كتب : أسامة فوزي


اكتشفت في صيف 1973 وجود غلط مطبعي في شهادة ميلادي تتعلق باسم العائلة فتوجهت الى الدائرة الحكومية الخاصة بشهادات الميلاد لتصويب هذذا الخطأ حتى لا يتعارض مع بقية اوراقي الرسمية فرفض الموظف المختص تصويب هذا الخطأ المطبعي واخبرني ان الامر يحتاج الى امر قضائي وان هذا الامر يتطلب مني رفع دعوى قضائية امام المحكمة المدنية للحصول على هذا الامر
توجهت الى المحكمة في مدينة الزوقاء الاردنية التي ولدت فيها وملأت الاوراق المطلوبة وحددت لي المحكمة يوما للحضور وفوجئت - عندما ذهبت الى المحكمة ذلك اليوم- بوجود مئات الاشخاص -مثلي- يريدون تصويب اغلاط في وثائق الميلاد وهي اغلاط يرتكبها في الغالب الموظفون الموكلون بتسجيل المواليد بسبب اميتهم وضعف معرفتهم باللغة ويدفع (المواليد) الثمن بعد ان يكبروا بهدلة ... ومراجعات ... ومحاكم
صعد الى المنصة رجل له كرش عرفت فيما بعد انه القاضي وبدأ ينادي على اصحاب القضايا ومعظمهم من كبار السن او البسطاء او البدو ولشدة دهشتي كان (القاضي) يسخر من الناس ويشتمهم بالفاظ بذيئة لمجرد ان هذا العجوز لم يسمع اسمه ... او ذاك لم يرد على القاضي بعبارة (نعم سيدي) او (حاضر سيدي) او (امرك سيدي)
انتظرت فرصة سانحة لاهرب من قاعة المحكمة قبل ان يأتي دوري حتى لا ادخل السجن فقد كنت يومها (عصبيا) لا احتمل الاهانة وكنت سارد على القاضي الوقح بالحذاء وهذا قطعا سيؤدي الى السجن ... وفضلت تكليف محام في الموضوع وانفض السامر
تذكرت هذه الواقعة وانا اقرأ قصة السيدة انيسة خضر التي اسقطت قاضيا امريكيا من منصبه وطردته من عمله وجعلته يكتب تعهدا على نفسه بعدم العمل في القضاء الى الابد ... وكل جريمة هذا القاضي انه (نكت) مع انيسة وهو على منصة القضاء فجرحت نكته مشاعرها مقررت مقاضاته وتلقينه درسا في الادب ... فانهار القاضي ... واستقال من عمله ... وتعهد بترك مهنة القضاء رغم انه قضى في هذه المهنة اربعين عاما
اسم القاضي وليام كروسيي ... وهو يعمل في احدى محاكم نيويورك اما انيسة خضر فمواطنة امريكية من اصل لبناني تعيش في المدينة
انيسة توجهت الى المحكمة لتدفع غرامة مرور مقدارها عشرة دولارات ولما جاء دورها وقرأ القاضي اسمها وادرك انه اسم عربي القى القاضي عليها نكتة امام الحضور ... سألها: هل انت ارهابية ؟... طبعا انت تتبرعين للمنظمات الارهابية في الخارج ولا تريدين دفع عشرة دولارات.
القاضي في بلادنا العربية قد يضرب المتهم وقد يشتمه ... وقد يأمر بسجنه دون سبب لانه لا توجد في بلادنا محاكم ولا قضاء ... هي مؤسسات لموظفين تعينهم الدولة ... وتحركهم اجهزة المخابرات
في امريكا قضاء ... وهو قضاء عادل قياسا بالقضاء المضحك في بلادنا العربية وهو قضاء (اسلامي) يتساوى امامه الكبير والصغير الغني والفقير ... لذا وجدنا راقصة من اركنسا تجرجر الرئيس الامريكي بيل كلينتون في المحاكم يوم كان في اوج مجده كرئيس لامريكا ... ووجدنا قاضية في مدينة اوستن بولاية تكساس تأمر بايقاف ابنة الرئيس بوش وتحكم عليها لانها اشترت علبة بيرة قبل ان تبلغ السن القانوني وهو 21 سنة
اولاد الحكام العرب يسرقون ويغتصبون ويسكرون ويقتلون ويعذبون دون ان يجدوا قاضيا واحدا او شرطيا او وزيرا يجرؤ على ان يقول لهم ( ثلث الثلاثة كام)
في احدى الندوات التلفزيونية التي عرضتها احدى الفضائيات العربية شرح مواطن عربي كان يقيم في امريكا اسباب عودته الى الاردن فقال انه فعل ذلك من اجل اولاده لان اخلاق الامريكان كذا وكذا ... وبدأ يعدد بمساوئ المجتمع الامريكي
يومها رد عليه الدكتور احمد الكبيسي الذي كان يشارك في الندوة قائلا : يا اخي لماذا لا نأخذ من امريكا الجيد ولامفيد ... في امريكا قد تجد بين خمارة وخمارة مستشفى او جامعة او مدرسة ... اما في بلادنا العربية فستجد بين خمارة وخمارة ... خمارة!!!
 

لقراءة المقالات السابقة لاسامة فوزي انقر هنا