كتب : أسامة فوزي 

* كثيرون يتحدثون هذه الايام عن امبراطورية الاعلام السعودي في اوروبا ممثلة بجرائد الحياة والشرق الاوسط وما يلحق بها عداك عن المحطات الفضائية التي تمطر علينا كل يوم وكان آخرها محطة (العربية) التي يمتلكها اولاد البراهيم ... لكن الكثيرين نسوا او تناسوا ان العراق كان السباق في بناء امبراطوريات اعلامية في الخارج لعبت دورا بارزا واساسيا في اخفاء جرائم صدام.... والتكتم على مقابره الجماعية.

* لعل الكثيرين يذكرون مجلة (الدستور) اللندنية الاسبوعية التي اصدرها " علي بلوط " في باريس عام 1977 قبل ان ينقلها الى لندن وبلوط هذا لبناني يتولى ابنه هذه الايام منصب الناطق الرسمي باسم محطة الجزيرة القطرية.

* مجلة الدستور كانت تحرر من مبنى المخابرات العراقية في بغداد وتمرر المقالات الى مكتبها في لندن عبر الملحق الصحافي العراقي انذاك ناجي صبري الحديثي الذي سلم المجلة لبعثي سوداني اسمه (شوقي الملاسي) حتى يخفي علاقة العراقيين بها ... ولصحافي لبناني اسمه (يوسف شويري) بينما تولى القيادة الشكلية للمجلة الناقد السوري خلدون الشمعة ... وفي هذه المرحلة افرزت المجلة عددا من اسفل الصحفيين العرب في بريطانيا على رأسهم غسان زكريا الذي تعلم العهر الصحافي على يد البعث العراقي قبل ان ينفصل عن المجلة ليصدر (سوراقيا).... فيمارس الدعارة الصحافية والابتزاز لحسابه الخاص بعد ان مارسهما لصالح المخابرات العراقية .

* كانت مجلة الدستور العراقية هي البذرة التي فرخت فيما بعد الصحافة العربية المهاجرة الى اوروبا والتي تدار باموال النفط العراقي ومن بعده السعودي والكويتي والاماراتي والليبي ... وهذه الايام "  القطري ".

* فسليم اللوزي صاحب مجلة "الحوادث" الذي اسس لصحافة (اشتم واقبض) نقل مجلته الى لندن لتكون بديلا للدستور ومع ان اللوزي الذي (قعد) يومها في حضن صدام وقبض منه حتى انسطل وانتهى مقتولا بالاسيد في بيروت على يد المخابرات السورية لم يترك مطلبا عراقيا الا ولباه ...الا انه لم يتمكن من هز عرش مجلة الدستور لان المجلة لم تكن مجرد مشروع صحافي بقدر ما هي (حزب) تم تكليفه بمهام التصدي للبعث السوري عربيا ومد نفوذ الحزب الى خارج العراق ... واعتمد صدام لتنفيذ هذا الهدف على بعثيين غير عراقيين كانوا من اعمدة القيادة القومية لحزب البعث العراقي منهم السوداني (بدر الدين مدثر) والسعودي (علي غنام) والفلسطيني (ناصيف عواد).


* اذا جاز لنا ان نرقم او نرتب الصحف والمجلات العراقية في اوروبا من حيث الاهمية فان مجلة (الوطن العربي) التي اصدرها وليد ابو ظهر في باريس تأتي في المرتبة الثانية بعد الدستور وابو ظهر وكيل شركة (باتا) في لبنان لم يكن في يوم من الايام صحافيا لكنه انتفع من شراكته لاخيه هشام ابوظهر صاحب جريدة المحرر اللبنانية ... فبعد موت هشام طار وليد ابو ظهر الى باريس واصدر (الوطن العربي) باموال عراقية وكان وليد ابو ظهر يومها الصحافي العربي الوحيد الذي يسمح له باجراء لقاءات مطولة مع صدام حسين وقيل يومها ان هذه (الحظوة) اكتسبها وليد ابو ظهر ليس لحرفيته كصحافي وانما لخفة دمه ولاعتماده اسلوب التهريج والتنكيت مما يجعل (قعدته) مسليه بخاصة لرجل مثل صدام.

* مجلة الدستور انهارت بعد الاسبوع الاول من حرب الخليج الثانية ومجلة (الوطن العربي) باعها وليد ابو ظهر  للسعوديين وتحولت الى منبر معاد للعراق ولسوريا قبل ان تفرخ جريدة في باريس اصدرها تابع لوليد ابو ظهر اسمه (نبيل المغربي) - انقر هنا لقراءة سيرة حياة هذا الوغد- .

* باقي الصحف والمجلات العربية في اوروبا كانت علاقتها بالمخابرات العراقية بين مد وجزر بخاصة وان هذه المجلات  تأتي في المرتبة الثالثة من حيث الاهمية بعد الدستور والوطن العربي وبالتالي كانت علاقات اصحابها مع النظام العراقي تتم عبر موظفين في جهاز المخابرات وليس عبر اتصال مباشر مع صدام.

* ففي باريس اصدر الصحافي اللبناني ياسر هواري مجلة (كل العرب) ... وفي لندن اصدر الصحافي اللبناني فؤاد مطر مجلة (التضامن). وفؤاد مطر - لمن لا يعلم - هو واضع السيرة الذاتية والحزبية لصدام حسين والتي اصدرها في مجلد فاخر يقع في 372 صفحة باللغة الفرنسية اولا ثم اصدر الطبعة العربية عام 1980

* ياسر هواري تعلم القوادة الاعلامية على اصولها في مجلة (الاسبوع العربي) اللبنانية قبل ان ينتقل الى (الديار) و (الحوادث) ويكتسب صفة (خبير) وهي الصفة التي دخل بها الى دبي ليؤسس جريدة (البيان) بعد ان وطد علاقته بشيخ جاهل وامي من آل مكتوم سلموه يومها رئاسة الاعلام في دبي واعني به (حشر المكتوم). اقرأ ما كتبه خليل عيلبوني عن الشيخ حشر المكتوم و" تياسته " وذلك في مجلة سوراقيا وعيلبوني هو احد رجال وزير الاعلام الاماراتي الحالي الذي امر بتعيين ابنتي شقيق عيلبوني في وزارة الصحة الاماراتية الشهر الماضي كطبيبتين دون اختبار بل وامر باصدار جوازات اماراتية لهما.

 * ياسر هواري (الخبير) عاد الى باريس محملا باموال آل مكتوم ليصدر مجلة باللغة الفرنسية تروج لشيوخ المكتوم وتسمسر لهم ويقال ان الدور الذي لعبه ياسر هواري لخدمة ال مكتوم آنذاك يشبه الدور الذي لعبه (بسام الخازن) لاولاد حافظ  اصحاب جريدة الشرق الاوسط قبل ان يفضحهم وينتقل الى ابو ظبي ليعمل بوظيفة قواد وسمسار خاص للشيخ سلطان بن خليفة بن زايد ال نهيان .

* فؤاد مطر صاحب (التضامن) مر ايضا عبر الامارات ولكن كمدير تحرير لمجلة (الظفرة) وهي مجلة اسبوعية هزيلة تصدر عن جريدة الوحدة التي يمتلكها رجل امي في الامارات اسمه راشد بن عويضة ... و (الظفرة) هذه تولى تحريرها عشرات الاشخاص كان من بينهم عمال صيانة وشوفيرية باصات .... جنبا الى جنب مع اسماء معروفة مثل طلال حيدر وفؤاد مطر ومحمد محفوظ وغيرهم ... والطريف اني توليت ادارة تحريرها ايضا عام 1975 لمدة ثلاثة اشهر .

* علاقة فؤاد مطر بالمخابرات العراقية ليست سرا اذ يكفي ان تعرف ان اول واكبر واهم كتاب يروي سيرة صدام حسين كتبه فؤاد مطر وهو الكتاب الذي عمدت المخابرات العراقية الى طبعه عشرات المرات طباعة فاخرة ومجلدة ... ووزعته مجانا على 25 مليون مواطن عراقي!!!

* نجاح فؤاد مطر في وضع سيرة حياة صدام حسين في كتاب لم ينعكس بالضرورة على مجلة التضامن التي ماتت بالسكتة القلبية بعد الاسبوع الاول من حرب الخليج الثانية وماتت معها ملاحق كانت تصدر عنها مثل ملحق (الرشاقة) وهي مجلة نسائية ومجلة (المعارض) وغيرها.


* اذا تصفحت اسماء الصحفيين العرب الذين قبضوا من صدام ستجد انهم بالمئات ... وتكاد لا تجد مجلة او صحيفة عربية واحدة آنذاك لم يقبض صاحبها من مخابرات صدام...فمجلة (فنون عربية) التي اصدرها الشاعر العراقي بلند الحيدري في لندن صددرت باموال المخابرات العراقية  قبل ان يتوقف الدعم عنها فيتحول الحيدري الى (معارض) تستكتبه مجلة المجلة السعودية.... والعجيب انه مات مناضلا !!

* في نفس هذه لفترة التي نشطت فيها المخابرات العراقية في اوروبا كانت عناصرها تعمل على تأسيس امبراطوريات اعلامية لها في دول عربية لعل اهمها الاردن ولبنان والكويت.

* في لبنان تم تكليف الصحافي اللبناني ( طلال سلمان) باصدار جريدة يومية تكون الناطق الاعلامي باسم العراق في بحر متلاطم من الصحف البيروتية المملوكة لعدة اجهزة مخابرات عربية ودولية. .... كان طلال سلمان يعمل في مجلة (الصياد) التي ارادت ان تحصل على جزء من الكعكة العراقية التي رأت انها توزع على خصومها ومنافسيها في الحوادث والمحرر والاسبوع العربي فلم تجد افضل من الصحافي اليساري الثورجي طلال سلمان لتبعث به الى بغداد فيفوز بلقاء صحافي مثير مع صدام حسين يعود على اثره من بغداد بمشروع عراقي لاصدار صحيفة يومية في بيروت ....ووفقا لما يقوله الصحفيون اللبنانيون فان اعضاء حزب البعث العراقي في لبنان اقنعوا صدام حسين بتحويل المنحة الى (رياض طه) لانه اقرب اليهم كما انه اكثر شهرة ونفوذا وكان يومها نقيبا للصحفيين اللبنانيين وهذا ما كان.... حيث قام رياض طه باصدار جريدته (الكفاح) بأموال عراقية وانتهى كما هو معروفا قتلا على ايدي المخابرات السورية ... وكترضية لطلال سلمان سلمه رياض طه رئاسة التحرير لكن سلمان لم تعجبه اللعبة فطار الى طرابلس وهو يحمل مشروع جريدة يومية ليبية الهوى هذه المرة ونجح في اقناع معمر القذافي بالمشروع بخاصة وان لقاء طلال سلمان بصدام حسين اثار في حينه غيرة معمر القذافي الذي اغدق الملايين على الصحافة والصحفيين لعلهم يصنعوا منه (جمال عبد الناصر) طبعة ليبية منقحة.

* عاد طلال سلمان الى بيروت بميزانية كبيرة اصدر بها جريدة (السفير) التي لا زالت تصدر الى اليوم وتمثل موقف العقيد وجماهيريته العظمى اكثر مما تمثلها جرائد ومجلات العقيد الصادرة في طرابلس .

* في الاردن كان صدام يلعب على المكشوف ولا زالت سيارات المرسيدس التي اهداها الى رؤساء تحرير الصحف الاردنية من محمد العمد الى محمود الكايد الى نبيل الشريف انتهاء بسليمان عرار حديث رجل الشارع في الاردن ولا زال الصحفيون الاردنيون يدينون لصدام حسين بتمويل بناء ضاحية الصحفيين في عمان وظل شهر العسل بين صدام واقطاب الصحافة في الاردن معلنا الى ان وقع اول تصادم عراقي مع الحكومة الاردنية تولت بعدها المخابرات العراقية مهمة التنسيق مع الصحف واصحابها للعمل تحت الارض وقام بالجهد الرئيسي في عملية التنسيق الصحافي الفلسطيني الاصل الاردني الجنسية (خيري منصور) الذي كان يعمل موظفا في وزارة الاعلام العراقية بوظيفة جاسوس على العراقيين قبل ان ينتدب للقيام بالدور نفسه ولكن في عمان وقد عاد خيري منصور الى عمان في مهمة عمل ونجح في دخول دائرة الثقافة والفنون كموظف  لينطلق منها الى فضاء الصحافة في الاردن فيصبح كاتب (افتتاحيات) لعدة صحف ... ومنظرا سياسيا خطيرا يشار له بالحذاء ... ولعب الدور نفسه الدكتور علي جعفر العلاق الذي كان برتبة عقيد في المخابرات العراقية وسهل لهم المهمة خليل السواحري الذي اسست له المخابرات العراقية في عمان دار نشر!!!

* في الكويت ... كانت الصورة اكثر وضوحا فالصحفي الكويتي احمد الجارالله صاحب جريدة السياسة لم يكن يفارق بغداد ... وصدام حسين كان دوما مانشيتا في صدر الصفحات الاولى للجرائد الكويتية وتوجت بطولاته بقصيدة عصماء في مدح صدام كتبتها الشيخة سعاد الصباح والقتها في مهرجان المربد ... وكان مطلعها انا امرأة من جنوب العراق.

* يمكن القول ان المجلة الوحيدة التي ظهرت في لندن في تلك الفترة وكانت بعيدة عن المال العراقي رغم علاقة مؤسسها بصدام حسين هي مجلة (23 يوليو) ... فهذه المجلة التي اسسها محمود السعدني بالتعاون مع محمود نور الدين كانت مصرية خالصة وكان هدفها هو محاربة انور السادات وكنت انا وسميرة الخطيب  الوحيدين - من غير المصريين - اللذين يكتبان فيها ... هذه المجلة صدرت بجهود مصرية وبمنحة (سرية) مقدارها نصف مليون جنيه قدمها الشيخ سلطان القاسمي شيخ الشارقة المحسوب على (الناصريين ) والذي كانت تربطه علاقة صداقة مع صلاح السعدني لان الاثنين درسا في كلية واحدة ... وفي جامعة واحدة .

* خلال حرب الخليج الثانية وبعدها انهارت امبراطورية صدام حسين الصحافية وخرجت مجلات الدستور والتضامن وكل العرب من الساحة وتحولت ولاءات الوطن العربي والحوادث وغيرها الى خصوم صدام ليس لان " ابو ظهر " على قناعة بهم وانما لانهم دفعوا له اكثر ولا زالوا يدفعون.

* لا اريد من هذا السرد الملخص ان اؤرخ للصحف والمجلات العميلة لصدام حسين وانما اردت فقط ان اوضح ملابسات اختفاء او غياب جرائم صدام حسين بحق شعبه عن الجمهور العربي فالصحف والمجلات الشهيرة كانت مملوكة لصدام حسين لذا تمكن الرئيس من القيام بعمليات اعدام جماعية لعشرات الالاف من ابناء شعبه دون ان يعرف بها احد ... خارج العراق.

* قد اكون الوحيد الذي كتب في الثمانينات عن مجزرة (حلبجة) التي لا تجد لها ذكرا آنذاك في اية صحيفة او مجلة عربية ... وقد علمت بها من الصديق صلاح عقراوي وهو عراقي كردي كان - يرحمه الله - يعمل في مدينة هيوستن  كمرافق ومترجم للمرضى العرب ... وقد علمت قبل عامين انه ذهب لزيارة اهله في شمال العراق ومات هناك دون ان اعرف ملابسات وفاته وان كنت اشك ان لصدام حسين علاقة بها.