الوجه الآخر للدكتور المرحوم / عيسي الناعوري
كما تكشف عنه رسائل بخط يده
الجزء الأول
( نشر في مجلة الدوحة القطرية باشراف رجاء النقاش ).
بقلم : أسامة فوزي
للحصول على صور عن رسائل عيسى الناعوري الى أسامة فوزي انقر هنا


توفي الدكتور عيسي الناعوري ، بعد أن ترك عشرات الكتب المطبوعة والمخطوطة في شتئ ميادين الإبداع، وبعد أن حقق شهرة عالمية أثر منحه شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة باليرمو الإيطالية وكان بذلك العربي الثاني بعد طه حسين الذي يٌمنح هذه الشهادة من جامعة إيطالية ، وأغلب الظن أنّ الدكتور الناعوري وكتبه ومقالاته العديدة المنشورة في الصحف والمجلات العربية ستكون مجالاً لدراسات نقدية كثيرة؛ بخاصة أنّ تعدد مجالات الإبداع عنده تثير شغف الباحثين على اختلاف تخصصاتهم، وحتى تكتمل الصورة عند الباحثين والنقاد رأيت أن أضع بين أيديهم عشر رسائل تبادلتها مع الناعوري خلال السنوات العشر الأخيرة وقد اخترتها من أصل ثمانين احتفظ بها في أرشيفي ، وسأنشرها تباعاً بعد أن وجدت أن الرسائل تضئ جوانب هامة جداً في حياتنا الثقافية – بخاصة في الأردن-.


ومع أنّ الناعوري لم يكن يمانع في نشر هذه الرسائل في حياته؛ بل وخوليتي في إحداها أن أتصّرف بها على النحو الذي أراه مناسباً، إلاّ أنني التزمت بسرية هذه الرسائل؛ اللهم إلاّ فيما يتعلق ببعض الأخبار الأدبية والثقافية العامة التي طلب الناعوري نفسه نشرها؛ إلى جانب فقرات منها نشرت في سياق دراسات عن الحياة الأدبية في الأردن؛ لكنها المرّة الأولي التي أنشر فيها الرسائل كاملة وبالتتابع ، وقد اخترت النشر شفى ( الدوحة) لأنها برعاية الناقد الكبير رجاء النقاش الذي يعي أهمية هذه الرسائل.

قبل أن أضع الرسائل في متناول الباحثين والمؤرخين للأدب في الأردن أحب أن أشير إلى ما يلي : -
أولاً : سأنشر ما اخترته من رسائل الناعوري إليّ دون أن أنشر رسائلي إليه، وسأكتفي – للتوضيح- بإحالات وشروحات من الهامش لا غني عنها لإضاءة الذي قد تثيره الرسالة وعلى القارئ أن يعود مع كل إحالة إلى الشروح والتعليقات والتوضيحات فذلك يغنيه عن قراءة رسائلي كاملة .

ثانياً : في رسالته المؤرخة في 4 / نوفمبر 1976 سمح لي المرحوم بنشر رسائله دون الرجوع إليه وقد ورد في رسالة بالنص " شكراً لك على تفضلك بنشر رسالتي في جريدة الفجر ولك أن تنشر من رسائلي ما تراه جديراً بالنشر دون رجوع إليَّ، وقد استثني الناعوري رسالة واحدة بعث بها إلّي في 16/11/1979 حين طلب صراحة عدم نشرها لئلا توقعه في حرج مع المسئولين عنه في مجمع اللغة الأردني ، وقد أجبته إلى طلبه في حياته، وأري الآن أن هذه الرسالة قد أصبحت ملكاً للحياة الثقافية العربية بخاصة أنها ليست شخصية وإنما تتعلق بضجة أدبية أثارها كاتب هذه السطور في الصحف الأردنية وكان رئيس المجمع بطلها.

ثالثاً : تزيد الرسائل عن ثمانين رسالة ، فضلاً عن بطاقات المعايدة ، وبعض هذه الرسائل يتضمن موضوعات شخصية تخصني أو تخص المرحوم وأري أنها لا تهم القارئ في شئ لذا أسقطتها كلها أو بعض منها كما سيلاحظ القارئ فيما ينشر منها لاحقاً ، وما أنشره اليوم هو الدفعة الأولي من هذه الرسائل وقد ذكرت في الهوامش عدد الأسطر آلتي حذفتها من كل رسالة على حدة للأسباب السابقة.

رابعاً : التعليقات والشروحات والأقواس وعلامات الترقيم آلتي ترد في السياق هي من صنع الناعوري نفسه.

خامساً : موضوعات الرسائل متعددة وقد حرصت أن أنشرها وفقاً لتسلسلها الزمني وليس تبعاً لموضوعاتها ، وسيلاحظ القارئ أنّ الناعوري كان يدرك بفطنته أنّه يراسل صديقاً صحفياً، ومن ثم كان يعلم أن رسائله ستنشر في يوم ما، لذا حرض على أن يضعها في صورة مقالات مكتملة العناصر مع بعض الأخوانيات وكان يدقق كثيراً في لغته وأسلوبه وخطه وطريقة عرضه.

سادساً : تركزت معظم الرسائل في عامي 1976 ، 1977 ثم بدأت أعدادها تقل بعد ذلك وتقتصر أحياناً على بطاقات المعايدة أو الرسائل المختصرة المتباعدة، وكان ذلك بسبب تكاسلنا في المتابعة، وبسبب ظروف الحياة ومشاغلها ، لذا سيجد القارئ أننا تبادلنا ضمن خمس عشرة رسالة في عام 1976، بينما لم نتبادل خلال الأشهر التسعة الماضية إلاّ رسالتين وبعض بطاقات المعايدة.

سابعاً : بقي أن يعرف القارئ أن لقائي الوحيد بالناعوري قل ثم قبل عشر سنوات في إحدى أمسيات نادي الجامعة الأردنية ، وكان اللقاء ساخناً ، تبادلنا فيه الاتهام بتحيّز كل واحد منّا لجيله، فالناعوري يكبرني بخمس وثلاثين سنة، وقد هاجمته في كتابي الأوّل "آراء نقدية" ، لكن هذا لم يمنع أن تقوم بيننا صداقة قوية بعد ذلك.


الرسالة الأولي (1)
السبت 3 / يناير 1976
عزيزي أسامة :
أنا خجلان منك لثلاثة أسباب : الأوّل ، أنني لم أنجح في محاولة خدمتك لدي وزارة التربية (2) ؛ والثاني ، أنك أجهدت نفسك كثيراً لكى تنقل إليّ موجز ما ورد في كتاب " فلسطين في الرواية العربية" حول روايتي " جراح جديدة"(3) ؛ والثالث أنك تحتاج إلى الإطلاع على الرواية المذكورة ، ولست أملك منها سوي نسختي الخاصة أنك تحتاج إلى الإطلاع على الرواية المذكورة، ولست أملك منها سوي نسختي الخاصة الوحيدة، وليس في أسواق عمان نسخة منها للبيع فأبتاعها ؛ والنسخ القليلة الباقية منها موجودة في بيروت لدي أحمد عويدات ، في بناية العازارية آلتي علمت إنها احترقت في الأحداث واتتي لأستيحك الفور لهذه الأسباب كلّها ؛ وأعدك بأنني إذا وجدت نسخة من " جراح جديدة" (4) فلن أتأخر عن إرسالها إليك.
غير أنّ هنالك ملاحظة ، وهي أنّ الرواية تبدأ من حيث تنتهي سابقتها "بيت وراء الحدود"(5)، ولابد من الاطلاع على هذه؛ لمقابلة تسلسل " الثنائية" كاملة؛ وهذا ما يبدو لي أن السيد أبو إصبع لم يفعله. ولعلّ السبب هو أنّ الرواية الأولي قد نفذت من سنين ولم أتمكن من إعادة طبعها مرة ثانية، وهي مترجمة ومنشورة باللغة الأسبانية في مدريد.
ويبدو لي من هذا الذي تفضلت فلخصته لي أنّ المؤلف قد حاول أن يقلّد مستشرقاً أميركياً يدعي ( هاوارد دوغلاس رولاند ) قدّم أطروحة ضخمة للدكتوراه في جامعة ميشيفان عام 1971 عنوانها ( النزاع العربي الإسرائيلي كما تصوّره الأعمال القصصية والروائية العربية ) وهي بالإنكليزية طبعاً – وقد قرأ لأجل إعدادها 166 أقصوصة عربية ، و 12 رواية و 9 مسرحيات؛ وتناولها كلها بالتحليل المنصف الدقيق على عدة وجوه ، حسب اختلاف الفصول وعناوينها ، مع مقدّمتين رائعتين، ومع ترجمات إنكليزية لعدد من الأقاصيص المختارة؛ ومع مقدّمتين رائعتين ، ومع ترجمات إنكليزية لعدد من الأقاصيص المختارة؛ ومع التعريف بالمؤلفين. وقد أهدي إليّ نسخة من أطروحته ، فكتبت عنها مقالين طويلين : في الأديب ، والآداب . ثم زرت سهيل أدريس ، وعرضت عليه أن يتصل بمنظمة التحرير ، أو بمؤسستي الأبحاث والدراسات للعمل على نشر هذه الدراسة الرائعة بلغتها الإنكليزية ، وفى أميركا ، لأنها أفضل دعاية للقضية بقلم مستشرق أميركي. وفعلاً اتصل سهيل وأنا عنده بالسيد إبراهيم العابد(6)، فطلب هذا الاطلاع على الأطروحة ؛ فكتبت إلى الصديق رولاند فبعث إلى المؤسسة بنسخة ، على أمل نشرها على نفقة منظمة التحرير وانتهي الأمر هناك. وأنا الآن – بعد الذي قرأته من تلخيصك – أكاد أوقن بأن السيد أبا إصبع قد اطلع على الأطروحة ، فحاول أن يحذو حذوها.



الرسالة الثانية
الاثنين 19 / يناير 1976
عزيزي الأخ أسامة :
رسالتك المؤرخة 12/1 الجاري وصلت منذ ثلاثة أيام ، وقد تأخرت في الرد عليها بسبب ألم في عينّي ، من أثر حساسية مزمنة أعاني منها منذ عامين.
يسرني أن رسالتي السابقة وضعت يدك في الحلقة المفقودة آلتي كنت تبحث عنها لمعرفة المرجع الذي أخذ عنه صالح آبو إصبع (8)، ولكنه أفكر صاحبه ، وادّعي الفضل لنفسه وعلى الرغم من أنني لم أطلع – ولا أدري متي سيتاح لي أن اطلع – علي كتاب أبي إصبع هذا ، فأنا أشك كثيراً في أن يقوم في الكتاب العرب، وفى أساتذة الأدب العربي في الجامعات، من يستطيع أن يقوم عملاً في البحث والدراسة كالعمل الجبار الذي قدمه المستعرب الأميركي الطيب الصديق هوارد رولاند. وكم أتمني لو اهتمت مؤسسة الدراسات أو مؤسسة الأبحاث الفلسطينية بالإنفاق على نشره بلغته الأصلية، وفي قلب أميركا ، مهما تكن التكاليف المالية ؛ فهو من أفضل وسائل الدعاية للقضية آلتي قامت من أجلها منظمة التحرير ومؤسساتها الثقافية؛ وهو أهم كثيراً من الترجمات العربية آلتي تنشرها المؤسستان ؛ الحاججة هي إلي الدعاية في الخارج، وبأقلام الغربيين أنفسهم، لضرب الدعاية الصهيونية في مقر دارها، وليس محاربتها لدي القراء العرب، الذين هم بطبعهم أعداء لها. ومصيبتنا الكبيرة أننا كلنا نكتب عن القضية الفلسطينية ، ولكن لأنفسنا ، مع أنّ الواجب أن نكتب للآخرين، بلغاتهم ، وفي قلب بلادهم.
ما علينا من هذا ، فأنا أعرف أنني أنفخ في الرماد حين أقول هذا ، وقد نفخت طويلاً في الرماد، فما أحس بذلك أمد. وقد لمستٌ حين ترجمت إلى الإيطالية قصائد من شعر شعراء المقاومة في الأرض المحتلة، ونشرتها في كتاب في روما ، كيف تلاحقت ثلاث طبعات من الكتاب، في ثلاثين ألف نسخة ، في مدي ستة أشهر فقط. ونفذ الكتاب حتى لم يبق منه سوي نسختي الخاصة من الطبعات الثلاث: نسخة واحدة من كل منها. كانت أصداء هذا العمل رائعة حقاً. كما كانت أصداء محاضرتين لي بالإنكليزية حول : 1- الحركة الأدبية في ضفتي الأردن؛ 2- حول الشاعر مصطفي وهبي التل. الأولي ألقيتها في لينغراد وموسكو وبودابست باللغة الإنكليزية ، ثم نشرت في مجلة كلية الآداب في جامعة مالطة؛ ثم ألقيتها بالإيطالية في جامعة روما، وجامعة البندقية ؛ وبالعربية في بنغازي وطرابلس وتونس. والثانية: ألقيتها في مؤتمر للمستشرقين في إيطاليا سنة 1966. كانت الأصداء في كل مكان رائعة حقاً، ولا سيما أصداء الترجمات آلتي تضمنتها المحاضرتان.
لو فعل كل قادر على الكتابة بلغة أجنبية من الأدباء العرب مثل هذا في مجالاته، لكانت لنا فرصة عظيمة للدخول إلى العقول الغربية عن طريق الأدب والشعر، وهى أفضل ألف مرّة من طرق السياسة، الأدب يقبله الناس بسهولة وبقبول حسن ، أمّا السياسة فيرونها كشربة الخروع، أو شربة الكيناء أو ربما أسوأ من ذلك كثيراً.
وتسألني أخيراً عن صمتنا هنا إزاء ما يقوم به بعض الشبان من أعضاء الرابطة من تشويه لوجه الأدب الأردني ، وتذكر لي اسم خليل السوامري واسم إبراهيم خليل، وما يتقارضانه من المديح العجيب، وما يصفعان به وجوه الآخرين من نقد أعوج أهوج(9) وماذا ترانا سنفعل ؟ هل تريد من جيلنا أن يلعب مع هؤلاء الشبان لعبة القط والفأر؟
لا ؛ ليس هذا من شأننا. لقد كنا حتى الآن الجيل الصامت على الأذى، عن عفّة وحفاظ على كرامته. كل كتاب الجيل الجديد حملوا علينا وأنكروا كل كفاحنا الطويل لشق الطريق وتعبيد وعرها أمام أقدامهم الطرية. كلهم تجاهلونا وأعلنوا أن الأدب في الأردن يبدأ من عندهم – حتى قبل أن يكون لأي منهم كتاب مطبوع وأنه لم يكن قبلهم أدب ولا أدباء.

الرسالة الثالثة
الخميس 19 / فبراير 1976
عزيزي أسامة :
اكتب إليك هذا السطور لأشكرك على تفضلك بإرسال الكتاب إليّ(10)؛ وكنت قد رجوتك أن تحتفظ به لنفسك ، ما دامت نسختك هذه هي الوحيدة التي يمكنك التصرف بها. أمّا وقد اكثر تني على نفسك ، فحرمت نفسك منها، وأرسلتها إلي، فإن كلمة الشكر مني لهي أقل كثيراً من فضلك. لقد قرأت الكتاب، ولمست فيه مدي السطحية في المعالجة، لا في ما يتعلق بي وحدي بل في أكثر ما جاء في الكتاب، وكان كلّه بين المجاملة والتحامل، رغم أنّ المؤلف لم يستطع أن يبرهن على أنه اطلع فعلاً على كل الروايات التي يعالجها".

الرسالة الرابعة
الأحد 22 / فبراير 1976
عزيزي أسامة :
رسالتك الأخيرة المؤرخة في 12/2/1976 وصلت مساء أمس ، وكنت قد أرسلت إليك قبل بضعة أيام رسالة أشكرك فيها على تفضلك بإرسال كتاب ( فلسطين في الرواية العربية) إليّ؛ وأنا أكرر لك الشكر على ذلك، راجياً أن تكون الرسالة قد وصلت إليك قبل الآن.
في رسالتك الجديدة استوقفتني أمور عديدة، قد لا أستطيع تفصيلها الآن، ولكنني سأحاول كذلك أن أعطيك انطباعات حولها، لم أكن أظن أن أحداً يعرف سر المرحوم الإيراني(11)سواي؛ ولكنك كشفته بشكل لم أتوّقعه ، حين ذكرت أنّ " حملة الإيراني عليّ كان دافعها الأوّل شعور المرحوم أن المنافس الحقيقي والأوّل له هو أنا... والشبان الذين تألبوا عليّ هم أبناء الإيراني ؛ هو الذي أظهرهم على صفحات مجلته ، وهو الذي أوحي لهم ... وهو الذي عمل دائماً على تفريغ آي عمل لي من محتواه"(12)
كلامك هذا صحيح جداً، وكنت أعرفه ، وأٌغضي عنه ، لقد كان المسكين يري أنه ( قمة شامخة) ويريد أن يكون ( القمة الشامخة الوحيدة) وبقية الأدباء أقزاماً يسجدون حول صنمه ، ولكنه كان يحس كذلك إحساساً مريداً يقلق حياته بأنّ هناك قمة أخري أكثر شموخاً منه ، تحجب عنه أشعّة الشمس؛ تلك كانت " عيس الناعوري"... كان يري أنني جدار هائل يمنع من وصول الأمجاد إليه ، وأنّ كل مجد أدبي أناله هو مجد كان يجب أن يكون له حده. وكان ينغّص حياته أن يري أنني الأديب الأردني الوحيد المعروف في العالم العربي كلّه، وفى المهاجر ، ولدي المستشرقين، والذي يكتب ويؤلف ويترجم بثلاث لغات، والذي تٌرجم الكثير من أعماله الأدبية إلى لغات غربية متعددة. وكان الإيراني يريد كل ذلك لنفسه ويعتقد أنني سلبت منه هذه الأمجاد ، وكان هو أحق بها مني وكنت أعرف ذلك، وكان أحياناً ينزلق به لسانه معي ، فأبتسم وأسكت. ولذلك كان يتحّين كل فرصة لينال مني بأي شكل كان . ولم يجد ما يعّوض به النقص الهائل الذي يحس به أمامي غير أن يخلق مدرسة من الأتباع يشتمني أمامهم، ويعلمهم شتمي. وساعده على ذلك عمله في تحرير مجلة (أفكار)(13). ولكن هل أنقص الإيراني – وغير الإيراني – شيئاً من قدري أو من سمعتي الأدبية في كل مكان؟!
رحمة الله عليه؛ لقد مات وحسرته الكبيرة في صوره؟ لطالما طلب إليّ أن أترجم إلى الإيطالية أو الإنكليزية شيئاً من أدبه ، كما فعلت لنفسي؛ وكان ينعتني " بالأناني" لأنني أترجم لنفسي من دونه. وكنت أقول له إنه يعرف الفرنسية ن وهي أوسع نفوذاً من الإيطالية؛ فلماذا لا يترجم لنفسه بها ؟! ولكن الحقيقة أنّه كان يجيد الحديث بالفرنسية والترجمة عنها، ولكنه لم يكن يجيد الكتابة بها. وهذا كان نقصاً آخر يعاني منه كثيراً ؛ وكان يعاني من نقص آخر أيضاً ، وهو أنّه لا يعرف من اللغات الأجنبية غير الفرنسية، وأنا كنت أكتب بالإيطالية والإنكليزية وأترجم عن الفرنسية والأسبانية كذلك. وقد ربطت أنا جذوري بدنيوات واسعة، ولم يستطع أن يربط جذوره حتى بالبلدان العربية القريبة؛ كسوريا ولبنان. وكان لي في حياته نحو سبعة وعشرين كتاباً ولم يكن له غير خمسة كتب، كل هذه كانت عوامل تنغّص عليه حياته ، ولست أو لومه حين كان يعوّض عن ذلك بتأليب الأولاد عليّ.
أطلت الحديث في موقف الإيراني بيني وما كنت لأفعل هذا لولا أنك كشفته لي بشكل أثار دهشتي ، إذ كنت أحسبه سراً لا يعرفه أحد".(14)

الرسالة الخامسة
الجمعة 5/ مارس 1976
عزيزي أسامة :
ائذن لي بأن أخاطبك هكذا ببساطة ودون ألقاب، أو مجاملات. وفى وسعك أن تناديني " أبا سمير(15)فقط؛ فالألقاب لا تزيد في قيمة إنسان، إلاّ من لم تكن له قيمة في نفسه ويحتاج إلى لقب ليعطيه قيمة- وأعيذك وأعيذ نفسي أن نكون من ذلك الطراز.. !!
من عادتي أن أردّ على الرسائل دون تأخير. وها أنا أردّ على رسالتك الأخيرة المؤرخة 3/3/1976 ، والتي تسلمتها قبل أقل من ساعة من صندوق البريد. وفيها أشياء كثيرة جديرة بالرد والنقاش – النقاش الودي طبعاً.
1- شكراً لاعتبارك إياي " شاباً "، من حيث الحيوية وغزارة الإنتاج (16)؛ وأنا كذلك حقاً ، ولا أستطيع الاعتراف بالكهولة أو الشيخوخة. أمّا "جيلي الزمني" فهو الجيل الذي تأبي ألاّ أن تسحبني منه. وأنا أوافقك على أن أكثر رجاله قد هرم أدبهم وهم في عهد الشباب.
2- لو تمعنت قليلاً في قصيدة تيسير(17)، التي تعتبرها دليلاً بنقض رأيي في انتحاره، لوجدتها قصيدة يائسة- لا من الانتصار على الحياة – ولكنها يائسة من الحياة نفسها؛ وفيها نبوءة بدنو الأجل. واعتبار الشاعر نفسه نبياً ليس بالشيء الجديد في الشعر؛ سبقه إلى ذلك أبو القاسم الشابي؛ وكان الاثنان يحاولان الصمود في معركة الألم والأمراض بواسطة التعاويذ الشعرية؛ فمات الأوّل ( طفلاً ) لأن المرض كان أقوي منه، ومات الثاني انتحاراً، لأن المرض كان أقوي منه كذلك(18)، وكانت مقاومته له عاجزة عن منحه صموداً أطول. تعلاّت الشعراء في حالات العجز عن المقاومة، تظل تعلاّت، ولكنها لا ترقي مطلقاً إلى دور الحقائق الواقعة، والحقيقة الواقعة في انتحار تيسير لم تكن الجبن في مقاومة الظلم، أو التمرد على الواقع. هذا جبن لا ترضاه ولا أرضاه لتيسير؛ لكن الحقيقة أن المرض كان أقوي منه كثيراً ، وحالات الصرع التي كانت تنتابه- وقد رافقت كل حياته – من جراء المرض في عينيه(19)، لم تمنحه شيئاًَ من الراحة أو المهادنة؛ فصرعته بعد أن قهرت عزمه وإرادته.
ودعني أرجوك أن تبعد عن تيسير تهمة " الجبن" – الانتحار الفلسفي جبن وخسّة ولا أخلاقية- ولم يكن كذلك تيسير. انتحاره كان رغم التعاويذ الشعرية- لعجزه عن مقاومة المرض اكثر مما قاومه. سقط في معركة كانت عوليه الصراع والعنف. وحين تذكر ذلك عنه قد أنصفته، ووضعته في حدوده الإنسانية- حدود طاقة الإنسان، ولا سيما الشاعر ، الذي تكون عاطفته دائماً أقوي من عقله ومن قوته في الصراع – ودعك من " تخمينات" ( النضالية، والفلسفية، والتمرد) وما إلي ذلك.
3- في حديثك عن الوقائع التي أوصلتك إلى استنتاجاتك الصحيحة لما كان في نفسي الإيراني مني، نسيت أنه استغل بحثه في ( ثقافتنا في خمسين عاماً )(20) لفرضين : الأوّل – تمجيد نفسه؛ والثاني – محاولة تدمير الناعوري. وكان من نتيجة ذلك أنني كتبت في جريدة ( الدستور) مقالاً طويلاً استغرق نحو خمسة أعمدة، في فضح اجتراءاته على الحقيقة. وكذلك نسيت ردوده عليّ في جريدة ( الرأي) متستراً وراء توقيع ( فهي شما)- الذي كان يوم ذاك مديراً بالوكالة لدائرة الثقافة والفنون- واضطراري إلى الرد عليه بعنف لفضح هذا التستر. وفعلاً لم أكتب في مجلة أفكار حرفاً واحداً طوال عهد الإيراني بها ويعرف ذلك عبد الرحيم عمر(21)، الذي طالما رجاني أن أكتب لها " إكراماً لخاطره هو" ، وكنت أقول له إنني لن أتعامل مع مجلة يشرف عليها الإيراني. رحمة الله عليه! والله إنني لم أكن البادئ بالعداء ؛ ولقد صبرت كثيراً على ما كنت أعرف من آذى الإيراني لي، وتأليبه الآخرين عليّ دون ذنب؛ حتى طفح الكل ، ففاض بمقالات في ( الرأي) ثم في ( الدستور) لم أستطع أن أحبس قلمي عن أن أفيض بها.
4- حقاً ، إن مؤلفاتي عديدة؛ أكثر من مؤلفات أي كاتب أردني آخر؛ ومخطوطاتي الجاهزة للنشر أكثر منها عدداً، فهي تزيد عن خمسة وثلاثين كتاباً ( المخطوطات أعني)(22)؛ والمنشورات ثلاثون . وناشرو كتبي موزعون في الأردن ومصر ولبنان وسوريا وتونس وإيطاليا ومالطة؛ ولولاهم لما ظهر لي متي اليوم كتابان ؛ لأنني لا أجازف – ولا أملك المال- لطبع كتاب علي حسابي، ولو فعلت لما كان في وسعي أن أبيعه؛ فأنا خجول وجبان في مجال الترويج"
5- ما قاله لك إبراهيم العابد عن عدم وصول نسخة رسالة هوارد رولاند إلى مركز الأبحاث يجعلني أعتقد أن سهيل إدريس قد استولي على النسختين؛ فلدي رسالة من هوارد يقول فيها إنه مضطر – على أثر وصول رسالتي إليه – إلى أخذ صور فوتوغرافية لنسختين كاملتين من الرسالة – بصفحاتها الأربعمائة والستين- وأرسل النسختين إلي سهيل إدريس ليسلم إحداها إلى مركز الأبحاث بناء على طلبي وكان كل يقيني أن النسخة قد وصلت إلي المركز فعلاً ، حتى نقلت أنت إليّ نفي السيد إبراهيم العابد لتسلّمها . أمّا حديثه بالهاتف مع سهيل أدريس فقد كان وأنا أجلس إلى جانب سهيل فى مكتبه وكنت أنا الدافع المباشر إلى هذه المكاملة" (23)

الرسالة السادسة
الثلاثاء 16 / مارس 1976
عزيزي أسامة :
رسالتك الأخيرة المؤرخة 11/3 وصلت هذه الساعة؛ واكتب إليك حال عودتي من البريد ، شاكراً لك سرعة ردّك، واهتمامك الجاهد في الوصول إلى الحقيقة في قضية الصديق العزيز الراحل تيسير سبول. اهتمامك هذا دليل جدّية في البحث عن الحقيقة؛ وهو لذلك فضيلة تستحق عليها التقرير.
القضية في اعتقادي أهون من أن نطيل النقاش فيها ، وألخصها في ما يلي :-
1- تيسير كان ثائراً في أوضاع عربية لم تكن ترضي مٌثٌلَه وتيسير انتحر شاباً. ينتحر لعدم رضاه عم الواقع ، إنما يترك لهذا الواقع أن ينتصر ؛ بدلاً من أن ينتصر هو عليه ، وبدلاً من أن ساءل الآخرين على الانتصار وتغيير الواقع وحين انتحر تيسير لم يؤثر انتحاره على الواقع ، ولا على حياة الآخرين البائسة ؛ أثر على نفسه فقط وأساء إليها لهذا كلّه لا أرضي أن يكون تيسير انهزامياً ولا جباناً ولكن حين ضعف أمام قوة المرض التي طال أمدها ولم يكن له منها خلاص، وضع حداً لصراعه مع المرض الذي لم تكن له طاقة لمقاومته، فهو إذن لم يكن جباناً ولا انهزامياً ؛ بل كان "إنساناً" ككل الناس، ذا طاقة جسدية محدودة على المقاومة في صراع المرض، وهذا تبرير إنساني لانتحاره ولهذا يجب أن نفّرق بين فلسفته الثورية الطموحة عن تغيير الواقع لخدمة الإنسانية وانتحاره لضعف مقاومته الجسمية للمرض.
أتراني قلت كلاماً مقنعــاَ ؟! أرجو أن أكون قد فعلت هذا!
إنّ هذا يذكرني بما ردده لي المرحوم تيسير مراراً ؛ كان يقول لي : أنت وأنا، يا أبا سمير اخترنا الطريق الخطأ؛ أنا لستٌ في حاجة إلى الاشتراكية لأنني أملك الكثير: الأملاك والدار الخاصة والمال والسيارة والشهادة الجامعية والعمل؛ ومع ذلك اخترت الاشتراكية؛ وأنت فقير من كل هذا، ولا تملك شيئاً ولكنك تكره الاشتراكية وتحاربها ، مع إنك أحوج ما تكون إليها وقد وجدت لخدمة أمثالك لا أمثالي.
والآن ... لقد أتعبتني كثيراً في البحث عن المقالات التي تطلبها مما كان بين الإيراني وبيني في جريدة ( الرأي) و الدستور)؛ وها قد وجدتها أخيراً بين ملفاتي العديدة ، الملأي بألوف الأوراق القديمة والجديدة ... سامحك الله! ولكن : دعني أرجوك رجاء حاراً أن تحافظ على هذه الأوراق لتردها إلي بأسرع وقت بعد أن تنسخ حاجتك منها ؛ فهي النسخ الوحيدة لديّ وأنا حريص على أن أحتفظ بها وأنت قد وعدتني في رسالتك بردّها حالاً ، ,أنا أثق بوعدك مع أنه ليس من عادتي أن أخرج مثل هذه الأوراق العزيزة من بيتي حتى إلى خارج باب البيت ولهذا أرجو أن أعود من إيطاليا في أوائل الشهر القادم فأجدها في انتظاري في منزلي، ومع خصوماتي مع الإيراني تجد كذلك قصاصة عزيزة جداً جداً وهي مقالي في ( أخبار الأسبوع) حول العزيز الراحل " تيسير سبول إنساناً" وهذا سيهمك حتماً، وهذا أيضاً ردّه مع بقية الأوراق لأنني لا أملك منه نسخة أخري وأنا حريص على الاحتفاظ به. اكتفي بهذا متمنياً لك التوفيق والسعادة وعلى أمل أن أعود من رحلتي فأجد ردّك – مع القصاصات – فى انتظاري".

الرسالة السابعة
الاثنين 12 / أبريل 1976
عزيزي أسامة:
عدت منذ أربعة أيام من رحلتي الإيطالية الأخيرة ؛ التي نلت فيها شهادة الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعة باليرمو(25) وألقيت ست محاضرات ولقاءات أدبية، في باليرمو وروما ، لقيت اهتماما كبير من الجمهور ومن الصحافة الإيطالية ( توجد فقرة الكتابة غير واضحة صفحة 9) وهذا المساء تلقيت رسالتك الأخيرة المؤرخة 1/4 الجاري، ومعها القصاصات التي كنت قد أرسلتها إليك قبل سفري إلى إيطاليا. فشكراً على تفضلك بردّها وعلى ملاحظاتك على ( شريطي الأسود)(26)وكنت أود لو أنك كتبت تعليقاتك هذه في إحدى الصحف الخليجية أو العربية.
أود أن أجيب عن ملاحظاتك وتساؤلاتك بما يلي:
1- لعلك لاحظت أنني وقفت فى اعترافاتي عند حد معين من عمري، قبل أن أدخل حياتي العملية وقبل أن تعرف حياتي طعم الاستقرار. كان ذلك عام 1936 أو 1937 وعمري 18 أو 19 سنة فقط. وكنت فى تلك السن لا همّ لي غير البحث عن الرغيف والكساء. وحين يطالبني إنسان بأن أدخل السياسة والنضال القومي والقضية الفلسطينية(27)فى تلك الاعترافات فهو يظلمني ويظلم الاعترافات. أنا فيها أصور إنسانية كاملة مكافحة فى شخص شاب – هو أنا – يبحث عن نفسه بين ركام البشر، ويبحث عن دربه فى زحمة الدروب. لم أصل باعترافاتي إلي شئ من حياة العمل والأدب والاستقرار البيتي. لهذه كلّها جزء آخر أو أجزاء ، لا أدري متي أكتبها ولا من سينشرها.
2- حياتي كلها مصورة في مؤلفاتي ، ولا سيما الشعرية ، والقصصية والروائية ، أنا كلي هناك، مع الناس الذين أصورهم وأتحدث عليهم وما أسهل أن يراني الناقد أسير معه بين السطور، ويسمعني أتحدث إليه على نفسي، وعلى الآخرين. أمّا السياسة والنضال الفلسطيني فهما في كل ما كتبت حتى صدور روايتي ( جراح جديدة) : طريق الشوك – خلّي السيف يقول – عائد إلى الميدان – بيت وراء الحدود – جراح جديدة – أنا شيدي – أخر الإنسان – بطولات عربية من فلسطين؛ إضافة إلى عشرات أو مئات من المقالات في صحف العالم العربي والمهاجر الأميركية ، لعلّي بين أدباء العرب جميعاً أغزرهم إنتاجاً – شعراً ، ونثراً ، قصة ورواية – في القضية الفلسطينية وآخر أعمالي – ولعلّه أهتمها في هذا الموضوع – كتابي الآي
3- الي الذي ترجمت فيه أربعين قصيدة إلى اللفة الإيطالية من سو ( محمود درويش ، سميح القاسم ، توفيق زياد وفدوي طوقان) وطبع ثلاث طبعات في روما عام 1969 و 1970 ونفذت منه ثلاثون ألف نسخة فهل تطلب مني أكثر من هذا؟!
وتسألني عن " الإحساس الطبقي" (28) وهل خلّت اعترافاتي منه فى نفسي شيئاً ، أو رغبة في الالتزام؟... لا يا أسامة ، الطبقية حقد ورذيلة ؛ والحزبية حقد ورذيلة ؛ وأنا أكره الحقد لأنني إنسان ، ولأن أدبي للإنسان ، لا لطبقة ولا لحزب. والالتزام عندي هو للإنسان – كل إنسان – لحرّيته وكرامته وأحاسيسه الخاصة. الأدب الذي ليس للإنسان لا يمكن أن يكون أدباً. لا تدير رأسي كليشيهات العصر السخيفة: ( الجماهيرية ، التقدمية ، النضالية ، الكادحون ، الاشتراكية) ، ليتشدّق بها من يشاء ؛ أنا لا أومن بها، ولو آمنت بها، أو لو التزمتها في أدبي لفقدت عنصر أجبي الأساسي: الإنسان والإنسانية. منظر عصفورين يتناجيان علي غصن يوحي إليّ بما توحي به كل مرافسات الحمير والبغال من أجل العلف والحشيش ، ومن أجل الانتصار والاستئثار بالمذود والأسطبل. ومنظر جندي في قلب المعركة، يرفع يده عن الزناد لحظة لكي يخرج من جيبه صورة زوجةأو أبنة أو حبيبة ، ثم يقبلها ويعيدها إلى جيبه، تثير من المشاعر المرهفة ما لا تثيره حرب طاحنة : هناك الإنسان في لحظة من لحظات إنسانية؛ وهنا البهيمة في فورة من فورات وحشيتها. وهل لا يكون الإنسان إنساناً إلاّ إذا كان فقيراً ، ومكافحاً للعيش فقط؟!
أرجو أن أكون قد أعطيتك حقيقة نفسي في هذه السطور وأجبت عن أسئلتك بإيجاز. ولعل فيه كذلك جواباً عن سؤال المرحوم تيسير وتكرارك له، حول نظرتي إلى الاشتراكية. أنا لا أستطيع أن أكون من يدنيون بالاشتراكية ؛ لأنني لم أعرف بعد مما عرفته في أهلها وموجيها وفى البلدان التي تدين بها غير الكذب والدكتاتورية والإرهاب والعنف وقتل الحرية وخنق الإنسان وانسانيته. أنا مع الفقر في ألف نعمة