أرسطو مروراً بطقوس الحج في الجاهلية ؛
بما يحمله ذلك من دلالات " إعلامية " ووظيفية ، دعائية ، إلى جانب وظائف المسرح
الأخرى التي تعارف عليها المسرحيون ، واستثنى منهم طبعاً العرب الأوائل ــ ممن
عنوا بالترجمات ــ لأنهم عجزوا عن فهم قضايا أرسطو في المسرح فظنوا أنّ الدراما
مرادفة للهجاء والكوميديا مرادفة للمديح فجعلوا شعرهم وطقوسهم المسرحية تدور
بين هذين القطبين وتفريعاتهما بما تحملانه من دلالات بدائية لما نسميه اليوم "
بالإعلام " .
(5)
هذا منحى قد نذهب فيه بعيداً دون أن نخرج عن العنوان المعلن للمحاضرة ؛ ذلك أنّ
الملتقى لم يحدّد العناصر التي أرادها بلفظتي " المسرح " والإعلام " !!
• هل يراد بالمسرح ــ مثلاً ــ المسرح في الإمارات فقط ، وارتباطاته بأجهزة
الإعلام المحلية ، المقرؤة والمسموعة والمرئية ؟!
• هل يراد بالمسرح ، الأعمال الأدبية المسرحية ؟ أم يشمل المصطلح أيضاً العروض
التي تقدم على الخشبة ؟!
• هل يراد من المحاضرة أن تبحث في أثر المسرح أدباً وعروضاً على أجهزة الإعلام
المختلفة ، أم يراد ــ مثلاً ــ البحث عن أثر أجهزة الإعلام المرئية والمقرؤة
والمسموعة على النشاط المسرحي تعريفاً أو تخييباً ؟!
• هل يراد من المحاضرة تناول علاقة المسرح بالإعلام ــ أعنى وزارة الإعلام ــ
بما في ذلك سرد وتوثيق العلاقات الثنائية بين الجهازين والتي انتهت بإيجاد أو
إنشاء قسم خاص للمسرح ، له رئيس وموظفون وكوادر وخبراء ؟!
• هل يراد مثلاً تقييم أو تقويم الجهود الفردية للنقاد أو الصحفيين أو الكتبة
الذين تصدوا للكتابة عن المسرح في الإمارات طالما أن كتاباتهم تصل المشاهد
والممثل والمخرج والكاتب عبر جهاز إعلامي مقرؤ هو الصحيفة ؟
(6)
لعلّ هذا الملتقى يعنى بكل هذه الأسئلة ؛ لذا دعونا نطرق أبواب الموضوع المعلن
ــ للمحاضرة ــ من زاويتين :
• الأولى : علاقة المسرح بالجهازين الإعلاميين الرسميين ؛ الإذاعة والتليفزيون
فضلاً عن الجهة المشرفة عليهما واعني بها وزارة الإعلام .
• الثانية : علاقة المسرح بالجهاز الإعلامي المقرؤ ، الرسمي أو شبه الرسمي ،
الممثل بالصحافة المحلية .
(7)
غني عن الذكر أنّ النشاطات المسرحية في دولة الامارات العربية المتحدة قد بدأت
منذ مطلع الخمسينات - قبل اعلان الاتحاد - وربما قبل ذلك وكانت تقتصر على عروض
المدارس والنوادي الرياضية ولم يكن إسهام دوائر الإعلام في أبو ظبي ودبي
والشارقة يزيد عن تغطيات بسيطة للإذاعات المحلية المتواضعة ؛ حيث تأخر افتتاح
التلفزيون الحكومي ــ أبيض وأسود ــ إلى ما بعد عام 1969 ، وقد تم تسجيل أوّل
مسرحية محلية له وهى " مطوع وخميس" ونشط عدد من الشباب العاملين في الإذاعة
خارج النطاق الرسمي من أجل تكوين فرقة مسرحية ؛ نجحت في تقديم عمل واحد من
تأليف واخراج " حنّا سعادة " ولكن كل ذلك ظلّ بعيداً عن الرعاية المباشرة
للوزارة حتى عام 1975 عندما كلف الفنان المصري زكي طليمات رسمياً بوضع دراسة
وتقديم توصيات للنهوض بالحركة المسرحية في الامارات وفق أسس علمية وظلّت
التوصيات في الأدراج حتى استقدمت الوزارة في عام 1976 الفنان صقر الرشود من
الكويت كخبير للمسرح فيها وعلى يديه تم دعم الفرق المسرحية الشعبية مادياً وجرى
تعيين عدد من المخرجين ورجال المسرح لرفد الحركة المسرحية بخبرات عربية ؛ حيث
استقدم إبراهيم جلال ، مهدى كاظم ، خليفة العريفى ، عبد الكريم عوض وغيرهم ،
كما جرى تخريج بعض الفنانين المحليين وتعيينهم على ملاك الوزارة وتم وضع أسس
العمل المسرحي في الدولة وفق توزيع جغرافي وبشرى حيث تولى إبراهيم جلال مسئولية
الفرق المسرحية في الإمارات الشمالية وخليفة العريفى أصبح مسئولاً عن فرقة
المسرح الأهلي برأس الخيمة أما فرقة مسرح الإمارات ــ أبو ظبي ــ فقد تولى صقر
الرشود بنفسه رعايتها ، وأعلن في الوقت نفسه عن مسابقة للتأليف المسرحي .
(8)
بدأت بوادر هذا التحرك تظهر في عام 1979 م عندما شاركت وزارة الإعلام بمهرجان
دمشق المسرحي ، حيث قدمت فرقة مسرح الإمارات ــ التابعة للوزارة ــ مسرحية الفخ
لمحفوظ عبد الرحمن وإبراهيم جلال ، وفى منتصف هذا العام تم تخريج آخرين للعمل
على ملاك الوزارة منهم عبد الله المناعي ومحمد راشد والريح عبد القادر ؛ بينما
بعثت الوزارة ــ بالتعاون مع التربية ــ بعبد اللّه الأستاذ وإبراهيم بو خليف
للدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت ثم التحق بالوزارة مخرجان
متفرغان هما فاضل الزعبى وفاروق أوهان ، وبدأت تستضيف الوزارة فرقاً مسرحية من
الخارج ، مثل فرقة مسرح الخليج العربي الكويتية ــ التي قدمت عرضين هما شاليه
السعادة و أم عصفور ــ كما قدمت فرقة مسرح الفنون الكويتية مسرحية عزوبى
السالمية ، وجاء إلى الإمارات دريد لحام مع فرقته وقدموا القليل من المسرح
والكثير من التهريج وتركوا لنا مؤلف الفرقة محمد الماغوط ليواصل التهريج ، ولكن
في المسرح الثقافي ، قبل أن يعود إلى عمله السابق ــ والحالى ــ كرئيس لتحرير
مجلة الشرطة في دمشق ــ ما علينا ــ .
(9)
بعد رحيل صقر الرشود المفاجئ ، تولى إبراهيم جلال الإشراف على قسم المسرح إلى
أن التحق المخرج التونسي المنصف السويسى بالوزارة ، وخلال هذه الفترة كان العمل
المسرحي يدور في المكاتب ، ويبدأ بالتنظير ووضع البرامج والمشروعات والمقترحات
وينتهى في المكاتب أيضاً ، لعدم وجود ميزانية من ناحية ، ولبدء ظهور الصراعات
الوظيفية من ناحية أخرى ، وبدأنا نسمع جعجعة مسرحية ولا نرى طحناً ولا ما
يطحنون ، وليت تلك الجعجعة كانت مفيدة فمشروع المختبر المسرحي وضع في
الأدراج ومشروع المعهد المسرحي المتوسط وضع في الأدراج هو الأخر ، ومشروع الدعم
المالي المنظم للفرق أصبح مثل " غودو " الذي يأتى ولا يأتى في مسرحية صموئيل
بيكت المشهورة وظلت المشاكل متعلقة ، فلا الوزارة ــ لأسباب الروتين ــ
أوفت بدعمها المالي في مواعيد منتظمة ، ولا مشكلة الممثلين غير المتفرغين حلّت
، ولا التلفزيون العزيز ــ وهذه سنعود إليها ــ فكر بالتعامل مع المسرحيين ــ
أو عرض أعمالهم ، وحتى لائحة الأجور ــ أجور الفنانين ــ ظلت محل أخذ ورد ــ
هات وخد ــ حتى تم الإفراج عنها في أواخر عام 1981 م .
(10)
مع وصول المنصف السويسى ــ ولا أدرى لماذا ينسب إلى السويس ــ تحسنت الأحوال
قليلاً ، حيث ظهر مشروع النهوض بالحركة المسرحية الذي تقدم به وكيل الوزارة ،
وقد تضمن المشروع تسجيل بعض المسرحيات للتلفزيون مقابل أجر معلوم ــ ثم عقدت
دورة موسعة في إطار الاحتفال بأعياد يوم المسرح العالمي حاضر فيها يسرى ندا ــ
صدق أو لاتصدق ــ !!
(11)
نخلص من هذا إلى أنّ النشاط المسرحي كان سابقاً لوزارة الإعلام وأنّ تبني
الوزارة لهذا النشاط أقتصر على إنشاء قسم للمسرح واستقدام بعض الخبراء وتقديم
معونات مالية للفرق ومحاولة تدريب العناصر المحلية ! بابتعاثها إلى الخارج أو
باستقدام فرق شقيقة إلى الإمارات أو بعقد دورات تدريبيّة يحاضر فيها كبار نقاد
المسرح .
(12)
هذا ما كان من أمر جهود وزارة الإعلام ، ولاشك انّ هذه الجهود أعطت أكلها ،
وساهمت في دفع الحركة المسرحية إلى الأمام ، لكن الوزارة ليست قسماً للمسرح
ودورة للتدريب ودراهم لا تدفع في وقت معلوم ، بل هي ــ وهذا المهم ــ تلفزيون
وإذاعة فإلى أي مدى ساعد الجهازان ــ وأخص بالذكر التلفزيون ــ على دعم النشاط
المسرحي في الدولة !!
(13)
لو أردنا إحصاء العروض المسرحية التي قدّمت في الدولة منذ عام 1969 ــ أي منذ
ولادة التلفزيون ــ لوجدنا أنها تزيد عن خمسين عرضاً مسرحياً ، ولو بحثنا في
أرشيف التلفزيون الحكومي ــ تفريقاً له عن تلفزيون دبي ــ عن العروض المحلية
المسجّلة لوجدنا أنها لا تزيد عن أصابع اليد ، وأكثرها سجّل ولم يعرض ، رفعاً
للعتب وربما تنفيعاً لبعض الفرق ، وما عرض من هذا القليل لم يشاهد الاّ من قبل
ربّات البيوت أو الموظفين الفارين من وظائفهم أو العاطلين عن العمل ؛ لأنّ
العروض كانت صباحية ، وفى الصباح تعرض دائماً البرامج التي يخجل التلفزيون من
عرضها في ساعات الذروة ، إما لرداءة الإعداد أو لقدمها أو لأنّها مشتراه
والسلام ، وهذا من حق التلفزيون طبعاً لو أنّ ما يقدمه في ساعات الذروة من
برامج لمسعد إسماعيل وغيره ، تفضل العروض المسرحية المحلية !!
(14)
بين التلفزيون والمسرح المحلى طلاق كاثوليكى ، ويبدو أنّ هناك قراراً غير مكتوب
يحظر التعامل مع الفنانين المسرحيين أو عرض أعمالهم المسرحية ؛ إذ قلّما نرى
الممثلين المسرحيين في أعمال تلفزيونية محلية ؛ رغم أنّ تقديمهم للجمهور من
خلال شاشة التلفزيون يساعد بشكل غير مباشر ــ خلّيها مباشر ــ على جماهيرية ــ
مع الأعتذار لليبيا ــالممثل المسرحي في الإمارات ، وهذه الجماهيرية ــ أكر
الأعتذار ــ عامل جذب لابد منّه ؛ في عملية خلق جمهور مسرحي ؛ يقبل على المسرح
؛ إن لم يكن لموضوعه فلنجومه ، والنجومية لا يمكن تجاهلها في لعبة المسرح
والجمهور .
(15)
لابد انّ التليفزيون الحكومي ـ وتابعته الإذاعة ـ لم يٌعن بإيجاد برنامج خاص عن
المسرح ؛ أسوة بما كان يقدمه تلفزيون دبي ؛ وإن كانت تجربة تلفزيون دبي في
برنامجه "عالم المسرح" امتداد لرؤيته ـ اللارؤية ـ ليس للعمل المسرحي فحسب
وإنما للعمل التليفزيوني كلّه .
كان تلفزيون دبي قد أوجد برنامج "عالم المسرح" في مطلع الثمانينات , حيث كلّف
كرم فضّه بإعداده و كان من الواضح , ولأسباب لا مجال لذكرها , أنّ البرنامج
أرشيفي حيث قدّم كرم فضّة في برنامجه معظم ما تتضمنه مكتبة التلفزيون من أعمال
مسرحية عربية و عالمية , أمّا الأعمال المحلية فأندر من ابتسامة في مأتم ولمّا
جاء يوسف عيدابى وجد نفسه متورطاً في المعوقات ذاتها ؛ والتي فرضت عليه طرق
أبواب الأرشيف , والإكثار من الصفحات المجّردة ؛ التي تصاحبها الصورة ونفذ
عيدابى بريشة ليقع سعادة سوداح في المطب نفسه , و ليعيد عرض ما سبق و عرضه كرم
فضة مع تقديم فقرات محلية وفقاً لما يتوفر في الساحة بخاصة وأنّ حركة كاميرا
التلفزيون لم تكن قادرة على تجاوز دبي و الشارقة وحتى هذه وتلك لم يكن تغطية
النشاط المسرحي فيهما ممكناً بشكل دائم ولما جرى توحيد برامج أدب وأدباء ، عالم
المسرح ، نادى السينما ، في برنامج واحد ، كلفتٌ بإعداده وتقديمه ، ثم انضم الي
سعادة سوداح ليحرر فقرة المسرح ، أعقبه الدكتور إمام عبيد ، وجدتني في
الدوّامة نفسها ، فإمّا أن تقدم المسرحيات العربيّة الموجودة في الأرشيف
وإمّا أن تغيب فقرة المسرح عن حلقات البرنامج ، واخترت أهون الشرّين أعنى
: تقديم فقرات مسرحية أرشيفية وتطعيمها بلقاءات تصوّر بالأستوديو مع بعض رجالات
المسرح في الإمارات وقد توقف عرض البرنامج بسبب فقرة مسرحية أيضاً .
(16)
لقد ساهم تلفزيونا أبو ظبي ودبي في إفساد الذوق العام بتقديم مسرحيات تجارية
فيها الكثير من الإسفاف ؛ حتى ظنّ الجمهور إنّ الاسفاف هو الاصل والقاعدة
في المسرح وأنّ ما يراه ــ أحياناً ــ على خشبة المسرح في الإمارات هو
الاستثناء ، فإذا أضفنا إلى ذلك تجاهل التلفزيون هنا وهناك للفنانين المسرحيين
في أعماله التلفزيونية التجارية وفى برامجه المحلية والإصرار على تجاهل العروض
المحلية أو تسجيلها وركنها في زوايا الأرشيف أو عرض بعضها على استحياء في
الفترة الصباحية ، أدركنا أحد أهم معّوقات العمل المسرحي في الدولة .
(17)
لم يعد بإمكان المسرح أن يعيش وحيداً ، بعيداً عن وسائل الإعلام الفعّالة وعلى
رأسها التلفزيون والصحافة ، لا بل إن بعض الأعمال المسرحية المتواضعة جداً أخذت
شهرتها وجماههيريتها من الحملات الإعلامية المصاحبة ومن ذلك مثلاً مسرحية "
مصيدة الفئران " لأجاثا كريستى ؛ التي ورغم بساطة فكرتها البوليسية وحتى بساطة
التمثيل والديكور تحوّلت إلى معلم سياحي في لندن على امتداد ثلاثين عاماً ولا
أظن أنّ هناك زائراً يحط رحاله في لندن دون أن يرى مسرحية " مصيدة الفئران "
جنباً إلى جنب مع بيغ بن , وبرج لندن وقصر الملكة ومتحف مدام توسو
والهايد بارك .
إنّ مسئولية هذا القصور ذات شقين ، طرفها الأوّل " التلفزيون " والعاملون
فى الحركة المسرحية طرفها الثاني دون شك .
كيف هذا ؟!
كان على رجال المسرح اختراق التلفزيون للارتقاء بمستوى برامجه أولاً ، وللتعرف
على تقنياته والاستفادة منها في العمل المسرحي ، فالتلفزيون ــ الآن ــ هو أداة
المسرح الكبرى في الانتشار ؛ بخاصة في الدول النامية ، حيث تزيد نسبة الأمية
فيها عن 80% ، وعملية الاختراق هذه لها عدة جوانب .
• فالاختراق يمنع الدخلاء من الكتاب والمعدين والممثلين بل والإداريين من أن
يسرحوا ويمرحوا داخل استوديوهات التلفزيون ليقدموا كل ما هو غث وليفسدوا الذوق
العام بإختيارات هي بالتأكيد ترجمة لروايتهم المسطحة لدور هذا الجهاز في عملية
الإنهاض الاجتماعي .
• والاختراق يستوجب ــ قبل أن يصبح اختراقا خارجياً ــ اختراقا داخلياً للأشكال
المسرحية التقليدية الموروثة ، لأنّ لغة المسرح متطوّرة وتقنياته تتجدد كل يوم
ولا أظن أنّ الجمهور مهما كان بليداً سيقبل عرضاً فيه ذلك الإيقاع الرتيب الذي
تميز به مسرح القرون الوسطى على سبيل المثال .
• ثم إنّ اختراق الفنان المسرحي ــ مخرجاً وكاتباً وممثلاً ــ لما هو موروث ،
واقترابه من تقنيات العمل التلفزيوني يجعله أكثر قدرة على توظيف هذه التقنيات ،
ويجعله أيضاً أكثر قدرة على تلفزة عمله المسرحي ، أي على جعله مادة تلفزيونية
مقبولة من الجمهور العادى ، أسوة بما يفعله منتجو المسلسلات التلفزيونية ، وهذه
منافس خطير للمسرح ، فلو افترضنا أنّ مسلسل الظهيرة التلفزيوني الذي يعرض من
تلفزيون أبو ظبي يٌشاهد من قبل مائة ألف متفرّج فإن هذا يعنى إنّه في حال عرض
المسلسل نفسه على مسرح تقليدي مثل قاعة أفريقيا لوجب أن يستمر هذا العرض سبعة
أشهر متصلة وفى مسرح كامل العدد كل ليلة !!
• إنّ اختراق الفنان المسرحي للتلفزيون في سبيل الحصول على جمهور مسرحي ليس
عملاً صعباً ؛ لأنّ التلفزيون من حيث لا يدرى يعمل ــ فعلاً ــ على مسرحة كل شئ
في هذه الحياة يقول الناقد مارتن إسلنى : " إنّ إحدى النتائج الملموسة
لانتشار التلفزيون في العالم هو إتجاهه إلى مسرحة كل شيء ؛ الانتخابات السياسية
والحروب والمباريات والمناقشات ، كلها توضع عمداً أو صدفة في قالب درامي ،
ومعنى هذا أننا متجهون إلى عصر لا يميز فيه المتفرج بين ما يراه على خشبة
المسرح أو الشاشة الصغيرة وبين وقائع الحياة فيصبح الممثل زعيماً قومياً ويطلب
إلى الزعيم السياسي أن يصبح نجماً تلفزيونياً أو سينمائياً وهكذا علينا
نحن رجال المسرح والدارسين والمهتمين أن نفيد من هذا الاتجاه كي نتلفز فننا
المسرحي أي كي نجعله يسير على الطريق المؤدية إلى قبوله مادة تلفزيونية محبوبة
من قبل الملايين " .
(18)
ونأتى إلى ثالثة الأثانى " الصحافة " بعد الإذاعة والتلفزيون والحديث عن
الصحافة في الإمارات وعلاقتها بالحركة الفنية والأدبية والمسرحية ــ على وجه
الخصوص ــ حديث يطول ، والجدل حولها دائماً يكون جدلاً بيزنطياً فلا نقدة هذه
الصحف بنقدة ولا رجالات المسرح أرباب حوار ، وطلاب منطق وعلم ومعرفة
والأدهى أنّ كل طرف يتمسك برأيه وموقفه ــ اللا موقف ــ كما تمسك صاحب المسألة
الزنبورية بمواقفهما ، رغم هشاشة القضية كلها .
والمسألة الزبنورية مسألة في النحو ، أختلف فيها الكسائى وسيبويه في حضرة هارون
الرشيد حيث سأل الكسائى سيبويه أيهما أصوب أن تقول : كنت أظن أن العقرب أشد
لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إيّاها ؟ فقال سيبويه : الأصوب : فإذا
هو هي ولا يجوز النصب فخالفه الكسائى بذلك ، وكسب الرهان بعد ان أفتى الأعراب
بما يراه ، يقال عن طريق الرشوة ، فخرج سيبويه من بغداد مكسور الخاطر ولم يقدر
أن يعود إلى البصرة وقد كان إمامها غير منازع ومات مقهوراً في فارس !!
القضية هشّة من أساسها ، لكن عذرهما ــ الكسائى وسيبويه ــ أنهما كانا على رأس
ذلك العلم وتلك المعرفة ، أمّا ربعنا فلاهم في الرأس ولا في الذيل ، ومع ذلك
المعركة بينهما سجال ، يتمسك كل طرف بموقفه ــ اللا موقف ــ لا يتزأزأ عن مكانه
حتى يزأفه الطرف الخصم بمطرقة على الرأس ، ونقف نحن ــ قراء الصحف ــ لنراقب
المشهد عن كثب ونتحّير قائلين : وهل في الإمارات مسرح ونقدة
يستحقون كل هذا التزنبح ؟!
(19)
تبدأ المعركة بعرض مسرحي لإحدى الفرق ، وتكون هذه قد أعدت لعرضها بدعوة
الصحفيين ومن تتوسم فيهم المعرفة ومن تظنهم من حملة لواء الثقافة وهذه أوّل
خطيئات الفرق المسرحية فالصحفي ــ أو مدّعى الصحافة والثقافة ــ يظن أنّ
حضوره العرض المسرحي ليس واجباً أو مطلباً لإشباع رغبة المعرفة والتثقف عنده
كمطالعة الكتاب مثلاً ، وأنّما ــ بالدرجة الأولى لأنه يتمايز عن خلق اللّه
الحضور ، وإنّ دعوته بشكل خاص تعنى إعتراف الفرقة به كخبير من خبراء المسرح ،
ولعله يظن أيضاً أنها بدعوته تحاول تمّلقه ، أو شراء قلمه ــ وليس لأكثرهم ما
يمنع البيع ــ ومن غير المعقول أن ينفى هذا النمط من الصحفيين الطارئين على
المهنة والداخلين إليها من الأبواب الخلفية ، هذه الصفة المتوهّمة عن أنفسهم
بمدح العرض وتقريظ الممثلين ، لأن ّ ذلك يسقطهم من حساب الفرقة في المستقبل
ويدخلهم ضمن الجوقة ويفقدهم الكثير من الوجاهة والتعالم وحب الظهور ، لذا ترى
الواحد منهم يجلس ــ أو تجلس ــ طوال العرض كالطاووس ، معتقداً أو معتقدة ــ
أنّ عيون النظارة تنتقل ما بين خشبة المسرح وبينه ــ أو بينها ــ لتقرأ
تعابير الإعجاب أو الاستعاضة ، وتظهر مقالته ــ أو مقالتها ــ في اليوم التالي
على النحو التالي : ـ
(20)
يبدأ أولاً بتذكير القارئ أنّه حضر العرض ــ أو حضرت العرض ــ بدعوة من الفرقة
، ويتدلل قليلاً فيتحدث عن تلبيته لهذه الدعوة رغم كثرة مشاغله ثم ينشر
نص الدعوة وربما ينشر صورة له تظهره وهو يتصّور الجمهور أو حلقة المناقشين ،
ويبدأ باستعراض ( الحد وته )، إستعراضاً مملاً ، فيه الكثير من الخلل والمسخ
لمفاصل الرواية أو المسرحية ومدلولاتها وقد يستغرق العرض ثلاثة أرباع المقال ،
والرابع المتبقي يكون للنقد ، وعباراته ــ هنا ــ مألوفة للقارئ لأنها إنشاء
لغوى لا يدرك الكاتب خفاياه التقنية ــ فيتحدث مثلاً عن الإضاءة ، وكل عهده بها
معرفة محدودة بمبادئ الكهرباء وقناديل الزيت ومصابيح السيارة وتراه في حديثه عن
الديكور ينتقد الألوان أو التجريد بها وإذا بقيت فضلة في المقال ملأها
بالحديث عن الصوت ومدى إتقانه ، ثم يبدأ بتوزيع الأحكام على الممثلين وفقاً
لعلاقته بهم أو لانطباعاته المسبقة عنهم ، فهذا تفوّق على نفسه وذاك لم يكن كما
يجب والثالثة صوتها كان منخفضاً يفتقد الحرارة ، ولم تتفاعل مع النص كما
يجب ــ كيف ما يجب هذه لا أحد يدرى ــ والرابع كان مفاجأة المسرحية والخامس
تنتظر له مستقبلاً أفضل والسادس كان مرعوباً مصفرّ الوجه كيف رأى الناقد
إصفرار الوجه عن بعد لا أحد يدرى ــ بتأستذ الناقد أو النويقد أو النقدود ــ
على وزن شعرور وهو ما فوق المشاعر ودون الشويعر ــ فيوجه نصائحه للممثل الناشئ
بأن يدربّ نفسه على مواجهة الجمهور وأن يأخذ بتلابيب اللغة العرّبية حتى يتقن
فنون الرفع والجر و" النصب " مثله وما أكثر المولعين بالنصب في عالمنا
العربي .
(21)
هذا أنموذج للنقد المسرحي السائد في الصحافة الاماراتية ، وللنقاد المسرحيين
المنتشرين في الصحف المحلية أستطيع أن أدلكم عليهم واحداً واحدا مع الإشارة إلى
تواريخ المقالات المنشورة في الصحف والتي تسير في مجملها وفق هذا السيناريو
الذي أشرت إليه ، والقلة القليلة من النقد ، لا نجد فرصة للنشر ، لأنها لا تعمل
في الصحف ، أو لا تدخل في شلة هذا وذاك ، لذا تظل في دائرة اللاضوء وإذا ظهر
ناقد يكتب وفق الأصول ــ لأنه أبن أصول ودرس الأصول ــ حاربه النقدة الذين
ينتمون إلى تيار اللا أصول بمنع نشر مقالاته في الصحف أو باتهامه ظلماً
بالتواطؤ مع فرقة مسرحية ضد أٌخرى ، ويرد أبن الأصول على نقدات خصومه ، فيجد
نفسه في نقدة وبسبب طبيعة التعارك خارج أصول اللعبة النقدية ونعود في
الحوار إلى نقطة الصفر إلى المسألة الزنبورية طيبة الذكر !!
(22)
إنّ مشكلة النقد المسرحي لا تنفصل عن مشكلة النقد الأدبي أو الفنى في الإمارات
، وهموم المسرحيين مع الصفحات التي تخصص للحديث عنهم ــ أحياناً ــ لا تختلف عن
هموم الشعراء أو كتاب القصة أو الراوية من حيث اصطدامهم دائماً بعناصر مسؤولة
في هذه الصحف ؛ تباشر الأستاذية والتعالم بحكم مواقعها وليس بحكم ثقافتها
وعلمها وهؤلاء يستفيدون في الغالب من اضطراب سوق الصحافة للتسّرب إلى المهنةٌ
ومن ثم لممارسة " الأستذة " ومن قراءة سريعة لخريطة الأقسام الثقافية والفنية
في الصحف المحلية يخرج المرء بفهم كامل لهذا الخلل ، فالصفحات الفنيّة و
الثقافية يوكل أمرها دائماً لصحفيين لم يفلحوا في الأقسام الأٌخرى التي تتطلب
قدراً من التخصص ، مثل أقسام السياسة أو الاقتصاد أو العلوم فيحولوا إلى
الأقسام الثقافية والفنية ظناً من إدارات الصحف أنّ هذه لا تتطلب تخصصاً ، وهذا
يعكس إحدى أهم معضلات الوسط الثقافي في الإمارات وهو غياب إستراتيجية واضحة
للتعامل مع الثقافة إن بالنسبة للصحف ومنابر الإعلام المسموعة والمرئية أو
بالنسبة للمثقفين أنفسهم .
(23)
هذه المشكلة ليست قصراً على الإمارات وإن كانت تظهر بوضوح لكثرة الصحف وتعدّد
المنابر وقلّة الكثافة السكانية ( العربية ) وندرة المهتمين بهذه المجالات ،
فها هو سهيل إدريس يشير إلى شئ من هذا القبيل فيقول :
" لا بد من أن نؤكد اليوم ما قاله طه حسين منذ ربع قرن من أنّ الصحافة تلعب
دوراً كبيراً في إفساد الأدب ، وينطبق هذا أشد ما ينطبق اليوم على الصحافة
العربيّة ؛ ذلك إنّ معظم الذين يشرفون على الصفحات الأدبية والفنية والثقافية
بصورة عامة جهلة مغرورون أو مبتدئون لا يملكون من مقومات الأدب إلا عدة هزيلة
ومصيبة هؤلاء أو المصيبة فيهم إنهم ما يكادون يتسلمون صفحتهم الأدبية أو الفنية
حتى يتربعوا على منبرها ويبدءوا بإطلاق الأحكام وإصدار قرارات التصنيف بأنّ هذا
كاتب رديء وذاك أديب غير مبدع وذيّاك شاعر فاشل ولا يقدم محرّر الصفحة
الأدبية تبريرا لهذه الأحكام إلاّ بضعة أسطر سريعة لا تتجاوز العشرة بحجّة إنّ
مجال الصحيفة اليومية لا يتسع للدراسات الموسّعة ولا للأبحاث المحّققة ولن
تحتاج إلى وقت كبير ولا إلى جهد خاص لتكتشف إنّ معظم محرري الصفحات الأدبية لا
يحسنون كتابة العربيّة وقلّما تخلو كتاباتهم من أخطاء في الصرف والنحو
إنّ انعدام روح المسؤولية أصبح الصفة الطاغية لمعظم ما تورده صحفنا اليومية
الأسبوعية نقداً لكتاب أو تحليلاً لدراسة أو تعليقاً على مؤتمر أو ندوة وربما
كان مبرر ذلك إلى أنّ الذين يتصدون للعمل الأدبي في هذه الصحف هم أنصاف مثقفين
ممن سقطوا في الامتحانات المدرسية أو حشروا في الصفحة الأدبية لأنهم لا يصلحون
مخبريين محليين أو معلقين سياسيين "الخ
(24)
غني عن الذكر إنّ النقد المسرحي أو الفنى أو الأدبي طبع وموهبة ولكنه قبل هذه
وتلك دراسة وعلم ، ولأننا لسنا في زمن الموسوعات البشرية والعباقرة ولأنّ
الثورة في المعلومات أدخلت قدراً كبيراً في التخصص فإنّه يحق لنا أن نسأل عن
مؤهلات هؤلاء الذين يتصدون للنقد بكل أنواعه ، ويحق لنا أيضاً أن & |