نشر هذا المقال لاسامة فوزي في عام 1983 بعد
 اسبوع من وفاة عيسى الناعوري

 

انتقل الي رحمته تعالي عن عمر يناهز الخامسة والستين الاديب الاردني المعروف الدكتور عيسي الناعوري امين عام مجمع اللغة في الاردن واحد اشهر الادباء العرب في النصف الثاني من القرن العشرين والرجل ذائع الصيت في جامعات اوروبا والاديب العربي الثاني بعد طه حسين الذي حصل علي الدكتوراه الفخرية في الادب والفلسة من جامعة باليرمو الايطالية عام 1975م .


ومع ان المرحوم الناعوري يكبرني باكثر من ربع قرن الا اني كنت واحدا من اقرب الناس اليه ومراسلاتنا لم تنقطع حتي قبل وفاته بايام رغم اننا كنا دائما علي طرفي نقيض وما اكتبه عنه اليوم هو في الواقع من وحي ثمانين رسالة مكتوبة بخطه احتفظ بها في ارشيفي وتقع في اكثر من 190 صفحة فولسكاب بخطه الانيق وهذه الرسائل وحدها التي تبادلناها خلال عشر سنوات تعتبر بحق سجلا حافلا لحياة واراء هذا الاديب العصامي الكبير
 

ولد عيسي الناعوري في قرية ناعور قرب عمان عاصمة الاردن عام 1918 واتم دراسته الاولية في القرية والثانوية في المدرسة الاكليريكية اللاتينية في القدس عمل في تدريس العربية وادابها 15 عاما في فلسطين والاردن وتولي مناصب مختلفة في وزارة التربية والتعليم الي ان استقال في صيف عام 1975 وتفرغ لعمله الابداعي ولبعض الوظائف الشرفية فقد كان سكرتيرا للجنة التعريب والترجمة والنشر من عام تاسيسها 1961 فضلا عن تولية امانة مجمع اللغة .


وقد لمع لنجم عيسي الناعوري في مطلع الخمسينات عندما اصدر مجلة " القلم الجديد " الشهرية الادبية ولمع اكثر بتعدد اصداراته والمطبوع منها يزيد عن 34 كتابا تشمل القصة القصيرة والرواية والشعر والبحث الادبي والادب المقارن والنقد الادبي والترجمةعن الادب العالمية ولاسيما عن طريق اللغتين الايطالية والانجليزية وله كذلك بعض الكتب المدرسية ومن مؤلفاته كتاب بالايطالية وكتابان بالانجليزية اما كتبه المخطوطة فتزيد عن 25 كتابا .


وقد حاضر الناعوري باللغات العربية والانجليزية والايطالية في العديد من الجامعات والاندية العربية والاوروبية وشارك في عشرات المؤتمرات والندوات الدولية والعربية والاستشراقية منذ مؤتمر الادباء العرب في بلودان بسوريا عام 1956 حتي اخر تجمع عربي ادبي في تونس وكتبه مترجمة الي الايطالية والاسبانية والفرنسية والروسية والمجرية والرومانية والانجليزية .
 

تميز الناعوري عن ادباء جيله بالحيوية والنشاط والانتاج الغزير واشترك في جميع المعارك الادبية التي شهدها الوسط الادبي الاردني وكان الاديب الثاني الذي يستقيل من رابطة الكتاب الاردنيين احتجاجا علي تسرب الكثيرين اليها ـ سبقة كاتب هذه السطور الي الاستقالة ـ وظل الناعوري موجودا في معظم المجلات والجرائد العربية يساهم فيها بدراسات او مذكرات او زوايا اسبوعية ولعل هذا النشاط هو الذي الب عليه ادباء جيله علي ضوء ذلك لا تجد دراسة عن الادب العربي الا وتجد فيها ذكرا لعيسي الناعوري كمترجم او كقاص او كناقد او كنقابي وقد كان الناعوري رائدا بين ادباء جيله في الكثير من الجوانب وقد اعترف له النقاد بهذه الريادة وان كانوا قد اخضعوها للبحث والنقد والتمحيص .
 

ففي كتابه " دراسات في ادب النكبة " يقول الناقد السوري الكبير الدكتور عبد الكريم الاشتر في فصل كامل خصصه لرواية "بيت وراء الحدود" لعيسي الناعوري " انها فيما نعلم اول رواية عربية مشتقة من النكبة وحطامها النفسي صدرت سنة 1959 وفي هامش الصفحة نفسها يقول :
" فقد سبقت رواية ايثيل مانين الكاتبة الايرلندية التي سمتها الطريق الي بئر سبع " وهذه الرواية التي تقع في ثمانين صفحة من القطع المتوسط تدور احداثها من القطع المتوسط تدور احداثها في يافا وتخرج الي بيروت ولبنان وقد اتبع الكاتب فيها طريقة الاسترجاع النفسي كانه يتحدث عن الماضي الجميل الذي ذهب بسقوط يافا وطرد اهلها الي البحر تنقلهم الزوارق في لحظات الرعب المباغته الي الساحل اللبناني .


اما الدكتور ناصر الدين الاسد في كتابه " الاتجاهات الادبية الحديثة " فيقول:" لم يكن الفن عنده مجرد تسلية او شيئا يقصد لذاته ولكنه كان وسيلة لتحقيق اهداف كبيرة في نفسه وفي مجتمعه وهذا مضمون ما كتبه عيسي الناعوري نفسه في مقدمة مجموعته القصصية الاولي " طريق الشوك " ويقول ايضا " ولا يترك الناعوري فرصة دون ان يلح في تقرير هذه المعاني ولذلك يفصلها في مقدمة مجموعته القصصية الثانية " خلي السيف يقول "  عن الناعوري قال  الدكتور هاشم ياغي " ان عيسي الناعوري كان ممثلا للرومانسية في القصة الاردني"ة بينما هاجمه محمود سيف الدين الايراني في اكثر من موقع ففي كتاب " ثقافتنا في خمسين عاما " كتب الايراني يقول : " ان الناعوري يبعثر جهوده في الوان مختلفة من الكتابة .. انه يرسل سهامه في كل الاتجاهات واخشي ما يخشاه المرء ان يرتد بعض هذه السهام دون ان يصيب فريسته "
 

لانستطيع ان نسلم براي الايراني في الناعوري فالمعارك التي احتدمت بينهما وجعلت الناعوري يقاطع مجلة "افكار" التي كان يراس تحريرها الايراني " المتوفي قبل عشرات سنوات " بل ويشن عليه اكثر من هجوم في الصحف المحلية وقيام الايراني بالرد عليه جعلتنا ننظر بشيء من الحذر لتقييم كل واحد منهما للاخر وكانت قصص واسرار هذه المعارك بين الادبيين الكبيرين موضووعا لعدد من الرسائل التي تبادلتها مع الناعوري ففي يوم الاحد 22 فبراير 1976 كتب الي الناعوري يقول:

 ـ عزيزي اسامة لم اكن اظن ان احدا يعرف سر المرحوم الايراني سواي ولكنك كشفته بشكل لم اكن اتوقعه " ....." لقد كان الناعوري .....ان يكون القمة الشامخة الوحيدة وبقية الادباء يسجدون حول صنمة ولكنه كان يحس كذلك احساسا مريرا يقلق حياته بان هناك قمة اخري اكثر شموخا منه تحجب عنه اشعة الشمس تلك كانت عيسي الناعوري كان يري انني جدار هائل يمنع وصول الامجاد اليه وان كل مجد ادبي هو مجد يجب ان يكون له وحده وكان ينغص حياته ان يري انني الاديب الاردني الوحيد المعروف في العالم العربي كله وفي المهاجر"

 ولدي بالمقابل تعكس جانبا حقيقيا من صراع الشلل لفي الوسط الادبي الاردني وهو الصراع الذي يقوم علي محاور شخصية وعلاقات مصلحية واستقطابات لناشئين ومبتدئين كانوا يوظفون كحجارة في معارك التراشق وتصفيه الحسابات بين الكتاب الكبار ومع ان عيسي الناعوري ناله الكثير من هجوم هؤلاء وحجر عليه كثيرا في الصفحات والمجلات الثقافية التي كانت تقع تحت سيطرة هؤلاء الا انه كان عنيدا في صداميته وظل موجودا في الساحة ويكاد يكون الاديب الاردني الاكثر انتشارا في الصحف والمجلات العربية والاجنبية فله الصحف والمجلات العربية والاجنبية فله مقال اسبوعي في جريدة الدستور الاردنية وهو من الكتاب الدائممين لمجلات العربي والدوحة والفيصل ووالمجلة العربية ، ايضا وهو ذائع الصيت في اوروبا وغالبا ما يقرن اسمه باسم طه حسين بل ويعتبر لدي الاوروبيين اكثر تنوعا من طه حسين الذي لم يكتب الشعر مثلا ....
 

كتب المستعرب الايطالي الشهير فرانشيسكو غبرييلي في احدي الجرائد الايطالية الصادرة في ميلانو 1971 يقول " في اعتقادي ان عيسي الناعوري هو اعظم المشتغلين بالثقافة اليطالية بين العرب ومعه الكاتب المصري حسن عثمان مترجم دانتي غير ان الناعوري من اقدر مترجمي الشعر والنثر الايطاليين المعاصرين من فيرنا الي لامبيدوزا وكوازميمودو  وكتب المستعرب الايطالي اومبرتو ريتستانو في كتابه " الادب العربي " يقول في الاردن يمضي عيسي الناعوري في نشاطه الحصيف الخصب في حقل الثقافة الايطالية ونحن مدينون له بترجمة " فونتمارا لسيلونه و " الفهد " لتومازي دي لمبيدوزا وبالعديد من الدراسات والابحاث حول اعظم شعرائنا وكتابنا "  وقال المستعرب الاسباني خوسيه تروبوخو في مقدمته لكتاب اقاصيص اردنية الذي ترجمه الي الاسبانية " ليس من شك في انه اذا كانت ثمه شخصية تتميز بقوة في محيط الادب الاردني وتتألق بضياء شخص خاص ليس في بلدها فحسب بل في محيط الاداب العربية عامة فذالك هو عيسي الناعوري لقد زوده استعداده الفكري برصيد ثقافي محسود ونادر المثال اما اسلوب الناعوري فهو اسلوب رشيق مرن وقلمه يكشف لنا عن تكوينه الفكري الموسوعي وعن الثقافات المتنوعة التي ترفده 

اذا كانت اشعار وقصص عيسي الناعوري رومانسية في اطارها العام فان نقده كان ( مسماريا ) ـ ان جازت التسمية ـ بمعني ان القلم الذي يكتب شعرا رقيقا وقصصا خيالية شفافة تفيض باحساسيس العاطفة والانسانية هو في ذاته القلم الذي يتحول بين يدي الناعوري الي مسمار او فأس ينهال به الناعوري علي الظواهر الادبية المحيطة فيعربها من القشور ... ففي حديثه عن البلطجية في النقد العربي يقول " لا يمكن ان يكون النقد بلطجة فكرية او ارهابا دكتاتوريا وهو ايضا ليس عقائديات سلوكية او اجتماعية وحين اجد متصديا للنقد الادبي يقسم الادباء الي بورجوازين واشتركين واشتراكيين واقعيين لا استطيع ان احترم رايه او ذوقه او قلمه لانه ليس ناقدا ادبيا انه في رايي بهلوان يرقص علي حبال ذوق عام مريض .
 

فيما يلي معلومات كاملة عن المرحوم الدكتور عيسى الناعوري حصلت عليها من المرحوم نفسه على هامش احدى الرسائل التي تبادلتها معه ... واكاد اجزم ان هذه المعلومات عن المرحوم وسيرة حياته ومؤلفاته ومؤهلاته هي الادق وقد راجعتها معه قبل وفاته وقد زودني بها مطبوعة على الة كاتبة قديمة .


ولد عيسى الناعوري في قرية (ناعور) قرب عمان عاصمة الاردن عام 1918
اتم الدراسة الابتدائية في القرية والثانوية في المدرسة الاكليريكية اللاتينية في القدس
عمل في تدريس العربية وآدابها 15 سنة في فلسطين والاردن
سكرتير الادارة العامة لمدارس الاتحاد الكاثوليكي في الاردن ثلاث سنوات
موظف في وزارة التربية والتعليم منذ عام 1954 الى ان اعتزل الخدمة الرسمية في شهر آب عام 1975
سكرتير اللجنة الاردنية للتعريب والترجمة والنشر من عام تأسيسها 1961 الى يوم وفاته حتى بعد اعتزاله العمل الرسمي في الحكومة
متزوج ووالد لخمسة ابناء وبنتين
صاحب مجلة (القلم الجديد) الشهرية الادبية ورئيس تحريرها (سبتمبر 1952 الى اغسطس آب 1953)
له اكثر من 34 كتابا تشمل : القصة القصيرة والرواية والشعر والبحث الادبي والادب المقارن والنقد الادبي والترجمة من الاداب العالمية ولا سيما عن طريق اللغتين الايطالية والانجليزية وله كذلك بعض الكتب المدرسية ومن ادب الاحداث ومن مؤلفاته كتاب باللغة الايطالية وكتابان باللغة الانجليزية اما مؤلفاته المخطوطة فتزيد عن 25 كتابا
له محاضرات عديدة باللغات العربية والايطالية والانجليزية في العديد من الجامعات والاندية العربية والاوروبية
 

شارك في المؤتمرات والندويات الدولية والعربية والاستشراقية التالية:
1- مؤتمر الادباء العرب الثاني في بلودان سوريا 1956
2- مؤتمر الادباء العرب الرابع في الكويت 1958
3- المؤتمر الدولي للادب العربي المعاصر في روما 1961
4- الذكرى الثلاثون للشابي في تونس 1966
5- مؤتمر الدراسات العربية الاسلامية في رافيللو ايطاليا 1966
6- الذكرى المئوية السابعة لدانتي الليغييري في بولونيا ايطاليا 1966
7- مؤتمر الدراسات الاسبانية الاسلامية في قرطبة 1967
8- مؤتمر الادباء العرب في بغداد 1969
9- المؤتمر الدولي للفلسفة والعلوم الانسانية في باليرمو ايطاليا 1969

نال بعثة ادبية الى ايطاليا من منظمة اليونيسكو للتعرف بالادباء في ايطاليا مدة 6 اشهر (1960-1961 ) حيث تعرف بعدد كبير منهم وعقد معهم صداقات متينة

دكتوراة فخرية في الاداب والفلسفة من جامعة باليرمو ايطاليا عام 1975
منحه رئيس الجمهورية الايطالية وسام الجمهورية من رتبة (فارس ضابط) عام 1964
منحه الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية وسام الجمهورية عام 1966
عضو شرف في مركز العلاقات الايطالية العربية في روما عام 1973
نال ميدالية ثقافية فضية من وزارة الخارجية الايطالية عام 1963
زار القسم الاكبر من البلدان العربية والكثير من البلدان الاوروبية الشرقية والغربية
نالت اعماله الادبية اهتمام المستعربين الغربيين فترجم العديد من اعمالمه القصصية والشعرية ومن محاضراته الى لغات غربية مختلفة منها :(الايطالية والاسبانية والفرنسية والروسية والمجرية والرومانية والانجليزية)
صلته واسعة ووثيقة بالعديد من اعلام الادب العربي المعاصر وبالكثير من اعلام الادب الايطالي ومن المستشرقين الغربيين
تفرغ للعمل الادبي ابتداء من 1-آب-1975 بعد ان اعتزل العمل الرسمي في وزارة التربية والتعليم الاردنية
تولى بعد ذلك منصب الامين العام لمجمع اللغة العربية الاردني حتى وفاته