|
قالت في رسائلها
إنَّ الصحافة تعاني من ضغط الحكومات العربية
اكتشاف 15رسالة مجهولة
لنازك الملائكة كتبتها قبل 50سنة !
قرأ الرسائل: أحمد الشهاوي -- وكالة الأهرام للصحافة
خمس عشرة رسالة بالبريد الجوي (البريد العراقي) وصلت من
نازك الملائكة ( 80سنة الآن وتعيش و حيدة مع ابنها في ضاحية مصر الجديدة
بالقاهرة) وكان عنوانها آنذاك 12/4أبو قلام - الكرادة الشرقية - بغداد - العراق)،
كانت قد أرسلتها إلى الأستاذ عيسى الناعوري . صندوق بريد - 352عمان، الأردن .
وهي رسائل مخطوطة لم تُنشر كتبتها الشاعرة العراقية الرائدة في الفترة من
14سبتمبر 1952وحتى 16من مايو 1954، حيث كان عيسى الناعوري وقتذاك يصدر مجلته
الشهرية القلم الجديد في عمان، وصدر منها اثنا عشر عدداً ما بين 1952أغسطس
1953.وكانت نازك الملائكة حسبما جاء في رسائلها ترجو عيسى الناعوري أن ينشر ما
ترسله اليه باعتبار أنها "آراء عابرة غير منسَّقة، إنها كلام أو جزء من حوار
بيني وبينك وليست مقالاً لتستأهل النشر ( ... ) وإذا أردت أن تحتفظ برسالتي تلك
وبهذه فافعل، فقد يتاح لك نشرها بعد عشرين سنة، إن كان الجمهور آنذاك سيهتم
بشيء مثلهما . إن انعدام الزمن وحده الذي يجعل للرسائل الشخصية قيمة" .
وها هي خمسون عاماً مرت على كتابة نازك الملائكة رسائلها لعيسى الناعوري . وفي
رسائلها ترى نازك الملائكة أن النقد الأدبي فرع مُهمَل من فروع الأدب العربي،
خصوصاً أن الجمهور يحمل مفاهيم مغلوطة عنه وينبغي تصحيحها. وقد أبدت نازك أن
تشارك في مجلة عيسى الناعوري "القلم الجديد" في "جانب النقد الأدبي" باعتبار
أنه "يوشك نقدنا المعاصر أن يكون محض اتجاهات ذاتية فيما أرى"، كما أرسلت
قصيدتها "السلم المنهار" وصورة لها كي تُنشر مع القصيدة .
ونعرف من خلال رسالة نازك الملائكة التي كتبتها في السادس من فبراير 1953أنه قد
وقع لها حادث منعها من الحركة وعرَّض "ساقها إلى جرح بليغ ورضوض مؤلمة ما زالت
تعرقل نشاطي" . وأثارت متأسفة إلى أن الصحافة تعاني ضغط الحكومات العربية . وفي
هذه الرسالة أيضاً نعرف أن الرقابة العراقية قد صادرت بعض اعداد مجلة "القلم
الجديد"، كما أنها اعتادت مصادرة مجلات ثقافية عربية عديدة .
وتكشف نازك الملائكة في رسالتها هذه عن أن أمها شاعرة . وقالت إنها سترسل إلى
المجلة قصيدة من شعرها في فلسطين "مئة وسبعون بيتاً" والواقع أن أكثر شعر
والدتي قومي وطني اجتماعي، والذاتي منه يستند إلى أسس تخالف الأسس التي يستند
اليها شعري مخالفة تامة". وتعترف أن "الأردن والعراق سيان في تأخر شؤون الصحافة
والطباعة وأنت تعلم أننا هنا لم نستطع بعد امتلاك مجلة تعبِّر عن الحركة
الأدبية في البلد، ومازالت الصحافة تدور في مجال يومي صرف" .
وفي رسالة رجت عدم نشرها حيث فيها ذكرت أن مظاهر الزينة الفخمة قد كلفت الحكومة
العراقية ثلاثة ملايين دينار، وتتمنَّى أنه كان ينبغي صرف هذا المبلغ على
الجماهير التي خرجت للاحتفال ب "تتويج الملك العزيز": "ولو ألبسناهم أحذية
وكسونا أجسامهم التي خشنها البرد والحر وثَقَّفءنَاهم" .
وقد أكدت نازك الملائكة في إحدى رسائلها أنها تبغض الرسائل القصيرة، وأشارت إلى
أن أمها ماتت مباشرة بشكل مفاجئ حيث لم يسبق الوفاة !! تمهيد ولا إنذار" وتقول
"لقد تركت والدتي إنتاجاً شعرياً ضخماً، وكانت تنوي أن تطبع ديوانها الأول هذا
الصيف ( 1953ميلادية) فأوقفت وفاتها المفاجئة كل شئ ( ... )
وإن أكثر شعر أمي كان في فلسطين فقد عاشت وماتت وهي تلهج بهذا الاسم . إن
الحيرة لتملكني وأنا أُقلِّب مجموعاتها الشعرية المكدسة أمامي، وأنا أكتب هذا
فهي كانت شاعرة فلسطين بحق، ولا أدري كيف يمكن أن يكون أي شاعر فلسطيني قد توجع
لقضية بلاده الضائعة أكثر مما توجعت شاعرتنا الفقيدة ".
كما أشارت في رسالتها هذه إلى أن هناك "كتاباً لأبي سيصلك" مما يشير إلى أنها
شاعرة تربت في بيت يمارس فيه الأب والأم الكتابة الإبداعية .
نازك الملائكة التي أصدرت ديوانها الأول "عاشقة الليل" عام 1947تصف المجتمع
العربي بالجهل، لأن الصحف الأدبية فيه عادة ما تتوقف وتموت في عمر الزهور، "ألا
ترى كيف ماتت مجلات المقتطف والرسالة والثقافة وعلم النفس ومن قبلها "الكاتب
المصري" .
وتذكر صاحبة ديوان "شظايا ورماد" عام 1949أن في هذا الديوان "أول صوت سمعته
البلاد في الدعوة إلى الشعر الحر، ( ... ) وأن الصحف العراقية لم تنشر بيت شعر
واحداً على هذا الأسلوب قبل أن يصدر ديواني هذا وتثور الضجة حوله" .
ومن ثم صار شائعاً لدى الناس أن نازك الملائكة أول "شاعر" يكتب قصيدة من "الشعر
الحر " - وهذا - للأسف - غير صحيح فقد اهتممت لسنوات طويلة بهذا الموضوع، فقد
يمكن أن تكون كذلك في العراق فقط، لكن قد سبقها إلى هذا الشكل أسماء كثيرة كتبت
قبلها بعشرات السنين ولعل الرجوع إلى مقالات أحمد عبد المعطي حجازي وغيره فيه
إفادة كافية في هذا الموضوع كما ألقت النظر إلى كتاب مهم للناقد السعودي
الدكتور عبدالله الغَذَّامِي أثار قضية زيادة "الشعر الحر" في الشعر العربي،
وكانت آراؤه مستندة إلى وثائق تاريخية تدلَّ جميعها على أن الملائكة لم تكن
الأولى أبداً .
وإذا كانت نازك الملائكة قد قالت في إحدى رسائلها "كنت لم اقرأ شيئاً يماثل
أسلوبها (قصيدة الكوليرا التي تدعي بها الريادة) في الوزن في اللغة الغربية،
وقد تبعت فيها أسلوب الشعر الإنجليزي مباشرة) . وهذا - للأسف الشديد - يعني أن
نازك الملائكة لم تكن مطلعة بشكل جيد على التجارب المهمة التي سبقت قصيدتها "الكوليرا"
خصوصاً ما كتبه: لويس عوض، علي أحمد باكثير، خليل شيبوب، وغيرهم، وكان ذلك
قبلها عند بعضهم بعشرين عاماً على الأقل، ولا أدري لماذا المكابرة إذن ألم تكن
تقرأ ؟ !
وتقول صاحبة كتب "قضايا الشعر المعاصر" 1962، و "شعر علي محمود طه" 1965، و "التجربة
في المجتمع العربي" 1970، "سيكولوجية الشعر" 1990إن الشعر الحر "شعر موزون جاء
على أوزان العرب تماماً هذا في الأصل، ولستُ مسؤولة عما صار إليه الشعر الحر
اليوم، فأنا أقرأ منه نماذج فظيعة في الصحف يضطرب وزنها وينشر ويدور، سامح الله
هؤلاء الشعراء" .
ومما يؤسف له أن تقول نازك الملائكة في رسالتها التي كتبتها عام 1954: "... لم
أكن على اطلاع على أية محاولة، لأي شاعر، وقد كان لاهتدائي إلى الوزن الحر ضجة
وحماسة هائلة في منزلنا وفي دوائر أصدقائنا القريبين إذ ذاك"، هي تعترف أنها لم
تطلع على محاولات من سبقوها، وهي كثيرة وقديمة، فكيف تقول إنها اهتدت إلى شكل
قصيدة الشعر الحر وتصر على أنها الأولى، وينبغي كما جاء في عدد من رسائلها أن
يصدقها الجميع الذين بعضهم على اطلاع بالتجارب السابقة، إن نازك من بيت علم،
وكان تأتيه الصحف والمجلات، ولا شك أنها قرأت أو تابعت، وإن لم يكن فماذا نسميه
سوى الجهل بما قدمه الشعراء السابقون .
عموماً ستظل قضية الريادة في الشعر
الحر مثار جدل، على الرغم من أن الباحثين والنقاد والشعراء يعلمون الحقائق،
ولكن الإعلام استطاع على مدى ما يزيد على خمسين عاماً أن يكرّس - للأسف - ريادة
نازك الملائكة، وقد صدّقَها "الناس"، ولكن للتاريخ كلمته، حيث لا يعترف ب "البروبجندا"
.
بقي
أن نقول إن عيسى الناعوري ا لذي رسالته نازك الملائكة والتي لا تدري أين ذهبت
رسائله اليها قد ولد عام 1918، وله ستون كتاباً مطبوعاً، وعدد من الكتب لم يطبع،
وكان يجيد الإيطالية والإنجليزية ويترجم عن الفرنسية والإسبانية . وتشمل كتبه
المطبوعة - كما يذكر صديقنا الشاعر الأردني تيسير النجار الذي حصل على هذه
الرسائل من أسرة الناعوري وكان فضل التعريف بها وتقديمها ونشرها -: القصة
القصيرة، والرواية، والشعر والنقد الأدبي، والبحث والدراسة والتراجم والسِّيَر،
وأدب الأطفال والأحداث، والترجمة من اللغات الغربية وإليها، والكتب المدرسية .
وإلى رسائل الشَّاعرة نازك الملائكة التي أصدر لها المجلس الأعلى للثقافة في
القاهرة أعمالها الشعرية والقصصية والنقدية في أربعة مجلدات:
بغداد
في
1952/09/14الأديب الفاضل الأستاذ عيسى الناعوري،
أرق تحية، ..
تلقيت العدد الأول من مجلتك المبشرة شاكرة لك أجمل الشكر، ووجدتها - كما أمّلت
- قيمة، تستجيب للآمال التي عقدها عليها، ويعقدها معي أدباء كثيرون ولا مجلة
تبدو لي اليوم أهم لثقافتنا وأدبنا المعاصر من مجلة تجعل هدفها الأول النقد
الأدبي .. أقول هذا وأنا أتذكر أن صاحب "القلم الجديد" معنى منذ سنين بالنقد
الأدبي، ولا شك أن مجلته ستخصص جهوداً كبيرة لهذا الفرع المهمل من فروع الأدب
العربي ونعنى على الأخص، بتصحيح المفاهيم المغلوطة التي يحملها جمهورنا عنه .
وقد بلغني الأستاذ صالح جواد طعمة - مراسل مجلتكم في بغداد - دعوتك، ويسرني أن
البيها، وسأرسل لعدد الشهر القادم قصيدة أو مقالاً .
ولمجلتك ختاماً تمنياتي، ولك خالص المودة والتقدير .
المخلصة
نازك الملائكة
...................
بغداد
في
1952/10/03الأخ الأستاذ عيسى الناعوري:
أرق تحية وأجمل ..
تلقيت رسالتك مغتبطة وقد غمرتني فيها بثقتك الكريمة التي أعتز بها، وأرجو أن
أحققها . ويسرني أن أشترك في جانب النقد الأدبي في المجلة، كلما أمكن لي ذلك،
وإن كنت أرجو ألا تخلو أعداد المجلة من مقالاتك التي تعبر عن اتجاهاتك الذاتية
الصرف .
(ويوشك نقدنا المعاصر أن يكون محض اتجاهات ذاتية، فيما أرى) ألا ترى معي أن
المجلة التي يديرها ناقد أدبي تستطيع أن توجه النقد توجيهاً فعالاً ؟
تصحب كتابي هذا قصيدة لي عنوانها "السلم المنهار" ونسخة من صورة لي للنشر .
وختاماً أكرر تمنياتي المخلصة للقلم الجديد، وأبعث إليك بأجمل التحيات وأطيب
المودة والتقدير .
المخلصة
نازك الملائكة
..............................
بغداد
في
1953/02/06الأخ الرقيق الأستاذ عيسى الناعوري،
تحية جميلة:
تلقيت رسالتك الكريمة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وكنت أود لو أجبت عليها في
ظروف أنسب من الظروف التي أكتب فيها الآن على أن الكتابة الموضحة خير من السكوت
التام الذي أرجو ألا يكون الأخ أساء به الظن فحسبه بروداً أو إهمالاً أو نسياناً،
أو أي مصدر من هذه المصادر المتجنية . فمجلة "القلم الجديد" عزيزة عندي، وأرجو
أن تثق دائماً من صداقتي ومؤازرتي .
والحقيقة أنني خلال هذه الفترة التي سكتُّ فيها عن الإجابة كنت مريضة ممنوعة من
الحركة بسبب حادث وقع لي منذ عشرين يوماً فعرّض ساقي إلى جرح بليغ ورضوض مؤلمة
ما زالت تعرقل نشاطي . وهذا يجعل من الحكمة أن أؤجل أي شئ للقلم الجديد أسبوعين
آخرين، ومعنى هذا أنني سأدرك عدد نيسان وأرجو ألا تمانع في هذا التأخير .
أشكر لك أعداد المجلة التي بعثت بها إلي، أرق الشكر، ويؤسفني أن تعاني الصحافة
ضغط الحكومات العربية، .. وما الذي كان في هذا العدد الذي منعته رقابتنا ؟ هذا
يبدو مدهشاً على أن القلم الجديد لم تكن الوحيدة التي منعت، فقد عانت هذا مجلات
كثيرة منها الثقافة التي قطعت عنا حتى توقفها تقريباً . أما موقف السيد محمود
حلمي من المجلة فلا أدرى ماذا أقول فيه وقد سألته عن الأمر وأبلغته الشكوى،
فقال إن من غير المعقول أن يسأل المشترون عن مجلة تتكدس أعدادها في مخزنه
فيجيبهم بأنها لم تصل . هذا ما قال ولك رأيك، على أني أحسبه على حق، فمن مصلحته
أن تباع الأعداد .
يعجب أبواي باتجاه مجلتك القومي إعجاباً كبيراً، وقد أنبأتني والدتي - وهي
حالياً مريضة - أنها ستبعث إلى المجلة بقصيدة من شعرها في فلسطين، وأظنك تعرف
شعر والدتي فقد أشرت اليه في مقالك عني كما أذكر، ولا شك في أنك تستجيب لشعرها
أكثر من استجابتك لشعري أنا، لما بين اتجاهاتك واتجاهاتها من تقارب عام .
والواقع أن أكثر شعر والدتي قومي وطني اجتماعي، والذاتي منه يستند إلى أسس
تخالف الأسس التي يستند إليها شعري مخالفة تامة .
وختاماً، أيها الأخ الكريم، أرجو ألاّ تحسب أن من الممكن أن أظن الظنون بمجلة
القلم الجديد، مهما تكن الظروف، كما أرجو أن تحسن الظن في مودتي، ولك خالص
التحايا وجميل التقدير.
المخلصة
نازك الملائكة
...................
بغداد
في
1953/03/09أخي الكريم الأستاذ عيسى الناعوري،
أرق تحية:
كم أشكر لك مشاعرك الأخوية النبيلة التي غمرتني بها متلطفاً في رسالتيك
الأخيرتين، وفي عدد هذا الشهر من مجلتك التي أتابعها بسرور، وأشعر بمزيد من
الاطمئنان إلى إخلاصها واندفاعها نحو مثلها . وقد كانت الكتابة إليك واجباً
عزيزاً أحاول إنجازه فتحول الأعمال المتصلة دونه، والمرء لا يملك أن يصنع ما
يحب دائماً .
صحتي قد تحسنت كثيراً الآن، ويؤسفني أنني لم أكن دقيقة في رسالتي السابقة،
فأحدد نوع الحادث الذي سبب ذلك الجرح اللئيم في ساقي - ولعلي خفت أن أسئمك
بالإطالة في الحديث عن نفسي - والواقع أنه كان حادثاً بسيطاً يؤيد القول الشائع
بأن الأشياء التافهة كثيراً ما تسبب مزعجات كبيرة . فقد عثرت على درجة منخفضة
من درجات سلم صغير لا قيمة له . وهذا هو الحادث كله . هو كما ترى حادث مضحك،
وإن كان آذاني ذلك الإيذاء . إني أكرر شكري وامتناني للأخ الكريم على اهتمامه
الرقيق، وأنتهز هذه الفرصة لأعبر عن مودتي الدائمة التي آمل أن تزيدها الأيام
رسوخاً .
أبواي يبلغانك خاص تحياتهما، ويؤسفني أن والدتي مازالت متوعكة لا تستطيع أن
تنسخ قصيدة للقلم الجديد وأظننا سنحل المشكل بأن أنسخ القصيدة بخطي أنا، أرجو
على كل ألا تسئ الظن كثيراً بوعودي، وأنا أعدك بأن أكون أوفى في المستقبل .
والحقيقة أن ظروفنا المنزلية لم تكن على ما يرام خلال الشهرين الماضيين بسب
مرضي ثم مرض والدتي .
وللأستاذ ختاماً خالص مودتي وأجمل تحياتي وتمنياتي .
المخلصة
نازك الملائكة
...................
بغداد
في
1953/04/01الأخ الأديب الأستاذ عيسى الناعوري،
أرق تحية أيها الأخ الكريم، ولك ولمجلة "القلم الجديد" التي يزداد تعلقنا بها،
وإكبارنا لصلابة مبادئها، تمنياتنا المتصلة . أكتب هذا على عجل، فمما ترجوه
رسالتي هذه أن تصل إليك على عجل حاملة القصيدة المرفقة من شعر والدتي . وقد
نسختها بخطي كما يلاحظ الأخ، فما زالت صحة والدتي على غير ما ينبغي .
وإن كان مفيداً أن أحدثك عن هذه القصيدة بما أعرف، فسأقول إنها في الأصل أطول
مما ترى بكثير، فهي تقع في أكثر من مائة وسبعين بيتاً، وقد يسميها بعض الشعراء
الذين لا يتحفظون في تعابيرهم "ملحمة" وأظنني أنا المسؤولة عن اكتفاء والدتي
بهذه المقتطفات من قصيدة طويلة . والواقع أنها قلما تحبذ البتر والاقتطاف، (ومعها
الحق من الوجهة الفنية) . وللأستاذ ختاماً خالص المودة والتقدير .
المخلصة
نازك الملائكة
...................
بغداد
في
1953/03/09الأخ الكريم الأستاذ عيسى الناعوري،
أجمل تحية،
تلقيت شاكرة رسالتيك الرقيقتين بما فيهما من مودة نبيلة أعتز بها، كما تلقت
والدتي رسالة منك كان لها في نفسها أثر جميل وقد كلفتني أن أشكرك كثيراً على
لطفك وستكتب إليك حين تتحسن صحتها التي مازالت متوعكة إلى درجة تشغلنا وتقلقنا
عليها، فهي تقضي نصف أيامها مريضة لا تقوى على الحركة . ولا شيء يزعزع الحياة
النفسية في الأسرة مثل مرض الأم، ولذلك أرجو أن تعذر ما قد يبدر مني من تقصير
وتباطؤ في الكتابة .
وخلال هذا وغيره من متاعبنا تبقى مجلة القلم الجديد رسول متعة وارتياح في
أيامنا . إنها بحق مجلة عالية، ونحن في العراق نحسن تقدير مجهودك في إخراج
صحيفة مثلها، لأننا نعلم بأن الأردن والعراق سيان في تأخر شؤون الصحافة
والطباعة . وأنت تعلم أننا هنا لم نستطع بعد امتلاك مجلة تعبر عن الحركة
الأدبية في البلد، وما زالت الصحافة تدور في مجال يومي صرف، ويلتف حولها كل من
لم يتح له بعد أن يمرن قابلياته . على أن مجلتك مجلتنا أيضاً، وهذا عزاء كبير .
الجو عندنا حار هذه الأيام حرارة عالية لا تتيح كتابة الرسائل المترفة الطويلة،
وبغداد تمر بفترة انفعال شديد نادر المثيل بسبب تتويج الملك العزيز، والحق أنني
لم أشهد طيلة حياتي شعباً يحب ملكاً إلى هذا الحد، وقد كان منظر الجماهير
الهائلة مثيراً في بغداد يوم أقسم الملك اليمين . إنه شيء تقصر اللغة عن وصفه
وقد تضاءلت إلى جانبه مظاهر الزينة الفخمة التي كلفت الحكومة ثلاثة ملايين
دينار، فما قيمة المهرجانات إلى جانب هذا النهر الجارف من حب جماهير الشعب ؟
لقد وقفت أرقب الكتل المندفعة من الناس في افتتان لا حد له، إنهم قوة هائلة
هؤلاء الجماهير، ولو ألبسناهم أحذية وكسونا أجسامهم التي خشنها البرد والحر
وثقفناهم .. ولكن دعنا من الأحلام المؤلمة التي لا فائدة منها ولنعد إلى الحديث
عن الأدب والشعر .
لقد كان هذا خروجاً على سياق رسالة تكتبها شاعرة إلى صاحب مجلة أليس كذلك ؟ ولا
أدري لماذا يخطر لي أن أرجوك ألا تنشر هذه الرسالة، على الرغم من أنك كنت مدركاً
دائماً فلم تنشر رسالة مني .
رسائلي على كل حال فظيعة عادة بحيث لا يمكن نشرها وهذا هو الذي يحميني . لك
ومودتي .
المخلصة
نازك الملائكة
...................
بغداد
في
1953/06/05الأخ الفاضل الأستاذ عيسى الناعوري،
تحية جميلة،
وعذراً عن تأخري في الرد على رسالتك الرقيقة، فقد آثرت أن أنتظر "القلم الجديد"
قبل الإجابة، لتحتوي رسالتي على تعليق أو تعليقين يملآن فراغاً فيها، فليس أبغض
إلىّ من الرسائل القصيرة .
إني أشكر لك لطفك الذي جعلك ترسل إلينا نسخة من قصيدة والدتي قبل صدور العدد،
وقد كلفتني والدتي كذلك أن أبلغك شكرها الخالص وتحياتها . ولم يصلني عدد المجلة
بعد لأطلع على مقال الأستاذ علي السطاوي الذي تخبرني أنه ضمن مواد هذا العدد .
أما عتابك حول قلة ما نشر لي في المجلة فأنا أقدره، معترفة بأنني احتفظت لنفسي
بمزايا القارئ دون واجب الكاتب المساهم على أنك ولاشك ألطف من أن تجعل العتاب
لوماً . وإني لأرجو، مع تمنياتي للقلم الجديد أن أستطيع أن اقوم بالواجب الأدبي
تجاهها .
صحة والدتي تتحسّن ولك الشكر على عنايتك بالسؤال، ولك من أبي التحيات والودّ،
ومني خالص التقدير
المخلصة
نازك الملائكة
...................
بغداد
الجمعة
1953/07/10الأخ الكريم الأستاذ عيسى الناعوري،
لا أدري كيف أشكر لك أيها الأخ عنايتك النبيلة بمواساتنا في الفاجعة المحزنة
التي ألمت بنا ..، وغيرت وجه حياتنا، وتلاعبت بأحلامنا، فقد كان لرسالة التعزية
التي بعثت بها إلىَّ وقعّ جميل على أحزاننا الحارة، فقرأناها وشكرنا حظنا الذي
يهيئ لنا مثل صداقتك في مثل هذه الظروف القاتمة التي شاءت الحياة أن تمرّ بها .
فلا شيء يمسح الأحزان مثل مودة الأصدقاء وعطف الإخوان، فشكرا لك يا أخي شكرا .
لقد كانت قصيدة والدتي التي نشرتها "القلم الجديد" آخر ما نشر لها حقا، وهو أمر
يزيد إعزازنا للمجلة، وقد حملت العدد - وقد جاءنا به الأخ الأستاذ سرطاوي
متفضلا - معي إلى لندن آملة أن تتحسن صحة والدتي الحبيبة فأطلعها عليه، ولكن
الموت لم يمهلها فأغمضت عينيها قبل أن أريها إياه، وها أنا قد عدت به وضممته
إلى حزمة الذكريات الأخرى العزيزة التي خلفتها أمي في وفاتها المبكرة المفجئة،
التي لم يسبقها تمهيد ولا إنذار . أقول إنها كانت مفاجئة لأن مرضها الذي كنت
أحدثك عنه كان رأي الأطباء وعكة عارضة منتظرة، ولم يخطر لأحد منهم أنه كان مرض
الموت .
إنه لطف منك تخصص للكتابة عن فقيدتنا الغالية مكانا في العدد الخاص، وقد كان
يسرني أن أبعث إليك بصورة للعزيزة المتوفاة، لولا أن كل شيء في المنزل لم يزل
مضطربا، وقد عدت إلى بغداد منذ أسبوع بعد هذه السفرة الموجعة التي تركت في نفسي
آثارا لا تمحى . وعلى هذا فأرجو أن نرجئ نشر الصورة حاليا، وسأفرغ قريبا لإعداد
صور جيدة لها للنشر، ولا شك في أن إحداها ستكون للقلم الجديد . أما سيرة حياة
والدتي فقد لخصتها في خطوط سريعة أرجو أن تكون كافية حاليا، فليس لي من السعة
وصفاء الذهن ما أستطيع معه التفرغ للكتابة المقبولة الآن، ولعلك تقدر ظروفي على
أن كتابة مقال ضاف عن والدتي واجب عزيز في عنقي نحو والدتي نفسها، ونحو مجلة "القلم
الجديد"، فلنكتف الآن بهذا ونرجئ الباقي للمستقبل القريب .
لقد تركت والدتي إنتاجا شعريا ضخما، وكانت تنوي أن تطبع ديوانها الأول هذا
الصيف، فأوقفت وفاتها المفاجئة كل شيء ولم يبق إلا أن نقوم نحن بالأمر: أبي
وأنا .. وهذا ما قدرت لنا الحياة .. وإنه لعمل مؤلم، ولكنه أيضا سيكون لذيذا إذ
نؤدي لفقيدتنا العزيزة واجبا واحدا نفي به بعض ذلك الدين الهائل من الرعاية
والتثقيف والحنان والرقة والإنسانية مما غمرتنا به في حياتها الشابة القصيرة .
لقد كانت أمي امرأة عظيمة ويشهد الله أنني لا أقول هذا لمجرد كونها أمي .
ومما يهمك أن تعلم، ولا شك، أن أكثر شعرها كان في "فلسطين" فقد عاشت وماتت وهي
تلهج بهذا الاسم . أن الحيرة لتملكني وأنا أقلب مجموعاتها الشعرية المكدسة
أمامي وأنا أكتب هذا، فهي قد كانت شاعرة فلسطين بحق، ولا أدري كيف يمكن أن يكون
أي شاعر فلسطيني قد توجع لقضية بلاده الضائعة أكثر مما توجعت شاعرتنا الفقيدة .
وسأرسل إليك بعض القصائد للنشر حالما يهدأ الألم الحاد الذي يشبع جو منزلنا
ظلاما ووحدة .
تلقيت الكتابين اللذين أرسلتهما إلي شاكرة، وأرجو أن يتاح لي أن أبعث إليك
بديواني والدتي وديواني الثالث في يوم قريب . على أن كتابا لأبي سيصلك قبل هذين
. ولك ختاما خالص شكرنا وتحياتنا .
المخلصة
نازك الملائكة
|