مجلات سادت ثم بادت
من قلم : أسامة فوزي
( مجموعة مقالات كتبها أسامة فوزي بتكليف من مركز الابحاث في جريدة البيان عام 1983 عن صحف ومجلات ثقافية عربية توقفت عن الصدور ....هذه المقالات نشرت على حلقات في جريدة البيان الصادرة في دبي عام 1983 واعاد اسامة فوزي نشرها في كتابه من مذكرات صعلوك).



صدرت في العالم العربي خلال السنوات العشرين الأخيرة مجموعة من المجلات الأدبية والفكرية المتميزة ، التي استطاعت أن تتحول إلي ما يشبه الظاهرة في حياتنا الثقافية ، لكن هذه المجلات توقفت عن الصدور لسبب أو لآخر؛ فتوقفت معها الظاهرة ، ودخلت التجربة في ذمة التاريخ ، وهذه الدراسة ليست إلا محاولة تاريخية لكل مجلة على حدة ، مع نقدات لابد منها تضع الظاهرة في إطارها التاريخي الصحيح.

مجلة رصيف 81



وقد اخترت أن أبدأ بمجلة ( رصيف 81 ) للشاعر الشهير على فودة لأنها أكثر هذه الظواهر لفتاً للنظر ، ولآنها أيضاً ارتبطت باسم الشاعر الذي استشهد أثناء حصار بيروت وهو يوزع العدد الثامن منها على المقاتلين ، والأهم من هذا لأن المجلة بدأت معارضة لقيادة المقاومة ومؤسساتها --- وانتهي الأمر بصدور عددها الثامن والأخير على نفقة المنظمة وبأمر شخصي من ياسر عرفات.

وفكرة مجلة ( رصيف 81 ) التي اختارت لنفسها حجماً مميزاً وهو 15 27 ) تعود إلى ثلاث سنوات قبل صدورها في صيف عام 1981 كما ورد في مقدمة العدد الأول عندما أحس نفر من الكتاب والأدباء بضرورة وجود منبر خاص "بعيداً عن التحكم السائد بمنابر الأعلام والثقافة من ناحية وإسهامات في تنمية هذا الهامش الديمقراطي الموجود في بيروت بفعل تراكمات مواجهة من ناحية وبفعل الغياب التدريجي للسلطة المركزية الشاملة من ناحية أخري".

وقد ضمت هيئة التحرير الشعراء على فودة ، رسمي أو علي ، أكرم حاتم ، غيلان وهم من مجموعة كبيرة من الأدباء كانت تعرف في بيروت باسم ( أدباء الرصيف) ذلك أنهم كانوا يقضون معظم أوقاتهم في مقاهي العاصمة، وكانت مقهى ( أم نبيل ) المكان المفضل لاجتماع هيئة تحرير المجلة ، والمقر الرئيسي للمجلة ، وذلك لأن المقهى تقع في مواجهة قاعة جمال عبد الناصر التابعة لجامعة بيروت العربية، وهي المكان المفضل آنذاك لمعظم الفعاليات الثقافية والسياسية في بيروت الغربية ومن الواضح أنّ مجلة ( رصيف 81) كانت تصدر والسياسية في بيروت الغربية ومن الواضح أنّ مجلة ( رصيف 81 ) كانت تصدر دون ترخيص ، وكانت تمول بمجهودات فردية ، وتوزّع كذلك.

ومع أن افتتاحية العدد الأول ضمت تصوراً عاماً وفضفاضاًَ لرؤية هيئة التحرير لما ستكون عليه المجلة ، ألاّ أن الافتتاحية قوبلت بردود فعل مختلفة في الأوساط الأدبية العربية... حيث نشرت مجلة الحرية في 3/8/1981 رداً على الافتتاحية ختمته بقولها :" هل تعبر مجلة رصيف 81 عن شروط فعلية للإبداع والتجديد والتضامن مع الجماهير؟ نشك في هذا طالما عبرت هذه المجلة أو غيرها عن أولئك الذين لا يتقدمون للمشاركة في صنع هذه الثقافة الديمقراطية الجديدة بل يكتفون بمشاهدتها عبر نوافذ من الرصيف فيما تظل هموم الشارع العادي أبعد من متناول أيديهم وأقل قدرة من التأثير عليهم وشدهم إلى قضايا الناس العاديين .. الناس .. الذين لا يعرفون الجلوس في المقاهي".

وتوالت ردود الفعل حيث نشرت جريدة السفير وجريدة النهار في 27/7/1981 إعلاناَ يفيد بانسحاب ثلاثة من هيئة التحرير هم يوسف غانم ، سمير أنيس ومهجي قاسم ومع صدور العدد الثالث أعلن رسمي أبو علي أحد أعمدة المجلة انسحابه هو الآخر بينما رسم علي فودة كمالك للمجلة وكرئيس تحرير لها وكان عنوان المجلة البريدي هو صندوق بريد جامعة بيروت العربية.

ومع صدور العدد الثالث من المجلّة ، بدأت بصماتها النوعية تظهر أكثر على الوسط الأدبي المحلي والعربي وعز!ز ذلك استقرار هيئة التحرير ، حيث نشر عصام محفوظ في 25/10/81 مقالة في النهار بعنوان ( الأبرياء يترددون في الحق أو الانصراف ) أعلن فيها عن تعاطفه مع المجلة من خلال استعراضه لأبرز قصائد العدد الثاني؛ الذي تميز هو الآخر بالأسماء المشاركة في تحريره مثل الدكتور عادل فاخوري ، الدكتور فؤاد رفقة ، الدكتور نذير العظمة ، الدكتور سامي الجندي ، يحيي الطاهر عبد الله وغيرهم.
واتسعت ردود الفعل لتشمل نقد المواد المنشورة بعد أن كانت تركز على خط المجلة وهويتها ، حيث نشرت النهار العربي والدولي في العدد 230 بتاريخ 4/10/81 مقالة هاجمت فيها قصيدة الدكتور عادل فاخوري وهي من قصائده المسماة بالعقائد الألكتورنية حيث ذكرت المجلة أنّ قصيدة الفاخوري " تحاكي في ترتيب كلامها وهندستها الهلوسة المدروسة كما تبعثر اللغة بكل مستوياتها حروفاً متفجرة متناثرة وفوضوية وكأنها تريد أن تقول كل شئ عبر نصف يشبه الأوضاع القائمة".

جريدة الرأي العام الكويتية رحّبت بصدور المجلة في مقالة كتبها فتحي سليمان بتاريخ 22/9/1981 واعتبرتها ردّة فعل على تحول مجلة الكرمل إلى مجلة عشائرية بينما هاجمتها جريدة الثورة السورية لأنها ( صرخة أضاعت اتجاهها ومحاولة ضلت الهدف فنقمت حتى على من ادعت إنها توجهت إليه) ... واكتفت مجلة الدستور اللندنية بنشر لقاء مع رئيس التحرير الشاعر علي فودة الذي أجاب عن سؤال حول توقعاته على النحو التالي: هل تعتقد إنك ستعيش طويلاً؟... وقد أجاب الشاعر :سؤال ذكي وملعون .. أنتم تعلمون أن اليوم الذي ستعلق فيه صورتي على أحد الجدران ليس بعيداً ...وقد تحققت توقعات الشاعر وعلقت صورة على الجدران بعد ذلك بثلاثة أعداد عندما أصيب في ( عين المريسة) بقذيفة اسرائيلية، وجاءت نهايته أشد غرابة من مجلته ، حيث نقل الشاعر إلي المستشفي وهو في حالة خطيرة.. وقد أعلنت فلسطين الثورة عن استشهاده ونشرت رثاء مطولاً له قرأه الشاعر وهو في النزع الأخير ، ففرح كثيراً وطلب ورقة وقلماً ليخطر رسالة إلى ( أبي وقائدي ياسر عرفات) ثم أسلم الروح بعد ساعتين.

كانت المجلة امتداداً عبثياًَ لشخصية علي فودة الذي أصدر خمسة دواوين شعرية ورواية ومع ذلك كان يصنف مع شعراء الصف الثاني، ولم تكن عملية النشر تخضع لأية معايير فنية على الإطلاق ، ولعلّ هذه السمة هي التي ميّزت المجلة عن غيرها ، حيث ظهرت أنماط عجيبة من القصائد الشعرية أكثرها غرابة القصيدة الألكتورنية للدكتور عادل فاخوري وهي بعنوان ( من أنواع الأراجيح ) حيث تبدأ القصيدة بسطر أفقي على النحو التالي:- عمود عارضة ويتدلي من أحد هذه العوارض قنديل مكتوب بالكلمات يلي ذلك خط عمودي على طول صفحة المجلة تتكرر فيه كلمة عمود عشرين مرة تليها كلمة درجة وتتكرر أربع مرات وتكتب على شكل درج ثم ينكر الشاعر أن يكون هذا نفسه ويري أن شعره ثورة الحروف وينشر حرف اسمه عادل فاخوري بشكل عشوائي ثم يجعل أذنه علامة استفهام وعيناه فاصلتان وأنفه خط التعجب.

ثم فتحت المجلة أبوابها لنشر تجارب شعرية من هذا القبيل ، فظهرت على صفحاتها القصيدة الثلجية والقصيدة المائية والقصيدة الزجاجية.. الخ، وكانت تنشر مع القصائد وفي هوامش المواضع الأخري أو على الغلاف شعارات مثل ( يا صعاليك الأرض انفجروا ) و (أعذب الكلمات معبودتنا لا) و ( رغم الحصار بين يدينا الإبداع المكابد ومعنا مفاتيح الثقافة المستقبلية) و ( ناضلوا من أجل الإفراج عن أسرة البراءة) و ( ويل لأمة تتحول إلى قطة شرسة تأكل أجمل أبنائها) كما تضمنت المجلة إعلانات ذات مغزي مثل ( أجهزة القمح العربي بحاجة إلى مركزة أصلاً من أجل تخريج دفعة جديدة من العسس الأجور مغرية ) ... الخ.

وفي محاولة لكسر كل أعراف الثقافة والأدب المعروفة نشرت المجلة حوارات مع ماسح أحذية وغجرية وشحاذة ،وكانت تنشر في صفحاتها الأخيرة معظم ردود الفعل والمقالات الناقدة لها مع تعليق ساخن أحياناً يكتبه علي فودة، وحرصت على استقطاب أسماء كبيرة ومعروفة أعطت للمجلة بعداً له مغزي سياسي ، بخاصة وأن رئيس التحرير كان يشير دائماً إلى أنّ المجلة جاءت لتناضل ضد المؤسسة والمؤسسات باعتبارها مجلة ( ترتبط بالراهن اليومي وباللحظة السياسية في يعديها الزماني والمكاني ولكننا لسنا أسري هذه اللحظة ولسنا سادتها أيضاً).

وتضيف هيئة التحرير مشيرة إلى خططها السياسي والفكري :" نحن جدليون ، ونحن شباب عرب ، عراقيون وسوريون وفلسطينيون ولبنانيون نخلو تماماًَ من الشوفينية الإقليمية ونطمح أن يكون بيننا إيرانيون وسلقادوريون وأفارقة ونحن أمميون ملتزمون أساساً بقضية الإنسان قبل أي شئ آخر ، الإنسان المسحوق ، المنيون المضطهر .. ليس وراءنا أحد وبعبارة أخري لا نقبض من أحد .. نحن أساساً مبدعون أي أن السياسي متضمن في الثقافي وليس العكس وهذا يعني أنه سيكون لنا مواقف سياسية ولكننا بعيدون تماماً عن تفاصيل السياسة يمعناها السائد وتفاصيلها اليومية والتي تخص المسرح السياسي أكثر مما تخص السياسة كفعل تغيير شمولي).

في العدد الثالث من المجلة مثالة لكاتب هذه السطور حول ( أدب الرصيف ) في تاريخنا الأدبي ، وقد علق رئيس التحرير في افتتاحية العدد الرابع على الموضوع المطروح من باب أن هيئة التحرير لا تزعم أنها الأولي من نوعها .. فقد سبقتها مجلة أصوات العراقية وتجربة غاليرعل 68 القاهرية .. ولكن هيئة التحرير تميز نفسها بالقول أنها الوحيدة التي تصدر في ( غابة البنادق ) ومن ثم فإنّ الكلمة في رصيف 81 قد تكلف رأس مسؤول المجلة".

والحقيقة أن العرب قد عرفوا أدب الرصيف منذ زمن الصعاليك ومع المتغيرات التي رافقت ظهور الإسلام ، ظهر ما يسمي بأدب الكدية أو التسوّل وهو لون من أدب الأرصفة الذي كان يقوم علي مهاجمة الأنظمة القائمة ومحاولة كسر كل الأعراف ..واستمرت الظاهرة حتى أخذت شكلاً معايراً في القرنين الماضيين يتركز في المقاهي ، وتروي كتب الأدب أن لقاءات عرابي والبارودي كانت تتم في رصيف العتبة الخضراء وفي مقهى ماتانيا بالذات ... والفضل في إشهار نجيب محفوظ ونزار قباني والدكتور القط يعود بالدرجة الأولي إلى أحد أرصفة حي الدقي حيث تقع مقهى ( ديانا) ، والتي صدرت عنها أول مجلة أدبية محترمة كانت تعرف باسم ( الميزان ) ... ومع أن أرصفة بيوت ومقاهيها كثيرة الاّ أن مجلة علي فودة استأثرت وحدها بالاهتمام ، لارتباطها بمقهى ( أم نبيل ) الذي يعني الكثير ... والذي تم اغلاقه لأسباب أمنية قبل الحصار.

عندما بدأ حصار بيروت أصدر ياسر عرفات أمراً بمواصلة إصدار مجلات وصحف المقاومة ودعم الصحف اللبنانية اليومية لتمكينها من الصدور أيضاً كإحدى ملامح الصمود، ولرفع معنويات المقاتلين وشمل القرار مجلة علي فودة التي صدر عددها الثامن أثناء الحصار على نفقة المنظمة وكان هو العدد الأخير لأن المجلة توقفت عن الصدور باستشهاد رئيس تحريرها وبخروج المقاومة من بيروت ... ومهما يقال عن هذه المجلة فإن تجربتها القصيرة جديرة بالاهتمام لأنها تجربة ذات نكهة مميزة في مسيرة الصحافة الأدبية العربية.

مجلات مصرية توقفت عن الصدور



من المؤكد أن مصر كانت السباقة في إصدار المجلات الثقافية والأدبية، ومن المؤكد ايضاً أن هذه المجلات قد استقطبت الكتاب العرب من المحيط إلى الخليج ومنها ما تحول إلى مدرسة يدين لها كثيرون على امتداد الوطن العربي.

لكن الباحث في تاريخ إصدار المجلات الثقافية في مصر لا يستطيع أن يتجاهل ظاهرة توقف معظم المجلات الثقافية ومغزي هذا التوقف ومدلولاته ، فضلاً عن الأثر السلبي السيئ الذي كان يعكسه التوقف على صفحة الثقافة والأدب في مصر ، وقد اختلف الكتاب والباحثون حول أسباب هذا التوقف ودواعيه وآثاره.

وبعودة سريعة إلى عام 1957 وهو العام الذي أنشئت فيه وزارة للثقافة في مصر سنجد أنّ اهتماماً بإصدار مجلات ثقافية نوعية كان من هموم هذه الوزارة ، وكانت مجلة ( المجلة ) ترجمة لهذه الهموم ، واعتباراً من عام 1963 جري إعادة إصدار مجلتي الثقافة والرسالة الأسبوعيتين ، كما صدرت الكتاب العربي ، الفكر المعاصر ، الشعر ، القصة ، المسرح ، الفنون الشعبية ... وبدأت عملية إغلاق المجلات الثقافية في مصر اعتباراً من عام 1965 عندما أصدر الدكتور محمد سليمان حزين وزير الثقافة قراراً بإغلاق مجلات الثقافة والرسالة والقصة والشعر وتحويل مجلتي الفنون الشعبية والكتاب العربي إلى مجلتين فصليتين وقيل فيما بعد أن الدكتور حاتم كان وراء قرارات الإغلاق.
وقد اختلفت الآراء حول أسباب هذا الإغلاق ، فالسيد إبراهيم سعفان المدير السابق لتحرير مجلة الثقافة التي صدرت في عهد يوسف السباعي أخبرني أنّ الدكتور لويس عوض كان وراء الإغلاق بحكم علاقته الوطيدة بالوزير السابق عبد القادر حاتم ولأن مجلة الرسالة على وجه التحديد كانت تشن عليه هجوماً مركزاً أثر درايته حول المعرّي ورسالة الغفران ... بينما نجد للدكتور لويس عوض رأياً مختلفاً ، ذكره في كتابه ( الثورة والأدب) حيث يقول أن توقف هذه المجلات عن الصدور يعود لعجز إدارات التحرير وكتاب المجلات (عن اجتذاب جمهور له حجم يذكر) وردّ هذا العجز إلى خط إدارات التحرير ونوعية المقالات المنشورة التي كانت تنادي علناً بالجهاد (لإعادة مملكة الروح وملك الله على الأرض) كذلك ( عارضوا ضبط النسل باسم الدين) و ( أرخوا انهيار مصر الإمبراطورية العثمانية التي رأوا فيها قمة مجد العالم الإسلامي ) وأنهم ( أعلنوا أن العروض العثمانية التي رأوا فيها قمة مجد العالم الإسلامي) وأنهم ( أعلنوا أن العروض العربي والبلاغة العربية شئ مقدس وأن من يجري عليهما التجارب يدخل في عداد الكفار).

أمّا الناقد فاروق عبد القادر فقد رد إغلاق هذه المجالات إلى مسألة التوزيع وذلك في مقالة نشرتها له مجلة الموقف الأدبي السورية حيث ذكر أن مجلة ( الثقافة ) التي تطبع أسبوعياً 6000 نسخة لا يتجاوز المباع منها 1500 بينما يبلغ ما تنفقه الدولة عليها في كل سنة 37.000 جنيه وتطبع مجلة الرسالة 6000 نسخة أسبوعياً ولا يتجاوز المباع منها 2000 نسخة وتنفق عليها الدولة في كل سنة 27.500 جنيها ... وقد ذكر الناقد في مقالته أنّ الأصوات التي كانت تطالب بإغلاق هذه المجلات كانت تستند إلى إنها لا تحقق ربحاً بل تعتمد على ميزانية الوزارة من أجل استمرار إصدارها.

وفي عام 1970 أغلقت مجلات المسرح والسينما والفكر المعاصر والكتاب العربي والفنون الشعبية ولم تتمكن مجلة ( الفنون ) لسهير الفلماوي والتي اعتبرت بديلة للمجلات المتوقفة من الاستمرار أكثر من عددين ، بينما بدأ عصر جديدة في مسيرة المجلات الثقافية في مصر مع قرار الدكتور عبد القادر حاتم بإصدار مجلة ( الجديد ) التي رأس تحريرها الدكتور رشاد رشدي وقرار خلفه يوسف السباعي بإصدار مجلة ( الثقافة ) وتوليه رئاسة تحريرها لتكون بديلاً عن كل المجلات الثقافية وقد صدر أول عدد منها في تشرين الأول 1973م.

وفي هذه الأثناء كانت مجلة ( الكاتب ) هي المنفّس الوحيد لعدد كبير من الكتاب الطليعيين ، وقد بدأ حصارها بحرمان المجلة من معونتها حتى اضطرت للصدور بجهود العاملين فيها ... ثم أدخل يوسف السباعي أسماء جديدة محسوبة عليه إلى إدارة التحرير بدعوي أن المجلة أن المجلة يجب أن تخضع لإشراف الحكومة بعد أن نشرت سلسلة من المقالات السياسية التي يشتم منها معارضة السلطة ... وأدّي ذلك إلى استقالة هيئة التحرير ومن ثم إلى إعلان موت المجلة رغم إنها ظلت تصدر بإشراف صلاح عبد الصبور حتى وفاته.

انعكس توقف مجلة طليعية مثل ( الكاتب ) على الحياة الثقافية في مصر، وأدت الظروف السياسية المحيطة إلي تشرد الأقلام المصرية في الخارج بعد أن فقدت منابرها في الداخل، فطار أحمد عبد المعطي حجازي إلى باريس وأقام ألفرد فرج في الجزائر ثم في لندن حيث شارك في إصدار مجلة 2ص3 يوليو مع محمود السعدني ، واستقر الناقدان محمود أمين العالم وغالي شكري في باريس ولندن وبغداد وبيروت ، ورحل محمد أبو المعاطي أبو النجا إلى الكويت ليعمل في التدريس.

في هذه الأثناء كتب المرحوم الشاعر أمل دنقل مقالة بعنوان ( الثقافة المصرية في المنفي) نشرتها جريدة الشعب الأردنية في 13/12/1976م ذكر فيها أن تشرّد هذه الأقلام أدي إلى إثراء المجلات الثقافية في الخارج بينما أصيبت المجلات المصرية بنكسة ، فمجلة ثقافية عريقة مثل ( الهلال ) هبط توزيعها في عهد صالح جودة أحد أركان الثقافة الرسمية في مصر إلي ألفي نسخة فقط في كل العالم العربي وأضاف أمل دنقل ( وهكذا فإنّ رجلاً أكاديمياً مثل الدكتور محمود الشنيطي رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للكتاب يطالب دائماً بإغلاق المجلات الثقافية التي تصدر عن الهيئة مثل الثقافة والجديد لأنها تخسر خسارة لا تتحملها أية هيئة أو بالأحري أنّ خسارتها لا تساوي العائد الثقافي منها بحيث ينظر إليها كخدمة ثقافية لا تسعي إلى الربح).

لقد كان رثاء مجلة ( الكاتب ) يطفي دائماً على أي حديث يمس المجلات الثقافية في مصر لأن هذه المجلة التي استمر صدورها لأكثر من 15 عاماً كانت تمثل بحق الطموح العربي لمجلة تبني الفكر القومي وكانت دراساتها سياسية أو أدبية ذات طابع سياسي وفكري وما زالت ملفاتها المنشورة في أوائل السبعينات مرجعاً له نكهته الخاصة وهويته القومية ، ومن ملفاتها اللافتة للنظر ملف عبد الناصر وثورة يوليو وملف الحرب والتغير الاجتماعي وملف عن طه حسين و ( محنة العقلانية في مصر ) وملف عن الأزهر وآخر عن سلامة موسي وثالث عن الجامعات المصرية ورابع عن مصطفي النحاس.

كما نشرت ( الكاتب ) دراسات عربية عن الكفاح الفلسطيني فضلاً عن ملفاتها الأدبية التي استطاعت استقطاب كبار الكتاب في مصر آنذاك ... ومع تولي صلاح عبد الصبور إدارة التحرير تحولت المجلة إلى مجلة أدبية بحثة لا يربط بين موضوعاتها أي رابط وقد أشار إلي ذلك بالتفصيل الناقد فاروق عبد القادر في مقالته المشار إليها ، حيث ذكر أن معظم الموضوعات كانت تنقل بالحرف عن مجلة ( لوتس ) التي يصدرها مؤتمر تضامن شعوب آسيا وإفريقيا كانت تنقل بالحرف عن مجلة ( لوتس ) التي يصدرها مؤتمر تضامن شعوب آسيا وأفريقيا وسكرتيرة العام آنذاك يوسف السباعي ، بينما غلبت القصائد والقصص علي المواضع الأخري حتى بلغ الأمر في العدد الثاني عشر أن تضاءلت المساحة التي تشغلها المقالات والدراسات إلى موضوعين فقط مقابل خمس قصص قصيرة وسبع قصائد بينما انحسر التوزيع وارتفعت تكاليف الإصدار إلى ثلاثة أضعاف تقريباً .

لقد كان واضحاً منذ البداية أن مجلة ( الكاتب ) باتجاهاتها غير مقبولة للنظام ، ولكن قرار إغلاقها لم يتخذ في حينه مع قرار إغلاق المجلات الأخري لأن الدكتور حاتم وخلفه كانا يعلمان أن رخصة إصدار المجلة لم تكن باسم الوزارة وإنما باسم دار الجمهورية للطبع والنشر ... ولكنهما مع هذا عملا على حرمان المجلة من دعم الوزارة ، وعندما ثارت الضجة في الصحف وفي الأوساط الثقافية عموماً حول مصر هذه المنابر الثقافية في مصر ، كانت الحجة كما يقول أمير اسكندر هي أن هذه المجلات تخسر وأن ميزانية الدولة مخصصة للتنمية والمعركة المصيرية مع العدو ... وقد ظهر تيار ثالث يرأسه إبراهيم الورداني، يساند قرار الوزارة بدعوي أن هذه المجلات تتسبب في ضياع أموال الدولة على قلة من الكتاب والمثقفين والقراء ... بينما عقد الدكتور حاتم مؤتمراً صحفياً يعلن فيه أن قراره بإلغاء المجلات السابقة ورفع الدعم عن مجلة الكاتب يعود لمستواها الضعيف!!.

ولم تتمكن مجلة ( الكاتب ) في ثوبها الجديد من الاستمرار في الصدور ، لعزوف الكتاب والقراء عنها ولارتفاع التكاليف أيضاً وفوجئ القراء بالدكتور محمود الشنيطي مستشار رئيس الجمهورية لشئون الفني يعلن أن المجلات الثلاث الكاتب والثقافة والجديد تصدر بخسارة قدرها سبعون ألفاً من الجنيهات فقط ، وقيل أن الجديد تخسر ثلاثين ألفاً والثقافة أربعة وعشرين ألفاً والكاتب ستة عشر ألفاً ... لذا تم اتخاذ قرار بإيقاف هذه المجلات ... وانتهت قصة حياة مجلة ( الكاتب ) التي ماتت فعلياً قبل قرار إيقافها بعدة سنوات ..ولكنها ستظل عالقة في ذاكرة التاريخ الأدبي العربي بصفتها واحدة من المجلات العربية التي انتصرت للفكر العربي التقومي .. فنالت جزاءها من جراء ذلك.

مجلة الرابطة الثقافية الاردنية


تعتبر مجلة ( الرابطة الثقافية ) التي صدرت في الأردن عام 1975 وتوقفت عن الصدور بعد عددها الرابع النموذج الذي احتذاه الشاعر علي فودة عندما أصدر بعد ذلك بست سنوات مجلته ( رصيف 81 ) في بيروت بخاصة وأن علي فودة كان واحداً من كتاب ( الرابطة الثقافية ) خارج هيئة التحرير ، والتي ضمت آنذاك كاتب هذه السطور والدكتور فواز طوقان ابن رئيس الوزراء الأردني السابق أحمد طوقان ، الشقيق الأكبر للشاعرين إبراهيم وفدوي طوقان ، كما ضمت هيئة التحرير الشاعر عبد الله الشحام ( حصل على درجة الدكتوراه مؤخراً ) والقاصي وليم هلسة.

قبل أن استطرد في عرض قصة حياة هذه المجلة ن لابد من وقفة تاريخية لحركة إصدار المجلات الثقافية الأدبية في الأردن ، وهي حركة تتسم بالاضطراب في مجملها بدليل أنّ الساحة الأدبية في الأردن تخلو الآن من هذه المجلات باستثناء مجلة أفكار الشهرية ، التي تضطرب في صدورها منذ عام 1967م.

وفي السنوات الثلاثين الأخيرة لم تصدر في الأردن إلا ست مجلات أدبية وثقافية عامة توقفت خمس مجلات منها وظلت مجلة ( أفكار) التي تصدر عن دائرة الثقافة والفنون أما المجلات التي توقفت فهي على التوالي القلم الجديد، الأفق الجديد ، صوت الجيل ، الفنون الشعبية والرابطة الثقافية.

مجلة ( القلم الجديد ) للدكتور عيسي الناعوري هي أقدمها ، وقد صدرت في أيلول عام 1952 كمجلة شهرية وظلت تصدر حتى مطلع آب عام 1953 حيث توقفت ، وقد ذكر صاحبها في بحثه المنشور في كتاب ( ثقافتنا في خمسين عاماً) أنه أصدر ثلاثة أعداد خاصة واحد عن الأردن وقد اشترك في الكتابة فيه اثنان وخمسون كاتباً وشاعراً وقاصاً من أبناء ضفتي الأردن وآخر عن ليبيا وكل كتابه من الليبيين وثالث عن المهجر وأغلب كتابه من المصريين ..وذكر صاحبها أيضاً أنه كان للمجلة أنصارها من كبار الأدباء العرب منهم ناصر الدين الأسر وكامل السوافيري وإحسان عباس والبياتي وكاظم جداد وعبد الملك نوري وغيرهم ...وقد رد الناعوري في نفس البحث أسباب توقف المجلة إلي (صدور قانون الصحافة)!!

وفي مطلع عام 1961 صدرت مجلة ( الأفق الجديد ) وكانت عبارة عن ملحق نصف شهري يصدر عن جريدة المنار القوسية ، وقد تولي رئاسة التحرير الأستاذ جمعة حماد ثم جاء أمين شنار بعده ... ويعود للأفق الجديد الفضل في تعريف القارئ العربي بعشرات الأسماء الأدبية التي نالت حظها من الشهرة بعد ذلك ...وكانت المجلة أطول عمراً من سابقتها حيث عاشت أربع سنوات بينما لم تصدر مجلة الناعوري غير اثني عشر عدداً فقط.
وجاءت مجلة ( أفكار ) في عام 1966 لتكون أول مجلة حكومية تهتم بقضايا الأدب والثقافة، وقد توالي علي رئاسة تحريرها كل من عبد الرحيم عمر ، سليمان موسي، محمود سيف الدين الإيراني ، حسين جمعة ، سلامة محاسنة ..وقد توقفت المجلة عن الصدور بعد حرب حزيران عام 1967 ولكنها عاودت الصدور مع مطلع السبعينات كمجلة شهرية تارة وفصلية تارة أخري ...وقد أصدرت الدائرة نفسها مجلة شقيقة لأفكار هي مجلة ( صوت الجيل ) تولت رئاسة تحريرها أمينة العدوان ، كما صورت مجلة ( فنون شعبية ) عن نفس الدائرة برئاسة تحرير نمر سرحان لكن المجلتين توقفتا عن الصدور بعد أقل من عام وظلت في الميدان مجلة أفكار ، التي تولي رئاسة تحريرها الدكتور حسين جمعة بعد وفاة الإيراني .. وكانت المجلة تصدر فصلياً آنذاك ، وفي ظل هذا المناخ ، الذي عاشته وكانت منه الساحة الأدبية في الأردن صدرت مجلة ( الرابطة الثقافية ) في آزار عام 1975 كملحق شهري يصدر عن جريدة عمان المسار الأسبوعية.

وفى الحقيقة أن المجلة لم يكن لها علاقة بالجريدة المذكورة سوي الصدور تحت غطاء امتيازها حيث انتفعت الجريدة من إصدار الملحق عنها إعلامياً ومعنوياً لأنها كانت آنذاك أول جريدة أردنية بعد المنار تصور ملحقاً أدبياً بهذا المستوي ...وكانت هيئة تحرير المجلة قد اتفقت مع صاحب جريدة عمان المساء ( ياسر حجازي ) على إصدار المجلة تحت غطاء امتياز جريدته ، على أن تتولى هيئة التحرير الإنفاق على المجلة وطباعتها وتوزيعها.

وعود علي ذي بدء نقول : أن الشاعر الشهيد علي فودة قد استوحي فكرة مجلته ( رصيف 81) من تجربتنا في إصدار مجلة ( الرابطة الثقافية ) بخاصة وأنه كان مراسلاً للمجلة من خارج هيئة التحرير ...وأوجه الشبه بين المجلتين كبيرة ...فقد صدرت المجلتان دون ترخيص وأن كانت مجلة الرابطة الثقافية قد أوجدت لنفسها غطاء قانونياً كما أن المجلتين لم يكن لهما مقر ثابت ... حيث حررت ( الرابطة الثقافية ) في منزل الدكتورفواز طوقان ...وعقدت بعض الجلسات في مقهى ( اكسبرسو) في وسط العاصمة الأردنية وكذلك فعل علي فودة تلذي اتخذ من ومقهى ( أم نبيل ) البيروتي مقراً ... وهناك تشابه كبير في تجاوز المألوف الذي ظهر في المواد المنشورة والمحررة ، ومنها نشر إعلانات ذات طابع تحريضي سافر ، والرد على القراء بأسلوب لم تعهد الصحف المماثلة من قبل ...وقد طبعت المجلة في المطبعة الاقتصادية وصمم غلافها الفنان راتب شعبان ...وتوقفت عن الصدور بعد العدد الرابع ، عندما قرر مجلس الوزراء ، سحب ترخيص جريدة عمان المساء التي تصدر الملحق تحت غطاء امتيازها.

استطاعت المجلة أن تستقطب فور صدورها الوسط الأدبي ،وامتدت في استقطاباتها إلى الساحات الأدبية المجاورة ...ومن استعراض أسماء المشاركين في تحريرها وكانت المشاركة دون مقابل يمكن أن تؤخذ فكرة عن المجلة ... ففي عددها الأول ، نشرت المجلة ست قصص قصيرة لجمال أبو حمدان وفخري مقوار وهذا أبو الشو وأحمد عودة ونايف قطناني وهم من كتاب الصف الأول في ميدان القصة داخل الأردن بينما تضمنت زاوية الأبحاث دراسة عن هنريك أبسن للدكتور عبد الرحمن ياغي ومقالة لهاني صنوبر عن المسرح في الأردن ودراسة عن ( تيسير سبول ناقداً ) لكاتب هذه السطور فضلاً عن الزاويا الثابتة التي أشرف عليها الدكتور أحمد ماضي.

أما العدد الثاني فضم مشاركات لكل من نزار قباني ، يوسف العظم ، الدكتور هاشم ياغي ، علي فودة ، محمد حمزة ، غسان زقطان ، الدكتور فائزعلي الفول ، الدكتور سحبان خليفات ، الدكتور عبد الله الشحام وغيرهم..وفي العدد الثالث نقرأ لمحمد الأسعد وعلي التبيري ومحمود الشلبي والدكتور محمد عبده عزام ، والدكتور عبد الرحمن مليجي وفرانسوا باسيلي وشارك في العدد الرابع محمود إبراهيم وفرانسوا باسيلي ومحمد عبده عزام والدكتور نصرت عبد الرحمن والدكتور محمد شاهين وغيرهم.

يمكن رد شهرة هذه المجلة رغم عمرها القصير إلى عدة عوامل أهمها :-


أولاً : خلو الساحة الأدبية في الأردن من مطبوعة أدبية أو ثقافية مماثلة باستثناء مجلة أفكار الحكومية التي كانت تضطرب في صدورها حتى غدت وكأنها مجلة فصلية وكان من الطبيعي جداًَ أن تتوجه كل الأقلام إلى النشر في المجلة الوحيدة.
ثانياً : كانت المجلة خاصة ، بمعني أنها لا تصدر عن طرف رسمي أو شبه رسمي مما شجع الكثيرين على النشر فيها دونما حرج ، بخاصة وأن المجلة أتاحت للكتاب مساحة أوسع من الحرية.
ثالثاً : اتبعت إدارة التحرير أسلوب ( الصراعات ) ومخالفة القائمة في النشر الأدبي مما أثار الاهتمام ولفت الأنظار إليها وشجع المجربين علي النشر بالقدر نفسه الذي جعل أساتذة الجامعة يسهمون في التحرير بغير ما عرفوا به من نشاط أدبي فالباحث الدكتور محمد عبده عزام نشر قصة قصيرة والدكتور محمود إبراهيم المعروف بمحافظته اختار أن ينشر أول قصيدة له في المجلة وهكذا...

ومن هذا القبيل مثلاً ما فعلته المجلة في عددها الأول حين تركت صفحة كاملة بيضاء لعدم توفر الإنتاج المناسب للنشر .. وهي نفسها الفكرة التي طرحها مؤخراً الدكتور عصام سخينتي في ندوة ( الصحافة والثقافة ).

رابعاً : الحوارات الأربعة التي نشرتها المجلة كانت مثيرة ، حيث كان الحوار الأول مع الشاعر عبد المنعم الرفاعي رئيس وزراء الأردن السابق .. وكان الثاني مع الشاعر عبد الرحيم عمر أول رئيس لرابطة الكتاب ... والثالث كان مع نزار قباني .. أما أطرف الحوارات فكان مع حسني فريز الذي تحدث لهيئة التحرير أكثر من ثلاث ساعات وهاجم كل الأدباء الأردنيين ثم طلب بعد أسبوع عدم نشر الحديث وتوسط لذلك بكبار الشخصيات في الأردن ولبت المجلة رغبته بعد أن نشرت صورته .. وذكرت تفاصيل ما حدث !!

خامساً : كانت المشاركات والإسهامات في المجلة ذات نوعية مثيرة فعلاً، فالشاعر نزار قباني اختار المجلة لتكون منبراً لنشر بلاغه الشعري رقم 2 الذي قال فيه : (إن مشكلة شعرنا العربي أنه يفضل السباحة في المياه الساحلية والتمتع بشمس البحر المتوسط والاستلقاء تحت مظلة الطمأنينة ومشكلة الشاعر العربي أنه يريد أن يتزوج من بنت السلطان دون أن يدفع مهرها أو يدخل معركة مع حراسها للفوز بها وبما أنه ليس هناك امرأة جميلة بغير معركة فإنه ليس هناك شعر له قيمة حقيقية خارج نطاق المغامرة والتحدي والشهادة ).

لكن المثير أكثر في هذه المجلة أنها ردت على الدكتور صادق جلال العظم زوج أخت رئيس التحرير في بريد القراء ... وفعلتها أيضاً مع نزار قباني والدكتور سحبان خليفات!!

مجلات لبنانية توقفت عن الصدور



احتلت بيروت عن جدارة لقب عاصمة الكتاب والنشر ففيها عدد من دور النشر يزيد وحده عن مجموع دور النشر في العالم العربي كله، لذا كان من المسلم به أن تزدهر أيضاً حركة إصدار المجلات على اختلاف توجهاتها وألوانها ومصادر تمويلها ، وساعد على ذلك المناخ المتميز من الحرية ؛ الذي عاشته بيروت قبل خروج المقاومة الفلسطينية منها ، لكن حركة إصدار المجلات كانت هي الأخرى مضطربة ، كما هو الحال في كل مناحي الحياة في بيروت ، وعدد المجلات المتوقفة عن الصدور يكاد يوازي عدد المجلات التي ما زالت تصدر بشق النفس وبين يدي الآن ثلاث مجلات نوعية صدرت في بيروت في مطلع الثمانينات لكنها توقفت عن الصدور وهي في عمر الورود رغم انطلاقتها القوية والمتميزة واللافتة للنظر ، إلى جانب مجلة رابعة هي الكاتب الفلسطيني التي صدرت في منتصف السبعينات كمجلة فصلية للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، ثم توقفت بعد العدد الثاني عشر لتحل محلها ورثيتها الشرعية مجلة ( الكرمل).

أما المجلات الثلاث المشار إليها فهي مجلة ( المصير الديمقراطي ) ومجلة ( البديل) ومجلة ( الفكر المعاصر) ،والأخيرة هي نفسها التي صدرت عن وزارة الثقافة في مصر في أواخر الستينات مع شقيقاتها ( الكتاب العربي) و ( الشعر ) و ( القصة ) و ( المسرح ) و(الفنون الشعبية ) ، وهي نفسها التي أغلقت في عام 1970 بدعوى أنها لا تغطي نفقاتها فيما سمي آنذاك بمجزرة المجلات الثقافية في مصر.

لقد صدرت ( الفكر المعاصر) مجدداًَ في بيروت كمختارات تصدر بصفة غير دورية بالتعاون ما بين دار الفكر المعاصر للنشر والتوزيع في القاهرة ودار ابن رشد للطباعة والنصر في بيروت واستطاعت المجلة فور صدورها أن تستقطب كل الأصوات الأدبية والفكرية المصرية التي كانت تحارب من قبل مجلات الثقافة الرسمية التي جاءت على اتقاض عهد عبد الناصر ، ففي العدد الذي بين يدي وحده اسهامات نوعية لأكثر من أربعين أديباً ومفكراً مصرياً منهم على سبيل المثال الدكتور فؤاد زكريا ، محمود دياب ، فؤاد قاعود، صنع الله إبراهيم ، طارق البشري ، أحمد عبد المعطي حجازي، أدوار الخراط، أمل دنقل ، إبراهيم أصلان ، يحيي الطاهر عبد الله ، صلاح عيسي ، شوقي فهيم ، الدكتور حسن حنفي، حسام الدين زكريا وغيرهم.
وكانت موضوعات هذا العدد تتراوح بين الإبداعات الشعرية والقصصية والمسرحية والمقالات السياسية والفكرية والاقتصادية والنقدية والترجمات عن اللغات الأجنبية ومراجعات الكتب وغير ذلك من موضوعات ، ولأخذ فكرة سريعة عن أبرز عناوين هذا العدد لا بأس من هذه الوقفة:-
هل المثقف هو المسؤول ... د. فؤاد زكريا.
ثلاث ملاحظات عن الحركة الديمقراطية ... طارق البشري.
مدخل الرواية التاريخية عند نجيب محفوظ .... إبراهيم فتحي.
سيد درويش رومانيكياً ... حسام الدين زكريا.
الانتلجنسيا المصرية في عصر القوميات .... صلاح عيسي.
التكنيك السردي في رواية الطاعون ... ترجمة .
حول مسلسل الجذور لألكس هلي .... ترجمة.
هذا إلى جانب القصائد والقصص والمراجعات النقدية للشعراء والنقاد الذين أشرت إليهم في المدخل.

ومن الملاحظ أن هذا العدد اقتصر على الكتاب المصريين رغم صدوره في بيروت عن دار نشر لبنانية ، ثم يلاحظ أيضاً أن معظم الإسهامات تصب في اتجاه قومي واحد وتكرس لما يمكن أن نسميه بثقافة الضد؛ والثقافة المغايرة أو البديلة للثقافة الرسمية التي كان يمثلها رشاد رشدي ويوسف السباعي وغيرهما ، وقد لحظت افتتاحية المجلة التي كتبها الدكتور فؤاد زكريا إشكالية الثقافة في مصر حين إشارات إلي ( النزعة التجارية في الثقافة) التي تسيطر على الحياة الثقافية في مصر والتي أدت إلي ( أن تطفو على السطح فقاعات الثقافي ويختفي في الأعماق كل ماله ثقل منها ... وتضيف الافتتاحية : ( أن كل من يتتبع تاريخ الثقافي في مصر يدرك بوضوح أن الشخصيات الواسعة الانتشار في هذا الميدان تصبح بالتدريج هي أكثر سطحية وأن الشخصيات الجادة على الإنزواء أو الصمت المطبق فالأقزام هي التي تتراقص بكل حريةوترغم الجموع الغفيرة علي التصديق لألاعيبها وهي تكذب ثم تصدق أكذوبتها وتتوهم أنها هي الجديرة ببلوغ القمة بالفعل مع أنها لم تصل إليها إلا لأن العمالقة قد اسقطوا عمداً في الطريق).
أما مجلة ( البديل ) فهي الوجه الآخر للفكر المعاصر ، الوجه العراقي على وجه التحديد فقد صدرت هذه المجلة عند رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين وكانت مجلة فصيلة ، غلب عليها الطابع الأدبي ، ومعظم كتابها من العراقيين الذين يعيشون في بيروت آنذاك ، مثل سعدي يوسف ، مصطفي عبود ، قيس الزبيوي عرفان رشيد ، جليل حيدر ، صادق الصائع ، صالح كاظم وغيرهم ، وقد ضم العدد الثاني من المجلة افتتاحية لسعدي يوسف بعنوان ( الهاجس الديمقراطي) هي امتداد لما كتبه فؤاد زكريا في افتتاحية الفكر المعاصر ، وتعبير عن نفس الهموم ولكن بلغة سعدي يوسف الذي يقول : ( لقد عانت ثقافتنا الوطنية الكثير بسبب التساهل في وضع المثل الديمقراطية موضع التطبيق وغدت هذه الثقافة ملحقاً هشاً لتطبيقات محدودة بحيث وجدنا أنفسنا أمام مخاليق منقرضة أو شرطة سريين علينا التعامل معهم كما لو كانوا مثقفين حقاً حتى إذا استوفت آلية القمع مستلزماتها رأينا هذه المخاليق المنقرضة وهؤلاء الشرطة السريين يؤدون دورهم كاملاً وخالصاً باعتبارهم أعداء حقيقيين لكل ما هو ثقافي ووطني ونظيف ... كنا قادرين على أن نقول لا ... وقد قلناها.

وامتداداً لخط المجلة التحرري والقوسي نشرت هيئة التحرير لقاء مطولاً مع الشاعر المصري أمل دنقل، نطق فيه بلسان الكاتب المصري والكاتب العراقي والكاتب السوري أيضا وكان من الواضح أن المهم واحد وهو ( أزمة الديمقراطية ) في العالم العربي وهي المسئولة عن ( تخلق جيل من المرتزقة وأنصاف الموهوبين الذين يرددون الشعارات السائدة وعندما تشرف السفينة علي الغرق يكونون أول الناجين وأول الرافعين للشعارات الجديدة).

أما عراب مجلتي ( الكاتب الفلسطيني ) و ( المصير الديمقراطي) لقد كان الكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين الذي أبعد من القاهرة إلى بيروت حيث أقام بينها حتى شهد أحصار بيروت ثم أذن له وزير الداخلية المصري بالعودة إلى القاهرة والالتحاق بزوجته وأطفاله ... ومع أن مجلة الكاتب الفلسطيني كانت لسان حال اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين ، ومن ثم لها رئيس تحرير ونائب للرئيس وأمانة للتحرير ومستشارون يصل عدهم إلى عشرين شخصاً إلا أن إدارة التحرير الفعلية كانت بيد عبد القادر ياسين بخاصة في الأعداد الأخيرة رغم أنه واحد من خمسة يشكلون أمانة التحرير هم بالإضافة غليه حنا مقبل، يحيي يخلف هاني مندس ، جميل هلال ... وكان جهد عبد القادر ياسين أوضح ما يكون في الأعداد الأخيرة التي انتهت بالعدد الثاني عشر ، الذي سبق المؤتمر الثالث للإتحاد بعدة أيام فقط.

اللافت للنظر أن غالبية الأسماء التي كانت تساهم في تحرير مجلة ( الكاتب الفلسطيني) غابت تماماً من صفحات مجلة ( الكرمل ) الوريثة الشرعية للكاتب الفلسطيني ولسان حال اتحاد الكتاب الفلسطينيين ، بعد انتخابات المؤتمر الثالث ولوحظ أيضاً أن ثلاثة من أمناء التحرير ثم استبعادهم بشكل أو بآخر من اتحاد الكتاب ، حيث لم يرشح حنا مقبل نفسه مجدداً بينما سقط هاني مندس وعبد القادر ياسين في الانتخابات ، ولعل هذا يفسر تلك الظاهرة التي أشرت إليها بخصوص اختلاف لون وهوية ( الكرمل ) عن سابقتها.

ويعزز هذا الاعتقاد صدور مجلة ( المصير الديمقراطي) بعد ذلك ، وتولي عبد القادر ياسين لإدارة تحريرها ، حيث اعتبرت آنذاك امتداداً للكاتب الفلسطيني في توجهاتها وفي معاركها أيضاً ، ويؤكد ذلك أن افتتاحية العدد الأول خصصت للهجوم على الأمانة الجديدة للاتحاد وعلى شخص غانم زريقات أمين السر آنذاك.

ولكن، للإنصاف ، نقول إن المجلة عكست جانباً من الخلافات الأدبية والفكرية بجرأة ، وهي نفسها التي وجدناها تستفحل بعد الخروج من بيروت وتؤدي إلى ما يشبه الإنشقاق في صفوف اتحاد الكتاب ومع أن مجلة المصير الديمقراطي كانت آنذاك محسوبة على احدي المنظمات الفلسطينية اليسارية ( جبهة النضال ) إلا استطاعت أن تبلور اتجاهاً قومياً على صعيد الساحة الفلسطينية، وذلك تأثرها المباشر بمصادر التمويل على هامش خططها القومي.. وكانت المصير الديمقراطي واحدة من المجلات التي واجهت مصيرها المحتم بعد حصار بيروت.. وهو الإغلاق!!

مجلة 23 ويليو



في السادس والعشرين من شباط ( فبراير ) عام 1979 صدرت في لندن مجلة بعنوان ( 23 يوليو ) ، استطاعت خلال أسابيع أن تخطف الأضواء من جميع المجلات العربية المهاجرة ؛ وذلك لخطها السياسي المعاري لكامب ديفيد ثم لسلامة لسان معظم كتابها ، ولاعتمادها الكبير على الكاريكاتير السياسي والاجتماعي الساخر ثم وهذا الأهم لأنها اعتمدت أسلوب الإثارة في نشر أخبارها وتحقيقاتها وحتى مواضيعها الثقافية ، وكان من الواضح أن المجلة التي رفعت شعار ( 23 يوليو مجلة مصرية تصدر في لندن لمصر والوطن العربي) تنطق باسم عدد من الكتاب والصحفيين المصريين المعارضين في المنفي ، وحملت المجلة في ترويسة العدد الأول اسم نور السيد كرئيس لمجلس الإدارة ورئيس للتحرير ومحمد محفوظ كمخرج فني للمجلة وكان من الواضح أن دور محمد محفوظ يتجاوز مجرد الإخراج إلى التحرير بخاصة وأنه معروف بإدارته لعدد من الصحف في المنطقة.

ومع أ، اسم محمود السعدني لم يكن في الترويسة إلا أنه كان من المعروف أن السعدني هو عراب المجلة وصاحب فكرتها والمسئول الأول عن لغتها اللاذعة وأسلوبها اللاهب ... بل وتضمن العدد الأول افتتاحية نشرت في ذيل المجلة بعنوان ( 23 يوليو ) مكتوبة بقلم السعدني رغم أنها غير مذيلة باسمه ولكنه ذيلها بصورة كروكية له... وقد ذكر في افتتاحية أن المجلة تحكي ( قصة عناد وإصرار ومغامرة .. وأنها قصة مفلسين يريدون القيام بعمل يحتاج إلى ألوف الجنيهات وقصة أفراد يريدون إنجاز مهمته تحتاج إلى عشرات الرجال وهي ليست مهمة سهلة بالطبع ولكننا أثبتنا أيضاً أنها ليست مستحيلة ثم هي تكشف عن وجه مصر الحقيقي ... لقد اشترك في هذا العمل وساهم فيه مصريون يعملون في دول النفط ومثقفون يحتلون مناصب عالية كبري في جامعات الغرب وطلبة يشتغلون بالخدمة ضمن فنادق لندن وباريس وعمال علي باب الله وصياع شدهم العرض.

ومع أن المجلة كانت ذات طابع سياسي سافر إلا أنها اهتمت بالجانب الثقافي اهتماماً متميزاً حيث أولت مهمة الإشراف عليه للكاتب المسرحي المعروف ألفرد فرج ، وتجد في العدد الأول والأعداد الذي تلته وجوداً متميزاً لكتاب كبار من مصر ... ففي العدد الأول يكتب الأول يكتب صلاح عيسي ( أفيون وبنادق) ويكتب أحمد عباس صالح ( في بلاد البقر) ويكتب نجيب سرور عن ثقافة السح الدح إمبو ويكتب ألفرد فرج عن المسرح البديل ... وفي العدد الثالث نجد تغطية كاملة لوقائع محاكمة الشاعر أحمد فؤاد نجم ... وفى العدد الخامس نقرأ لفتحي خليل ( صدق شكوكو وكذب أنيس منصور) كما نقرأ تحقيقاً عن مارسيل خليفة وقراءة في لوحات بهجوري.

اعتباراً من العدد السادس الصادر في الثاني من أبريل عام 1979م يظهر اسم محمود السعدني في التروية كرئيس للتحرير وتأخذ المجلة مداها العربي والقومي بنشرها أول تحقيق عن مسرح المقاومة في الأرض المحتلة ، لتوسع بذلك من دائرة اهتماماتها السياسية والثقافية، وكما هو متوقع تنهال على المجلة آلاف الرسائل ، منها ما يعرض على المجلة التعاون معها مثل رسالة فهد الريماوي نائب الصحفيين الأدرنيين المساعد ومنها ما يناقش ويحاور ويهاجم ويحيي ، وظلت المجلة تحافظ على شكلها المميز وما كتبها المثير الذي يبدأ في كل عدد بلوحة كاريكاتورية ملونة لصلاح الليثي ، الذي لعب دوراً بارزاً مع بهجوري ومحمد محفوظ في إغناء هذا الجانب في المجلة .. كما اكتسب باب ( أسرار ) شهرية من الأخبار السرية والدقيقة التي تتسرب من داخل مصر إلى المجلة ويعيد محمود السعدني صياغتها بأسلوبه اللاذع .. وظل القسم الثقافي يتألق ويتفرد بالكثير من الدراسات والأبحاث .. منها هي تنشر في العدد السابع دراسة عن ( مسرح السلام ومسرح الانفتاح ).... ونقرأ في عددها الثامن وثيقة عن الثقافة في مصر يكتبها الفرد فرج وتفرد المجلة صفحتين لرسومات كاريكاتير لاذعة تتناول قرار الدكتور عبد القادر حاتم بإغلاق عدد من المجلات والمسارح في مصر ... ويتضمن العدد العاشر بياناً بخط الشاعر أحمد فؤاد نجم ( شاعر الأرض المحتلة كما يقوم نفسه ) يعلن فيه عن اعتقاله ومصادرة حرياته بينما يكتب الدكتور حسن فتح الباب في العدد نفسه ( كيف يضلل السادات الجماهير في مثر العربية؟).

اعتباراً من العدد الحادي عشر تنشر المجلة مذكرات علي صبري على جانب تغطية ثقافية لجولة يحيي حقي في برلين وتظل إدارة التحرير توازن في أعدادها بين الثقافي والسياسي والفني، وتحرصي في الوقت نفسه على استقطاب أسماء جديدة في كل عدد تصوره ، حيث ينضم إلى أسرة التحرير في العدد الثالث عشر الفريق سعد الدين الشاذلي ؛ الذي ينشر خطاباً مفتوحاً للسيدات يتحداه فيه أن ينشر كلامه في مصر ... كما تنشر المجلة في نفس العدد قصيدة لعبد الرحمن الأبنودي ، وقد ذكرت في مستهل الموضوع أن القصيدة توزع سراً على الطلبة في مصر، لذا تم تسجيلها على أشرطة كاسيت أما في العدد الرابع عشر فتنشر المجلة أعنف هجوم على الدكتور يوسف إدريس من قلم نجيب سرور بعنوان (خطاب مفتوح إلى يوسف إدريس احذر ذلك الضعف الذي يكاد يكون أنثوياً تجاه السلطة) وفيه يعتب نجيب سرور على الدكتور إدريس وكان منطلقه في عتابه هو بعض ما كتبه يوسف إدريس من مقالات رأي سرور أنها شئ لا يليق بمكانة كاتب القصة العربية الأول وخاصة ما كتبه على صفحات الأهرام ممتناً وشاكراً لأن جيهان السادات أرسلت إليه باقة ورد بمناسبة مرضة وما كتبه في عام 1978 تعليقاً على مصرع رئيس تحرير الأهرام آنذاك يوسف السباعي في قبرص بعنوان ( إني أنهم وسوف أنتقم).

ويكاد الجانب الثقافي في العدد الخامس عشر يغلب على الجانب السياسي وتتسم الموضوعات الثقافية المنشورة بالإثارة ، فالمجلة تواصل نشر هجوم نجيب سرور على الدكتور يوسف إدريس وتبرز عناوين مثيرة للموضوع مثل ( ما كتبه يوسف إدريس عقب مصرع السباعي أوقفه في صف بيجن) و( أننا أبناء عبد الناصر وهذا هو السبب فيما نعانيه من عذابات ) ثم يعلق نجيب سرور على النفس العنصري الذي كتب فيه يوسف إدريس رثاءه للسباعي بقوله : ( إننا نواجه عدداً عنصرياً ويقول مخاطباً يوسف إدريس ( يبدو أن أجهزة الإعلام المصرية استطاعت أن تخدعك وأن تستفز فيك مصريتك وأن تنشر أمامك الدخان والضباب والظلمة رغم إنك تملك كقاص عين الصقر حوريس يا رجل .. لا يكفي أن يكون القتيل مصرياً فهناك قتلة مصريون كثيرون ولا يكفي أن يكون القاتل غير مصري حتى أصب عليه اللعنة... ) ثم يسأله ( ما رأيك في محاولات الإبادة للبقية الباقية من شعب كامل عريق وشقيق .. إنهم يحاربون ويقاومون ويجب أن يفعلوا حتى آخر فلسطيني وآخر قطرة دم فلسطيني).

وفى العدد نفسه تنشر المجلة حواراً أجرته مع عبد الوهاب البياتي ، يتسم هو الآخر بالإثارة ، حيث يعلن ( أن الشعراء العرب ليسوا ملائكة وخطاياهم لا يجب أن تغتفر )... بينما تغرد صفحاتها الثقافية في العدد التالي (16) للموضوع الفلسطيني حيث تنشر تحليلاً لفيلم كفر قاسم من قلم فايز عبد المجيد ، وتبدأ بنشر سلسلة مقالات عن القصة القصيرة الفلسطينية في الأردن لكاتب هذه السطور ... وتعطي للسينما السودانية حقها في حوار تجريه مع المخرج السوداني حسن أحمد.

ومع صدور العدد التاسع عشر من المجلة بدأ القارئ يشعر بمعاناة إدارة التحرير المالية ، والأمنية ....وقد انعكس ذلك على ورق المجلة ومستوي الطباعة والإخراج ، فضلاً عن اختفاء الإعلانات ...والقول أن منزل رئيس مجلس الإدارة تعرض لهجوم مبيت ... ومع أن إدارة التحرير استطاعت في الأعداد التي تلت ذلك أن تحافظ على مستوي التحرير إلا أن الناحية الفنية كانت في تراجع واضح ، وكان القارئ يتقبل ذلك بصدر رحب ، بخاصة وأن المجلة تقدم له في كل عدد وثائق لا غني عنها ، كما فعلت في العدد (21) عندما نشرت دراسة عن مسارح الدولة في عهد عبد الناصر من قلم ألفرد فرج ثم كتب بكر الشرقاوي عن السينما المصرية بين الثورة والمؤامرة.
ظلت المجلة تكابر في الصدور الأسبوعي رغم تراكم الديون ؛ ورغم ازدياد عدد الدول العربية التي أغلقت أسواقها أمام توزيع المجلة ، حتى توقفت نهائياً عن الصدور بعد العدد الحادي والأربعين الصادر في 24 ديسمبر 1979 ومنذ ذلك التاريخ انفض سامر المجلة ، ودخلت تجربتها الرائدة في ذمة التاريخ.

مجلات فلسطينية توقفت عن الصدور



لا بمكن أن نختتم الحديث عن أشهر المجلات الأدبية والثقافية التي توقفت عن الصدور في بحر السنوات العشرين الأخيرة دون أن نتوقف عند مجلات الأرض المحتلة ، بخاصة وأن عوامل توقف هذه المجلات في ذلك الجزء المحتل من وطننا كثيرة ؛ أوضحها عامل الاحتلال بما يتضمنه من قهر ومطاردة ومضايقة.

ومما لا جدال منه أن الثقافة المكتوبة ( الأدب على وجه التحديد بأجناسه المختلفة) لعبت دوراً أساسياً وفعالاً في المقاومة ، كرأس حربة ، تحافظ على هوية الشعب في مواجهة محاولات التذويب القومي المستمرة داخل الأرض المحتلة وفي الشتات ، وتدعو إلى الكفاح والثورة وتحرض علي استعادة الأرض .. وترسم ملامح المستقبل المنشود وتكرس للجذور الفلسطينية في الأرض؛ التي تحاول الصهيونية سرقتها أو نسبتها لنفسها أو تشويهها.

ومن هنا فإن معظم الكتاب والأدباء داخل الوطن المحتل كانوا دوماً عرضة للاعتقال والسجن وكانت كتبهم دائماً عرضة للمصادرة والمنع ، ومع ذلك ناضل الكتاب على اختلاف توجهاتهم الأيدلوجية من أجل إكساب الكلمة حجم الرصاصة والخروج من طوق العزلة والمطاردة والمضايقة بتطوير أدواتهم الفنية ونشر إنتاجهم بالمنابر المتوفرة وأهمها الصحف والمجلات العربية وأهمها الجديدة ، الاتحاد ، البيادر ، الشعب، الغد ، الفجر ، الدرب ، التراث والمجتمع الغدير وغيرها ... وقد منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي لأسعد الأسعد بإصدار مجلة أدبية تحت اسم ( الكاتب ) ... بينما استطاع عدد من الكتاب العرب إصدار مجلة في الناصرة باسم ( الصوت ).
من بين المجلات الثقافية النوعية برزت مجلة ( البيادر ) الشهرية لصاحبها جاك خزمو؛ والتي استطاعت أن تحتل مكانها على الفور إلى جانب دوريات الحزب الشيوعي الإسرائيلي الجديد والغد ، كمجلة عربية مائة في المائة ، ومع أن جاك خزمو حصل على ترخيص بإصدار المجلة بعد عام 1967 ألا أنه تأخر في إصدارها حتى عام 1976 عندما أصدر العدد الأول في مارس آزار من ذلك العام.

اختارت المجلة لنفسها الحجم العادي 2727 وضمت ترويسة العدد الأول اسم جاك خزمة كصاحب للامتياز ورئيس للتحرير ، بينما برزت أسماء ليلي علوش ، محمد البطراوي ، عبد اللطيف عقل ، وعادل سمارة كهيئة استشارية للتحرير وكان عنوان المجلة البريدي في القدس ولها فروع في رام الله ونابلس وقد طبعت المجلة في مطبعة الشرق التعاونية في شعفاط وضم العدد الأول احدي عشرة قصيدة لكل من ليلي علوش ، جان نصر الله ، فوزي البكري، أسعد الأسعد ، جيلي عبد الرحمن ، سميرة الخطيب ، محمد مسعد ، وليد الهليس ، خليل توما وعبد اللطيف عقل بينما اكتفي العدد الأول بقصة قصيرة واحدة لمفيد دويكات مع أربعة أبحاث هي:-


أمثولة أبي در وأحكام الصرورة سليم تماري .
قضية السرطان ترجمة جاك خزمو.
بين انجلزوفرويد عادل سمارة.
من النسبية إلى الفلسفة الكونية سليم الزعبي.


كما تضمن العدد الأول ( ندوة الشهر ) حول أزمة الثقافة المحلية اشترك فيها كل من ساهرة فخر الدين أستاذة العربية وآدابها في جامعة بيت لحم، وسحر خليفة كانت آنذاك في السنة الرابعة في جامعة بير زيت ومحمد البطراوي ( ناقد أدبي وفني ) وسليم تماري ( أستاذ علم الاجتماع في جامعة بير زيت ) ومنير فاشة ( أستاذ الرياضيات في الجامعة ) وبشير العيسي أستاذ الكيمياء في جامعة بيت لحم وعبد اللطيف عقل.

كان من الواضح أن الموضوع الوطني هو الإطار العام الذي جمع بين كل هؤلاء والقارئ يشتم هذا الموضوع بأبعاده المختلفة في الصفحات الـ 64 التي ضمتها المجلة ، لكن الافتتاحية التي كتبها رئيس التحرير جاك خزمو والتي جعلها في الصفحة الأخيرة تحت عنوان ( يمين ويسار ) تلقي أضواء أوضح على خط صاحب الامتياز وربما هيئة التحرير ، التي تعلن منذ البداية إنها معتدلة ، لا هي من أهل اليسار ولا من أهل اليمين.. وهو منها من إصدار المجلة هو ( تنشئة جيل جديد من الكتاب يستطيع وبحق أن يكون في مستقبل الأيام خير معبر عن همومنا الثقافية والفكرية ).

العدد الثاني كان امتداداً للعدد الأول مع تنوع أكبر في المواد الأدبية المنشورة ويمكن اعتبار هذا العدد من أنضج أعداد ( البيادر ) وأكرمها بلدرة للثقافة المنشودة ويمكن اعتبار هذا العدد من أنضج أعداد ( البيادر ) وأكرمها بلدرة للثقافة الجادة المناضلة وسنعود لذلك بعد قليل لكن المجلة لم تحافظ على قوة اندفاعها وتظافر جهود العاملين فيها ، لذا جاء العدد الثالث أقل جودة وكان صدوره بئرويسة لا تضم اسم ليلي علوش إيذاناً بانفراط عقد الهيئة الاستشارية ، التي أعلنت عن استقالتها بعد العدد السابع وهو ما دفع صاحب المجلة إلى العمل على بعث المجلة من جديد بمحاولة تشكيل هيئة تحرير بديلة من مروان العسلي، أسعد الأسعد ، للي كرينك ، سليم الزعبي كريم دباح وجان نصر الله ..لكن عقد هذه الهيئة أيضاً بدأ بالانفراط مع إنسحاب مروان العسلي ( الذي أصدر بعد ذلك مجلة الشراع) ويفر سليم الزعبي إلى الخارج ... ثم استقالت الهيئة كلها في عام 1978 وظهرت أعداد تلك السنة باسم رئيس التحرير فقط، وكان ذلك إيذاناً بموت المجلة لأن انفراط عقد هيئة التحرير ارتبط بصراعات انتخابية ، وكان من المسلم به أن يقف الكتاب الخارجون أو المستقيلون أو المقالون ضد المجلة ( البيادر) أصلاً ، وهذا ما جعله بعد ذلك يتخذ قراراً بإيقاف ( البيادر) الثقافية والإفادة من الامتياز بإصدار مجلة سياسية خالصة لا علاقة لها بالبيادر وإن كانت تحمل اسم (البيادر السياسي)!! د

عودة إلى العدد الثاني وهو أنضج الأعداد كما قلنا نجد تنوعاً في المشاركة ، ففي باب الشعر نقرأ لكل من فوزي البكري ، للي كرنيك، سعدي يوسف، ماجد دجاني ومحمود عوض عباس ، وفي باب القصة القصيرة نقرأ لمروان العسلي، وغريب عسقلاني ونايف أو عيشة .. ونقرأ للدكتور عبد اللطيف البرغوثي بحثاً عن الخلاف السياسي في فجر الإسلام .. وكتب في باب الأبحاث أيضاً صالح خليل زقوت ( الواقعية الجديدة في الأدب العربي الحديث ) بينما يكتب عمر الفارس عرضاً ونقداً للمجموعة القصصية ( خبز لآخرين ) لمحمود شقير ويحلق عبد اللطيف عقل بدراسته عن الشاعر العراقي مظفر النواب وهي من أفضل الدراسات التي نشرتها المجلة بل وكتبت عن الشاعر وهناك شهريات ومناقشات إلى جانب الأبواب الثابتة.

في مستهل هذا العدد تكتب المجلة ما معناه أنها أفردت مساحة واسعة للنقد الأدبي وتبرر ذلك بالقول ( إن ما يعوز الحركة الثقافية المحلية هو النقد الجاد الذي يتناول القضايا الفكرية والثقافية ) ولكم المجلة تعجز عن متابعة هذا التوجه في أعدادها التالية ، ومع أنها تعترف بأنها لا تطرح رؤية خاصة من خلال التوجه في أعدادها التالية ، ومع أنها تعترف بأنها لا تطرح رؤية خاصة من خلال معالجاتها النقدية بقدر ما تطرح منهجاً سلوكياً في حياتنا لاثقافية يعطي للنقد أهميته.. ومكانته .. وما ذهبت إليه المجلة صحيح ، فالدراسات النقدية المنشورة في العدد الثاني لا ينتظمها خط فكري واحد ... فبعضها يتجه نحو التاريخ ومنها ما يغرق في تحليل النصوص فنياً .. ومنها ما يتناول النص الأول بشي من التقديس ، لكن ، لا شك أن كل هذه الاتجاهات النقدية أغنت الساحة الأدبية في الوطن المحتل ودفعت إلى حوارات نوعية حول ما هية العمل الأدبي ودوره في المجتمع وضرورة المحافظة علي الحد الأدنى من الجودة الفنية في إطار العمل الوطني أو المضمون الثوري.

في كراسة عن الصحافة في الأرض المحتلة وضعها أسعد الأسعد أحد أعضاء هيئة تحرير البيادر ، إشارة إلى ( الدور التاريخي لمجلة البيادر ) مما يعني اعترافاً بفضل المجلة وأهميتها في الوسط الثقافي بخاصة وأنها أطول المجلات عمراً .. حيث يعترف الأسعد بأن المجلة ( لعبت دوراً هاماً في ترسيخ وبلورة حركة أدبية جادة) ويضيف ( أن المجلة أسهمت في طرح أسماء لا تزال تلعب الدور الأهم في الحركة الأدبية الفلسطينية المحلية ذلك أنها صورت في وقت كانت الحركة الأدبية في أمس الحاجة لمنبر أدبي يساعدها على بلورة وجودها وتعزيز مكانتها ).

والأمر الذي لا جدال فيه أن المجلة تحولت إلى كيان أدبي مؤثر وقائم بذاته بل وأصبحت مدرسة ... وقد تميزت عن كل المجالات والصحف بندواتها التي عقدتها ثم غطتها كاملة وزادت الندوات عن عشرين ، ظهر منها منشوراً اثنتي عشرة ندوة ...كما لعبت المجلة دوراً أساسياً في تنشيط حركة النشر داخل الأرض المحتلة وقد ذكر أسعد الأسعد أنه في فترة اشتراكه في هيئة التحرير أصدرت المجلة تسع كتب وتحولت إلى ما يشبه دار نشر ... وبرز تأثير المجلة في الحياة الثقافية داخل الوطن المحتل كأوضح ما يكون بتشكيل تجمع أدبي اطلق عليه ( تجمع كتاب البيادر ) طرح نفسه في انتخابات الكتاب كلائحة واحدة .. ويقول أسعد الأسعد أن هذا التجمع سبباً في انسحاب إدارة جامعة بير زيت من الهيئة التأسيسية ومن ثم في انفراط عقد الاتحاد ...وعلى أثر ذلك تبلورت الحساسيات والمشاكل وكان ذلك سبباً في موت مجلة البيادر ؛ التي حملت علي عاتقها مسئولية النهوض بالحياة الأدبية في الأرض المحتلة خمس سنوات متواصلة وانتهت إلى اختيار مصيرها بنفسها وهو الانتحار!!