كتب : أسامة فوزي


* عندما تلقيت قبل اشهر دعوة لزيارة "جمهوريات الموز" لم اتمكن من رفضها لسببين... الاول: ان هذه الجمهوريات اصبحت " سبة " نستخدمها نحن العرب كلما اردنا ان نضرب مثلا بهزالة دولنا العربية وبالتالي فان فضولي كصحافي لم يكن ليضيع هذه الفرصة التي لا اظنها قد اتيحت لغيري ... والثاني: ان الدعوة كانت (بحرية) بمعنى اني سأزور جمهوريات الموز على متن واحدة من اكبر وافخم سفن الركاب في العالم وهذا ايضا داعب فضولي فانا لم اركب البحر من قبل وكنت استمع الى حكايات كثيرة عن سفن عملاقة فيها مطاعم وملاعب كرة ومسابح ودور للسينما  فلا اكاد اصدق الى ان قال لي الداعي ان السفينة التي ساركبها في رحلتي تبلغ خمسة اضعاف حجم السفينة تايتانك الشهيرة واني لن اكون وحدي على متنها لانها ستحمل في رحلتها 2300 راكبا و 1200 موظف!!


* قبلت الدعوة على عجل ووجدت نفسي احتل غرفة في الطابق السابع من السفينة التي تتكون من احد عشر طابقا يتنقل فيها الناس عبر 13 مصعدا كهربائيا وتضم مسرحا فخما يتسع الى 1200 مشاهد وخمسة مسابح وحوالي سبعة مطاعم كبيرة منها واحد يعمل بنظام البوفيه ويفتح 24 ساعة متواصلة عدا عن ملاعب التنس والغولف وخلافه.


* اما لماذا اختارتني الجهة الداعية دون غيري فلانها ظنت اني ساكتب عن السفينة في (عرب تايمز) فيتسابق العرب الى الحجز فيها وكانت هذه الجهة واهمة فنحن العرب لا نعرف كيف نستمتع بحياتنا والميسورون منا ينفقون اموالهم - خلال اجازاتهم- في اماكن وقضايا بدأت تثير دهشة الاخرين ومنهم سائق سيارة في لندن سألني خلال زيارتي الاخيرة ولما طلبت منه ان يوصلني الى شارع (اجوارروود) عن السر في توجه جميع العرب القادمين الى لندن الى هذا الشارع واضاف : هذا شارع عادي لا شيء فيه سوى بعض المطاعم والمقاهي التي يجتمع فيها العرب القادمين من دول الخليج ... واضاف: ان عائلات عربية باكملها تحضر من السعودية مثلا حتى تلتقي في مقهى من مقاهي هذا الشارع فهل تحمل هؤلاء مشقة السفر وتكاليفه لوجود ازمة (اشغال) في مقاهي السعودية!! واضاف انه ومنذ عمله كسائق في لندن حمل آلاف العرب معه ولا يذكر ان احدهم طلب منه ان يوصله الى متحف او معلم سياحي آخر في العاصمة البريطانية على غرار السواح اليابانيين مثلا!!


* ركبت البحر وكما هو متوقع لم اجد بين الركاب ال2300 عربيا واحدا مع ان قبطان الرحلة ذكر خلال حفل اقيم على متن السفينة ان الركاب ينتمون الى 57 جنسية!!


* اعود الى "جمهوريات الموز" التي نستخدمها نحن العرب على سبيل السخرية ويكثر ذكرها في مقالات الكتاب والصحفيين العرب فاقول ان المقصود بها مجموعة دول امريكا الوسطى التي تطل على البحر الكاريبي والمحيط الهادئ والتي تشتهر بانتاج الموز وتصديره وقد اصبحت توصف بجمهوريات الموز على سبيل السخرية بسبب خضوعها لعدة انواع من الاستعمار بدءا بالاسباني والانجليزي والفرنسي وانتهاء بالامريكي ثم تصارعها فيما بينها على تجارة (الموز)!!


* توقفت السفينة العملاقة بعد اليوم الثالث من ابحارها امام شواطئ (هندوراس) الانجليزية فتذكرت على الفور وقبل ان اهبط من المراكب الصغيرة التي اقلتنا من عرض البحر الى الشاطئ ان اسم هندوراس كان يتردد كثيرا في كتب الجغرافيا المدرسية وكنت - كلما سألني المدرس عن اشهر صادرات هندوراس- انهال بالشتائم على هندوراس واهلها ليس لاني لم اكن اعرف ما هي صادراتها او اين تقع ولكن لاني كنت اعتقد ان مناهج الجغرافيا وكتبها مجرد مضيعة للوقت فما لنا - نحن في الاردن- ومال (هندوراس) هذه الدولة التي تقع على الطرف الاخر من الكرة الارضية ....أليس من الاولى ان يدرسونا جغرافية الوطن العربي الذي لا زلنا نجهله!!


* فقعت من الضحك وانا اضع قدمي على شاطئ هندوراس وتمنيت لو كان بامكاني ان اتصل بمدرس الجغرافيا لاقول له: انا تلميذك فلان واتحدث معك من (هندوراس)!!


* اكتشفت ان " هندوراس " التي وصلنا اليها هي في الواقع "هندوراسان" واحدة كانت تخضع للاستعمار الاسباني ... وهذه التي نزلنا فيها كانت تخضع الى الاستعمار الانجليزي وقد استقلت عن انجلترا عام 1964 لكن الذي اثار دهشتي ليس جمال الطبيعة في هذه الدويلة  الفقيرة  وانما اسم رئيس وزرائها والحاكم الفعلي فيها  ... فخلال تجولنا في الباص على الشاطئ الذي تحتله بعض الفلل الفاخرة - وهي قليلة- اشار الدليل السياحي الى واحدة من هذه الفلل قائلا: هذا هو منزل رئيس الوزراء " توفيق موسى "!!


* رفعت اصبعي بادب جم مقاطعا الدليل السياحي دون ان الفت النظر الى اصلي العربي وقلت له ان اسم رئيس الوزراء غريب ولا يتشابه مع الاسماء المتداولة في هندوراس والتي ينحدر معظم سكانها من قبيلة الهنود الحمر (المايا) ويتحدثون الاسبانية ويتسمون باسماء اسبانية فاعجب الدليل بسؤالي واعتبره (ذكيا) لانه انتبه الى غرابة الاسم وقال: رئيس الوزراء من اصل فلسطيني ... ولما ظن اني لم افهم ما يعنيه اشار الى ما يحدث في فلسطين بين العرب واليهود قبل ان يؤكد ان رئيس الوزراء فلسطيني (اينعم) لكنه (مسيحي)!!


* ما الذي اوصل المواطن الفلسطيني "توفيق موسى" الى (بليز) وهو الاسم الجديد لهندوراس حتى اصبح رئيسا للوزراء فيها وهل يعرف العرب الذين يسخرون دائما من "جمهوريات الموز" ان رئيس الوزراء في بليز هو الحاكم الفعلي لان منصب (رئيس الدولة) هو منصب فخري!!


* اذكر اني كنت قد زرت (جامايكا) قبل سبعة اعوام وهي كما نعلم احدى جزر البحر الكاريبي تقع في الجنوب من كوبا وتعتبر احدى جمهوريات الموز أيضا ... ومعظم سكانها المليون ونصف من الزنوج الذين استوردهم الاسبانيون من افريقيا للعمل في مزارع الموز ... يومها قيل لنا من قبل الدليل السياحي ان رئيس الدولة في جامايكا مواطن "لبناني"!!


* عندما نقلتنا السفينة بعد يومين الى (كوستاريكا) احدى اهم "جمهوريات الموز" التي نسخر منها نحن العرب اكتشفت ان الدولة الصغيرة المحاصرة بالمحيط الهادئ والبحر الكاريبي والتي يبلغ عدد سكانها اربعة ملايين نسمة تحتل الدرجة الاولى بين دول العالم في نسبة المتعلمين فيها اذ تقل نسبة الامية فيها عن ثلاثة بالمائة واكتشفت ان رئيس جمهورية الموز هذه امرأة وصلت الى الحكم عن طريق الانتخاب ... ونائب الرئيس امرأة ايضا ... واكتشفت ان في هذه الدولة التي نسخر منها نحن العرب جامعات ومعاهد يزيد عددها عما هو موجود في جميع الدول العربية مجتمعة ... واكتشفت ان شعب (كوستاريكا) الذي نسخر منه مشمول بالضمان الصحي والاجتماعي وحق التعليم وان شواطئ الجزيرة كلها (حق عام) لجميع سكان الدولة ومواطنيها لا يجوز ان يتملكها (اشخاص)!!


* زرت بنما وعبرت قنالها الشهير وزرت اشهر جزر البحر الكاريبي (ناسوا) و (كوزمول) و (جورج تاون) وتجولت في شارع البنوك في (جراند كايمن) لعلي التقي صدفة بوزير النفط الكويتي السابق الهارب اليها بمئات الملايين من الدولارات ... وقررت بعد العودة الى (الوطن) في ولاية تكساس ان اكتب فعلا عن "جمهوريات الموز" ليس لتشجيع العرب على زيارتها على متن البواخر السياحية العملاقة وانما لحثهم على التوقف عن السخرية من هذه الجمهوريات وشعوبها بعد ان تبين ان الدول العربية هي التي يجب ان توصف بانها (جمهوريات الموز) لان دول امريكا الوسطى التي نسخر منها كلها تقريبا دول مستقلة يصل رئيسها الى سدة الحكم عن طريق الانتخاب وفيها برلمانات وقوانين وحذاء رئيسة (كوستاريكا)  اشرف قطعا من رأس اكبر حاكم عربي لان هذه الرئيسة التي وصلت الى الحكم عن طريق الانتخاب وليس على ظهر دبابة (شطبت) الامية من بلادها وجعلت (كوستاريكا) نموذجا يحتذى في جميع برامج اليونسكو التي لم تتمكن حتى اليوم من محاربة الامية والجهل في مشيخة " ابو ظبي " التي لا يزيد عدد سكانها الاصليين عن ربع مليون نسمة يمتلكون مئات المليارات من دخل النفط ومع ذلك نسبة الامية بين السكان تزيد عن ستمائة بالمائة ويأتي رئيس الدولة نفسه على رأس الحمير الذين لم يتعلموا لانه لا زال الى اليوم يفك الخط بصعوبة ... ولا يعرف من اللغة الانجليزية الا كلمة " فياغرا ".
 

لقراءة المقالات السابقة لاسامة فوزي انقر هنا