دراما الحركة الأدبية والثقافية في الأردن
من قلم : أسامة فوزي
( هذه الدراسة المتخصصة لاسامة فوزي نشرت في عدة صحف ومجلات عربية متخصصة في عام 1981 كما كانت محورا لعدة محاضرات وندوات شارك بها .... وقد ضمنها كتابه " من مذكرات صعلوك " الذي صدر في لندن عام 1996).


لا أريد في هذه المقالة أن أعرض لاتجاهات النقد الأدبي في الأردن من خلال وجهة نظر مغايرة لتلك التي قرأناها للسيد إبراهيم خليل في العدد الممتاز من الأقلام ، ولكني وجدت أن حق القارئ العربي الذي يتابع أحياناً ما ينشر في الأقلام عن هموم الحركة الأدبية في الأردن أن يلم بصورة الحركة الأدبية هناك من خلال نظرة بانورامية لا تقتصر على اتجاهات النقد الأدبي وإنما تمتد لتشمل اتجاهات العمل الإبداعي الأدبي في صورته الكلية من شعر وقصة ورواية إلى آخر هذه الأجناس، وأظن أن ما نشر في المجلات العراقية عن الحركة الأدبية في الأردن ما زال يتسم بالنظرة التجزيئية التي لا توفر للقارئ البعيد عن هذه الحركة فرصة النظر فيها والتعرف على همومها وإشكالياتها وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط بين عناصرها والتي تفسر الكثير من معادلاتها التي تظهر في صورة ألغاز شعرية أو قصصية تارة ...وفي صورة مقالات نقدية تحبل بالزيف من أول كلمة إلى آخر كلمة ، كما رأينا في المقالة المعنونة ( الاتجاهات النقدية في الأردن ).

الأمانة المفقودة !!
والأمر الذي لا جدال فيه أن الدارسين لابد وأن يلتزموا في كتاباتهم التي تأخذ طابعاً تاريخياً أو توثيقياً بالأمانة العلمية التي الحدث الأدبي كما هو مسجل في ذاكرة الحركة الأدبية وأرشيفها ولهؤلاء الحق بعد ذلك أن يقيموا هذا الحدث بالصورة التي يرونها مناسبة والتي تتفق مع المنهج النقدي أو الأدبي الذي يختارونه وهذا ما لم أجده في المقالة المذكورة لإبراهيم خليل وليس أدل على ذلك من تجاهله لأي ذكر يتعلق بكتابي (آراء نقدية ) رغم أن مقالته تزعم أنها تؤطر (لاتجاهات النقد في الأردن ) وصاحب المقال يعلم أكثر من غيره أن كتابي كان أول إصدار نقدي في مرحلة السبعينات وقد ظهر قبل صدور كتب أحمد المصلح وأمينة العدوان وخليل السوامري وإبراهيم خليل نفسه.. ولعله يذكر جيداً أن الصحافة في الأردن قد احتفت بهذا الكتاب لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة وأن أكثر من خمسين دراسة ظهرت حول الكتاب خلال هذه الفترة ..ولعله يعلم أيضاً أن الفصل الخاص بالمسرح الأردني ما زال المرجع الأول عن هذه الحركة باعتراف رجالات المسرح الأردني أنفسهم.

كوميديا الأدب في الأردن
لكنيي لا أعتب على إبراهيم خليل فيما كتب ويكتب ، لأني أعتبره إفرازاً حقيقياً للحركة الأدبية الأردنية وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تحكمها ، وهي حركة تتسم في إطارها العلام بالطرافة ويغلب عليها الظرف في الكثير من ممارساتها ولعلي أوفق اليوم في وضع القارئ العربي في صورة هذه الحركة بكل طرافتها وجواكرها الأدبية ؛ موثقاً كل مقولة بمصدرها لأن الأمانة تقتضي ذلك ؛ مؤكداً قبل أن نبدأ العرض أنّ المسرحية الأدبية في الأردن تتكون من عدة فصول تبدأ بجيل مجلة أفكار وتنتهي بجيل رابطة الكتاب وعلى خشبه المسرح نري عشرات الممثلين الهزليين الذين يقدمون أدباً في بعض الأحيان ...وقلة أدب دائماً ، وكلهم من هذا الجيل الذي حبلت به ( أفكار ) وأرضعته ( الرابطة ) ، وغني عن القول إن الجيل السابق الذي بدأ مع مجلة ( الأفق الجديد ) المقدسية في مطلع الستينات قد تواري عن الأنظار خجلاً وربما محافظة على بعض ما بقي في الوجه من ماء ، يريد ( الشباب ) سفحه بدعوي التجديد والحداثة والإبداع ، وقد أشار الدكتور عيسي الناعوري إلى مثل هذا في رسالة بعث بها إلي في 19/ يناير 1976م حيث يقول : " وتسألني أخيراً عن صمتنا هنا إزاء ما يقوم به بعض الشبان من أعضاء الرابطة من تشويه لوجه الأدب الأردني وتذكر لي اسم خليل السوامري واسم إبراهيم خليل وما يتقارضانه من المديح العجيب وما يصفعان به وجوه الآخرين من نقد أعوج أهوج وماذا ترانا سنفعل ؟هل تريد من جيلنا أن يلعب مع هؤلاء الشبان لعبة القط والفأر ؟... لا؛ ليس هذا من شأننا ، لقد كنا حتى الآن الجيل الصامت على الأذى ، عن عفه وحفاظ على كرامة ؛ كل كتاب الجيل الجديد حملوا علينا ، وأنكروا كل كفاحنا الطويل لشق الطريق وتعبيد وعرها أمام أقدامهم الطرية ، كلهم تجاهلونا وأعلنوا أن الأدب في الأردن يبدأ من عندهم حتى قبل أن يكون لأي منهم كتاب مطبوع واحد! وأنه لم يكن قبلهم أدب ولا أدباء لا في الأردن ولا في فلسطين ..."
أدب وراء الكواليس
بدأت مجلة ( أفكار ) تحبل بالواعدين والواعدات من الشعراء والنقاد وكتاب القصة مع اليوم الأول الذي تولي فيه محمود سيف الدين الإيراني مهمة رئاسة التحرير، وكان المرحوم يسعي لاستقطاب كل الناشئ في الساحة بالنشر لهم وإبرازهم كيفما شاء حتى أنه استطاع خلال عامين فقط أن يخلق حركة أدبية شابة تنقي إلى مجلة أفكار ، وبالمقابل كنت تقرأ في الصحف المحلية آنذاك كل يوم تقريباً مدحاً وتقريظاً لقصص الإيراني وكتاباته من أقلام الواعدين الذين يدينون لأفكار بالولاء وكنت تراهم ينقضون كالصاعقة على كل أديب زاهد ، لا ينشر بأفكار ولا يرضي بالولاء وكنت تراهم ينقضون كالصاعقة على كل أديب زاهد، لا ينشر بأفكار ولا يرضي الإنضواء تحت جناحها ، حتى تحولوا كلهم في تلك الفترة إلى نقاد ، يمدحون مجلة أفكار وقصص رئيس تحريرها ويشتمون الآخرين بمبادرة ذاتية أو بافيعاز من الشلة ، وكان بإمكان القارئ أن يلاحظ مثلاً غياب اسم الدكتور عيسي الناعوري عن صفحات المجلة طوال تولي الإيراني رئاسة تحريرها رغم إنه واحد من أشهر الكتاب الأردنيين وأكثرهم عطاء وانتشارا ولم نكن نجده إلا على مشرحة نقاد المجلة وأحياناً على مشرقة رئيس تحريرها وكنت من القلة التي تعلم أن شبكة العلاقات الشخصية التي تحكم الوسط آنذاك مسئولة عن هذا الخلل فضلاً عن المنافسة الشديدة بين الإيراني والناعوري باعتبار إنها ينتميان إلى جيل واحد ويتصدران مع حسني فريزر وعبد الحليم عباس واجهة الأدب الأردني ( العجوز ) وكان من المسلم به أن يتحول إتباع مجلة أفكار إلى أدوات عربية في المعركة القتالية الدائرة بين جيل الشيوخ ، ولم يكن سراً أن الحملة الشرسة التي يتعرض لها الدكتور عيسي الناعوري آنذاك كانت توزع أدوارها في مكتب المجلة وقد حرصت أن أتحقق من ذلك بنفسي لأفهم المعادلة الأدبية في الأردن ، فقمت بمفاتحة الدكتور عيسي الناعوري بشكوكي وتحليلاتي وذلك في شتاء عام 1976 فكتب إلي في 22 / فبراير 1976 يقول : " لم أكن أظن أن أحداً يعرف سر المرحوم الإيراني سواي ؛ ولكنك كشفته بشكل لم أتوقعه حيث ذكرت أن حملة الإيراني عليّ كان دافعها الأول شعور المرحوم أن المنافس الحقيقي والأول هو أنا والشباب الذين تألبوا عليّ هم أبناء الإيراني ؛ هو الذي أظهرهم على صفحات مجلته وهو الذي أوحي لهم وهو الذي عمل دائماً على تفريغ أي عمل لي من محتواه ... كلامك هذا صحيح جداً وكنت أعرفه وأغضي عنه ، لقد كان الإيراني يري أنه ( قمة شامخة ) ويريد أن تكون القمة الشامخة الوحيدة وبقية الأدباء أقزاماً يسجدون حول صنمه ولكنه كان يحس كذلك إحساساً مريراً يقلق حياته بأن هناك قمة أخري أكثر شموخاً منه، تحجب عنه أشعة الشمس ؛ تلك كانت عيسي الناعوري ، كان يري أنني جدار هائل يمنع من وصول الأمجاد إليه وأنّ كل مجد أدبي أناله هو مجد كان يحجب أن يكون له وحده وكان ينغص حياته أن يري أنني الأديب الأردني الوحيد المعروف في العالم العربي كله وفي المهاجر ولدي المستشرقين والذي يكتب ويؤلف ويترجم بثلاث لغات والذي ترجم الكثير من أعماله الأدبية إلى لغات عربية متعددة وكان الإيراني يريد كل ذلك لنفسه ويعتقد أنني سلبت منه هذه الأمجاد وكان هو أحق بها مني وكنت أعرف ذلك وكان أحياناً ينزلق به لسانه معي فأبتسم وأسكت ولذلك كان يتحين كل فرصة لينال مني بأي شكل كان ولم يجد ما يعوض به النقص الهائل الذي يحس به أمامي غير أن يخلق مدرسة من الأتباع يشتمني أمامهم ويعلمهم شتمي وساعده على ذلك عمله في تحرير مجلة أفكار ولكن هل أنقص الإيراني وغير الإيراني شيئاً من قدري أومن سمعتي الأدبية في كل مكان ، لطالما طلب إليّ أن أترجم إلى الإيطالية أو الإنكليزية شيئاً من أدبه كما فعلت لنفسي وكان ينقني بالأناني لأنني أترجم لنفسي من دونه وكنت أقول له إنه يعرف الفرنسية وهي أوسع نفوذاً من الإيطالية فلماذا لا يترجم لنفسه بها ولكن الحقيقة أنه كان يجسد الحديث بالفرنسية والترجمة عنها ولكنه لم يكن يجيد الكتابة بها وكان يعاني من نقص آخر وهو أنه لا يعرف من اللغات الأجنبية غير الفرنسية وأنا كنت أكتب بالإيطالية والإنكليزية وأترجم عن الفرنسية والأسبانية كذلك وقد ربطت أنا جذوري بدنيوات واسعة ولم يستطع أن يربط جذوره حتى بالبلدان العربية القريبة كسوريا ولبنان وكان لي في حياة نحو سبعة وعشرين كتاباً وبم يكن له غير خمسة كتب ... كل هذه كانت عوامل تنغص عليه حياته ولست ألومه حين كان يعوض عن ذلك بتأليب الأولاد عليّ".

النقد بالنيات !!
إبراهيم خليل كان واحداً من أولئك ( الأولاد) الذين ذكرهم الدكتور الناعوري في رسالته وقد تخصص هذا الناقد في تزييف الواقع وإفساد الوسط الأدبي بالكثير من الممارسات النقدية التي تقود على التحريف والإفتراء والستم وهو مغرم إلى درجة لا تصدق بمعارضة الآخرين ، فإذا قرأ مدحاً سارع إلى كتابة نقيضه وإذا كان المنشور ذماً تحول إلى مداح ولعل الوسط الأدبي في الأردن مات زال يتندر بهذه المسألة بل ويراهن عليها ففي 21/2/75 هاجم عوني بدر ( المحرر الثقافي بجريدة الرأي ) الحركة الأدبية في الأردن لأن ( مناخها ليس مناخاً سليماً لنمو حركة أدبية قوية بمستوي الحركات في الدول المجاورة ) وكان الطريف والمدهش أن الوحيد الذي كتب ( مرافعاً ) عن هذه الحركة هو إبراهيم خليل نفسه، رغم أن عوني بدر كان يغرف في هجومه على الأدب في الأردن من قاموس إبراهيم خليل ؛ الذي لم يجد ما يقوله غير القول : ( أنّ عوني بدر ليس من الأدباء ولا من النقاد وممن يعتقدون أنهم أدباء أو نقاد ولذا فإن كتابته في الموضوع لا ترتفع عن مستوي الخواطر البائسة التي تنشر في بعض الزوايا الصحفية ) ولعل الوسط الأدبي في الأردن يذكر آنذاك ما تبودل من نكات حول هذه المواجهة ومن ذلك قول بعض الظرفاء أن إبراهيم خليل كان ( سيهاجم ) الأدب الأردني كعادته لو أن زميله عوني بدر كتب مادحاً ولكن المحرر الثقافي اختار أن يعزف على أوتار إبراهيم خليل المعتادة على أمل أن يسلم من شلة أفكار ... ولكن دون جدوي !!
وإذا كان إبراهيم خليل قد كتب عن ( اتجاهات النقد الأدبي في الأردن) معتمداً على ما نشره البعض ومسقطاً آخرين من بينهم كاتب هذه السطور فإني لا أعرف أين وضع إبراهيم خليل نفسه في إطار الاتجاهات التي أشار إليها بخاصة وأنه يكتب النقد بسرعة الضوء ويسعى لنشر مقالاته في كل المطبوعات العربية وهو يمثل في النقد اتجاهاً تلفيقياً ومزاجياً لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب وأظن أن القارئ الذي يريد إبراهيم خليل على حقيقته ( النقدية ) لا غني له عن الاستمتاع بقراءة كتابه الطريف ( في الأدب والنقد ) وهو قاموس من الشتائم والتعليقات النقدية الطيارة التي تصاغ بأسلوب ( التوقيعات ) وتصلح لوصف أي عمل أدبي يصدر في أية بقعة من العالم ولا بأس من وقفة سريعة مع هذا الكتاب الطريف ، لنتعرف على ( اتجاهات انقد الأدبي ) الذي يمثله الجيل المذكور الذي ولدته مجلة أفكار وأرضعته رابطة الكتاب وينضوي تحت لواء النقد في هذا الجيل كل من أحمد المصلح ، عبد الله رضوان ، نواف عبابنة ، وغيرهم وهم جيل النقاد الذين يفتحون النار على بعضهم عندما تخلو الساحة من الأهداف وقد طالهم شئ من هذا في مقالة إبراهيم خليل المذكورة .

كتاب طريف جدير بالقراءة
فصول كتاب ( في الأدب والنقد ) لإبراهيم خليل تتسم بالطرافة والظرف .. ففيه يفرغ ( الناقد ) كل الكتابات النقدية السابقة من مضمونها إبتداء من الخمسينات من هذا القرن وحتى صدور كتابة المنقذ ( غودو في الأدب والنقد) وقد جعل الكاتب لدراسته عموداً فقرياً هو مقولة ( غراهام هو ) التي يميز فيها بين نوعين من النقد ؛ النقد الأكاديمي والنقد الصحفي ؛ حيث يتبني الناقد هذه المقولة جدياً على عادة المؤلفين فيصنف النقاد في الأردن على ضوء ما ورد فيها ؛ فهذا ناقد أكاديمي وذياك ناقد صحفي وبشئ من الفذلكة يضع الكاتب مآخذ على كل نوع بحيث تنسحب على جميع الأسماء التي تنضوي تحته ، فمؤلفات الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور عبد الرحمن ياغي " تسرف في جمع الملاحظات والحقائق التاريخية والخارجية على حساب النقد الداخلي لهذا الأثر" وهى أيضاً " تتسم بالافتقار إلى الرؤية الجمالي المعاصرة " أما الدكتور محمود السمرة فهو " يحاول أن يطبق جميع مناهج النقد الأدبي على دراساته ويشاركه في هذه الناحية الدكتور هاشم ياغي الذي تغلب على مؤلفاته السمة النظرية " والذي " وقع في الإخفاق لأنه في حديثه عن الشعر الأردني في كتابه خمسين عاماً لم يربط ما بين الشعر الحديث والنتاج الجديد" لذا فهو يقرر فيما يشبه الأحكام السريعة ( أنّ الشعر بدأ بمصطفي وهبي التل وانتهي بعبد الرحيم عمر أما خليل السوامري فيضفه المؤلف في خانة ( النقد الصحفي ) وبعد أن بعدد عيوب هذا الاتجاه يصل إلى نتيجة وهي أن السوامري وغيره من نقاد الصحف ( لم تتبلور لديهم مواقف نقدية فمنهم من انقطع عن الكتابة ومنهم من انتهي بكتابة القصة كخليل السوامري).
وتدليلاً على المزاج الشخصي والإنطباعي عند الناقد لا بأس من الإشارة إلى فصله الخاص بالقصة القصيرة في الأردن بين جيلين والذي نشر في مجلة الموقف الأدبي السورية في العدد نفسه الذي نشرت لي فيه مقالة حول القصة الأردنية أيضاً ، وقد لاحظت أن الناقد أشار في مقدمة كتابه إلى أن مقالته عن النقد في الأردن قد نشرت في مجلة الموقف الأدبي السورية لكنه تجاهل الإشارة إلى أن مقالته الثانية عن القصة الأردنية قد نشرت أيضاً في المجلة نفسها في الذي منعه من الإشارة تلك ، بخاصة وأن الكتاب والأدباء في الأردن يعتبرون النشر في هذه المجلات شرفاً كبيراً.

الإجابة تجدها في المقارنة بين النصين المنشورين في المجلة ثم في الكتاب ، فالناقد خشي من أن يعود القارئ إلى النص الأصلي ، ذلك أنه لو عاد إليه لاكتشف أن الناقد غيّر في النهاية وفي التخيل حيث أسقط في كتابه الحديث المطول عن بدر عبد الحق والمنشور في المجلة واكتفي بالإشارة إليه في سطرين فقط وذلك بعد أن توترت العلاقات الشخصية بين الاثنين.

ومن المزاجية في التناول إغفال بعض الحقائق وإبراز بعضها بما يخدم موقفه الشخصي المسبق ونظرته المسبقة للأمور وهو مأخذ كان قد أخذه عليه خليل السوامري فعندما تعرض الناقد لتجربة محمود شقير القصصية أشار إلي أن قصة( ثلاث قصص قصيرة جداً ) كانت قد نشرت بنهاية مختلفة وبعنوان مختلف هو ( الثلج ) في مجلة الأقلام ولكنه ندما تحدي عن قصة ( مقهي الباشورة ) اكتفي بتناول النص الوارد في المجموعة ولم يشر إلى النص الأول المنشور قبل ثلاث سنوات من صدور المجموعة في مجلة أفكار الأردنية وبالتالي أغفل عن عمد مسألة في غاية الأهمية تعلقت بالنهاية التي اختارها القاصد في نشرته الأولي ثم التغيير الذي أدخله على هذه النهاية في النشرية الثانية والذي جاء أثر مقالات نقدية عنيفة لكاتب هذه السطور ولا ندري هل أغفل هذه الناحية حتى لا يعيد إلقاء الأضواء على سقطة صاحبه أم أنه فعل ذلك حتى يتجاهل كلية دور كاتب هذه السطور في إثارة هذه القضية من على صفحات مجلة الموقف الأدبي وتوجيهها نحو ما يراه صحيحاً".

وإذا كان لنا في النهاية أن نسجل ملاحظاتنا على المزاجية التي اتسمت بها كتابة هذه المقالات والتي تخرج بنصف الكتاب تقريبا من دائرة التاريخ الأدبي لافتقادها العلمية والموضوعية والصدق أري أن أشير على آرائه في عدد آخر من الكتاب والنقاد وهي تدخل في باب الردح الشخصي الذي لا يقوم على دليل ... فهو يقول عن الناقدة أمينة العدوان أنها ( ناقدة صحفية فقط يتجلى في دراساتها طابع الاعتماد على المزاج الذاتي والذوق الشخصي والأحكام السريعة المتعجلة غير المدروسة ودراستها بالإضافة إلي افتقارها إلى المحتوي الفكري فهي مشوهة لغوياً ، فنصوصها النقدية بحاجة إلي إعادة صياغة من الناحية اللغوية ولهذا فإن التهويل الذي أحيط بكتاب أمينة العدوان عند ظهوره جاء تهويلاً مفتعلاً ومن قبيل التحايا التي يزجيها الأدباء بعضهم لبعض ) ويلاحظ هنا أن هذا الاتهام لأمينة العدوان يشابه الإتهام الذي سدده المذكور لكاتب هذه السطور.
ومن المقولات النقدية التي ودت في الكتاب المذكور ولم تستند إلي دليل ما يلي :-
يقول عن قصص مفيد نحلة ( أنها قصص تقليدية لا تضيف إلى تراثنا القصصي جديداً ) ويقول عن قصص فايز محمود ( أصدر فايز محمود مقالات قصصية عنوانها العبور بدون جدوي تكشف عن أفكاره الوجودية التي استعارها من الآخرين دون أن يهضمها لذا جاءت قصصه مفتعلة في كل شئ حتى في لفتها المليئة بالأغلاط).
ويقول عن قصص الدكتور عصام موسي ( أن قصصه لا تختلف عن قصص فايز محمود إلا في النضج اللغوي ذلك لأن مجموعته حكاية الفارس المدحور لم تقدم شيئاً جديداً على صعيد المضمون).

حديث السرقات الأدبية
كانت مجلة أفكار في مطلع السبعينات محدودة التوزيع حتى داخل الأردن وكانت مضطربة في صدورها وقد فرقت مجلة باسم ( صوت الجيل ) كانت امتداداً لأفكار في توجهاتها الشللية؛ رغم أنها أكثر اتزاناً من حيث جودة ما تختاره للنشر ولعل الفضل في ذلك يعود لسكرتيرة تحريرها الناقدة أمينة العدوان التي ظلت بعيدة عن لعبة الشللية وإن عانت منها الكثير؛ ولأن حركة النشر كانت محدودة جداً بحيث نستطيع القول إنه في فترة تولي الإيراني لرئاسة تحرير المجلة لم يصدر أي كتاب نقدي أو قصصي لأي أديب من أدباء الشلة فإن أفكار وبعض الصفحات الثقافية كانت الميدان الوحيد للتعارك بين الأدباء ولم يكن التعارك يثري الحركة الأدبية كما هو الحال بالنسبة للمعارك التي دارت بين المازني والعقاد من جهة وشوقي والمنقلوطي من جهة أخري وإنما كان هذا التعارك ينصب على الذاتي جداً والشخصي جداً ، مما لا قيمة له ولا فائدة منه وقد صور المحرر الثقافي لجريدة الرأي (عوني بدر ) ذلك أصدق تصوير في مقالة له نشرها في جريدة الرأي بتاريخ 21/2/1975م حيث يقول : ( ونريب بين فترة وأخري نزاعاً بين أديب وآخر وكل يتهم الآخر بالسرقة أو يفتعلون عداءً مع بعضهم لإثبات كفاءتهم وليبقوا أسماءهم في الصحف وتوجت هذه المحاولات بخروج قسم من أعضاء رابطة الكتاب ليشتركوا مع عدد آخر من الناقمين على الرابطة ليؤسسوا رابطة جديدة لهم بعد أن تيقنوا أن الرابطة ليست مؤهلة لاستيعابهم".

إشارة المحرر الثقافي لجريدة الرأي أهم وأوسع الصحف انتشاراً آنذاك إلى موضوع السرقات الأدبية جاءت بعد اتهامات أطلقها إبراهيم خليل الذي لم يكن في ذلك الوقت قد أصدر كتباً مطبوعة وكانت حصيلته الأدبية بعض ما تنشره له مجلة أفكار من انطباعات حول هذا الشاعر وذاك القاصي إلى جانب زوايا مهملة تنشر له هنا وهناك ومع ذلك استبق الجميع إلى فتح أبواب السرقات الأدبية؛ فإذا كانت الأوساط الأدبية في العالم تعيش بين الفينة والفينة قصصاً من هذا القبيل تكون لها ضجة يسمع بها القاصي والداني فلماذا لا يكون للوسط الأدبي الشللي في الأردن ضجة مماثلة حتى لو لم تكتمل عدة الأدب لدي الجميع وحتى لو كانت حصيلتهم كلهم خواطر تنشر دون مقابل هنا وهناك ... ولأن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم فقد سارع إبراهيم خليل إلى توجيه اتهامات بالسرقة لآخرين.

ففي 8/1/1975م نشر مقالة في جريدة الرأي كال فيها الاتهام لثلاثة كتاب معروفين ، متهما اثنين منهما بالسرقة عنه ... وذكر أن الباحث الفولكلوري المعروف ( نمر سرحان ) قد سرق في كتابه ( الحكاية الشعبية الفلسطينية ) صفحات بأكملها عن صاحبه وربيب شلته خليل السواحري ، كما اتهم ( رزق أبوزينة ) بالسرقة عنه في تحليل الأخير لقصيدة العبور لتوفيق زياد ... أما محمد الظاهر فقد سرق عن إبراهيم خليل هكذا يقول فقرات بأكملها من مقالة له لينشرها في مجلة البيان الكويتية عام 1974 .. وأذكر أنا قضينا شتاء عام 1975م تنتدر حول هذه الاتهامات ... والاتهامات المضادة ... بخاصة عندما رد الشاعر محمد الظاهر على إبراهيم خليل بمقالة نارية في 17/1/1975 وكما هو متوقع جرّد الناقد إبراهيم خليل سيفه وعمل بالآخرين طعناً في رد أسقط فيه الشرعية الأدبية عن الجميع حيث يقول : ( حين كتبت مقالي عن الخيانات العلمية التي ارتكبتها زمرة من حملة الأقلام في الأردن توقعت ما حدث وتوقعت أن يرد بعضهم من خلال التشنج الإنفعالي الذي تميز به ويتميز به كل من أقحموا أنفسهم في مجال الشو والأدب والدراسات الأدبية ) ونشير هنا إلى أن (زمرة الأقلام) المشار إليها تتبادل الآن مع إبراهيم خليل التقريظ والتحايا ، بعد أن انتهت المعركة الأدبية بصلح عشائري عمدة الكتاب بتبويس اللحمي كما في مسلسل ( وضحة وابن عجلان )...وكان من الواضح أن ( ابن عجلان ) يوصي في رده المشار إليه إلى أن الأمانة العلمية لا تتوفر إلا في ممارساته وبهذا دفع عن نفسه بطريقة غير مباشرة اتهامات وجهت إليه آنذاك بالسرقة حيث انتسخ إبراهيم خليل ما كتبه إميل توما عن ( المتشائل ) لإميل جيبي في جريدة ( الإتحاد ) التي تصدر في الأرض المحتلة ونشره في جريدة الدستور الأردنية وكان إبراهيم خليل آنذاك يعمل في دائرة شؤون الوطن المحتل ومن ثم يطلع على كل ما يصدر في الأرض المحتلة ويصل إلى الدائرة أو يترجمه الموظفون فيها فيعيد انتساخه ونشره باسمه في الصحف الأردنية أسوة بما كان يفعله خليل السوامري وفد بالغ إبراهيم خليل في ذلك فنشر في جريد عمان المساء في 18/11/1974 مقالاً بعنوان (الفن التشكيلي في ظل الاحتلال ) تعرض فيه لنقد معرض فني لكامل المغني وبشير السنوار أقيم في مكتبة بلدية نابلس في الضفة الغربية المحتلة ، أما كيف وصل الناقد إلى ذلك المعرض وهو يقيم في عمان فذلك لغز ظل موضوع تندّر إلى حين ، وقد كنا نظن أن الناقد قد شفي من هذا الداء بعد أن صدر له كتابان أشرنا إلى واحد منهما ، ولكن ظننا خاب ، حيث طالنا بعض ما طال نمر سرحان ومحمد الظاهر ورزق أبو زينة ، فها هو يضمني قبل عام واحد إلى القائمة ويجعل نفسه الضحية أما كيف ومتي وأين ولماذا فتلك أمور لا يوضحها الناقد للقارئ بل يتركها لرجال اسكوتلنديارد .. أو لعله لا يوضحها انسجاماً مع مدرسة النقد بالنيات وهي مدرسة أوجدها الإيراني وترعرعت في أحضان الرابطة ... ولا يعنيني إن كان الناقد قد أدخلني في ( الزمرة ) التي هاجمها واتهمها بارتكاب الخيانات الأدبية ثم صالحها بتبويس اللحي ... لأني ما زلت على عهدي ، لا أدخل في زمر ولا أخرج منها كما أني لست من المغرمين بتبويس اللحي .. وأن كنت لا أنكر أهمية ( التبويس ) في حياتنا المعاصرة!!

كثيرون لا يعرفون أن إبراهيم خليل دخل الوسط الأدبي عام 1965 من باب الشعر وكان ينشر خواطره الشعرية الركيكة في بريد القراء ولما لم يجد لنفسه مكاناً في الشعر، جرب حظه مع النقد فصال وجال لأن الشتم والتقريظ لا يحتاجان لأدب وإنما لقة أدب وكان في معظم ما ينشره من نقد يكشف عن جهل موقع في أبجديات اللغة وأبجديات العمل النقدي وكان يكتفي بإطلاق الأحكام الخاطئة دون أن يكلف نفسه الوقوف عندها ففي العدد العشرين من مجلة أفكار نشر المذكور مقالة طنانة في نقد المجموعة القصصية المعنونة ( وديع والقديسة هيلانة ) لغالب هلسا حيث تطرق ( الناقد ) إلي قصة قصيرة لغالب هلسا تحمل اسم ( البشعة ) ونحن نعرف أن البشعة عند البدو عبارة عن صفيحة معدنية توضع على النار حتى تحمر ثم يمرر المتهم لشانه عليها وقد عنون المؤلف قصته بهذا الاسم ليكسبها بعداً رمزياً لكن الناقد الذكي الذي يبدو أنه لم يقرأ القصة وإنما اكتفي بقراءة العنوان ، أخذ يتكلم في مقاله ( النقدي ) الطويل عن زوجة بطل القصة التي ( كانت في مقياس الذوق الريفي الساذج بشعة .. أي غير جميلة ... وبهذا فضح الناقد نفسه .. وأساء على غالب هلسا أيضاً ولإبراهيم خليل نظرات مسبقة وجاهزة للأدباء .. وهذا اتهام كاله لإبراهيم خليل أستاذه وزعيم شلته خليل السوامري في العدد 645 من جريدة عمان المساء بخاصة بعد أن أغرق إبراهيم خليل الساحة باتهامات ذات طابع شخصي لا يمكن إدراجها ضمن أي اتجاه نقدي وتعكس في مجملها حقداً شخصياً جاهزاً لتفسير كل جديد...
فعندما نشر ( إلياس خليل جريس ) قصيدة في العدد العشرين من أفكار تعرض ( الناقد ) لقصائد ذلك العدد في جريدة الرأي (26/7/1973) واكتفي بالإشارة إلى قصيدة الشاعر كما يلي : ( أما إلياس خليل جريس فهو حريص ومصر على أن يلون شاعراً فليكن شاعراً إذن فوزلاً عن رغبته أولاً ولأنه استطاع أن يشق طريقه إلى أفكار ثانياً أما أن يكون كذلك لسبب آخر فهذا ما لا يتقبله عاقل) ومن الواضح أن إبراهيم خليل يقصد نفسه بالعاقل وغالباً ما يصف نفسه في مقالته بالقارئ الحريص والقارئ المتمعّن والقارئ المثقف والقارئ المطلع والناقد .. الخ وكان هذا الناقد مغرماً بأمرين ، الأول : إطلاق الأحكام النقدية السريعة في أعمال يسمع عنها ولا يقرأها والثاني : حشد مئات المصطلحات النقدية في مقالة قد لا تتجاوز صفحة في مجلة ليدلل بذلك على سعة إطلاعه وأكثر تلك المصطلحات لا قيمة لها في السياق.

وبالنسبة للأمر الأول ، أورد فيما يلي دليلاً أظن أن الأدباء في الأردن ما زالوا يتندرون به ويستذكرونه كلما ورد اسم إبراهيم خليل عرضاً في حديث الأدب والنقد .. ففي العد 568 من جريدة عمان المساء الصادرة في 17/2/1973 مقالة لإبراهيم خليل تعقب كالعادة على إنتاج الآخرين حيث جعل مقالة لفايز محمود منشورة في العدد السادس من مجلة صوت الجيل محوراً لنقداته فذكر ( أن مقال الحقيقة في مجال النمو الكوني لفايز محمود لا يعدو أن يكون هامشاً على كتابه الذي اشتمل علي رؤيته غير الواضحة لما يسميه بالوجود ) وهذه العبارة لإبراهيم خليل توصي بأمرين أولهما أن إبراهيم خليل قد قرأ كتاب الحقيقة لفايز محمود وقد خرج قراءته المتأنية باكتشافه السابق الذي ينص على أن الكتاب قد ( اشتمل على رؤية غير واضحة للوجود ) وثانيهما أن المقال الذي نشر في مجلة صوت الجيل بعنوان ( الحقيقة في مجال النمو الكوني ) لا يعدو أن يكون ( هامشاً على كتاب الحقيقة ) كما ذكر إبراهيم خليل وكلمة ( هامشاً ) تعني أن فايز محمود قد أضاف في مقالته شيئاً علي الكتاب وهذا وحده يكشف أن الناقد قد نقد كتاباً لم يقرأه لأن المقالة المشار إليها لم تكن هامشاً على الكتاب وهي ليست إضافة وإنما هي فصل كامل منه هو الفصل السادس عشر الذي يقع في الصفحات من 168 وحتى 178 ولكن النقد بالنيات .. وبالعناوين ... هما لحمة وسداه العمل النقدي عند إبراهيم خليل ، أما عزمه بالمصطلحات والكليشهات فتكشف عنه كل كتاباته الصحفية هو عملية تفريغ لا أكثر ولا أقل وأما الدراسات الموضوعية الجادة فهي قليلة جداً وكتابها أندر من ابتسامة في مأتم).

وفي لقاء مع القاصي يوسف ضمرة نشر في الملحق الثقافي للفجر في 2 سبتمبر 1982 ثال ( نعاني في الأردن من عدم وجود النقد الموضوعي الممنهج ماعدا ذلك فإن هنالك محاولات نقدية يتسم معظمها بالمزاجية أوما يسمي بالنقد الإنطباعي وهذا لا يكفي).

وفي لقاء مماثل بتاريخ 17 ديسمبر 1981 يقول الدكتور محمود السمرة الرئيس السابق للرابطة ونائب رئيس الجامعة الأردنية : ( ما زال النقد مع الأسف حتى الآن وفي أكثر الحالات هو إما مديح لمن أحب أو لمن أرجومنه خبراً أو ذم لمن أكره وإساءة له ).

وفي لقاء مع الشاعر سميح الشريف بتاريخ 16/4/81 يقول : ( النقد لم يوجد أصلاً إن طوفاناً من القاصين والشعراء يجيئون ويمضون بلا ضجيج).

وفي 21 يناير 82 أدلي القاصي المعروف فخري قعوار بحديث لملحق الفجر الثقافي قال فيه( أنت تعرف أم ما ينشر عندنا من نقد عبارة عن وجهات نظر سريعة تحتاجها طبيعة العمل في الصحافة ووجهات النظر هذه محكومة باعتبارات مزاجية وشخصية في أحيان كثيرة والشعراء الفاشلون عندنا تكرسوا كنقاد ويدل هذا على تردي حالة النقد عندنا ).

رابطة الكتاب و ( الحال من بعضه )
تأسست رابطة الكتاب في الأردن عام 1974 وانضم إليها على الفور الجيل الذي أنجبته مجلة أفكار وكانت هذه أول خطوة لإكساب هذا الجيل شرعية أدبية بخاصة وأن الكتاب الحقيقيين وأساتذة الجامعات ظلوا بعيدين عن الرابطة وصراعاتها والطريف أن الهيئات الإدارية المتعاقبة على الرابطة كانت تضم في كوادرها القيادية كتاباً حصيلتهم الأدبية لا تزيد عن بعض المقالات أو القصائد المنشورة في الصحف اليومية وبلغ عدد أعضاء الرابطة في إحدى السنوات أكثر من ثلاثمائة وخمسين عضواً في الضفة الشرقية فقط وهو عدد يزيد في مجموعه عن ضعف عدد الكتاب المنضمين للرابطة المماثلة في الاتحاد السوفيتي وكان التسرب إلى الرابطة في سنواتها الأولي يتم من خلال الشلل الأدبية التي تسيطر عليها وكان من الواضح أن اللعبة الانتخابية ومحاولة استقطاب الأصوات دفعت الشلل المتنافسة إلى تسريب العديد من الأعضاء بالتحايل على النظام الداخلي ولجان العضوية في الرابطة وبلغ الأمر حداً لا يوصف عندما صعد صحفي لا يحسن فك الحرف اسمه ( موشيل النمري) إلى موقع قيادي في الرابطة رغم أن وجوده كعضو فيها وليس كقيادي يتعارض مع النظام الداخلي وقد أشار ذكريا تامر إلى هذا الوضع الكاريكاتوري للأدب في الأردن في ندوة نظمها النادي الأهلي في دبي وذكر زكريا تامر ما سبق وأشرنا إليه من أن مبتدئين وصلوا إلى مراكز قيادية في الرابطة وكانت لزكريا تامر علاقة حميمة مع الوسط الأدبي والصحفي الأردني من خلال زاويته الدائمة في جريدة الأخبار الأردنية ومن ثم فهو مطلع على خبايا أهل الدار.
وقد أشار إلى مثل هذا الدكتور محمود السمرة رئيس الرابطة السابق وذلك في حوار نشر في الملحق الثقافي لجريدة الفجر في 17 / ديسمبر 1981 وكان السمرة آنذاك على رأس الرابطة حيث ذكر ( أن عدد الأعضاء الآن يبلغ 250 كاتباً وقيل لي إن دوافع انتخابية كانت وراء قبول هذا العدد الكبير غير المعقول ومما لاشك فيه أن أخطاء كثيرة وقعت في مرحلة من المراحل أدت إلى قبول أعضاء في الرابطة لا علاقة لهم إطلاقاً بالفكر أو الأدب أو القلم ولا علاقة لهم بأي نوع من أنواع الكتابة).

وكانت الرابطة في سنتها الأولي تعجر حتى عن تأمين إيجار المبني الذي تحتله فالكتاب حصولا على بطاقات العضوية وانصرفوا عنها لممارسة الوجاهة ومراسلة المجلات والصحف العربية تحت غطاء العضوية للرابطة؛ تاركين مشكلة تأمين إيجار الرابطة لبعض أعضاء الهيئة الإدارية الذين اتصلوا آنذاك بنزار قباني من أجل أن يتوسط لهم مع بعض المسئولين لحل هذه المشكلة وقد أعلمني نزار قباني بذلك وقال إنه من أجل هذا لم تعجبه الرابطة لأن ( رابطة أدباء تعجز عن حل مشكلة مالية تتعلق بإيجار المبني لا تستطيع أن تواجه ما هو أكبر من ذلك ) وقد نشرت كلام نزار قباني في جريدة الرأي الأردني ضمن لقاء معه أفردت له الجريدة صفحة كاملة وفي الأشهر الثلاثة الأولي من إنشاء الرابطة وإشهارها استقال من عضويتها اثنان هما كاتب هذه السطور ومن ثم الدكتور عيسي الناعوري أما بالنسبة لي فقد كنت من أوائل أعضاء لجنة النقد لكني فوجئت بناقد في الرابطة يسطو على ملفي الشخصي من أجل إعاقة منحي العضوية في اللجنة التى يطمح بتزعمها وأظن أن الرابطة تذكر ذلك جيداً وتعرف تفاصيل هذه الفضيحة وهو ما دفع رئيسها الشاعر عبد الرحيم عمر إلى منحي العضوية وإرسال البطاقة لي مع الشاعر المرحوم علي فودة دون أن استكمل الملف وحتى دون أن أسدد اشتراكاتي وزارني رئيس الرابطة وسكرتيرها الشاعر حسين حسنين في بيتي لوداعي عندما علما أني أعد العدة للمغادرة وكنت أردد أن الرابطة لا تصنع أديباً ولا ينهض بها الأديب وإنما تنهض به وقد أثبتت الأيام ذلك.

أما استقالة الدكتور عيسي الناعوري فتلقي أضواء على شبكة العلاقات الشخصية التي استحكمت بالرابطة فتلقي أضواء على شبكة العلاقات الشخصية التي استحكمت بالرابطة منذ تأسيسها وكان من الواضح أن استقالة أشهر أديب أردني من رابطة يتحكم بها أشخاص لا علاقة لهم بالأدب هو تأكيد على استفحال المشكلة وانتشار الخراب الثقافي تحت لواء ( جمعية ) تنطق باسم الكتاب وما هي بجمعية كتاب ولا رابطة ولا ما يربطون!!

تنبهت الشاعرة توجان الفيصل إلى أزمة الرابطة آنذاك فنقلت المشكلة إلى الجمهور من خلال شاشة التليفزيون وبندوة دعت إليها الدكتور عيسي الناعوري والأستاذ روكس العزيزي والقاص محمود شقير وامتدت المواجهة بعد الندوة إلى الصحف وحاول سالم النحاس أن ينال من شخص الدكتور الناعوري في مقالة اقتربت من القذف العلني حيث شكك فيها بمؤهلات الدكتور ؛ الذي حصل على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة باليرمو الإيطالية وكان بذلك الأديب العربي الثاني بعد طه حسين الذي يحصل على هذه الشهادة ، وقد وصف لي الدكتور عيسي الناعوري ما دار في هذه الندوة في رسالة مؤرخة في 25 يناير 1977 جاء فيها ( الضجة التي تتابعها في الصحف من أقلام بعض الرابطيين يبدو أنها انتهت وكنت أتوقع أن يجرد كل عباقرة الرابطة المئة والسبعين أقلامهم لشتمي وتمزيقي بعد أن تحولت الأقلام إلى مخالب للنهش بدلاً من الرد الهادئ المعقول ، لقد كانت الندوة التليفزيونية بين العزيزي ومحمود شقير عن الرابطة وبيني وكان والعزيزي ومحمود يدافعان عن الرابطة وكنت المعارض ومعي توجان فيصل ، ولأنني قلت إن الرابطة ليست رابطة كتاب ولكنها رابطة من لا صلة لأغلبهم بالكتابة وكل إنتاجهم مقالان أو ثلاثة في صحيفة قامت في الصحف أولاً وما تزال تتردد في المجالس).

الشلل الأدبية وحديث الأدب
استقالة البعض من الرابطة واعتكاف البعض الآخر وزهد القسم الثالث عن الدخول في معترك الشلل الأدبية التي تتصارع على كرسي الرياسة دفع بالشلل الأدبية التي ولدت مع جيل مجلة أفكار إلى الواجهة وبدأنا نقرأ في الصحف أخباراً عن أبحاث فلان أو علان إلى ندوات ومهرجانات أدبية لتمثيل الأدباء في الأردن مع أن أكثر هؤلاء لا علاقة لهم بالأدب من قريب أو بعيد وبدأت ظاهرة الشلل تطعني على حديث الأدب في الأردن ففي لقاء مشترك أجراه الملحق الثقافي لجريدة الفجر مع عدد من الكتاب المعروفين في الأردن ( نشر في 25 يونية 1981 ) أشار الدكتور حسين جمعة رئيس تحرير أفكار إلى هذه الظاهرة حين قال : ( إن زيف أعداد كبيرة من المحسوبين على الحركة الأدبية في الأردن لا يحتاج إلى أدلة لتوكيده أو البرهنة عليه وتشرذم فئات كثيرة في شلل لا علاقة لها بالفكر المثمر والعمل المبدع واضح للعيان وتتعمد هذه الشلل إثارة الأراجيف والأكاذيب المخجلة بحق كل من لا يكيل بصاعها ولا يسير على منوالها ظناً منها أن هذه الافتراءات الخبيثة تحمي خواطئها الفكري وفراغها الروحي وإفلاسها المعنوي وتمنحها الحق الشرعي في أن تلبس الناس اللباس الذي تفصله هي لغايات مصالحها الأنانية الضيقة وهذه الحال تؤدي إلى انسحاق أعداد كبيرة من صفوف هذه الحركة وعدم المساهمة فيها ومن قم التوقف نهائياً عن الإنتاج والإنزواء في الظل مفضلة ذلم على جو الإرهاب والإشاعات والأقاويل والزيف الذي أفرزته الحركة الأدبية في الأردن ولا يستطيع الاستمرار في مواصلة الدرب من المبدعين الحقيقيين إلا قلة سمت على التفاهات وتعالت على الأراجيف لأنها أقوي من أية أعاصير).

أمّا الدكتور فواز طوقان فقد حاول أن يربط ما بين ظهور رابطة الكتاب والوضع الشللي في الأردن وأثر ذلك على الساحة الثقافية عموماً وذلك في افتتاحية العدد الأول من مجلة الرابطة الثقافية ( صدر في أزار 1975 ) وكان رئيساً لتحريرها .. فكتب يقول : ( يبدو أن فشل رابطة الكتاب الأردنيين الذي بدأ يبرز تدريجياً يأتي من شدة تفاؤلنا بها وحماس تأييدنا لها إذ أن ما توقعناه أن تقوم به حتى الآن ناتج من أننا جميعاً حملناها ما لا تستطيع في الواقع تحمله وخلال أشهر قليلة ظهرت رابطة الكتاب الأردنيين نسخة طبق الأصل عن الواقع الثقافي الأردني بتخلفه وتقاعسه بأوجاعه وأوزاره ...ويكمن وراء مشكلة الوسط الأدبي الأردني الحديث ما زال للدكتور فواز سببان جوهريان أولهما الشللية المهيمنة على الحركة الثقافية وثانيهما تهلل إمكانيات النشر ... ولأسباب ليس المجال بحثها هنا تبلورت في الأردن شلل أدبية متعددة وبدل التنافس الحر الشريف راحت هذه الشلل تتناحر وتتطاحن في السر والعلن بالكلمة المسموعة وبالكلمة المطبوعة والمتتبع للحروب الأدبية الدامية التي تجري أمام أعيننا صباح مساء لا يسعه إلا أن يغضي طرفه استحياء من السفف الذي وصل إليه كثير من أدباء الأردن فمن معركة ( قف على الأدب ) إلى محكمة الأدب في الزرقاء إلى مسلسل أنت سرقت عيني إلى كوميديا الأستاذية وزيادة في الإثم والبغي والعدوان عكس الشللية واقعها على حركة الطباعة والنشر وغدت الصفحات الأدبية سوق مربد دونكشوتية تزحمها النقائض حتى أحبطت فعاليتها الإحباط كله وغدا لزاماً على الأديب أن يمالئ هذه الشلة أو تلك ليفور بشيء من صفحة أدبية ينشر فيها نتاجه الفكري أو صار لزاماً على الأديب أن يداهن هذه الشلة أو تلك ليحظي بمنبر يبوح من فوقه بخلجات نفسه الفكرية ويخيل للحاضرين هذه الندوات أو الأمسيات في كثير من الأحيان أن هذه المنابر ليست تجمعات ثقافية أو فكرية بل هي للدلالين ينادون على الفجل والبندورة لا تجمعات تديرها زبده المفكرين في البلد بل هي حروب النسوان أيام زمان من على أسطحة المنازل ).
بهذا يمكن القول إن ثلاثة منابر ثقافية استطاعت آنذاك أن تلمس فداحة الأخطار التي تعاني منها الحركة الأدبية بسبب تحكم الشلل الأدبية فيها وهي الصفحة الثقافية لجريدة الرأي وكان عوني بدر مشرفاً عليها ثم مجلة أفكار التي أصبحت برعاية الدكتور حسين جمعة ثم مجلة الرابطة الثقافية التي رأس تحريرها الدكتور فواز طوقان ؛ لكن هذه المنابر لم تتمكن من لجم حركة الشلل المذكورة التي كانت تصول وتجول من علي صفحات جريدة الدستور ( كانت صفحتها الثقافية بإشراف خليل السوامري) وجريدة عمان المساء( وصفحتها بإشراف إبراهيم خليل ) وجريدة الصباح ( وصفحتها بإشراف موشيل النمري ) وثلاثتهم من شلة واحدة ؛ تعمل في الساحة الأدبية تخريباً ، وزاد الطين بلة ظهور رابطة الكتاب وتحكم الثلاثة المشار إليهم في مقدراتها بحيث أصبحت الرابطة ميداناً وركوبة لنقل الخراب الثقافي من أعمدة الصحف إلي ردهات الرابطة وقاعاتها ، ومع أننا نثق بأن المغالاة في تصوير حجم الشللية في الأردن قد يعطي لأصحابها ما أرادوه أصلاً من جاه وشهرة؛ لكن العلاج لا يمكن أن يبدأ دون الإحاطة بهذا المرض، وقد أشار إليه أعضاء من قلب هذه الشلل ومن سلفها ، حيث كتب القاصي بدر عبد الغفار عام 1979 في جريدة الرأي الأردنية مقالة بعنوان (لماذا امتنعت عن أن أكون كاتب قصة) يصف بالتفصيل كيف تورط مع إحدى هذه الشلل ،وكان نفسه قد أدلي بحديث مماثل لمجلة صوت الجيل نشرته في عددها الرابع جاء فيه ( ما أراه أنا في كل مكان هو شلل أدبية ليس أكثر ولكي تنشر في المكان الأنسب يجب أن تكون عضواً في شلة أدبية أولاً ثم تأتي في المرتبة الثانية أهمية إنتاجك إن شيوع الشللية يؤثر على نتاجي وهذا أمر طبيعي ، أجد نفسي أحياناً مرغماً على الكتابة حتى احتفظ بمكاني في الحلبة ولكن بعد ذلك أحسن بالندم؛ حالياً صعوبات النشر أصبحت أقل والمحزن أن الأمر ليس بسبب تحسن نوعية نتاجي بقدر ما هو ازدياد عدد أفراد الشلة التي أتعاون معها).

نماذج من الأدب الردئ
أدي ظهور جيل من الأدباء غير الواعدين وانتسابهم إلى رابطة أدباء تمنح بطاقات العضوية لكل من هب ودب إلى ظهور نماذج من الأدب الردئ قد لا تجد مثيلاً له في أي وسط أدبي مماثل ؛ ولأن الرابطة كانت تسعي إلى انتشار إعلامي كيفما كان فقد سمحت لكل من يفك الحرف أن ينشر كتاباً على نفقته ويذيله باسم الرابطة دون أن تكون هناك لجان مختصة للإشراف على النشر وقد أشار الدكتور محمود السمرة الرئيس السابق للرابطة إلي هذه الظاهرة وطالب بإيقافها ومن هنا نستطيع أن نقول أن أكثر من ثمانين في المائة من الإصدارات التي تحمل توقيع الرابطة الأدبية في الأردن لا تعكسي صورة من الأدب هناك وإن كان بعضها كما سنري يعكس صورة قلة الأدب التي بدأت تنشر بظهور ما يسمي في الأردن بأدب ( المواخير ) وهو نوع من الأدب كان عباس محمود العقاد قد سماه بأدب الفراش ، حيث يبذل الكاتب في لغته وصوره ظناً منه أن الإبتذال فن لا يجيده آخرون وأن القارئ ( عايز كدة ) .

ومع أن للإبتزال في الأردن جذوره التاريخية التي تمتد إلى فن الهجاء في العصر الجاهلي وتمر بفن النقائض وقصائد شعراء الكدية والشعراء الفقراء في العصر العباسي الأول وتنتهي إلى مصر بظهور الشعراء الظرفاء أصحاب المعلقات عبد الحميد الديب وصحبه إلا أن كل هؤلاء وفروا معادلاً فنياً في قصائدهم وأعمالهم سوغ لهم بعض الإبتذال في الشعر أو اللغة ولا أحد يستطيع أن ينكر أن ابتذال الجاحظ في ( البخلاء) كان رائعاً في مقابله الفني.

لكن الوضع في الوسط الأدبي الأردني مختلف جداً ، فالابتذال من اجل الابتذال أصبح القاسم المشترك للكتاب والنقاد والمحاورين ولعلنا أشرنا إلى مسلسل ( تف على الأدب ) و( التبول عليه ) وأظن أن القارئ سيتوقف عند بعض ما ورد من عبارات مبتذلة ألبسها أصحابها لباس النقد أو الشعر وما هي بنقد ولا هي بشعر وكنا نظن أن هذه الحالة عرضة ستموت وبموت ظاهرة الشلل الأدبية التي أفرزتها أفكار لكن رابطة الكتاب بعض الذين يتزعمونها أحيوا هذا الابتذال في اللغة وأسبغوا عليه شرعية بل وجعلوه أذاة للكتابة عن الوطن كما فعل خليل السوامري في مجموعته القصصية ( مقهي الباشورة ) فأنت تستطيع أن تحصي في قصة الأولي ( اللعبة ) التي لا تزيد عن صفحتين ما يزيد عن ثلاثين شتيمة تدخل إلى النفس الإشمئزاز والتعزز ولا تضيف إلى جو القصة شيئاً اللهم لا القول : إن لغة التخاطب بين أبناء شعبنا في الأرض المحتلة تستمد عناصرها ومادتها في الخانات والمواخير ، ففي هذه القصة تقرأ ما يلي ( ملعون وجه والدك ) ، ( يا امرأة الناس تسبح الله ولسانك يكنس المزابل ) و ( إن شاء الله طرس يلخمك ) و ( إن لم تخرسي يا امرأة لأكسر رقبتك والعن أجدادك ) و( هذه المرأة اللعينة كالبومة العاقر ) و ( الله يلعن كل من فطس من أهلك) و ( ملعون أبوها قتلها البطر ) و ( أنت يا سقيطة نسيت يوم نامت أختك في مقشأة البطيخ مع فلان ) و ( حسن أفندي واحد منها ) و ( هذه العاهرة لا تحلم إلا بمثل هذا ) و (حسن أفندي ابن كلب ).... الخ.

ولأن خليل السوامري وإبراهيم خليل وعبد الله رضوان وغيرهما من القياديين في رابطة الكتاب ، ولأنهم أضفوا على هذا النوع من الكتابة صفة الشرعية الأدبية فقد كان من المسلم به أن يحذر الكتاب الناشئين حذوهم بخاصة وأنهم وجدوا تشجيعاً على ما نشر ما يكتبون على نفقتهم الخاصة وتذييله باسم الرابطة لذا ظهرت مجموعة من الكتب المتدينة والمبتذلة والرديئة لا يمكن لأي وسط أدبي محترم أن يرضي بها ، وهأنذا اختار نموذجاً واحداً للتدليل على ذلك وهو كتاب شعري بعنوان ( البحث عن الزنبقة البرية ) لخليل عبويني .

طلع خليل عبويني كتابه هذا على نفقته الخاصة وذيله باسم الرابطة جدياً على العادة ومن أجل تأمين تغطية إعلامية له ، ومن تصفح سريع للديوان يكتشف القارئ أن الشاعر يحول كتابه المذيل باسم الرابطة إلى قاموس يستعرض فيه محفوظاته من الألفاظ والأوصاف البذيئة على النحو الذي فعله خليل السوامري في قصصه ليقدمها في إطار نضالي عجيب وكأني به يقول: إن المناضل لن يكون مناضلاً إلا إذا كان متخرجاً من ( حانة) أو( ماخور) مع اعتذاري لاستخدام هاتين اللفظين فهما عمة وسداة العمل الفني في هذا الكتاب وتتكررات في كل سطر تقريباً.

مثلاً ، في زنابق خليل عبويني تتكرر لفظة ( المخانيث ) في أكثر من قصيدة دون أن نفهم مبرر هذا التكرار وإن كنا نفهم معني الكلمة طبعاً ، ففي قصيدة ( نافذة ) يقول :-


سمع الليل صراخي
والمخانيث
وأقزام الكهوف القبلية
وفي صفحة 26 من الديوان يقول :
من نبيذ العهر والأفيون
من خمرة راعوت
والمخانيث وأقزام السفاح ... الخ.
وفي صفحة 119 يقول :-
عشيق المومس الشقراء
وتصفيق مخانيث الرجال

وثروة الشاعر اللفظية في هذا المجال المواضري غنية وثرية ففي صفحة 26 وحدها تقرأ الألفاظ التالية : ( الشمطاء ) ، ( الماخور ) ، ( أبناء السعالي ) ، ( أسراب البغايا) و (أمير اللذة الحمراء) وتتكرر لفظة المواخير في صفحات أخري ففي صفحة 27 نقرأ ( واشتياقاً لخمور في مواخير البغايا) وفي صفحة 28 نقرأ له ( آه من عهد الليالي وبغايا رقيق ) وفي الصفحة نفسها ( وشعور تيلوي شبقاً ... الخ) و ( ذكروني بالخفافيش التي بالت على التاريخ) لاحظ الشاعرية في كلمة بالت وفي صفحة 33 ( فبغايا المذبح الليلي لم تكسب نقوداً وملاهي العهر أقوت ) وفي صفحة 35 (يعزف المأساة جوعاً وبغاياً ) وفي مطلع قصيدته ( أغاني العاشق) ص 43 نقرأ ( سقط القناع تعفنت رمم الزناة بحانة الأفيون في مبغي بلاد الزمهرير ) وفي صفحة 44 نقرأ ( والسمار تلحس فنذ زانية ... الخ ) ثم يعود الشاعر إلى المواخير في صفحة 48 فيقول ( على بوابة الماخور في سوق الرقيق) ويتطاول على واحدة من أجمل موشحات الأندلس فيضمنها مقطعاً ( ماخورياً ) حين يقول في صفحة 50 ( جادك الغيث إذا الغيث همي يا زمان الموت بالمجان في مبغي بلاد الشرفاء ) وفي صفحة 52 يقول ( منذ أعطي الكاهن الأعظم للخصيان أمر الصولجان ) ... ليس هذا فحسب وإنما يلجأ ( الشاعر‍) إلى تضمينات دينية في قصيدته حين يقول في صفحة 54:-


من مخدع راعوت وأفخاذ البغايا
فتمزقت عذاباً وانفجرت
يا إلهي
هل أنا من خير أمة
أخرجت للناس من رحم الليالي السود ...الخ.
ويختتم الشاعر فلسفته الشعرية الماخورية بقوله في صفحة 76 :-
كرهت القصائد كالمومسات
تعري تضاجع في حان عهر عتيق.
ويعود إلى التضمينات الدينية في صفحة 83 حين يقول :-
نذبح الأطفال في مخدع أعراس البغايا
ونصلي الفجر نتلو سورة الرحمن.
عهراً ونفاق
ونقرأ له في صفحة 102
فلتخرج ألقاب الأشراف
زناة الليل الآثم من جسدي
فأنا في اللوح الحافظ أظهر
ثم ينتقل إلى قصيدة يصف فيها سهرة مع امرأة اسمها ( ماري ) حيث يقول في صفحة 106
أصحب الليلة ماري
في ملاهي العبث الكوني
بهود وصدور عاريات تتلظي
تترامي فوقها أمواج شعر الراقصات
ثم ينهي السهرة مع ماري بقوله:-
وجلسنا نبعث التاريخ خمراً ودخان
اشربي ماري فتاة الليل في الغرب
تبيع الجنس بالمجان
لكن في بلادي
تأخذ الأموال والأسرار ... الخ.

أعتذر للقارئ بشدة عن هذه الشواهد ( الماخورية ) المقتطفة من ديوان خليل عبويني وأعلم أنها تخدش وجه الحياء وتلوث الشعر وتسيئ إلى القضية وتفسد الجيل وتؤكد بالمقابل أن قاموس الشاعر في مجال الشعر المواضيري غني وثري وواسع وما اخترته لك عزيزي القارئ هو قليل من كثير فالديوان كله عبارة عن ألفاظ وصور من هذا القبيل لا نحمل في طياتها بعداً فلسفياً أو رمزياً واحداً ولا تطرح فكرة ولا توفر معادلاً فنياً يبرر كل هذا الماخورية في شاعرية صاحب الديوان ... وبين ألفاظ المواخير والبغايا تتكرر رموز خفرع ، راعوث ، بيدبا ، شايلوك وأسماء ميسون وخلدون ... الخ ولكن القارئ العادي وغير العادي لن يفهم من هذه الرموز شيئاً ليس لأن الشاعر لم يحسن توظيفها واستيعابها فحسب ولكن لأن القارئ يغرق مع الشاعر في أوحال المواخير دون أن يجد زنبقة واحدة من تلك الزنابق التي بشرنا بها العنوان ودون أن يعرف لماذا اصطحبه الشاعر إليها فهل كتب خليل عبويني قصائده للوطن بزعم وأي وطن هذا الذي يبدأ بالمواخير وينتهي بها ؟
السؤال موجه لرابطة الكتاب الأردنيين التي نشرت الديوان ؟



الهـــوامش


أنظر الأقلام / عدد خاص عن الأدب في الأردن / آب 1981م .
الأقلام / العددان 2 ، 3 / 1984 / ص 84
صدر في عمان 1975 .
صدر الكتاب بعد أشهر قليلة من انتحار الساعر / وأشارت إليه دار ابن رشد في مقدمة الأعمال الكاملة للشاعر التي صدرت عام 1980 / كما تطرق إليه فايز في كتابه تيسير العربي الغريب وقد أشادت معظم المقالات التي تناولت الكتاب بالنقد والتحليل بهذا الفصل واعتبرت التناول جديداً في مضمونه وأسلوبه ... أنظر عبلة الرويني / الأخبار القاهرية 1/12/1976م.
راجع ( محاولة ناجحة لتأريخ المسرح الأردني / محمد كمال جبر / الرأي 5-6-1975م ، وكان رئيس قسم المسرح الأردني المخرج حاتم السيد قد اعتمد على الكتاب في الحوار الذي جري معه لحساب جريدة السياسة الكويتية وهو الحوار الذي ضمنه الدكتور علي الراعي كتابه عن ( المسرح في الوطن العربي ) / سلسلة عالم المعرفة رقم 25 .
صدرت عن دائرة الثقافة والفنون الأدرنية في الأول من حزيران 1966 ، وهي مجلة شهرية تصر فصلية مؤقتاً.
صدرت في القدس عام 1961 وتوقفت عن الصدور عام 1965 وقد تعاقب على رئاسة تحريرها عدد من الكتاب منهم جمعة حماد وأمين شنار.
يعتبره البعض من رواد القصة القصيرة في فلسطين حيث بأ يكتبها منذ الثلاثينات إلى جانب نجاتي صدقي وقد أصدر مجلة ( الفجر ) في يافا عام 1935م .
من أشهر الأدباء الأردنيين وأكثرهم انتشاراً ، له أكثر من ثلاثين كتاباً مطبوعاً فى الشعر والقصة والنقد والدراسة الأدبية والترجمة وهو الأديب العربي الثاني بعد طه حسين الذي يحصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة باليرمو الإيطالية ويشغل الآن منصب الأمين العام لمجمع اللغة في الأدرن.

كتب إلى الدكتور عيسي الناعوري في 5 / مارس 1976 يقول : " لقد استغل الإيراني بحثه في كتاب ثقافتنا في خمسين عاماً صدر عن دائرة الثقافة لغرضين الأول تمجيد نفسه والثاني محاولة تدمير الناعوري وكان من نتيجة ذلك أنني كتبت في جريدة الدستور مقالاً طويلاً في فضح اجتراءته وكذلك نسيت ردوده علي في جريدة الرأي متستراً وراء توقيع فهعمي شما الذي كان يومذاك مديراً بالوكالة للدائرة واضطراري إلى الرد عليه بعنف لفضح هذا التستر .. لم أكن البادئ بالعداء ولقد صبرت كثيراً على ما كنت أعرف من أذي الإيراني لي وتأليبه الآخرين علي دون ذنب حتى طفح الكيل ففاضي بمقالات في ( الرأي ) ثم في (الدستور ) لم أستطع أن أحبس قلمي عن أن يفيض بها).

يقول الناعوري في الرسالة السابقة ( لم أكتب في مجلة أفكار طوال عهد الإيراني بها حرفاً واحداً ويعرف ذلك عبد الرحيم عمر الذي طالما رجاني أن أكتب لها وكنت أقول له إنني لن أتعامل مع مجلة يشرف عليها الإيراني ).

جريدة عمان المساء 3//1975 م ( طرح خاطئ لمعضلات الحركة الأدبية ).
منشورات رابطة الكتاب الأردنيين 1980
من ذلك مثلاً أنه وصف كتاب زميله أحمد المصلح بأنه ( تتجلى فيه نزعة التلفيق والأخذ من كل منهج بطرف بل تجلي في ذلك الطابع المتسرع للكتابة المسلوقة التي تقود إلى تسطيح الفكر وتهميش الأدب ) ... أما كتاب توفيق أبو الرب ( فبرهان قوي على مزاجية المؤلف وبعده عن قواعد النقد الأدبي ) أما كتب السوامري ومحمد المشايخ ( فهما لا يختلفان ابداً عن الكتابات التي تدور حول الأدب في الأرض المحتلة من حيث غياب التحليل المتزن والمنطق الهادئ) أ/ا أسامة فوزي ( فيرتكب جناية بحق الأدب والنقد وقد بلغ هذا الكتاب يقصد كتاب مدخل إلى القصة القصيرة في الأردن حداً من الإسفاف يجعل الكاتب الذي يحترم نفسه وقلمه يمتنع عن الإشارة إليه).
كتبت عن هذه القصة في جريدة عمان المساء / نيسان 1973 م ثم كتبت عنها بتوسع في مجلة الموقف الأدبي السورية / عدد أيلول 1975م وفي جريدة السياسة الكويتية في 5/9/1976 وفي العدد الأول من مجلة الطليعة الأدبية 1982م .

يشير بذلك إلى نادي أسرة القلم الذي تأسس في مدينة الزرقاء بعد شهرين من إشهار الرابطة وكان كاتب هذه السطور عضواً مؤسساً فيه.
الرأي / 24-1-1975 م.
أشارت إلى ذلك مجلة الرابطة الثقافية في تقريرها عن النشاط الثقافي / العدد الأول . كتب ذلك في جريدة صوت الشعب ورد عليه القاص عدنان خالد مبيناً أن مقالتي ومقالة إبراهيم خليل فقد نشرتا في عدد واحد من مجلة الموقف الأدبي السورية / عدد أيلول 1975 / فكيف يعقل أن تنقل واحدة عن أختها وجارتها ... وقد تحديث في لقاء أجرته معي الجريدة ونشرته في 17 تموز 1983 على ثمانية أعمدة كاملة صاحب الإدعاء أن يثبت مزاعمه أو بصمت ... فرد أنه لم يتهمني بالسرقة عنه وإنما بالنية في السرقة عنه وبذلك أدخل المذكور منهجاً جديداً في النقد يعرف باسم ( النقد بالنيات )!!
انظر نموذج من شعره الركبك / آراء نقدية ص 117 .
جريدة أسبوعية كان يرأس تحريرها ياسر حجازي وهو المحرر الوحيد فيها أما الصفحة الثقافية فكان إبراهيم خليل يحررها دون مقابل وقد سحب ترخيص الجريدة في 1976م.
صدر عن دار فيلادلفيا للطباعة والنشر / عمان / 1971م.
يقول الدكتور عيسي الناعوري في رسالة مؤرخة في 22 / أكتوبر 1976 ( عزيزي أسامة وأما الحركة الأدبية في الأردن فهي ( حطة أيدك) لم يتغير فيها شئ ولم يتطور ولا تزال القطيعة التي تعرف قائمة بين الجيلين دون مبرر سوي أن الشبان لا يعترفون ولا يريدون أن يعترفوا بالكهول وبأدبهم وهم في الوقت نفسه عاجزون عن خلق شئ جديد غير ما يملأون أعمدة الصحف اليومية من مقالات ( حك لي ما تا أحك لك ) وفي 16/12/77 كتب إلي يقول : ( من المؤسف أن النقد عندنا إما شتائم وعبارات تحقير وإما تبادل منافع وتقاريظ).

كان أحمد المصلح قد كتب مقالة في جريدة الرأي بتاريخ 23/7/1973م على هامش حوار دار بيني وبين إبراهيم خليل وقد حاول أن ينال من الاثنين رغم أنه اعترف بأن مقالتي ( فيها الكثير من الصدق ).
يعمل حالياً في إحدى المجلات الليبية التي تصدر في قبرص!!
نشرت الأقلام إشارة إلى هذه الأمية وكتبت جريدة الدستور التي يشرف علي تحرير صفحتها خليل السوامري ما يفيد أن كاتب هذه السطور يلفق على لسان ذكريا تامر في تلك الأمية كما عرض تليفزيون أبو طبي جزءاً من الحوار الذي دار بيني وبينه في تلك الأمسية.
أحدث حوار مع نزار قباني / جريدة الرأي / السبت 3/4/1976م .
تولي رئاسة تحرير مجلة أفكار بعد وفاة رئيس تحريرها السابق محمود سيف الدين الإيراني ، وهو من خريجي الاتحاد السوفيتي ومن تلامذة المستشرق المعروف غريغوري شرباتوف.
أستاذ الأدب الحديث في الجامعة الأدرنية ، له أربعة دواوين شعرية مطبوعة ونال الجائزة الأولي للشعر في مسابقة جامعة الدول العربية ، وهو من عائلة معروفة باهتماماتها الثقافية فعتمه الشاعرة فدوي طوقان ووالده هو الأستاذ أحمد طوقان رئيس الوزراء الأردني السابق.
يشير الدكتور بذلك إلى حادثة هي الأولي من نوعها في تاريخ القضاء الأردني حيث رفع الشاعر عبد الله منصور دعوي قضائية في محكمة الزرقاء ضد الشاعر محمد إبراهيم لا في أثر مقالة للثاني اتهم فيها الأول بالسرقة عن نزار قباني.
جريدة أسبوعية كان يمتلكها عرفات حجازي وقد تم سحب ترخيصها في عام 1976م. علم في التدريس ، ثم في صحافة الإمارات ، ويعمل حالياً في جريدة الرأي ، وكان قد اشترك مع خليل السوارمي وفخري قعوار في إصدار أول مجموعة قصصية مشتركة بعنوان ( ثلاثة أصوات ) عام 1972م.
أنظر الملحق الثقافي / جريدة الفجر أبو ظبي 17/ ديسمبر 1981م .
مجموعة قصص قصيرة سبق نشرها في الصحف الأردنية وقد جمعها القاص في كتاب عام 1975م بعد أن أدخل تغييراً علي نهاية القصة التي تحمل عنوان المجموعة وقد كتب الناقد أحمد يوسف داوود في ملحق جريدة الثورة / عدد 8 / 1976م يقول ( هذه القصص غير ناضجة فنياً ولا تقدم صورة إيجابية للنضال الفلسطيني وهى تصريح على إظهار تخاذل الرجال في الضفة الغربية وتخاذل الناس كمجموع في الأرض المحتلة).
من منشورات رابطة الكتاب الأردنيين / رقم 12 / 1979م.
وردت هذه الاقتباسات في مقالة لي عن الديوان نشرتها جريدة الخليج في الشارقة بتاريخ 24/3/1984م.