الوجه الآخر للدكتور المرحوم / عيسي الناعوري
كما تكشف عنه رسائل بخط يده
الجزء الأول
( نشر في مجلة الدوحة القطرية باشراف رجاء النقاش ).
بقلم : أسامة فوزي
للحصول على صور عن رسائل عيسى الناعوري الى أسامة فوزي انقر هنا


توفي الدكتور عيسي الناعوري ، بعد أن ترك عشرات الكتب المطبوعة والمخطوطة في شتئ ميادين الإبداع، وبعد أن حقق شهرة عالمية أثر منحه شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة باليرمو الإيطالية وكان بذلك العربي الثاني بعد طه حسين الذي يٌمنح هذه الشهادة من جامعة إيطالية ، وأغلب الظن أنّ الدكتور الناعوري وكتبه ومقالاته العديدة المنشورة في الصحف والمجلات العربية ستكون مجالاً لدراسات نقدية كثيرة؛ بخاصة أنّ تعدد مجالات الإبداع عنده تثير شغف الباحثين على اختلاف تخصصاتهم، وحتى تكتمل الصورة عند الباحثين والنقاد رأيت أن أضع بين أيديهم عشر رسائل تبادلتها مع الناعوري خلال السنوات العشر الأخيرة وقد اخترتها من أصل ثمانين احتفظ بها في أرشيفي ، وسأنشرها تباعاً بعد أن وجدت أن الرسائل تضئ جوانب هامة جداً في حياتنا الثقافية بخاصة في الأردن-.


ومع أنّ الناعوري لم يكن يمانع في نشر هذه الرسائل في حياته؛ بل وخوليتي في إحداها أن أتصّرف بها على النحو الذي أراه مناسباً، إلاّ أنني التزمت بسرية هذه الرسائل؛ اللهم إلاّ فيما يتعلق ببعض الأخبار الأدبية والثقافية العامة التي طلب الناعوري نفسه نشرها؛ إلى جانب فقرات منها نشرت في سياق دراسات عن الحياة الأدبية في الأردن؛ لكنها المرّة الأولي التي أنشر فيها الرسائل كاملة وبالتتابع ، وقد اخترت النشر شفى ( الدوحة) لأنها برعاية الناقد الكبير رجاء النقاش الذي يعي أهمية هذه الرسائل.

قبل أن أضع الرسائل في متناول الباحثين والمؤرخين للأدب في الأردن أحب أن أشير إلى ما يلي : -
أولاً : سأنشر ما اخترته من رسائل الناعوري إليّ دون أن أنشر رسائلي إليه، وسأكتفي للتوضيح- بإحالات وشروحات من الهامش لا غني عنها لإضاءة الذي قد تثيره الرسالة وعلى القارئ أن يعود مع كل إحالة إلى الشروح والتعليقات والتوضيحات فذلك يغنيه عن قراءة رسائلي كاملة .

ثانياً : في رسالته المؤرخة في 4 / نوفمبر 1976 سمح لي المرحوم بنشر رسائله دون الرجوع إليه وقد ورد في رسالة بالنص " شكراً لك على تفضلك بنشر رسالتي في جريدة الفجر ولك أن تنشر من رسائلي ما تراه جديراً بالنشر دون رجوع إليَّ، وقد استثني الناعوري رسالة واحدة بعث بها إلّي في 16/11/1979 حين طلب صراحة عدم نشرها لئلا توقعه في حرج مع المسئولين عنه في مجمع اللغة الأردني ، وقد أجبته إلى طلبه في حياته، وأري الآن أن هذه الرسالة قد أصبحت ملكاً للحياة الثقافية العربية بخاصة أنها ليست شخصية وإنما تتعلق بضجة أدبية أثارها كاتب هذه السطور في الصحف الأردنية وكان رئيس المجمع بطلها.

ثالثاً : تزيد الرسائل عن ثمانين رسالة ، فضلاً عن بطاقات المعايدة ، وبعض هذه الرسائل يتضمن موضوعات شخصية تخصني أو تخص المرحوم وأري أنها لا تهم القارئ في شئ لذا أسقطتها كلها أو بعض منها كما سيلاحظ القارئ فيما ينشر منها لاحقاً ، وما أنشره اليوم هو الدفعة الأولي من هذه الرسائل وقد ذكرت في الهوامش عدد الأسطر آلتي حذفتها من كل رسالة على حدة للأسباب السابقة.

رابعاً : التعليقات والشروحات والأقواس وعلامات الترقيم آلتي ترد في السياق هي من صنع الناعوري نفسه.

خامساً : موضوعات الرسائل متعددة وقد حرصت أن أنشرها وفقاً لتسلسلها الزمني وليس تبعاً لموضوعاتها ، وسيلاحظ القارئ أنّ الناعوري كان يدرك بفطنته أنّه يراسل صديقاً صحفياً، ومن ثم كان يعلم أن رسائله ستنشر في يوم ما، لذا حرض على أن يضعها في صورة مقالات مكتملة العناصر مع بعض الأخوانيات وكان يدقق كثيراً في لغته وأسلوبه وخطه وطريقة عرضه.

سادساً : تركزت معظم الرسائل في عامي 1976 ، 1977 ثم بدأت أعدادها تقل بعد ذلك وتقتصر أحياناً على بطاقات المعايدة أو الرسائل المختصرة المتباعدة، وكان ذلك بسبب تكاسلنا في المتابعة، وبسبب ظروف الحياة ومشاغلها ، لذا سيجد القارئ أننا تبادلنا ضمن خمس عشرة رسالة في عام 1976، بينما لم نتبادل خلال الأشهر التسعة الماضية إلاّ رسالتين وبعض بطاقات المعايدة.

سابعاً : بقي أن يعرف القارئ أن لقائي الوحيد بالناعوري قل ثم قبل عشر سنوات في إحدى أمسيات نادي الجامعة الأردنية ، وكان اللقاء ساخناً ، تبادلنا فيه الاتهام بتحيّز كل واحد منّا لجيله، فالناعوري يكبرني بخمس وثلاثين سنة، وقد هاجمته في كتابي الأوّل "آراء نقدية" ، لكن هذا لم يمنع أن تقوم بيننا صداقة قوية بعد ذلك.


الرسالة الأولي (1)
السبت 3 / يناير 1976
عزيزي أسامة :
أنا خجلان منك لثلاثة أسباب : الأوّل ، أنني لم أنجح في محاولة خدمتك لدي وزارة التربية (2) ؛ والثاني ، أنك أجهدت نفسك كثيراً لكى تنقل إليّ موجز ما ورد في كتاب " فلسطين في الرواية العربية" حول روايتي " جراح جديدة"(3) ؛ والثالث أنك تحتاج إلى الإطلاع على الرواية المذكورة ، ولست أملك منها سوي نسختي الخاصة أنك تحتاج إلى الإطلاع على الرواية المذكورة، ولست أملك منها سوي نسختي الخاصة الوحيدة، وليس في أسواق عمان نسخة منها للبيع فأبتاعها ؛ والنسخ القليلة الباقية منها موجودة في بيروت لدي أحمد عويدات ، في بناية العازارية آلتي علمت إنها احترقت في الأحداث واتتي لأستيحك الفور لهذه الأسباب كلّها ؛ وأعدك بأنني إذا وجدت نسخة من " جراح جديدة" (4) فلن أتأخر عن إرسالها إليك.
غير أنّ هنالك ملاحظة ، وهي أنّ الرواية تبدأ من حيث تنتهي سابقتها "بيت وراء الحدود"(5)، ولابد من الاطلاع على هذه؛ لمقابلة تسلسل " الثنائية" كاملة؛ وهذا ما يبدو لي أن السيد أبو إصبع لم يفعله. ولعلّ السبب هو أنّ الرواية الأولي قد نفذت من سنين ولم أتمكن من إعادة طبعها مرة ثانية، وهي مترجمة ومنشورة باللغة الأسبانية في مدريد.
ويبدو لي من هذا الذي تفضلت فلخصته لي أنّ المؤلف قد حاول أن يقلّد مستشرقاً أميركياً يدعي ( هاوارد دوغلاس رولاند ) قدّم أطروحة ضخمة للدكتوراه في جامعة ميشيفان عام 1971 عنوانها ( النزاع العربي الإسرائيلي كما تصوّره الأعمال القصصية والروائية العربية ) وهي بالإنكليزية طبعاً وقد قرأ لأجل إعدادها 166 أقصوصة عربية ، و 12 رواية و 9 مسرحيات؛ وتناولها كلها بالتحليل المنصف الدقيق على عدة وجوه ، حسب اختلاف الفصول وعناوينها ، مع مقدّمتين رائعتين، ومع ترجمات إنكليزية لعدد من الأقاصيص المختارة؛ ومع مقدّمتين رائعتين ، ومع ترجمات إنكليزية لعدد من الأقاصيص المختارة؛ ومع التعريف بالمؤلفين. وقد أهدي إليّ نسخة من أطروحته ، فكتبت عنها مقالين طويلين : في الأديب ، والآداب . ثم زرت سهيل أدريس ، وعرضت عليه أن يتصل بمنظمة التحرير ، أو بمؤسستي الأبحاث والدراسات للعمل على نشر هذه الدراسة الرائعة بلغتها الإنكليزية ، وفى أميركا ، لأنها أفضل دعاية للقضية بقلم مستشرق أميركي. وفعلاً اتصل سهيل وأنا عنده بالسيد إبراهيم العابد(6)، فطلب هذا الاطلاع على الأطروحة ؛ فكتبت إلى الصديق رولاند فبعث إلى المؤسسة بنسخة ، على أمل نشرها على نفقة منظمة التحرير وانتهي الأمر هناك. وأنا الآن بعد الذي قرأته من تلخيصك أكاد أوقن بأن السيد أبا إصبع قد اطلع على الأطروحة ، فحاول أن يحذو حذوها.



الرسالة الثانية
الاثنين 19 / يناير 1976
عزيزي الأخ أسامة :
رسالتك المؤرخة 12/1 الجاري وصلت منذ ثلاثة أيام ، وقد تأخرت في الرد عليها بسبب ألم في عينّي ، من أثر حساسية مزمنة أعاني منها منذ عامين.
يسرني أن رسالتي السابقة وضعت يدك في الحلقة المفقودة آلتي كنت تبحث عنها لمعرفة المرجع الذي أخذ عنه صالح آبو إصبع (8)، ولكنه أفكر صاحبه ، وادّعي الفضل لنفسه وعلى الرغم من أنني لم أطلع ولا أدري متي سيتاح لي أن اطلع علي كتاب أبي إصبع هذا ، فأنا أشك كثيراً في أن يقوم في الكتاب العرب، وفى أساتذة الأدب العربي في الجامعات، من يستطيع أن يقوم عملاً في البحث والدراسة كالعمل الجبار الذي قدمه المستعرب الأميركي الطيب الصديق هوارد رولاند. وكم أتمني لو اهتمت مؤسسة الدراسات أو مؤسسة الأبحاث الفلسطينية بالإنفاق على نشره بلغته الأصلية، وفي قلب أميركا ، مهما تكن التكاليف المالية ؛ فهو من أفضل وسائل الدعاية للقضية آلتي قامت من أجلها منظمة التحرير ومؤسساتها الثقافية؛ وهو أهم كثيراً من الترجمات العربية آلتي تنشرها المؤسستان ؛ الحاججة هي إلي الدعاية في الخارج، وبأقلام الغربيين أنفسهم، لضرب الدعاية الصهيونية في مقر دارها، وليس محاربتها لدي القراء العرب، الذين هم بطبعهم أعداء لها. ومصيبتنا الكبيرة أننا كلنا نكتب عن القضية الفلسطينية ، ولكن لأنفسنا ، مع أنّ الواجب أن نكتب للآخرين، بلغاتهم ، وفي قلب بلادهم.
ما علينا من هذا ، فأنا أعرف أنني أنفخ في الرماد حين أقول هذا ، وقد نفخت طويلاً في الرماد، فما أحس بذلك أمد. وقد لمستٌ حين ترجمت إلى الإيطالية قصائد من شعر شعراء المقاومة في الأرض المحتلة، ونشرتها في كتاب في روما ، كيف تلاحقت ثلاث طبعات من الكتاب، في ثلاثين ألف نسخة ، في مدي ستة أشهر فقط. ونفذ الكتاب حتى لم يبق منه سوي نسختي الخاصة من الطبعات الثلاث: نسخة واحدة من كل منها. كانت أصداء هذا العمل رائعة حقاً. كما كانت أصداء محاضرتين لي بالإنكليزية حول : 1- الحركة الأدبية في ضفتي الأردن؛ 2- حول الشاعر مصطفي وهبي التل. الأولي ألقيتها في لينغراد وموسكو وبودابست باللغة الإنكليزية ، ثم نشرت في مجلة كلية الآداب في جامعة مالطة؛ ثم ألقيتها بالإيطالية في جامعة روما، وجامعة البندقية ؛ وبالعربية في بنغازي وطرابلس وتونس. والثانية: ألقيتها في مؤتمر للمستشرقين في إيطاليا سنة 1966. كانت الأصداء في كل مكان رائعة حقاً، ولا سيما أصداء الترجمات آلتي تضمنتها المحاضرتان.
لو فعل كل قادر على الكتابة بلغة أجنبية من الأدباء العرب مثل هذا في مجالاته، لكانت لنا فرصة عظيمة للدخول إلى العقول الغربية عن طريق الأدب والشعر، وهى أفضل ألف مرّة من طرق السياسة، الأدب يقبله الناس بسهولة وبقبول حسن ، أمّا السياسة فيرونها كشربة الخروع، أو شربة الكيناء أو ربما أسوأ من ذلك كثيراً.
وتسألني أخيراً عن صمتنا هنا إزاء ما يقوم به بعض الشبان من أعضاء الرابطة من تشويه لوجه الأدب الأردني ، وتذكر لي اسم خليل السوامري واسم إبراهيم خليل، وما يتقارضانه من المديح العجيب، وما يصفعان به وجوه الآخرين من نقد أعوج أهوج(9) وماذا ترانا سنفعل ؟ هل تريد من جيلنا أن يلعب مع هؤلاء الشبان لعبة القط والفأر؟
لا ؛ ليس هذا من شأننا. لقد كنا حتى الآن الجيل الصامت على الأذى، عن عفّة وحفاظ على كرامته. كل كتاب الجيل الجديد حملوا علينا وأنكروا كل كفاحنا الطويل لشق الطريق وتعبيد وعرها أمام أقدامهم الطرية. كلهم تجاهلونا وأعلنوا أن الأدب في الأردن يبدأ من عندهم حتى قبل أن يكون لأي منهم كتاب مطبوع وأنه لم يكن قبلهم أدب ولا أدباء.

الرسالة الثالثة
الخميس 19 / فبراير 1976
عزيزي أسامة :
اكتب إليك هذا السطور لأشكرك على تفضلك بإرسال الكتاب إليّ(10)؛ وكنت قد رجوتك أن تحتفظ به لنفسك ، ما دامت نسختك هذه هي الوحيدة التي يمكنك التصرف بها. أمّا وقد اكثر تني على نفسك ، فحرمت نفسك منها، وأرسلتها إلي، فإن كلمة الشكر مني لهي أقل كثيراً من فضلك. لقد قرأت الكتاب، ولمست فيه مدي السطحية في المعالجة، لا في ما يتعلق بي وحدي بل في أكثر ما جاء في الكتاب، وكان كلّه بين المجاملة والتحامل، رغم أنّ المؤلف لم يستطع أن يبرهن على أنه اطلع فعلاً على كل الروايات التي يعالجها".

الرسالة الرابعة
الأحد 22 / فبراير 1976
عزيزي أسامة :
رسالتك الأخيرة المؤرخة في 12/2/1976 وصلت مساء أمس ، وكنت قد أرسلت إليك قبل بضعة أيام رسالة أشكرك فيها على تفضلك بإرسال كتاب ( فلسطين في الرواية العربية) إليّ؛ وأنا أكرر لك الشكر على ذلك، راجياً أن تكون الرسالة قد وصلت إليك قبل الآن.
في رسالتك الجديدة استوقفتني أمور عديدة، قد لا أستطيع تفصيلها الآن، ولكنني سأحاول كذلك أن أعطيك انطباعات حولها، لم أكن أظن أن أحداً يعرف سر المرحوم الإيراني(11)سواي؛ ولكنك كشفته بشكل لم أتوّقعه ، حين ذكرت أنّ " حملة الإيراني عليّ كان دافعها الأوّل شعور المرحوم أن المنافس الحقيقي والأوّل له هو أنا... والشبان الذين تألبوا عليّ هم أبناء الإيراني ؛ هو الذي أظهرهم على صفحات مجلته ، وهو الذي أوحي لهم ... وهو الذي عمل دائماً على تفريغ آي عمل لي من محتواه"(12)
كلامك هذا صحيح جداً، وكنت أعرفه ، وأٌغضي عنه ، لقد كان المسكين يري أنه ( قمة شامخة) ويريد أن يكون ( القمة الشامخة الوحيدة) وبقية الأدباء أقزاماً يسجدون حول صنمه ، ولكنه كان يحس كذلك إحساساً مريداً يقلق حياته بأنّ هناك قمة أخري أكثر شموخاً منه ، تحجب عنه أشعّة الشمس؛ تلك كانت " عيس الناعوري"... كان يري أنني جدار هائل يمنع من وصول الأمجاد إليه ، وأنّ كل مجد أدبي أناله هو مجد كان يجب أن يكون له حده. وكان ينغّص حياته أن يري أنني الأديب الأردني الوحيد المعروف في العالم العربي كلّه، وفى المهاجر ، ولدي المستشرقين، والذي يكتب ويؤلف ويترجم بثلاث لغات، والذي تٌرجم الكثير من أعماله الأدبية إلى لغات غربية متعددة. وكان الإيراني يريد كل ذلك لنفسه ويعتقد أنني سلبت منه هذه الأمجاد ، وكان هو أحق بها مني وكنت أعرف ذلك، وكان أحياناً ينزلق به لسانه معي ، فأبتسم وأسكت. ولذلك كان يتحّين كل فرصة لينال مني بأي شكل كان . ولم يجد ما يعّوض به النقص الهائل الذي يحس به أمامي غير أن يخلق مدرسة من الأتباع يشتمني أمامهم، ويعلمهم شتمي. وساعده على ذلك عمله في تحرير مجلة (أفكار)(13). ولكن هل أنقص الإيراني وغير الإيراني شيئاً من قدري أو من سمعتي الأدبية في كل مكان؟!
رحمة الله عليه؛ لقد مات وحسرته الكبيرة في صوره؟ لطالما طلب إليّ أن أترجم إلى الإيطالية أو الإنكليزية شيئاً من أدبه ، كما فعلت لنفسي؛ وكان ينعتني " بالأناني" لأنني أترجم لنفسي من دونه. وكنت أقول له إنه يعرف الفرنسية ن وهي أوسع نفوذاً من الإيطالية؛ فلماذا لا يترجم لنفسه بها ؟! ولكن الحقيقة أنّه كان يجيد الحديث بالفرنسية والترجمة عنها، ولكنه لم يكن يجيد الكتابة بها. وهذا كان نقصاً آخر يعاني منه كثيراً ؛ وكان يعاني من نقص آخر أيضاً ، وهو أنّه لا يعرف من اللغات الأجنبية غير الفرنسية، وأنا كنت أكتب بالإيطالية والإنكليزية وأترجم عن الفرنسية والأسبانية كذلك. وقد ربطت أنا جذوري بدنيوات واسعة، ولم يستطع أن يربط جذوره حتى بالبلدان العربية القريبة؛ كسوريا ولبنان. وكان لي في حياته نحو سبعة وعشرين كتاباً ولم يكن له غير خمسة كتب، كل هذه كانت عوامل تنغّص عليه حياته ، ولست أو لومه حين كان يعوّض عن ذلك بتأليب الأولاد عليّ.
أطلت الحديث في موقف الإيراني بيني وما كنت لأفعل هذا لولا أنك كشفته لي بشكل أثار دهشتي ، إذ كنت أحسبه سراً لا يعرفه أحد".(14)

الرسالة الخامسة
الجمعة 5/ مارس 1976
عزيزي أسامة :
ائذن لي بأن أخاطبك هكذا ببساطة ودون ألقاب، أو مجاملات. وفى وسعك أن تناديني " أبا سمير(15)فقط؛ فالألقاب لا تزيد في قيمة إنسان، إلاّ من لم تكن له قيمة في نفسه ويحتاج إلى لقب ليعطيه قيمة- وأعيذك وأعيذ نفسي أن نكون من ذلك الطراز.. !!
من عادتي أن أردّ على الرسائل دون تأخير. وها أنا أردّ على رسالتك الأخيرة المؤرخة 3/3/1976 ، والتي تسلمتها قبل أقل من ساعة من صندوق البريد. وفيها أشياء كثيرة جديرة بالرد والنقاش النقاش الودي طبعاً.
1- شكراً لاعتبارك إياي " شاباً "، من حيث الحيوية وغزارة الإنتاج (16)؛ وأنا كذلك حقاً ، ولا أستطيع الاعتراف بالكهولة أو الشيخوخة. أمّا "جيلي الزمني" فهو الجيل الذي تأبي ألاّ أن تسحبني منه. وأنا أوافقك على أن أكثر رجاله قد هرم أدبهم وهم في عهد الشباب.
2- لو تمعنت قليلاً في قصيدة تيسير(17)، التي تعتبرها دليلاً بنقض رأيي في انتحاره، لوجدتها قصيدة يائسة- لا من الانتصار على الحياة ولكنها يائسة من الحياة نفسها؛ وفيها نبوءة بدنو الأجل. واعتبار الشاعر نفسه نبياً ليس بالشيء الجديد في الشعر؛ سبقه إلى ذلك أبو القاسم الشابي؛ وكان الاثنان يحاولان الصمود في معركة الألم والأمراض بواسطة التعاويذ الشعرية؛ فمات الأوّل ( طفلاً ) لأن المرض كان أقوي منه، ومات الثاني انتحاراً، لأن المرض كان أقوي منه كذلك(18)، وكانت مقاومته له عاجزة عن منحه صموداً أطول. تعلاّت الشعراء في حالات العجز عن المقاومة، تظل تعلاّت، ولكنها لا ترقي مطلقاً إلى دور الحقائق الواقعة، والحقيقة الواقعة في انتحار تيسير لم تكن الجبن في مقاومة الظلم، أو التمرد على الواقع. هذا جبن لا ترضاه ولا أرضاه لتيسير؛ لكن الحقيقة أن المرض كان أقوي منه كثيراً ، وحالات الصرع التي كانت تنتابه- وقد رافقت كل حياته من جراء المرض في عينيه(19)، لم تمنحه شيئاًَ من الراحة أو المهادنة؛ فصرعته بعد أن قهرت عزمه وإرادته.
ودعني أرجوك أن تبعد عن تيسير تهمة " الجبن" الانتحار الفلسفي جبن وخسّة ولا أخلاقية- ولم يكن كذلك تيسير. انتحاره كان رغم التعاويذ الشعرية- لعجزه عن مقاومة المرض اكثر مما قاومه. سقط في معركة كانت عوليه الصراع والعنف. وحين تذكر ذلك عنه قد أنصفته، ووضعته في حدوده الإنسانية- حدود طاقة الإنسان، ولا سيما الشاعر ، الذي تكون عاطفته دائماً أقوي من عقله ومن قوته في الصراع ودعك من " تخمينات" ( النضالية، والفلسفية، والتمرد) وما إلي ذلك.
3- في حديثك عن الوقائع التي أوصلتك إلى استنتاجاتك الصحيحة لما كان في نفسي الإيراني مني، نسيت أنه استغل بحثه في ( ثقافتنا في خمسين عاماً )(20) لفرضين : الأوّل تمجيد نفسه؛ والثاني محاولة تدمير الناعوري. وكان من نتيجة ذلك أنني كتبت في جريدة ( الدستور) مقالاً طويلاً استغرق نحو خمسة أعمدة، في فضح اجتراءاته على الحقيقة. وكذلك نسيت ردوده عليّ في جريدة ( الرأي) متستراً وراء توقيع ( فهي شما)- الذي كان يوم ذاك مديراً بالوكالة لدائرة الثقافة والفنون- واضطراري إلى الرد عليه بعنف لفضح هذا التستر. وفعلاً لم أكتب في مجلة أفكار حرفاً واحداً طوال عهد الإيراني بها ويعرف ذلك عبد الرحيم عمر(21)، الذي طالما رجاني أن أكتب لها " إكراماً لخاطره هو" ، وكنت أقول له إنني لن أتعامل مع مجلة يشرف عليها الإيراني. رحمة الله عليه! والله إنني لم أكن البادئ بالعداء ؛ ولقد صبرت كثيراً على ما كنت أعرف من آذى الإيراني لي، وتأليبه الآخرين عليّ دون ذنب؛ حتى طفح الكل ، ففاض بمقالات في ( الرأي) ثم في ( الدستور) لم أستطع أن أحبس قلمي عن أن أفيض بها.
4- حقاً ، إن مؤلفاتي عديدة؛ أكثر من مؤلفات أي كاتب أردني آخر؛ ومخطوطاتي الجاهزة للنشر أكثر منها عدداً، فهي تزيد عن خمسة وثلاثين كتاباً ( المخطوطات أعني)(22)؛ والمنشورات ثلاثون . وناشرو كتبي موزعون في الأردن ومصر ولبنان وسوريا وتونس وإيطاليا ومالطة؛ ولولاهم لما ظهر لي متي اليوم كتابان ؛ لأنني لا أجازف ولا أملك المال- لطبع كتاب علي حسابي، ولو فعلت لما كان في وسعي أن أبيعه؛ فأنا خجول وجبان في مجال الترويج"
5- ما قاله لك إبراهيم العابد عن عدم وصول نسخة رسالة هوارد رولاند إلى مركز الأبحاث يجعلني أعتقد أن سهيل إدريس قد استولي على النسختين؛ فلدي رسالة من هوارد يقول فيها إنه مضطر على أثر وصول رسالتي إليه إلى أخذ صور فوتوغرافية لنسختين كاملتين من الرسالة بصفحاتها الأربعمائة والستين- وأرسل النسختين إلي سهيل إدريس ليسلم إحداها إلى مركز الأبحاث بناء على طلبي وكان كل يقيني أن النسخة قد وصلت إلي المركز فعلاً ، حتى نقلت أنت إليّ نفي السيد إبراهيم العابد لتسلّمها . أمّا حديثه بالهاتف مع سهيل أدريس فقد كان وأنا أجلس إلى جانب سهيل فى مكتبه وكنت أنا الدافع المباشر إلى هذه المكاملة" (23)

الرسالة السادسة
الثلاثاء 16 / مارس 1976
عزيزي أسامة :
رسالتك الأخيرة المؤرخة 11/3 وصلت هذه الساعة؛ واكتب إليك حال عودتي من البريد ، شاكراً لك سرعة ردّك، واهتمامك الجاهد في الوصول إلى الحقيقة في قضية الصديق العزيز الراحل تيسير سبول. اهتمامك هذا دليل جدّية في البحث عن الحقيقة؛ وهو لذلك فضيلة تستحق عليها التقرير.
القضية في اعتقادي أهون من أن نطيل النقاش فيها ، وألخصها في ما يلي :-
1- تيسير كان ثائراً في أوضاع عربية لم تكن ترضي مٌثٌلَه وتيسير انتحر شاباً. ينتحر لعدم رضاه عم الواقع ، إنما يترك لهذا الواقع أن ينتصر ؛ بدلاً من أن ينتصر هو عليه ، وبدلاً من أن ساءل الآخرين على الانتصار وتغيير الواقع وحين انتحر تيسير لم يؤثر انتحاره على الواقع ، ولا على حياة الآخرين البائسة ؛ أثر على نفسه فقط وأساء إليها لهذا كلّه لا أرضي أن يكون تيسير انهزامياً ولا جباناً ولكن حين ضعف أمام قوة المرض التي طال أمدها ولم يكن له منها خلاص، وضع حداً لصراعه مع المرض الذي لم تكن له طاقة لمقاومته، فهو إذن لم يكن جباناً ولا انهزامياً ؛ بل كان "إنساناً" ككل الناس، ذا طاقة جسدية محدودة على المقاومة في صراع المرض، وهذا تبرير إنساني لانتحاره ولهذا يجب أن نفّرق بين فلسفته الثورية الطموحة عن تغيير الواقع لخدمة الإنسانية وانتحاره لضعف مقاومته الجسمية للمرض.
أتراني قلت كلاماً مقنعــاَ ؟! أرجو أن أكون قد فعلت هذا!
إنّ هذا يذكرني بما ردده لي المرحوم تيسير مراراً ؛ كان يقول لي : أنت وأنا، يا أبا سمير اخترنا الطريق الخطأ؛ أنا لستٌ في حاجة إلى الاشتراكية لأنني أملك الكثير: الأملاك والدار الخاصة والمال والسيارة والشهادة الجامعية والعمل؛ ومع ذلك اخترت الاشتراكية؛ وأنت فقير من كل هذا، ولا تملك شيئاً ولكنك تكره الاشتراكية وتحاربها ، مع إنك أحوج ما تكون إليها وقد وجدت لخدمة أمثالك لا أمثالي.
والآن ... لقد أتعبتني كثيراً في البحث عن المقالات التي تطلبها مما كان بين الإيراني وبيني في جريدة ( الرأي) و الدستور)؛ وها قد وجدتها أخيراً بين ملفاتي العديدة ، الملأي بألوف الأوراق القديمة والجديدة ... سامحك الله! ولكن : دعني أرجوك رجاء حاراً أن تحافظ على هذه الأوراق لتردها إلي بأسرع وقت بعد أن تنسخ حاجتك منها ؛ فهي النسخ الوحيدة لديّ وأنا حريص على أن أحتفظ بها وأنت قد وعدتني في رسالتك بردّها حالاً ، ,أنا أثق بوعدك مع أنه ليس من عادتي أن أخرج مثل هذه الأوراق العزيزة من بيتي حتى إلى خارج باب البيت ولهذا أرجو أن أعود من إيطاليا في أوائل الشهر القادم فأجدها في انتظاري في منزلي، ومع خصوماتي مع الإيراني تجد كذلك قصاصة عزيزة جداً جداً وهي مقالي في ( أخبار الأسبوع) حول العزيز الراحل " تيسير سبول إنساناً" وهذا سيهمك حتماً، وهذا أيضاً ردّه مع بقية الأوراق لأنني لا أملك منه نسخة أخري وأنا حريص على الاحتفاظ به. اكتفي بهذا متمنياً لك التوفيق والسعادة وعلى أمل أن أعود من رحلتي فأجد ردّك مع القصاصات فى انتظاري".

الرسالة السابعة
الاثنين 12 / أبريل 1976
عزيزي أسامة:
عدت منذ أربعة أيام من رحلتي الإيطالية الأخيرة ؛ التي نلت فيها شهادة الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعة باليرمو(25) وألقيت ست محاضرات ولقاءات أدبية، في باليرمو وروما ، لقيت اهتماما كبير من الجمهور ومن الصحافة الإيطالية ( توجد فقرة الكتابة غير واضحة صفحة 9) وهذا المساء تلقيت رسالتك الأخيرة المؤرخة 1/4 الجاري، ومعها القصاصات التي كنت قد أرسلتها إليك قبل سفري إلى إيطاليا. فشكراً على تفضلك بردّها وعلى ملاحظاتك على ( شريطي الأسود)(26)وكنت أود لو أنك كتبت تعليقاتك هذه في إحدى الصحف الخليجية أو العربية.
أود أن أجيب عن ملاحظاتك وتساؤلاتك بما يلي:
1- لعلك لاحظت أنني وقفت فى اعترافاتي عند حد معين من عمري، قبل أن أدخل حياتي العملية وقبل أن تعرف حياتي طعم الاستقرار. كان ذلك عام 1936 أو 1937 وعمري 18 أو 19 سنة فقط. وكنت فى تلك السن لا همّ لي غير البحث عن الرغيف والكساء. وحين يطالبني إنسان بأن أدخل السياسة والنضال القومي والقضية الفلسطينية(27)فى تلك الاعترافات فهو يظلمني ويظلم الاعترافات. أنا فيها أصور إنسانية كاملة مكافحة فى شخص شاب هو أنا يبحث عن نفسه بين ركام البشر، ويبحث عن دربه فى زحمة الدروب. لم أصل باعترافاتي إلي شئ من حياة العمل والأدب والاستقرار البيتي. لهذه كلّها جزء آخر أو أجزاء ، لا أدري متي أكتبها ولا من سينشرها.
2- حياتي كلها مصورة في مؤلفاتي ، ولا سيما الشعرية ، والقصصية والروائية ، أنا كلي هناك، مع الناس الذين أصورهم وأتحدث عليهم وما أسهل أن يراني الناقد أسير معه بين السطور، ويسمعني أتحدث إليه على نفسي، وعلى الآخرين. أمّا السياسة والنضال الفلسطيني فهما في كل ما كتبت حتى صدور روايتي ( جراح جديدة) : طريق الشوك خلّي السيف يقول عائد إلى الميدان بيت وراء الحدود جراح جديدة أنا شيدي أخر الإنسان بطولات عربية من فلسطين؛ إضافة إلى عشرات أو مئات من المقالات في صحف العالم العربي والمهاجر الأميركية ، لعلّي بين أدباء العرب جميعاً أغزرهم إنتاجاً شعراً ، ونثراً ، قصة ورواية في القضية الفلسطينية وآخر أعمالي ولعلّه أهتمها في هذا الموضوع كتابي الآي
3- الي الذي ترجمت فيه أربعين قصيدة إلى اللفة الإيطالية من سو ( محمود درويش ، سميح القاسم ، توفيق زياد وفدوي طوقان) وطبع ثلاث طبعات في روما عام 1969 و 1970 ونفذت منه ثلاثون ألف نسخة فهل تطلب مني أكثر من هذا؟!
وتسألني عن " الإحساس الطبقي" (28) وهل خلّت اعترافاتي منه فى نفسي شيئاً ، أو رغبة في الالتزام؟... لا يا أسامة ، الطبقية حقد ورذيلة ؛ والحزبية حقد ورذيلة ؛ وأنا أكره الحقد لأنني إنسان ، ولأن أدبي للإنسان ، لا لطبقة ولا لحزب. والالتزام عندي هو للإنسان كل إنسان لحرّيته وكرامته وأحاسيسه الخاصة. الأدب الذي ليس للإنسان لا يمكن أن يكون أدباً. لا تدير رأسي كليشيهات العصر السخيفة: ( الجماهيرية ، التقدمية ، النضالية ، الكادحون ، الاشتراكية) ، ليتشدّق بها من يشاء ؛ أنا لا أومن بها، ولو آمنت بها، أو لو التزمتها في أدبي لفقدت عنصر أجبي الأساسي: الإنسان والإنسانية. منظر عصفورين يتناجيان علي غصن يوحي إليّ بما توحي به كل مرافسات الحمير والبغال من أجل العلف والحشيش ، ومن أجل الانتصار والاستئثار بالمذود والأسطبل. ومنظر جندي في قلب المعركة، يرفع يده عن الزناد لحظة لكي يخرج من جيبه صورة زوجةأو أبنة أو حبيبة ، ثم يقبلها ويعيدها إلى جيبه، تثير من المشاعر المرهفة ما لا تثيره حرب طاحنة : هناك الإنسان في لحظة من لحظات إنسانية؛ وهنا البهيمة في فورة من فورات وحشيتها. وهل لا يكون الإنسان إنساناً إلاّ إذا كان فقيراً ، ومكافحاً للعيش فقط؟!
أرجو أن أكون قد أعطيتك حقيقة نفسي في هذه السطور وأجبت عن أسئلتك بإيجاز. ولعل فيه كذلك جواباً عن سؤال المرحوم تيسير وتكرارك له، حول نظرتي إلى الاشتراكية. أنا لا أستطيع أن أكون من يدنيون بالاشتراكية ؛ لأنني لم أعرف بعد مما عرفته في أهلها وموجيها وفى البلدان التي تدين بها غير الكذب والدكتاتورية والإرهاب والعنف وقتل الحرية وخنق الإنسان وانسانيته. أنا مع الفقر في ألف نعمة ولن أكون كذلك مع الاشتراكية.
أكتفي بهذا الآن وأرجو أن نستأنف مزيداً من الدراسة في رسائل قادمة.


الرسالة الثامنة (29)
الجمعة 30/ أبريل 1976
يا عزيزي فوزي. أنا أكره رابطة الكتاب الأردنيين ، لأنها رابطة ( مسيسين) لا يفهمون الأدب ، ويريدون أن يكونوا ( أدباء ) عن طريق العقائد السياسية(30)... وأنا أفهم أن دخول الأدب فى السياسة مفسدة للسياسة ، مثل دخول السياسة فى الأدب وإما أن يكون المرء سياسياً وإما أن يكون أديباً والجمع بين الاثنين لعب على الحبال وبهلوانية. ومع ذلك يبدو لي أن مفهوم ( السياسة) بينك وبيني ( غير مفهوم)... أعني أنه ( فهم غير متفق عليه) ولا تحديد له.. لقد قلت لك فى رسالتي السابقة إن واجب الأديب أن يحاري الشرّ فى الناسن لا أن يحارب الأشرار أنفسهم، لأنّ الناس كلهم أشرار بطبعهم ولا تستطيع أن تحارب كل الناس.(31)

الرسالة التاسعة (32)
الخميس 20/ مايو 1976
"الحقيقة أنَ كل ما كتب حول دوافع انتحار تيسير سبول كان ضرباً وانتحال العلل غير الصحيحة. فلم ينتحر تيسير "رفضاً للواقع" ولا "تمرداً على الحياة" ولا بدوافع فلسفية أو شعرية. تيسير انتحر لأن آلام الصرع الرهيبة التي كان يعانيها من وجع عينيه، والتي رافقت حياته كلها، ولم تنفع بها علاجات الأطباء، وانتهت به إلى بداية عمي ، بحيث لم يعد يري على مسافة عشرة أمتار؛ هذه الآلام كانت أقوي وأقسى من احتماله، ولاسيما بعد أن أعلن له الأطباء عجزهم عم شفائه، ويأسهم من بقاء بصره، هذه الحقيقة عزمتما حين زاملته في مؤتمر الأدباء في بغداد عام 1969. كنا زميلين في غرفة واحدة طوال مدّة المؤتمر، وأحببته وأحبني بكل إخلاص، كانت الحبوب في جيبه باستمرار ، وكان ينهض في وسط الليل ليلهم منها لهماً، وحين كنت أسأله : كان يقول:" يا أخوي يا أبو سمير؛ بتصبني حالات صرع من وجع عيوني ن ومش نافع فيهم لا طب ولا دوا". والذي يعرف تيسيراً يعرف كيف كانت عيناه جاحظتين وصحراوين باستمرار. لهذا انتحر تيسير، وأي تفسير فلسفي أو شعري أو عقائدي آخر هو ضرب من العبث والهذيان ولو انتحر تيسير "رفضاً أو تمرداً" لكان جباناً لا يستحق الاحترام، ولا أن يكتب أحد في رثائه. لقد انتحر لأنه "إنسان" ضعيف أمام مأساة عينيه، مأساة حقيقية ، ولقد كتبت في ذلك مقالاً طويلاً في ( أخبار الأسبوع) في الوقت الذي كنتم تكتبون وتملأون الصحف مقالات عن انتحاره ( الرافض) وانتحاره (المتمرد) وانتحاره( الفلسفي) أو العقائدي.

الرسالة العاشرة
الجمعة الأول من أكتوبر 1976
أخي أسامة :
هذا الصباح وجدت فى صندوق البريد رسالتك المؤرخة 21/9/1976 ومعها قصاصة من "ملحق السياسة الأسبوعي" الصادر بتاريخ 19/9/1976 والذي تفضلت فراجعت فيه كتابي (الشريط الأسود) مراجعة موجزة ولكنها وافية. فشكراً على المراجعة والرسالة... استغرب كثيراً كيف لم تصل إليك فى القاهرة رسالتي المؤرخة 22/7/1976، التي رددت بها على رسالتك القاهرية المؤرخة 16/7/1976؛ وحسب رغبتك ، وجهت الرسالة غليك على أحد العنوانين الذين ذكرتهما لي، وهو عنوان ( مجلة الثقافة الجديدة ، 32 شارع صبري أبو علم وبواسطة السيد عبده جبير) إذا لم تخني الذاكرة أو هو العنوان الثاني( مجلة صباح الخير بواسطة منير عامر) لا أذكر تماماً لبعد الزمن، وكانت رسالتي تلك مطوّلة، وقد ذكرت لك فيها أنن كنت أنا أيضاً في القاهرة فى مطلع الشهر السابع عينه، وأنني قضيت هناك أكثر من أسبوع وسلمت إلى دار المعارف كتابين جديدين سيصدر أحدهما فى سلسلة (اقرأ) وعنوانه(فى ربوع الأندلس) مزوداً بالعديد من الصور وكذلك اتفقت معهم على إصدار الطبعة الثالثة من كتابي ( أدب المهجر) (..........) وإني لأعجب كيف لم تصل إليك رسالتي تلك؛ وأعذرك لاستبطائك ردّي؛ كما أنني أيضاً استبطأت رسائلك ، وكنت أتساءل إن كنت قد عدت من مصر ، أم طابت لك العيشة هناك فآثرت المقام بجوار صحافتها الأدبية والسياسية ونهضتها الفكرية الكبيرة الفنية؛ ولو أنك فعلت لما لامك أحد على هذا الاختيار".(33)

هوامش



(1) ترقيم الرسائل على هذا النحو يتبع تسلسلها في هذه المقالات؛ ومن ثم فإن الرسالة الأولي هذه، هي الأولي في الموضوع وليست الأولي التي أتبادلها مع الناعوري ، فقد سبقتها رسائل لا أري ضرورة لنشرها الآن.
(2) كان الناعوري مسئولاً فى العلاقات العامة لدي وزارة التربية وقد طلبت منه تخليص أوراقي بعد أن تركت العمل فيها دون استقالة ، فاعتذر لأنّ القرار الذي اتخذ بحقي كان ممهوراً بختم رئاسة الوزراء .
(3) صدرت عن منشورات مجلة السياحة / بيروت / 1967م.
(4) لم يكن الناعوري قد اطلع على كتاب الدكتور صالح أو إصبع " فلسطين في الرواية العربية"؛ وفيه نقد حاد لرواية الناعوري المذكورة، ولأنني احتفظ بنسخة واحدة من الكتاب فقد اضطررت بناي على طلبه إلى نسخ وتلخيص الجزء الخاص بالنا عوري وهو في الفقرة السابقة يشكرني على هذا الجهد.
(5) صدرت عن دار عويدات للنشر / لبنان / 1959 واعتبرت من أوائل روايات النكبة ، وذلك فى دراسة كتبها الدكتور عبد الكريم الأشتر ونشرها فى كتابه " دراسات فى أدب النكبة " الصادر عن دار الفكر عام 1975.
(6) كاتب فلسطيني معروف كان نائباً لرئيس مركز الأبحاث قبل أن يلحق عام 1975 بالعمل في وزارة الإعلام بدولة الإمارات كمدير لوكالة الأبناء فيها.
(7) يختتم الناعوري الرسالة بفقرة من أحد عشر سطراً لا علاقة لها بالموضوع السابق وقد أغفلت ذكرها لهذا السبب.
(8) لا أذكر أني تحدثت بهذه الصورة ، ولم أكن أبحث عن حلقة مفقودة كما توحي العبارة بخاصة إني كنت معجباً بالكتاب المذكور وقد عرضته فور صدوره فى مجلة الظفرة الصادرة في الإمارات فى 15 / نوفمبر 1975 وقد نفي الدكتور صالح أبو إصبع أن يكون قد اطلع على المخطوطة المذكورة وذلك فى حديث سريع دار بيننا قبل سنة واحدة فقط.
(9) لقد كتبت للناعوري أسأله عن السر في صمته حيال ما يفعله عدد من الكتاب الشباب في الرابطة؛ التي تحولت إلى رابطة لكل من لا علاقة له بالأدب حتى زاد عدد الأعضاء في الضفة الشرقية وحدها عن ثلاثمائة أديب، فردّ علي بالفقرة السابقة والأوصاف المذكورة له وليست من عندي كما قد يفهم البعض، أما إبراهيم خليل وخليل السوامري فكاتبان يمارسان كتابة النقد والشعر والقصة بحكم عملهما في الصحف وهما يتبادلان المديح دائماً على صفحات الجرائد، وتنتهي الرسالة بفقرة من سبعة أسطر في موضوع خاص لا يهم القارئ.
(10) يقصد كتاب " فلسطين فى الرواية العربية" وكنت قد بعثت له بنسختي.
(11) يقصد الأديب محمود سيف الدين الإيراني، وهو كاتب قصة قصيرة، وكان يناصب الناعوري العداء وينشر فى مجلة أفكار التي يرأس تحريرها مقالات لعدد من الناشئين؛ تجزية ( سطر غير واضح )
(12) الفقرة السابقة اقتطعها الناعوري فعلاً من رسالتي إليه، وكنت أصف فيها مواقف الإيراني من الناعوري، وتصيده له في كل مناسبة ، بخاصة في دراسة نشرها في كتاب" ثقافتنا فقي خمسين عاماً" ، نال فيها الإيراني من الناعوري وجهوده المشتتة وسطحية ما يكتبه!!.
(13) مجلة ثقافية شهرية صدرت عن دائرة الثقافة والفنون الأردنية في شهر يونيو حزيران 1966 وتوقفت عن الصدور في يونيو حزيران 1967 ثم عادت إلى الصدرو كمجلة فصلية برئاسة تحرير جريدة معقودة للإيراني خصم الناعوري؛ الذي لم ينشر في المجلة مقالة واحدة طوال عهد الإيراني، وما يقوله الناعوري في الفقرة المذكورة صحيح فقد استطاع الإيراني بحكم موقفعه في المجلة الثقافية الوحيدة في الأردن ، وبحكم حاجة الناشئين إليه، أن يوظف هؤلاء للهجوم على الناعوري بمناسبة ودون مناسبة ولم تنشر الصحف آنذاك كلمة واحدة بحق الإيراني؛ رغم أن عيوب الريادة والتقليد الموجودة في كتابات الناعوري والتي كانت تجعله هدفاً للناشئين هي ذاتها التي يجدها القارئ المتفحص في كتابات الإيراني.
(14) نشرت الفقرة السابقة من رسالة الناعوري فى دراسة مطوّلة لي بعنوان "رابطة الكتاب الأردنيين والتناسل غير المشروع " ، ظهرت على حلقتين فى الملحق الثقافي لجريدة الفجر في الصيف الماضي وقد روجع الناعوري من قبل الكتاب المذكورين فأكل صحة ما كتبه إلّي ودافع عنه، وكان بعضهم يظن أني ألفت على لسانه، وعادة الشك فى الآخرين على هذا النحو مستشرية فى الوسط الثقافي الأردين، ففي صيف عام 1975 نشرت جريدة الرأي لقاءً كنت قد أجريته مع نزار قباني ، واحتل اللقاء صفحة كاملة أثارت ضجة في الأردن ، بخاصة أن نزار قباني هاجم الرابطة، وقد أصدرت الرابطة على الفور بياناً زعمت فيه أني ألفت على لسان نزار قباني حتى اضطررت إلى إرسال نسخة من الشريط المسجّل بصوت نزار إليها.
(15) الناعوري متزوج وهو والي لخمسة أبناء وبنتين أكبرهم ( سمير ) وهو دبلوماسي معروف.
(16) كنت دائماً أحسد الناعوري على حيويته وغزارة إنتاجه الأدبي، فهو من أغرز الأدباء العرب إنتاجاً؛ ولا تكاد تصدر مطبوعة إلاّ وله فيها إسهاماً بارزاً ، ففي يوم وفاته، كانت أمامي الدوحة ، المجلة العربية، دورية الكتاب، جريدة الدستور ، وله فيها كلها مقالات وإسهامات متنوّعة ولافتة للنظر.
(17) يقصد الشاعر تيسير السبول الذي انتحر عام 1973 بعد أن ترك ديواناً شعرياً ورواية ، وكنت قد كتبت فصلاً ضافياً عن أسباب انتحاره فى كتابي الأول "آراء نقدية" رأيت فيه أن انتحار تيسير سبول يرتبط بجذور فلسفية كان يؤمن بها؛ وكانت هناك تفسيرات أخري لانتحاره ، منها معاناته من مرض اللطخة الصفراء فى عينيه وهو ما يقوله الناعوري ولكني احتفظ برسالة من الطبيب الشخصي المعالج للمرحوم وفيها ينفي هذا الاحتمال لأن المرض لم يكن مستفحلاً أو مقلقاً للشاعر ولم يكن خطيراً أيضاً ، أمّا القصيدة التي سطر غير واضح
أنا يا صديقي
أسير مع الوهم ؛ أدري
أيمم نحو تخوم النهاية
نبياً غريب الملامح أمضي إلي غير غاية
سأسقط لابد يملأ جوفي الظلام
نبياً ، قتيلاً وما فاه بعد بآية
وأنت صديقي وأعلم
لكن قد اختلفت بي طريقي
سأسقط لابد ، أسقط يملأ جوفي الظلام
عزيزك بعد ، إذا ما التقينا بذات منام
تفيق الغداة وتنسي
لكم أنت تنسي عليك السلام
(18) يكاد ينفرد الناعوري بهذا الرأي حول أسباب انتحار تيسير سبول؛ رغم نفي الأطباء له.
(19) وهذه أيضاً قضية الصراع لم ترد في تقارير الأطباء أو معارف تيسير.
(20) صور هذا الكتاب عن دائرة الثقافة والفنون عام 1972 في 396 صفحة من الحجم الكبير وقد تضمن ثماني دراسات عن الآثار ، الشعر ، القصة ، المسرح، حركة النشر، الفولكلور الغناء في الأردن كتبها على التوالي محمود العابدي ، هاشم ياغي ، الإيراني ، عبد الرحمن ياغي ، الناعوري ، نمر سرحان ، هاني العمد وتوفيق النمري.
(21) الشاعر المعروف؛ كان رئيساً لدائرة الثقافة والفنون التي تصدر مجلة أفكار، وتولي بعد ذلك رئاسة رابطة الكتاب قبل أن يتفرغ لعمل الصحفي.
(22) زودني بقائمة مفّصلة عنها تضمنت 31 كتاباً.
(23) كنت قد راجعت إبراهيم العابد فى حينه، وبعد وصول رسالة الناعوري فلم يتذكر الواقعة.
(24) وهو ما خلصت إليه فى كتابي " آراء نقدية" ويرد عليه الناعوري فيما يلي من أسطر.
(25) ويكون الناعوري بذلك العربي الثاني الذي يحصل على هذه الشهادة من هذه الجامعة نقد منحت قبله للدكتور طه حسين ، والجدير بالذكر أنّ الناعوري لم يتلق دراسات عليا ومن ثم لم يكن يحمل شهادات ؛ غير شهادة الثانوية القديمة من المورثة الأكليريكية اللاتينية فى القدس، وقد تلقب بالدكتور بعد حصوله على الدكتوراه الفخرية وبدأت رسائله إليّ توقع باللقب الجديد.
(26) يقصد روايته " الشريط الأسود" وهي من أدب الاعترافات وقد صدرت عن دار المعارف بمصر عام 1973.
(27) فى رسالتي السابقة إليه ، حول روايته " الشريط الأسود" عجبت من تجاهل الناعوري للأحداث المحيطة به ، بخاصة القضية الفلسطينية؛ التي كانت فى زمن اعترافاته تؤثر على الجميع وتكاد تكون زاد الناس اليومي.
(28) كنت قد لاحظت في رسالتي أنه لم يحسن توظيف الصراع الطبقي الذي يصوّره في روايته لخدمة البناء الدرامي للرواية.
(29) تقع هذه الرسالة فى صفحتين فولسكاب اخترت منها الفقرة المذكورة لأهميتها وأهملت الباقي.
(30) كان الناعوري الأديب الثاني الذي يترك الرابطة بعد أشهر من إنشائها، فقد سبقه كاتب هذه السطور إلى الاستقالة، وما يذكره الناعوري صحيح فقد تضخمت الرابطة خلال أشهر حتى زاد عدد الأعضاء في الضفة الشرقية وحدها عن ثلاثمائة، لا علاقة لأكثرهم بالأدب وقد تسرّبوا إلى العضوية من خلل الشلل السياسية المتصارعة التي كانت تبحث عن أصوات من غير الشارع الأدبي لدعمها وقد وصل عدد من الناشئين فعلاً إلى مراكز قيادية فيها.
(31) يشير الناعوري فى هذه الفقرة إلى حوار مطوّل بيننا حول مفهوم الكاتب والسياسي وعلاقة السياسة بالأدب !!
(32) اخترت من هذه الرسالة ما يتعلق بانتحار تيسير سبول فقط.
(33) هذا جزء فقط من رسالة طويلة أشاد فيها الناعوري بالحياة الثقافية في مصر، ومما يجدر ذكره أنّ علاقات الناعوري بالوسط الثقافي المصري ودور النشر علاقات قوية وبعض أشهر كتبه صدر عن دور نشر مصرية مثل روايته ( مارس يحرق معداته) صورة عن دار المعارف في سلسلة أقرأ عام 1955 و ( أدب المهجر) صدر فى ثلاث طبعات عن دار المعارف بمصر 1959 ، 1967، 1976 وروايته ( الشريط الأسود) وهي من إصدارات دار المعارف أيضاً.





الوجه الآخر للدكتور المرحوم عيسي الناعوري
كما تكشف عنه رسائل بخط يده !!
الجزء الثاني
بقلم
أسامة فوزي

 


بدأت الأوساط الأدبية في الأردن والوطن العربي تهتم بإعداد دراسات عن الأديب الأردني الراحل الدكتور عيسي الناعوري؛ الأمين العام لمجمع اللغة الأردني وأحد أشهر الكتاب الأردنيين وأغزرهم إنتاجاً والأديب العربي الوحيد الذي تميز بدراساته عن الأدب الإيطالي والمهجري والرجل الثاني بعد طه حسين الذي يحصل على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة باليرمو الإيطالية.

وكان الدكتور عيسي الناعوري قد توفي فى تونس أثناء مشاركته في ندوة مجلة الفكر بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيسها، وهو من مواليد 1918، أصدر مجلة ( القلم ) عام 1952 وكان له عند وفاته 45 كتاباً بلغات عدّة منها الإنجليزية والإيطالية ، وقد تنوّعت أعماله الأدبية بين القصة القصيرة والرواية والشعر والنقد الأدبي والأبحاث.

كانت للمرحوم الدكتور عيسي الناعوري علاقات واسعة مع مئات العرب والأجانب وكان حريصاً على مراسلتهم ومن جسور الصداقة والحوار معهم ، وأظن أنّ أيّة دراسة عن المرحوم لا تتوقف عند رسائله هذه ستكون دراسة ناقصة ، لأّن الناعوري أودع فيها الكثير من آرائه ومواقفه ورؤاه في الأدب والحياة والناس وقد تكون بعض هذه الرسائل أوضح في الدلالة على مواقفه من كتبه المنشورة؛ لأنّه فيها تخلص من الحرج وبعض الحساسيات الاجتماعية التي كان يراعيها في عمله المنشور.

هذه ليست دراسة في أدبه وإنما هي محاولة لوضع عدد من رسائل عيسي الناعوري المرسلة إلى كاتب هذه السطور بين يدي الباحثين؛ لأهميتها من ناحية ، ولدلالتها ، وللمؤشرات التي تتضمنها على الحياتين الخاصة والعامة للناعوري وللوسط الأدبي في الأردن؛ وهذه الرسائل اخترتها من أصل ثمانين رسالة تبادلتها معه خلال عشر سنوات؛ أرسلت بعضها للنشر في مجلة الدوحة القطرية ورأيت أن أنشر أهم الرسائل المتبقية فى آفاق عربية.
كان الناعوري نفسه مهتماً بتوثيق بعض ما قيل عنه، وقد زوّدني في احدي رسائله ببعض هذا الذي قيل، وأكثره ورد إليه فى رسائل شخصية من مستعربين على النحو التالي:-

مما قيل فى الناعوري
1- المستعرب الإيطالي فرانشيسكو غبرييلي :
" فى اعتقادي أن عيسي الناعوري هو أعظم المشتغلين بالثقافة الإيطالية بين العرب، ومعه الكاتب المصري حسن عثمان ، مترجم دانتي. غير أن الناعوري من أقدر مترجمي الشعر والنثر الإيطاليين المعاصرين ، من فيرغا إلى لامبيدوزا وكوازيمودو"
( جريدة كورييرة ديلا سيرا ، ميلانو 1/4/1971)
2- المستعرب الإيطالي أومبرتو ريتسانو ( فى كتابه الإيطالي النفيس"الأدب العربي" ص199:
" فى الأردن يمضي عيسي الناعوري فى نشاطه الحصيف الخصب فى حقل الثقافة الإيطالية . ونحن مدينون له بترجمة ( فونتمارا ) لسيلونه، و ( الفهد ) لتومازي دي لمبيدوزا وبالعديد من الدراسات والأبحاث حول أعظم شعرائنا وكتابنا".
3- المستعربة الإيطالية السيدة كليليا سارنيللي تشيركوا :
" إن لك حقا لروحا شاعرة ، وحساسية عميقة ، إضافة إلى مقدرتك الكتابية مما يجعل من كل ما تكتبه شيئاً لذيذا حقاً" .
( من رسالة شخصية بتاريخ 14/10/1966)
4- المستعرب الإيطالي جوزيّي بيلفيوره :
" إن أقل ما يمكن أن أقوله فى كتاباتك هو أنك تعرف كيف تجمع إلى المضمون العميق ، الملئ بالرحيق الشهي ، البساطة والشفافية البلورية فى الشكل".
( من رسالة شخصية بتاريخ 23/12/1966)
5- المستعربة الإيطالية الآنسة أدالجيزا جي سميونه :
"تجتمع فى عيسي الناعوري ، فى اهتمامه بالدراسات الإيطالية ، صفتان لا غني عنهما للترجمة الجيدة: المعرفة الجيدة باللغة الإيطالية التي ينطلق منها ، وكذلك العربية التي ينتهي إليها"
( مجلة " الشرق الحديث " روما عدد 9/9/1970 )
1- الدكتور تقولا زيادة :
" لعلّ الأستاذ عيسي الناعوري أنشط أدباء الأردن اليوم ، ولا شك في أنه أكثرهم استعدادا لاكتشاف مجاهل جديدة في مجالات الأدب الواسعة. والمجال الجديد الذي طرقه الأستاذ الناعوري هو الأدب الإيطالي. إننا نرحب بالجهد الذي يبذله صديقنا الناعوري في سبيل وضع صور حيّة من الأدب الإيطالي في متناول أيدينا".
( مجلة " العلم " ).
7- الكاتب الإيطالي ريكّاردو كاروتشي :
" أنه نمط يثير الاهتمام الكثير ، ويبعث على الغبطة الشديدة، لقاء أديب عربي كعيسي الناعوري ، يتتبّع من منزله في عمّان الإيطالي والثقافة الإيطالية ويعمل جاهداً، رغم المصاعب العديدة ، على تعريف العرب الآخرين بهما".
( مجلة " المعرض الأدبي " الأسبوعية روما 5/3/1972)
8- الكاتب الإيطالي أنتونيو روكاّبيلاّ:-
" أن الأمر الفريد في أن ينقل كاتب عربي ، بيسر وسهولة ، إلى الشعر الإيطالي قوة النبرات وجمال الصور التي في شعر شعراء المقاومة الفلسطينية ، إنما يجد تفسيره الطبيعي في حياة عيسي الناعوري، وفى سيرته كإنسان ومواطن ، وفي لقاءاته العديدة في إيطاليا وأوربا".
( من تقديم لكتاب " قصائد من نار ودم" للناعوري المنشور في روما عام 1970 و 1971 في ثلاث طبعات")
*********
9- المستعرب الأسباني خوسيه رودريغس تروبوخو :
" ليس عن شك في أنه ، إذا كانت ثمة شخصية تتميز بقوة في محيط الأدب الأردني، وتتألق بضياء شخصي خاص، ليس في بلدها فحسب ، بل في محيط الأقارب العربية عامة ، فذلك هو عيسي الناعوري ... لقد زوّده استعداده الفكري برصيد ثقافي محسود ونادر المثال. أما أسلوب الناعوري فهو أسلوب رشيق ، مرن. وقلمه يكشف لنا عن تكوينه الفكري الموسوعي ، وعن الثقافات المتنوعة التي ترفده ( من مقدمته لكتاب " أقاصيص أردنية " الذي ترجمه إلى الأسبانية ).
قبل أن أضع الرسائل لين يدي القارئ أري من واجبي توضيح الأمور التالية:-
أولاً : سأنشر الرسائل المختارة كاملة ، خاصة وأن الخاص فيها لا يكاد يذكر أمام الكم الهائل من المعلومات والأفكار والآراء العامة، وسأنشر الرسائل وفق تسلسلها الزمني.
ثانياً : التعليقات والشروحات والأقواس وعلامات الترقيم التي ترد في السياق هي من صنع الناعوري نفسه.
ثالثاً : سأكتفي بوضع أرقام في السياق أمام الأسماء والأحداث وبعض المعلومات والخلفيات التي تحتاج إلى شرح وإضاءة لموضوع الرسالة وسيجد القارئ هذا الشرح في الهوامش الملحقة بالرسائل.
رابعاً : كان المرحوم يتأنف كثيراً برسائله ويحرص على سلامة لغتها وأسلوبها وجمال خطها؛ لأنه كان يعلم أنها ستجد طريقها إلى النشر ، وبعض الفقرات نشرت فعلاً في حياته ولكن كأخبار ثقافية كما يلحظ القارئ من بعض رسائله التي تطرقت إلي هذا الموضوع ، وسيجد القارئ في إحدى الرسائل تخويلاً لكاتب هذه السطور بنشر ما يراه مناسباً من الرسائل دون العودة إلى صاحبها وقد استثني الناعوري فقرة واحدة في رسالة بعث بها في 16/11/1979م حيث طلب عدم نشرها في حياته لأنها تمس مجمع اللغة يعمل فيه.

خامساً : يقي أن أشير على نبذة موجزة عن حياته وأعماله الأدبية بعث بها إلي في احدي رسائله وأظن إنها أدق نبذة لأنها بقلمه.


عيسي الناعوري
نبذة موجزة عن حياته وأعماله الأدبية
********
- ولد في قرية ( ناعور ) ، قرب عمان ، عاصمة الأردن ، عام 1918.
- أتم الدراسة الابتدائية في القرية، والثانوية في المدرسة الأكليريكية اللاتينية في القدس.
- عمل في تدريس العربية وآدابها 15 سنة ، في فلسطين والأردن.
- سكرتير الإدارة العامة لمدارس الاتحاد الكاثوليكي في الأردن ، ثلاث سنوات.
- موظف في وزارة التربية والتعليم من عام 1954 ، إلى أن اعتزل الخدمة الرسمية في شهر آب عام 1975.
- سكرتير اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة والنشر من عام تأسيسها ، 1961 إلى اليوم حتى بعد اعتزاله العمل الرسمي في الحكومة.
- متزوج ، ووالد لخمسة أبناء وبنتين.
- صاحب مجلّة ( القلم الجديد) الشهرية الأدبية ، ورئيس تحريرها ( سبتمبر 1952 إلي أغسطس / آب 1953 ).
- له أكثر من 34 كتابا، تشمل : ( القصة القصيرة ، والرواية ، والشعر ، والبحث الأدبي، والأدب المقارن، والنقد الأدبي، والترجمة من الآداب العالمية ، ولاسيما عن طريق اللغتين الإيطالية والإنكليزية. وله كذلك بعض الكتب المدرسية ، ومن أدب الأحداث) ومن مؤلفاته كتاب باللغة الإيطالية ، وكتابان باللغة الإنكليزية . أما مؤلفاته المخطوطة فتزيد عن 25 كتاباً.
- له محاضرات عديدة باللغات: العربية ، والإيطالية ، والإنكليزية ، في العديد من الجامعات والأندية العربية والأوروبية.
- شارك في المؤتمرات والندوات الدولية والعربية والاستشراقية التالية:
1- مؤتمر الأدباء العرب الثاني ، في بلودان / سوريا 1956 .
2- مؤتمر الأدباء العرب الرابع ، في الكويت 1958 .
3- المؤتمر الدولي للأدب العربي المعاصر، في روما 1961 .
4- الذكري الثلاثون للشابّي ، في تونس 1966 .
5- مؤتمر الدراسات العربية / الإسلامية ، في رافيللو / إيطاليا ، 1966.
6- الذكري المئوية السابعة لدانتي الليخييري ، في بولونيا/ إيطاليا 1966.
7- مؤتمر الدراسات الأسبانية / الإسلامية ، في قرطبة 1967 .
8- مؤتمر الأدباء العرب ، في بغداد 1969 .
9- المؤتمر الدولي للفلسفة والعلوم الإنسانية ، في باليرمو / إيطاليا 1969 .
- نال بعثة أدبية إلى إيطاليا من منظمة اليونسكو ، للتعرف بالأدباء في إيطاليا، مدة ، مدة 6 اشهر ( 1960 / 1961 ) حيث تعرف بعدد كبير منهم وعقد معهم صداقات متينة.
- دكتوراه فخرية في الآداب والفلسفة في جامعة باليرمو / إيطاليا عام 1975.
- منحه رئيس الجمهورية الإيطالية وسام الجمهورية من رتبة ( فارس ضابط ) عام 1964.
- ومنحه الحبيب بورقيبة ، رئيس الجمهورية التونسية ، وسام الجمهورية ، عام 1966.
- عضو مشرف في مركز العلاقات الإيطالية العربية ، في روما ، عام 1973.
- ونال ميدالية ثقافية فضية من وزارة الخارجية الإيطالية، عام 1963.
- زار القسم الأكبر من البلدان العربية ، وكثيرا من البلدان الأوروبية ، الشرقية والغربية.
- نالت أعماله الأدبية اهتمام المستعربين الغربيين ، فترجم العديد من أعماله القصصية، والشعرية ومن محاضرات إلى لغات غربية مختلفة، منها : ( الإيطالية ، والأسبانية ، والفرنسية ، والروسية ، والمجرية ، والرومانية ، والإنجليزية )
- صلته واسعة ووثيقة بالعديد من أعلام الأدب العربي المعاصر، وبالكثير من أعلام الأدب الإيطالي ، ومن المستشرقين الغربيين.
- تفرغ للعمل الأدبي ابتداء من 1 / آب 1975 ، بعد أن اعتزل العمل الرسمي فى وزارة التربية والتعليم الأردنية.
- تولي بعد ذلك منصب الأمين العام لمجمع اللغة العربية الأردني حتى وفاته.
************

أعمال الناعوري الأدبية
1- إيليا أبو ماضي رسول الشعر العربي الحديث :
الطبعة الأولي ( دار الطباعة والنشر عمان ) 1951 .
2- طريق الشوك ( أقاصيص ).
الناشر : مكتبة الاستقلال عمان 1955 .
3- أناشيدي ( شعر ) الناشر : ( دار الرائد العربي حماة /سوريا ) 1955 .
4- مارس يحرق معدات ( رواية ) الناشر : ( دار المعارف بمصر- سلسلة "اقرأ" )- 1955 .
5- خلي السيف يقول ( أقاصيص ) الناشر : مكتبة الأندلس القدس 1956 .
6- بطولات عربية من فلسطين ( تاريخ ) الناشر ( مكتبة الاستقلال عمان ) .
أربع طبعات من عام 1956 إلى عام 1962 ( كان مقررا لطلاب السادس الابتدائي).
7- اليأس فرحات شاعر العروبة في المهجر ( دراسة ).
الناشر : ( دار النشر والتوزيع عمان ) 1956 .
8- بيت وراء الحدود ( رواية ) منشورات عويدات لبنان 1959 .
9- أدب المهجر ( بحث ودراسة ) الناشر ( دار المعارف بمصر).
ثلاث طبعات : 1959 1967 1976.
10- أطفال وعجائز ( أقاصيص إيطالية مترجمة ) الناشر : ( دار المعارف بيروت ) 1991.
11- عائد إلى الميدان ( أقاصيص ) الناشر : ( دار الرائد حلب ) 1961
12- أخي الإنسان ( شعر ) الناشر : ( دار الرائد حلب ) 1962.
13- فونتمارا ( رواية إيطالية مترجمة) الناشر :(دار الطليعة بيروت ) 1963 .
14- أدباء من الشرق والغرب ( أدب مقارن) الناشر : ( منشورات عويدات) 1966 .
15- جراح جديدة ( رواية ) الناشر : ( منشورات مجلة السياحة بيروت ) 1967.
16- أقاصيص أردنية ( أقاصيص ).
الطبعة الأولي ( الدار التونسية للنشر ) 1967 .
الطبعة الثانية ( الدار التونسية للنشر) 1972 .
17- نظرة إجمالية في الأدب المهجري ( دراسة ).
الناشر : ( مكتبة الاستقلال عمان ) 1970 .
18- من القصص العالمي ( أقاصيص غربية مترجمة عن الإيطالية والإنجليزية )
الناشر : ( منشورات عويدات بيروت ) 1969 .
19- مأساة الإنسان ( مأساة شعرية مترجمة عن الأدب المجري ).
الناشر : ( منشورات عويدات بيروت ) 1969 .
20- اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة والنشر منذ تأسيسها إلى اليوم ( دراسة وتاريخ) (منشورات اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة والنشر) عمان 1972 .
21- الشريط الأسود ( اعترافات ) الناشر : ( دار المعارف بمصر ) 1973.
22- الفهد ( رواية إيطالية مترجمة) الناشر : ( منشروات عويدات بيروت) 1973.
23- ليلة في القطار ( رواية ) الناشر : ( دار فيلادلفيا للنشر) عمان- 1974
24- مذكرات بلغارية (رحلة ) الناشر: ( دار فيلادلفيا للنشر) عمان 1974
25- حكايات جديدة ( أقاصيص ) الناشر : ( دائرة الثقافة والفنون عمان ) 1974 .
26- مهجريات ( محاضرات وأبحاث في أدب المهجر )- الناشر : الدار العربية للكتاب طرابلس / ليبيا 1976.
27- ( بالإيطالية): Vursi Di fuoco E DI Sangue
(della Resistenza palestinese )
الناشر : (Editrice Bast - Roma )
ثلاث طبعات
28- ( بالإنكليزية) The Arab contemp. Literaturs in the
Hashailte Kingdom of Jordan
الناشر : (Faculty of Arts - Malta University)
29- ( بالإنكليزية ): The contemp. Poetry in Jordan and
The Great poet Mustafa Wahbi Tell
الناشر : (Istituto orientale Universitario-Napoli)

كتب مدرسية ، ومن أدب الأحداث :
30- الجديد فى الأدب العربي الحديث ( مطبعة حريصا لبنان ) طبعتان : 1950.
31- نجمة الليالي السعيدة الناشر ( مكتبة الاستقلال عمان ) 4طبعات : 1956-1959)
32- الأغاريد ( محفوظات شعرية ) الناشر : ( المطبعة العصرية القدس ) 1958 .
33- العصفور الأخضر ( حكاية ) الناشر : ( مكتبة الاستقلال عمان ) 1957 .
34- أدبنا وأدباؤنا فى مختلف العصور ( بالاشتراك مع : وهيب البيطار ، ومحمد العبد ) فى 3 أجزاء أعيد طبعه عدة مرات الناشر : ( مكتبة الاستقلال عمان) و( مكتبة المطبعة الوطنية )

 

من رسائل الناعوري الى اسامة فوزي



الجمعة 30 / أبريل عام 1976
عزيزي أسامة :
تلقيت رسالتك الأخيرة المؤرخة 22/4/1976 ، وسرّني أن أعلم أنك قد تسلمت كتيبي الأخير حول الشاعر مونتالي(1)
لا أدري لماذا تريد أن تجرني إلى الخلط بين " السياسة" و "الأدب"(2). وأنت تقدم لي اسم " الصهيونية" و " الغاششية " أو الصهيوني وتسألني عن موقفي منهما ، وهما لا " يريان حريتهما إلاّ فى ظلم غيرهما" وأنا أضع أمير كامع الغاششية ، وأسوأ من النازية بألف ألف مرة.
الظلم مزية فى نفس كل قوي. ولا أدري لماذا لم تذكر " الشيوعية" أو الشيوعّي مع الصهيوني والغاششي" وأنت تعلم أن الشيوعية الروسية وليت على أجساد المطالبين بالحرية فى المجر وتشيكوسلوفاكيا وهم أحياء ، وخنقت مطالبتهم بالحرية بالدبابات ... وإذا أنا أردت أن أجيب على تساؤلك ، وجب عليَّ أن أدخل كل ذي سلطان ، فى كل زمان ومكان في زمرة الظلام ، لا أستثني منهم عبد الناصر ، وبعث العراق ، وبعث سوريا ، وحكام الجزائر ، وحكام ليبيا ، وكل حاكم فى كل أرض عربية ، وغير عربية. كل حكم في الدنيا يقوم على خنق حريات الناس ، وهو يدَّعي أنه يدافع عنها؛ ولهذا وجدت الشرطة ، ولهذا وجدت الجيوش فى العالم ، لمساعدة الحاكم على خنق حريات المحكومين باسم الحرية !....
وأنا طبعاً ن أكره كل ذلك ، لأنني أكره أم يهان الإنسان فرداً أو أمة وهذا بعض التزامي الأدبي والفني بالإنسان وبحريته وسبق أن ذكرت لك عناوين مؤلفاتي في المأساة الفلسطينية(3)
أنا أكره الثورة الثقافية فى الصين ، والثورة الثقافية فى ليبيا ، مثل كراهيتي لكل عدوان على حريات الناس؛ لأن ذلك اعتداء على حريات الآخرين. فهل هذا يعني تسخير أدبي للسياسة؟! .
يا عزيزي فوزي . أنا أكره رابطة الكتاب الأردنيين ، لأن رابطة ( ميتسيسين ) لا يفهمون من الأدب ، ويريدون أن يكونوا ( أدباء ) عن طريق العقائد السياسية (4).... وأنا افهم أن دخول الأدب فى السياسة مفسدة للسياسة ، مثل دخول السياسة فى الأدب . وإما أن يكون المرء سياسياً وإما أن يكون أديباً ، والجمع بين الاثنين ، لعب مع الجمال ، وبهلوانية.
ومع ذلك يبدو لي أن مفهوم ( السياسة ) بينك وبيني ( غير مفهوم ) .... أعني ( فهم غير متفق عليه ) ولا تحديد له.
لقد قلت لك فى رسالتي السابقة إن واجب الأديب أن يحارب الشر في الناس ، لا أن يحارب الأشرار أنفسهم . لأن الناس كلهم أشرار بطبعهم ولا تستطيع أن تحارب كل الناس وأنا أفهم تماماً أن الإنسان قد تتسلط عليه عقيدة معينة، لأسباب معينة، فإذا هو يكره فئات من الناس يري فيها كل الشر ، ويميل إلي أخري يري فيها كل الخير؛ ولكن الحقيقة أن ليس ثمة فئة فيها كل الخير ، ولا كل الشر ؛ وما قد يراه الواحد شرّاً ، قد يراه الآخر من طرف ثان ومن منطلق غير الأول خيراً ؛ كل إنسان هو في نظر نفسه خيّر ، وقد يكون في نظر غير شرّيراً. فمن أيّ فئة تريدني أن أكون ؟
الذين يقتتلون فى لبنان منذ ثلاثة عشر شهراً ، أيٌّهم الخير وأيهم الشرير؟ وأيّ الأطراف هناك لم يوغل فى القتل والتدمير دون رحمة ودون ضمير؟ وهل ألا يغال فى القتل والتدمير يٌحقٌّ حقاً لأحد منهم؟ وهل ينفي الجريمة عن أحد منهم؟
والذين يخربون إيطاليا ، وفرنسا ، وأسبانيا والبرتغال اليوم باسم الشيوعية ، وباسم الانتصار للحقّ أ أتراهم يفعلون خيراً بالدمار الاقتصادي الذي أصابوا به بلادهم، وبالدماء التي يسفكونها؟ وهل الحرية معناها التدمير والقتل ؟
أتراني ههنا أتحدّث في السياسة؟ لا أدري، وأودّ أن تقول لي أنت ذلك ... ولكنني أفهم أنه حديث حول الإنسان ، وحول الحق والباطل ، وحول الخير والشر من أجل الإنسان...
ومع ذلك فأظنّ أنني أجبت عن أسئلتك ، وكلفك ستظلّ تري أنني لم أٌجب .. فآينا على صواب ، وآينا على خطأ؟!
ودعني أقل لك إنك قد تظلّ تتحدّث في السياسة عمراً كاملاً، فلأكون سياسياً ولا تكون أديباً، ولا تكتب شيئاً يضاف إلي حقيقة الفن وجماليته في شئ . وقد تكتب في أسعار الفجل والبصل ، وفي البطالة والجوع، فلا تكون أديبا ولا سياسياً ولا عالماً اجتماعياً. ومن هنا ندرك أن الأدب قد يكون كلّ هذا ، وقد لا يكون كلّ هذا شيئاً فى الأدب.
وبعد ؟ شكراً لثنائك على مذكراتي(5)، وأنا في انتظار ما ستكتبه . ولك تحياتي ومودتي.

الجمعة 22 / أكتوبر 1976
عزيزي أسامة :
شكراً على رسالتك اللطيفة المؤرخة 16/10/1976 ؛ وأرجو أن تخاطبني في رسائلك القادمة ، كما أخاطبك ، بضمير المخاطب المفرد ، لا الجمع ( أنتم ) ، فذلك أدعي إلى المحررة الصادقة، وعدم التكّلف.
أؤكد لك بكل ثقة أن الدكتوراه(6) لن تكون فى يوم من الأول عامل خمول وتقاعد عن العمل الأدبي، وإنما هي بالنسبة إليّ تقدير أدبيّ يطالبني بالاستمرار، وبالمزيد في العمل والإنتاج المتجّدد دائماً والإنتاج والمطالعة هما " البنزين" الذي تسير به حياتي ، ومن دونه لا قيمة لي ، ولا حياة. ولهذا ستظلّ تسمع مني الجديد، وتتلقّي الجديد ، حتى ينفد البنزين ، وتموت السيارة. وليس للسن أثر في الحدّ فى هذا الإنتاج المستمر. قم إن اقترابي من السنين ليس شيخوخة ، وإنما هو شباب متجدّد في العقل ن وفي حيوية التفاعل مع الحياة، ومع الفكر ، ومع الناس ، ومع الأدب فى كلّ مكان. وأؤكد لك ولعلّلك تعرف أنه لن يكون من السهل أن تجد أديباً آخر ، بين الشيوخ والشبّان على السواء، يملك مثل طاقتي وجلدي على العمل والإنتاج؛ فوقتي كلّه عمل وإنتاج ، بحمد الله.
أرجو أن يكون ما تخشاه على المجمع الجديد غير وارد (7)، وإن كان له سوابق في ما عرفنا في المجامع. ويوم أشعر بأن المجمع قد تحوّل إلي " مؤسسة رسمية يحكمها الروتين ، وتسيطر عليها أنفاس البيروقراطية" كما تقول سأرحل عنه إلى غير رجعة. والذي يجعلني أرجو خيراً من المجمع، هو تعييني من أنني حشدت في قانونه من وجوه النشاط وتجديد الحيوية ما لا يسمح بتجمّده وتقاعسه. المهم أن تكون العناصر التي يتألف منها المجمع ذات حيوية ونشاط ورغبة في العمل المتجدد. لقد حرصت على أن يتضمن القانون: " عمل مسابقات سنوية، ذات جوائز مالية محددة ، لتشجيع التأليف العلمي واللغوي ، والتحقيق ، والترجمة إلى العربية ومنها " ، و " إقامة ندوات علمية وأدبية ، ومحاضرات" ؛ إلى جانب المجلة الفصلية للمجمع ، وما تستثيره من نشاط الأقلام القديرة، والحريصة على سلامة اللغة ونقائها. وتبقي بعد ذلك الأعمال المجمعية المألوفة، فى تعريب المصطلحات العلمية، والمشاركة في المؤتمرات اللغوية وغيرها، ممّا لا بدّ منه لمجمع لغويّ. وأملي هو أن يكون المجمع وسيلة فعّالة لازدهار الحركة الأدبية في الأردن ، وعاملاً على خلق الناشر الأردني والموزّع، وحافزاً للأقلام على الإنتاج والترجمة.
وأما الحركة الأدبية في الأردن فهي " حَطّة أيدك "... لم يتغير فيها شئ ولم يتطور. ولا تزال القطيعة التي تعرف قائمة بين الجيلين دون مبّرر، سوي أن الشبّان لا يعترفون، ولا يريدون أن يعترفوا، بالكهول وبأدبهم ، وهم في الوقت نفسه عاجزون عن خلق شئ جديد ، غير ما يملأون؛ أعمدة الصحف اليومية من مقالات " حٌلّ لي ما أحك لك"(8) ... وأنا أتفرج على هذا من بعيد وأمضي في إنتاجي دون التفات إلي شئ. ولعلّك تلاحظ أنني لم أكتب كلمة في الصحف المحلية منذ أكثر من ستة أشهر ، لأنني وجدت نفسي غريباً بين الأقلام التي تكتب الأدب في هذه الصحف ، ولا مكان لقلمي بينها .
وتسألني عن مؤتمر البندقية :
كان الحديث من قبل عن مؤتمر واحد بعقدة المستعربون الإيطاليون فى البندقية من أجل عرض إنتاج نصف قرن من عملهم في حقل الثقافة العربية والإسلامية، وكنت قد اتفقت معهم عليه ، وأعطيتهم أسماء أساتذة عرب ليوجهو الدعوة إليهم ومنهم الزميل الدكتور / محمود إبراهيم(9)، الذي سأذهب معه إلى هناك ... والآن صار الحديث عن مؤتمرين : يبدأ أولهما فى البندقية فى 13/11/ وتستمر فى 13/11 وتستمر حتى 18 منه؛ ثم ننتقل فى هناك إلي باليرمو في 18/11 ، حيث يبدأ مؤتمر آخر بعنوان ( التراث العربي في صقلية) ويستمر حتى 22/11 ، وتتخلله زيارات لأماكن لا تزال منها آثار عربية.
في الوقت نفسه يقيم مجمع دمشق احتفالات بمناسبة مرور سنة على ولادة مؤسسة محمد كرد علي، من 12 إليب 20/11 ، وقد توجه المجمع دعوة إلى رئيس مجمعنا واليّ ، وإلي عضو ثالث معنا، سيكون الدكتور محمود إبراهيم. ونحن مضطرون إلى الذهاب إلى دمشق مجاملة للمجمع الزميل، ونشترك كلنا في حفلة الافتتاح ، وفى اليوم التالي أعود مع الدكتور محمود إبراهيم إلى عمان ، لنسافر إلي إيطاليا فى 14/11 ، ونصل إلي البندقية متأخرين يومين عن افتتاح مؤتمرها. أما الدكتور خليفة(10) ، رئيس مجمعنا ، فيستمر وحده في تمثيل المجمع في مهرجان دمشق.
سأبلغ تحياتك إلى الدكتورة السمرة (11) في اجتماعنا المقبل ، وهو قريب.
من المؤسف أنك لم تجد مؤلفاتي ومترجماتي كاملة في غير مكتبتي الخاصة. وهذا يعني أنك لن تستطيع أبداً تأليف الكتاب الذي تفكّر في تأليفه إلاّ إذا عدت إلى الاستقرار في عّمان.(12)
مع مودتي الخالصة وأطيب تمنياتي ،،،

الخميس 4 / نوفمبر 1976
عزيزي أسامة :
شكراً على رسالتك المؤرخة 27/10/1976، وقصاصة " الفجر " (12) المرفقة بها ، والتي تحمل شذرات من إحدى رسائلي غليك فيها خبران : عن مجمع اللغة العربية ، وعن مؤتمر البندقية .
مع هذه السطور أبعث إليك بدراسة قصيرة لي وصلت في بريد واحد مع رسالتك ظهرت في مجلة ( المشرق leraute ) الإيطالية العربية التي تصدر في روما.والدراسة حول الصديقين الشاعرين الإيطاليين اللذين فازا بجائزة نوبل للآداب: كوازيمودوومونتالي. وقد طبعت الرسالة في مستلّة، كما تري. ومع هذه المستلة كتاب آخر مستلة كذلك في مجلة ( الآداب الأجنبية ) في دمشق ، بمناسبة فوز مونتالي بجائزة نوبل للعام الماضي . لا أدري هل أهديت إليك هذه المستلة في حينها أم لا ، ولذلك أبعث بها إليك (14).
مؤتمر البندقية ولد منه مؤتمر آخر سيتلوه مباشرة ، وعنوانه ( التراب العربي الإسلامي فى صقلية) ويعقد فى باليرمو. مؤتمر البندقية يبدأ فى 14 الجاري ، وينتهي مساء 17 منه. وفي صباح 18/11 نغادر البندقية بالطائرة إلي باليرمو، فى صقلية، لنبدأ المؤتمر الثاني الذي يستمر حتى مساء 22/11. وفي هذا المؤتمر الباليرمي ستلقي محاضرات حول أثر العرب الحضاري والثقافي والسياسي في صقلية، ونقوم بزيارات لبعض الآثار العربية الباقية في صقلية. أما مؤتمر البندقية فيعرض فيه المستعربون الإيطاليون إنتاجهم خلال خمسين عاماً في حقل التعريف بالثقافة العربية الإسلامية وهو إنتاج ضخم وجدير بالاهتمام فعلاً.
وقد تقرّر أن نسافر إلى روما الدكتور محمود إبراهيم وأنا يوم الأربعاء القادم ، في 13 الجاري ، وفى اليوم التالي ننطلق من روما بالقطار السريع إلى البندقية مع جميع المؤتمرين.
في الوقت نفسه تقام في دمشق احتفالات مجمع اللغة العربية هناك بالذكري المئوية لمولد مؤسسة الرئيس محمد كرد علي ، من 12 إلي 20 الجاري. وقد وجّه مجمع دمشق الدعوة إلى الدكتور خليفة ن رئيس المجمع الأردني ، وإليّ ، بصفتي أمينا عاماً للمجمع .وسيسافر الدكتور خليفة وحده لتمثيل المجمع الأردني في احتفالات مجمع دمشق، لعدم تمكني من الجمع بين هذه الاحتفالات والمؤتمرين الإيطالييين في وقت واحد ، ولا سيما أنني العربي الوحيد من بين 25 كاتباً وأستاذاً جامعيَّاً عربيَّاً مدعوين الذي سيلقي كلمة في كلّ من المؤتمرين.
يبدو أننا متشابهات من حيث محبّتنا للأساطير القديمة. إنها عندي تمثّل طفولة الفكر الإنساني، بكلّ ما فيها من إغراق الخيال وبساطته ، وحبّه للمغامرة والبطولة. وقد أصدر حسني فريز (15)أخيراً كتاباً ترجم فيه عن الإنكليزية من هذه الأساطير، وعنوانه : " أساطير الإغريق والرومان" ، ونشرته دائرة الثقافة والفنون أخيراً ، وهو في رأي ، خير ما قدّمه حسني من إنتاج أدبيّ.
شكراً لك على تفضلك بنشر رسالتي في ( الفجر ) ، ولك أن تنشر من رسائلي ما تراه جديراً بالنشر دون رجوع إليّ. وسأطلع الإخوان في المجمع على القصاصة ، ليروا اهتمامك بالمجمع وأخباره، وأنا واثق من أنهم سيشكرون لك هذا الاهتمام .
مع أطيب التحية وخير التمنيات ،،

الثلاثاء 25/ يناير 1977
عزيزي أسامة :
شكراً على رسالتك الخاطفة والمؤرخة 18 يناير الجاري، وعلى الكلمة اللطيفة التي تفضلت بكتابتها على مجموعتي الشعرية الصغيرة ( أخي الإنسان)(16)في جريدة (الفجر).وقد تلقيتها هذا الصباح.
أرجو أن تكون بخير وعافية ، وفي نشاط منتج.
ما هي مشاريعك الأدبية الآن ؟
الضجّة التي تتابعها في الصحف من أقلام بعض الإبطين(17)يبدو أنها انتهت ، وكنت أتوقع أن يجرّد كل " عباقرة " الرابطة المئة والسبعين أقلامهم لشتمي وتمزيقي، بعد أن تحوّلت الأقلام إلى مخالب للنهش بدلاً من الردّ الأدبي المعقول. لقد كانت الندوة التليفزيونية بين العزيزي(18) ومحمود شقير(19)- عن الرابطة وبيني. وكان العزيزي ومحمود يدافعان عن الرابطة، وكنت " المعارض" ومعي توجان فيصل(20).ولأنني قلت إن الرابطة ليست ( رابطة كتاب) ولكنها رابطة مَن لا صلة لأغلبهم بالكتابة، وكل إنتاجهم مقالان أو ثلاثة فى صحيفة، قامت القايمة في الصحف أولاً ، وما تزال تتردد في المجالس.وطبيعي أن لا أردّ علي شئ مما قيل ، لأن الردّ هو الذي يسئ إليّ ، مثلي أساؤوا بهجومهم؛ وليس في وسع كلماتهم الجارحة أن تمسّني في شئ.
يسّرني أن أخبرك أن كتابي ( الشريط الأسود) يجد أضواء طيبة جدّاً لدي المستشرقين. ولعّلي أخبرتك من قبل أنه يترجم إلي الأسبانية والإيطالية، وأخيراًَ جاءتني رسالة من صديقة مستشرقة سوفيتية في جامعة لننفراد تخبرني فيها بأن الكتاب سيترجمه طالب عندها يترجم الآن بعض أقاصيص ,وستكون ترجمته هي رسالة التخرج للطالب.
ما نزال نوالي العمل في المجمع ، ولكننا لم نجد له بعد مقراً ، وأنا أقوم بالعبء الكبير في العمل، وهو عمل متعب لعدم وجود مقرّ ، ولا موظفين أو طابعين أو آذنة يساعدونني.
أتمني لك كلّ خير وتوفيق ، والله يحفظك.
حاشية : سيعقد فى طرابلس / ليبيا مؤتمر التعريب الثالث بإشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، من 7 إلي 16 شباط القادم.وسيمثل مجمع اللغة العربية الأردني رئيس المجمع الدكتور عبد الكريم خليفة ـ والدكتور محمد إبراهيم ؛ كما سيضم الوفد الأردني ممثلين عن وزارة التربية والتعليم والجامعة الأردنية ، وجامعة اليرموك.وسينظر المؤتمر في توحيد المصطلحات في عدد من مشاريع المعجم العلمية المختلفة.

الجمعة 7 / 10/ 1977
أخي أسامة :
رسالتك المؤرخة 2/10/1977 تلقيتها على شوق ، وأنا على أهبة السفر صباح غد إلي إيطاليا للاشتراك في مؤتمر الدراسات الإيطالية العربية من 9 إلي 11 الجاري. وكنت أترقب رسائلك ، وأتساءل عن سر انقطاعك وانحباس أخبارك.
لقد تزوجت إذن، فألف مبروك ، وبالسعادة والرضي وبركة الله.
ومع رسالتك تلقيت القصاصة التي تفضلت بإرسالها حاملة مقالي المنتزع من كتابي "دراسات في الآداب الأجنبية" الذي صدر في شهر حزيران الماضي في سلسلة (اقرأ) ، حول "مدرسة الزوجات " لأندريه جيد . فشكراً لاهتمامك الكريم.
الكتاب أرسلته في حينه، ومنذ ذلك الحين وأنا أتساءل لماذا لم يثر لديك أي صدي ، أو أيّ إشارة بوصوله. أهو البريد الذي أضاعه ، ألم تسلّمته يد أخري؟ .
مؤتمر الأدباء في ليبيا دٌعيتٌ إليه ، وفي اللحظة الأخيرة عدلت عن السفر ، لأن وفدين سافرا من الأردن لحضوره دون أيّ اتفاق بينهما: واحد من رابطة الكتاب ( 8 أشخاص) وواحد من موظفي وزارة الثقافة ( 5 أشخاص ) وخشيت وأنا المدعوّ الوحيد من الأردن دعوة شخصية أنا أكون بمفردي وفداً ثالثاً ، لا مع هؤلاء ولا مع أولئك ... وعلي الرغم من وصول برقيتين تستعجلان حضوري ، فقد أصررت على عدم زيادة الطين الأسود بلّة..
من حمد الله أن الذين يعرفونني شخصياً أو عن طريق أدبي في العالم العربي وغيره كثيرون ومنزلتي خارج الأردن أفضل كثيراً في العالم العربي وفى الغرب منها في الأردن ، حيث الحسد ، والغيرة ، والحقد هي كلّ مؤهلات الأدباء ، دون عمل نافع غير ذلك ، ويسرّني أنك لمست شيئاً من ذلك فى صوب، كما تقول.
مجمعنا بدأ يسير بانتظام منذ ثلاثة أشهر ، فقد أصبح له مقرّ ، وموظفون، ونشاط منتظم . وقبل نهاية العام سيصدر العدد الأول من مجلّته الفصلية.
سأكتب إليك بعد عودتي من إيطاليا، في نهاية الأسبوع القادم ، إن شاء الله,
مع خير التمنيات لك وللعروس الكريمة ، حفظكما الله ،،

السبت 5 / تشرين الثاني عام 1977
عزيزي أسامة :
تلقيت شاكراً رسالتك الأخيرة المؤرخة 29 أكتوبر المنصرف، فحمدت لك اهتمامك بأخبار نشاطي الأدبي، ورحلتي الأخيرة إلي إيطاليا، وبكتابي الصغير " دراسات في الآداب الأجنبية"؛ وسأنتظر وصول الكلمة التي ستنشرها حوله.
لئلاّ أكرّر لك ما تعرفه عن مؤتمر ( سبوليتو) في إيطاليا ممّا قرأته لي في "أربعائياتي" في الرأي ، أقول لك مخلصاً إن اللقاءات التي تتيحها المؤتمرات للأدباء وأهل الثقافة ، قيمتها الكبرى هي في التعارف والتبادل الفكري اللذين تتيحها لهم؛ ثم تكون القيمة الثانية للبحوث التي تلقي ، وللمناقشات التي تليها. ومن المؤسف أن اللقاءات العربية بين الأدباء وأهل الثقافة العرب وحدهم ، غالباً ما تكون مدعاة إلي النفور والقلق، لأنهم يحملون إليها كلّ سخافاتهم السياسية والعقائدية، وكلّ القحط الفكري الذي يحملونه، ويتججون له ، مع الأسف. ولكنك لا تجد شيئاً من هذا في مؤتمرات الغربيين: فكلّ العقائديات وكلّ الميول تختفي ، ولا يبقي غير " الفكر الحرّ" يتحدث ، ويناقش ، لا بقصد الانتصار على الخصوم "- كما يحدث عندنا وإنما للوصول إلى الحقيقة ؛ والنقاش يدور هادئاً ، حرّاً ، متّزناً.
لهذا لم أندم على عدم اشتراكي في مؤتمر الأدباء العرب الأخير في ليبيا وقد اعتذرت من عدم حضوره في اللحظة الأخيرة، كما أنني حضرت ثلاثة من أمثاله من قبل ، كان أسوأها مؤتمر الكويت سنة 1958 ولكنني كنت سأندم حتماً لو لم أحضر مؤتمر ( سبوليتو).
وأنا في إيطاليا لي مكانة خاصة: لدي المستعربين ، والأدباء والصحافة؛ وهم هناك يشعرون بغيابي إذا لم أشترك معهم في مؤتمراتهم.وهذا يعطيني حافزاً آخر مهمّاً للمشاركة في كلّ مؤتمر يدعونني إليه.
وفي مؤتمر سبوليتو ، الذي استغرق أربعة أيام فى المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة ألقيت بحوث مهّمة فعلاً ، ودارت مناقشات زادت البحوث أهمية . وكان التفاهم تامَّاً ، والانسجام على أروع ما يمكن أن يكون بين أهل الفكر ، وحملة رسالة الثقافة النيّرة.ولكم وددت لو أنقل إلى العربية بعض تلك البحوث؛ ولكنها على كلّ حال ستظهر مجموعة في كتاب يدعي "أعمال مؤتمر سبوليتو" العام القادم ، وقد تظهر معها ترجماتها ، أو خلا صات من الترجمات على الأقلّ- وإن كانت الخلاصات لا تغني عن البحوث الكاملة.
وتسألنني إن كنت أنصحك بزيارة إيطاليا؛ وهل تنفعك لغتك الإنكليزية هناك؟.. وأقول لك:زٌرها ، وزر كلّ بلاد الغرب؛ فأنت ستكون هناك فى دنيا أخري تقلب رأيك في الشرق وأهله ..وتٌشعرك بأهمية " الإنسان" هناك ، "وتفاهته" هنا : الإنسان الذي يلبس هناك إنسانيته كاملة ، لكي يفقدها بعدئذٍ حين يعود إلى الشرق... وأما الإنكليزية فستفيدك في الفنادق والمطاعم فقط وليس فيها جميعاً، فقد لا تجد في الفنادق الصغيرة والمطاعم الشعبية من يفهما- وفي المتاجر قد تجد أيضاً من يفهمك. المهمّ أنك لن تضيع حتى من دون الإنكليزية .. زٌرها ، وزٌرها، ولن تندم. ولو كنت تعرف الإيطالية ، لقلت لك أن تزور معاهد الاستشراف ودور النشر، والصحف .ولكنّ هذا كثير عليك خَلّيِ هذا لي أنا !..
أنا أفهم شعور الغربة والحنين الذي تعانيه وتعاني منه؛ وهو طبيعي جداً لمثلك .والذي يهوّن هو أنّك ستظل تشعر الشعور عينه في أيّ بلد عربيّ، فلا فرق بين قطر وقطر إلا في زيادة السوء أو نقصانه ... ويظل عليك عندئذٍ أن تتعزّي بأنك تجد الرزق ميسوراً على الأقل، حيث أنت ، أكثر منه في أماكن أخري.
أحسنت بشراء السيارة ، لقتل الملل والشعور بالغربة، وأحسنت أكثر من ذلك بالزواج فالمرء في مثل حالتك بحاجة إلى رفيقة تفهمه وتحمل معه بعض العبء؛ وأنا أرجو أن تكون زوجتك هي الرفيقة التي تدرك ذلك ، وتعمل معك لراحتك.
واسلم لأخيك ،،

الجمعة 16/12/1977
أخي أسامة :
شكراً على رسالتك العزيزة المؤرخة 8/12/1977 ، وعلى ما تغمرني به من لطف مشاعرك النبيلة ، وأرجو أن أكون أهلاً لثقتك ومودتك ، اللتين أبادلكما أياهما بمثلهما وشكراً لرفيقتك السيدة / سوسن على ما أبلغتني أنت من تحياتها ، وليحفظها الله رفيقة خيّرة وفيّة لرفيق خيّر وفّي.
من المؤسف أن النقد عندنا في العالم العربي كلّه ، وليس في الأردن فحسب إمّا شتائم وعبارات تحقير ، وإمّا تبادل "منافع" ، وتقاريظ ، على طريقة " حكّ لي ما أحك لك ! والجيل القديم جيل توفيق الحكيم وطه حسين والعقاد؛ وجيلي أنا أيضاً لم يعد يجد شيئاً من الاحترام لدي أغلب أبناء الجيل الجديد ... فإذا استمّر الحال بهذا النوع من المن السنجهيّات ، فسيصبح جيلكم أنت ، بعد زمن قصير، موضع زاوية واحتقار كذلك لدي الجيل التالي ... حكاية " الكنّة والحماة " : تظلّ الكنّة تكره الحماة، لأنها منافستها على قلب زوجها.. ابن الحماة ، وحين تصبح حماة بدورها ، تجيئها كنّة تكرهها... والزمن يظلّ يدور على هذا ومثله ، لسوء الفهم وسوء التقدير.
وتسألني: لماذا لا أذهب إلي دول الخليج للمحاضرة ، كما يفعل الآخرون؛ وردّي هو أنني لا أعرف أحداً في دول الخليج ولا يعرفني أحد؛ وهنا أيضاً لا أعرف أبواب السفارات، ولا وقت لديّ لمعرفتها؛ والسفارات تجهلتي، طبعاً . السفارة الوحيدة التي أعرفها جيّداً وتعرفني، هي السفارة الإيطالية، وصلتي بها قوية، وهي صلة ناجحة عن صلتي القوية بإيطاليا، بالأدباء والمستشرقين والجهات الثقافيى هناك، وصلتهم بي . ولو تلقيت دعوة من أيّ بلد للمحاضرة فيه، فليس من المعقول أن أرفضها؛ ولكنني لا أسعى إلي ذلك مطلقاً ، ولا أوسّط له أحداً.
أنا أشجعك كثيراً علي رحلة أوروبا التي تزمعها ؛ وأنصح لك بأن تأخذ معك السيدة سوسن ، لأنك ستجد فيها خير مؤنس، وخير رفيق للطريق . وما دامت سياريتك معك ، ففي وسعك أن تزور أوروبا كلها دون عوائق؛ المهمّ أن تملأ جواز سفرك بتأشيرات الدخول. وأتمني لكما رحلة سعيدة هانئة.
حكاية مؤتمر الأدباء في طرابلس لم أشهدها بنفسي ، ولكن قيل لي إن سالم النحاّس (22) قد اشتبك مع العزيزي وسانده خليل السوامري وأخرون حول تيسير السبول؛ (23) فقد أصرّ النحاس والسوامري وشلتّهم على أن السبول انتحر احتجاجاً على النظام الأردني" ... وفساده ... وأوضح العزيزي أن انتحاره كان بسبب آلام عينيه التي رافقته منذ الحداثة، وظلّت تزداد حدّة يوماً عن يوم، ولا شأن لانتحاره بالنظام أو الفساد. وقد علمت أن الذي أثار هذه ( الوشة) كان كاتباً لبنانياً ، هو الذي تحدّث عن السبول، وعن انتحاره " الاحتجاجي" ... وكان ردّ العزيزي عليه ؛ ولكن النحاس والسوا حري وقفا مع اللبناني ضد العزيزي. ووقف عيسي جراجره مع العزيزي أيضاً .
المهمّ أن وفد رابطة الكتّاب قد ذهب إلي طرابلس لكي يشتم الأردن ، ويتهجم عليه كما يطيب له. وهكذا تكون مؤتمرات الكتّاب ..
أغتنم فرصة العام الهجري الجديد وقرب حلول العام الميلادي الجديد، لأتمنى لك وللسيدة سوسن عاماً مليئاً بالرضي والسعادة . حفظكما الله ،

الثلاثاء 28/2/1978 م
22/3/1398 هـ .
أخي أسامة :
تلقيت مساء أمس رسالتك الأخيرة المؤرخة 22/2/1978 ، ومعها قصاصة ( الفجر ) وفيها أبيات الصديق أيوجينيو مونتالي ( امتلاء) . وقد كان اختيارك لهذه القصيدة جميلاً وموفقاً ، وكنت أود لو ذكر اسم مترجمها معها . وليس بعيداً عنها في زاوية أخري؛ وكذلك كان ينبغي ذكر الجريدة التي نقلت عنها ، وفاء لأمانة النقل.
الآلة الكاتبة ضرورية جداً لكلّ كاتب ؛ ,أنا أقتني آلتين : للإيطالية والإنجليزية واحدة ، والثانية للعربية ، وذلك منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وكلّ مقالاتي وكتبي أضربها عليهما، ولولاهما لوجدت صعوبات بالغة في عملي الأدبي. ولذلك أري أنك عملت حسناً بشرائك آلة كاتبة.
لست أدري أية أربعائية فى أربعائيّاتي هي التي أوحت إليك بأنني " أعمل على إعداد سلسلة دراسات فى النقد الذاتي" ، فما أذكر أنني قصدت إلى ذلك ، أو كتبت شيئاً من ذلك.
وأما ما تطلبه مني من ترجمات لنشرها في ( الفجر ) فأنا مستعد لذلك . وفي وسعي تقديم الكثير منه ، كما أفعل في أربعائياتي في ( الرأي ) ؛ ولكن هل تدفع الفجر ؟ وكم تدفع لكلّ مقال ؟ أرجو أن أتلقّي ردّك قريباً ، مع كتاب من رئيس التحرير لتكليفي الكتابة ، وإن كانت هنالك نيّة لتعاوني مع ( الفجر).
بطاقة المعايدة وصلت فى حينها ، ولك خالص الشكر عليها.
مع المودة وأطيب التمنيات،،


الجمعة 12/5/1978
أخي العزيز / أسامة :
عدت منذ أيام فى رحلة إلى أميركا، واستقبلتني بين كومة كبيرة من الرسائل ثلاث رسائل معاً منك: إحداها بطاقة معايدة ، والثانية معها قصاصة من مجلة ( مرآة الأمة الكويتية) فيها لقاء مع الصديق المجري أرنو يوهاش ، وفيها ذكر لي ، والثالثة رسالة ضافية تاريخها 15/4/1978 . فشكراً لك ، ومعذرة عن تأخري في الردّ بعد أن عرفتَّ السبب.
وشكراً لاهتمامك بتتبع ما أكتب وما يكتب حولي في الرأي وغيرها من الصحف الأردنية., وأنت تعلم أنني لم أتعوّد الردّ على الذين يحاولون التحرّش لي ، ولكنّ فخري قعوار(24) أحبب أن أداعبه، وقلت له قبل تسليم الردّ عليه إنني أحببت أن أعطيه فرصة لم ينلها سواه، بأن يقول إنّه هاجم الناعوري فردّ الناعوري عليه ؛ كما أحببت أن أٌشعره بخطأ تحريضه على طردي من المجمع ، ولا سيمّا أنه كان في المساء عينه الذي وقع؛ بكلمة إلي النشر يسهر عندي فى منزلي سهرة صديق... ولست كيف يليس إنسان ثوب الصديق وفي قلبه مثل هذا الحقد الأسود!
في غيابي في أميركا قطع المشر على حقل ( الأربعائيات ) في الرأي سلسلة مقالاتي في الدعوة إلي تثبيط قواعد العربية، فانقطعتٌ لسبب لا أعرفه أسبوعين عن القراء . ولم أستطع بعد أن أتصل به لأعرف منه السبب . ولعلك اطلعت على بعض الردود المؤسفة على المقالين اللذين ظهرا من السلسلة. مصيبتنا كبيرة بالعقول المتحجرة التي تحسب أن سلامة اللغة في بقائها عند القرن الأول للإسلام، ونحن في عصر الفضاء والذرّة.
شكراً لثنائل على مقالي في ( الدوحة )(25) وكتاباتي المهجرية. لقد صار لديّ كتاب ثالث أو رابع علي الأصحّ عن الأدب المهجري، لا أدري متي سيقدّرن له النشر.
أتمني لك كل خير وسعادة مع رفيقتك . حفظكما الله ،،،



الثلاثاء 19/12/1978
أخي أسامة :
شكراً على بطاقتك اللطيفة المؤرخة 6/12/1978 ، وعلى القصاصات التي تفضلّت بإرسالها إليّ حول ترجماتي لشعر فدوي ، وترجماتي الأخري من الشعر الإيطالي. وأنني لفي انتظار الكلمة الموعودة حول مختاراتي الإيطالية (26)
يسرني أنك تتتبّع فى أبو ظبي ما أكتبه في " جولاتي الحّرة في الدستور ، وأن تكون راضياًً عمّا كتبته حول المرحوم تيسير . وأنا ، طبعاً ، لست راغباً فى كتابة (رسالة ماجستير ) ولا ( راسلة دكتوراه) في تيسير ، ولكنها خطرات رأيتٌ أن أكتبها على عجل، لعلها تقدّ للآخرين شيئاً عنه(27)
وأمّا مقالي في ( الدوحة) حول ( النقد الأدبي والبلطجة الفكرية ) فلم يكن من الممكن أم أذكر فيه أسماء ، أو أشير إلى مقالات معينة، فهذه أمور يدركها القارئ بسهولة . ولكنني سعيد بالأصداء المؤيدة التي تواردت عليّ من جهات متعددة ، ولا سيّما من سوريا ومصر والأردن ومنك.
وددتٌ لو التقينا في زيارتك للأردن ؛ ولو كنت كتبت إليَّ قبل المجيء وحدّدت لي مكاناً أتصل بك فيه، لسرّني أن ألقاك وأحّب بك . وأرجو أن يكون " خيرها فى غيرها". وأرجو أن تكون والدتك بخير، وأن تكون أنت مطمئناً عليها الآن.
هل وصل إليك كتابي الثالث " في ربوع الأندلس" ؟ هذا الكتاب صدر في شهر نيسان الماضي، ولكنني لم أره إلاّ في الآونة الأخيرة ، وبعد مرور ثمانية أشهر على صدوره ، تخللتها رسائل عديدة مني إلى ليبيا وتونس ... وأخيراً تلقيت النسخ المخصصة لي للهدايا، فبعثت إليك بنسخة منها.
مع أطيب التحية وخير التمنيات،،



السبت 3/3/1979
عزيزي أسامة :
شكراً على ما كتبته في جريدة ( الوحدة) (28)، وتفضلت بإرساله إليّ . لقد أفضت في الحديث ؟ وبشيء غير قليل من محاولة الإنصاف . والنقد حين يجئ بهذه الطريقة المخلصة فهو للبناء ، ولمحاولة تقييم الأمور بوجه صحيح.
الخلاف في الرأي أمر طبيعي ، وأنا لا أستغربه، ولا أري فيه من يباعد بين الأصدقاء. ولذلك أحترم اختلافك معي ، مثلما احترمت أنت هذا الخلاف من طرفي.
هنالك تساؤل قدَّمتَه في المقال حين قلت: " ما شعور الدكتور ، كأديب تهمه الإنسانية ، لو أن هذا الجنديّ الذي تفقَّد صورة زوجته كان اسرائيليّاً ؟ " ؛ وقد عجبت لهذا التساؤل ، وأنت نفسك تذكر أنني أدعو إلي " محاربة الشرّ نفسه لا الأشرار" البادرة نفسها في انتزاع الجندي صورة زوجته أو حبيبته أو ابنه من جيبه في قلب الخندق ، والمعركة محتدمة ، والموت متربص مع كل رصاصة وقذيفة ، وتقبيله إياها ، ثم إعادتها ؛ هذه البادرة نفسها إنسانية رقيقة مؤثرة ، بغضّ النظر عما يكون صاحبها . قد تكره صاحبها ، ولكنّك لا تكره البادرة نفسها ، بل تشعر بأنها توحي إليك بشاعرة عجيبة ألا تري معي ذلك؟!
ومن كتبي المهجرية سهوتَ عن اثنين ( اليأس فرحات شاعر العروبة في المهجر) و(مهجريات) الأول في عمان سنة 1965 ، والثاني في تونس / ليبيا سنة 1975.
أكررّ لك الشكر ، متمنياً لك ولأسرتك كلّ خير وسعادة،،


الاثنين 5/3/1979
أخي أسامة :
هذه الساعة تلقيت قصاصة ( الفجر 28/2/1979) التي تحمل نبأ فوزي بجائزة سان فالنتينو الأدبيّة . فشكراً لك على اهتمامك بأخباري، ونشرك لها في (الفجر).
أمس بعثت إليك برسالة شكر علي مقالك الضافي في ( الوحدة ). ويبدو أن رسائلي إليك كلها شكر متواصل. ولكنني أنتظر رسائلك التي أصبحت نادرة . أهكذا "يكسل " الفرسان؟! كنت قبل الزواج أنشط في الكتابة؛ وأنا أعرف بالتجربة أن المرأة إلى جانب الرجل تزيد نشاطه ، وتساعده على تنظيم حياته ووقته وعمله؛ فلماذا جفّ الحبر في قلمك عن المراسلة؟!
تلقيتٌ أخيراً دعوة فى كوريا الجنوبية للاشتراك في المؤتمر العالمي الرابع للشعراء الذي سيقام فى سيؤول في الأسبوع الأول في شهر تموز القادم ، وييتمرّ من 2 إلي 7 تموز ، ويشترك فيه شعراء في جميع أنحاء العالم. وأرجو أن أتمكن من المشاركة به هذه المرّة ، بعد أن حرمت من المشاركة شخصياً بالمؤتمر العالمي الثاني الذي كان قد عقد في جزيرة فرموزا، ودعيت لأكون ضيف الشرف فيه، ولكنني اكتفيت بإرسال 9 قصائد باللغة الإنكليزية مترجمة بقلمي عن بعض قصائدي الإيطالية فظهرت في مجموعة أعمال المؤتمر . ولقد ترجمت هذه المرة أيضاً إلى الإنكليزية مترجمة بقلمي عن بعض قصائدي الإيطالية فظهرت في مجموعة أعمال المؤتمر. ولقد ترجمت هذه المرة أيضاً إلي الإنكليزية عشر قصائد من قصائدي الإيطالية التي فازت بجائزة سان فالنتينو ، لأجعلها مشاركتي في المؤتمر الجديد في كوريا.
إن السفر إلى الشرق الأقصي حلم من أحلامي ، وأرجو أن يتحقّق هذه المرة.
مع تحياتي ومودتي ،،،

الجمعة 21/9/1979
عزيزي أسامة :
الآن عدت من البريد ومعي رسالتك بعد انقطاع طويل وأسفت كثيراً وأنا أقرأها لأنك جئت إلى عمّان ، وحاولت جاهداً أن تتصل بي ، ولم يسعدني الحظ العاثر بلقائك. لم أسمع حتى من أحد أنك كنت هنا قبل أن أقرأ رسالتك هذه التي تحمل تاريخ 15/9/1979. أنني لمتألم لعدم لقائك ، وقد يطول الزمن قبل أن نلتقي ؛ من يدري متي؟!(29)
وقرأت مقال الأستاذ الدكتور حسن فتح الباب المرسل مع رسالتك شكراً لك على إرساله وقرأت ترجمة قصيدة كوازعودو(30). وأحبّ أن أوضح لك أن الخلاف الذي وجدته بين ترجمتي للقصيدة وترجمة عبد الغفار مكاوي التي أوردها الدكتور حسن فتح الباب ، بردّه إلي أن ترجمتي مباشرة عن الأصل ، وهذه الترجمة لابدّ أن تكون عن لغة أخري الإنكليزية ، ربّما، أو الفرنسية ولهذا كان فيها نقص عماّ في ترجمتي : هنالك سطور لا وجود لها في ترجمة المكاوي ، وأنا ، طبقاً ، لم أخترعها من عندي، بل ترجمتها بكل ما يمكن من الأمانة. قم لعلك لاحظت أن ترجمتي مترابطة كلها ، وهذه متقطعة. ولكنني لا أفكّر في أن أعيب هذه الترجمة المكاوية ، عيبها الوحيد أنها ليست ترجمة مباشرة عن الأصل . وأنا عرفت الشاعر كوازيمودو ولازمته أسبوعين في منزله في ميلانو ، ورافقته مدّة بالمراسلة، ودواوينه لديّ هدايا منه؛ وصقلية التي يكتب عنها تجوّلت فيها مراراً ، ووقفت في الأماكن التي يذكرها ، ونهر "نافيليو" الوارد ذكره فيها ، وقفت عليه مراراً ، وعبرت جسوره مراراً ، وكان قريباً جداً تحت النافذة من بيت صديقة لي شاعرة تدعي ( ريجينا أنيرنيريني ) كانت من قبل صديقة وتلميذة وعشيقة للشاعر ، وكان هو واسطة العقد بيننا. وهذا النهر ليس " قناة " ، بل تمخر فيه المراكب في الشتاء ، حاملة الرمل من أماكن بعيدة على أبنية ميلانو؛ والذي خطّطه لحفره لهذا الغرض كان الفنان والعالم العبقري المبدع ليوناردو دافنشي ، صاحب صورتي " العشاء السري" و " الموناليزا" الخالدتين ؛ فلقد كان في الوقت نفسه مهندساً عبقرياً مثلما كان رساماً عبقرياً . وفى الصيف يجنّ هذا النهر تماماً ، ويبلغ عمقه أمتاراً فقط ، وعرضه لا أظنه يتجاوز خمسة أمتار أو سبعة. ويظهر حالاً أنه ليس نهراً طبيعياً ، بل اصطناعياً فهو مقصور كله أرضه وجدرانه بالأسمنت.

هذه معلومات لا أدري كم يعرف منها الدكتور فتح الباب والمكاوي. وقد لاحظت أن الدكتور صاحب المقال قد أطال كثيراً في التفلسف غير الضروري قي مقاله، دون حاجة إلي أغلب الصفحات التي كتبها ولكن كيف كان يستطيع أن يقدم قصيدة ترجمها غيره ، إذا لم يطل فى الكتابة ، ليستحق المكافأة المالية دون المترجم ؟‍
أشكرك ، وآسف لفرصة اللقاء التي ضاعت . وآمل أن نلتقي قريباً.
أنا على وسط السفر إلى إيطاليا، فى الثلاثين من هذه الشهر ، للمشاركة في مهرجان شعري في ذكري الشاعر أو نفاريتّي (31)، سيقام في شرق إيطاليا الأوسط ، في 3 إلي 6 أكتوبر ، ثم سأزور ميلانو وروما وبعض الأماكن الأخري في جولة تستغرق 10-15 يوماً ، للقاء أصدقائي من الأدباء والشعراء ، وتجديد الصلة بدور النشر والمجلات الأدبية . وهذه أول إجازة أخذها منذ 17 شهراً.
أمني لد ولأسرتك كل خير . حفظكم الله ،،،



الاثنين 15/10/1979
أخي أسامة :
عدت مساء أمس من إيطاليا بعد أن اشتركت في مهرجان ذكري الشاعر جوزيبي أو نفاريتي الكبير في أوربينو من 3 إلي 6/10 فوجدت بين رسائلي العديدة الواردة في غيابي ، ورسالتك المؤرخة 26 سبتمبر 1979. وأسفت كثيراً لما ورد فيها حول " رسائل أبي العلاء"(32) الأمر فعلاً يدعو إلى الإشفاق على أساتذة الجامعات ، ليس في الأردن فحسب ن ولا في البلاد العربية وحدها ، إذ يبجو الأمر متشابه في العالم كلّه: فالكثيرون من أساتذة الجامعات يعتمدون على الطلاّب في عملهم ، ثم يضعون "أسماءهم الكريمة" على أعمال طلاّبهم وينشرونها كذلك : فهم يعتبرون " التحقيق " عملاً شرفيَّاً ط فقط.
ليس فى وسعي أن أذكر لأحد شيئاً ممّا جاء في رسالتك ، فأنت تعلم أن الدكتور خليفة زميلي في عضوية المجمع ، ورئيسي في العمل الوظيفي في المجمع. ولذلك لا أملك الاّ أن أتجاهل الموضوع تماماً . ولكنك أنت صاحب حقّ فى التصرّف. وما دمت تقول إنك كتبت بذلك إلى جريدة ( الرأي ) ، فهذا سيثير الفضيحة واسعة.
على كلّ حال ، لقد كانت مكافأة غير مقصودة أنك حصلت على نسخة في الكتاب الذي تعبت فيه. وهذا خير من أن لا تطلّع عليه بتاتاً...
سأنتظر وصول نسختي في ( التراث الشعبي في دولة الإمارات)(33)، ولك في سلفاً تهنئة حارة على جهدك فيه.
مع أطيب التحية وخير التمنيات،،،


عمان 16/11/1979
أخي أسامة :
تألمت لألمك الذي حملته إليّ رسالتك الأخيرة المؤرخة 25/10/1979 ، وأعتذر إليك عن تأخير الرد عليها أياماً.
لم أستغرب ما سمعته عن أحمد المصلح (34)؛ فلقد قلت لك مثله في رسالتي السابقة؛ فالواقع أن الكثير مما نقرأه لأساتذة الجامعات هو من جهود طلاّبهم ، وليس فيه غير كتابة المقدمة ، ثم المراجعة . إن الدرجات العلمية العالية كما يبدو لها منيرة واحدة. هي أنّها تورث من يحملونها الكسل ، والظهور على أكتاف الآخرين باسم العلم والبحث الأكاديمي ( وهذا ليس للنشر ، أرجوك!)
وأنا لذلك أنصحك فالتمس يا ليت نصحي!- كما تقول بشر ابن أبي عوانة!- بأن تنسي الموضوع ـ وعلي الأخص لآتك واحد من مجموعة كبيرة جدّاً من الطلاّب المشاركين فى العمل، والذين لم يهتموّا للأمر مثل اهتمامك ، وحسبك أنك أبلغت الأمر إلى الجهات العليا فى الجامعة ، وهم ليسوا أحسن حالاً ممن نشكون إليهم، فلكهم في الهمّ شرقٌ! ( وهذا أيضاً ليس للنشر ، ولكنه مباسطة بين صديقين فقط !)
أنتظر ما وعدت بكتابته في ( الفجر ) عن العدد الأخير من مجلّة المجمع ، مع الشكر.
وتقبّل تحيات أخيك ،،
حاشية : فرغت أمس من كتاب جديد باللغة الإيطالية بعنوان:
" مختارات من الشعر العربي المعاصر" ، قدّمت به بدراسة تحليلية مطوّلة حول الشعر العربي ، والحركات التجديدية فيه منذ مدرسة الأندلس حتى مدرسة السبّاب / نازك ؛ ثم ترجمت فيه أكثر من ثلاثين قصيدة لسبعة عشرة شاعراً: من حافظ إبراهيم في " زلزال إيطاليا" إلى محمود الحوت في " خريف قلب ".
وهذا الكتاب طلبه مني الناشر الإيطالي ( شيفيللر ) في ميلانو ، حين زرته الشهر الماضي. وقد طلب مني كتاباً آخر يضمّ مختارات من شعر المقاومة في الأرض المحتّلة؛ وهذا كان موجوداً عندي من قبل ، وقد أعيد طبعه 4 طبعات سيتولي نشر الطبعة الخامسة منه بعد أن سحبت حقوق النشر من الناشر السابق فى روما.

الجمعة 28/3/1980
أخي أسامة :
وصل هذا الصباح الملحق الثقافي لعدد "الفجر" الصادر بتاريخ 20/3/1980 وكان حافلاً بنشاطك الخاصّ ، ولا سيماً الصفحة الأولي كلّها، وقسم من الصفحتين الثانية والرابعة.
مالك على المسكينة عائكة(35)؟ لقد أجهزت عليها ، وقتلت صوفيتها . ومع ذلك أشهد أنك لم تقل فيها أعني في شعرها _ إلاّ القليل ممّا يجب قوله.
وخليل الواحري ؟ أنا أعرف كرهك له وحملاتك عليه. ولم أستغرب نقدك الجديد القديم!- له. ولكنَّي ما قلته في أعماله القصصية لا ينطبق عليه وحده، بل ينسحب علي كلّ من كتب هذا اللون من القصة: غسان الكنفاني، والإيراني ، والناعوري ، والآخرين جميعهم. التسجيلية الواقعية طفت- مع الأسف على كلّ أعمالنا القصصية التي استلهمت النكبة وكلّنا كنّا نبحث عن أبطال وعن بطولات ، ونخلقهم ونخلقها من خيالنا، ونهوّلها ، ونكبّرها ، لأنّ البطولة هي الشيء الذي فقدناه، وبسبب فقدانه كانت النكبة. فلا تكم السواحري ، ولا تكم سواه ، فكلّنا كنّا وما نزال _ أقزاماً أمام النكبة الجبارة ؛ وأعمالنا القصصية في النكبة ، وملها أعمالنا الشعرية ، هي " مواويل " نواح أو عنترّيات. ذلك لأن النكبة ما تزال هي النكبة ، والعرب كلّهم في السياسة والأدب على السواء _ أصغر منها كثيراً جّداً.
إليك بعض أخباري الأدبية :
1- سأشارك في أواخر أبار القادم من 27 إلى 30 منه في مؤتمر حول " الحضور الثقافي الإيطالي في العالم العربي" ، يعقد فى المعهد الجامعي الشرقي في نابولي.وسيكون موضوع بحثي: " الترجمات العربية للكوميديا الإيطالية" ، وقد أعددته باللغة الإيطالية، ولم أترجمه بعد إلى العربية .
وهذا المؤتمر جاء بعد مؤتمر آخر عقد في شهر نوفمبر من العام الماضي فى باليرمو، حول "الحضور العربي في الثقافات الغربية".
2- اتفقت مع ( دار الجامعة ) في بيروت على نشر ديواني الشعري الثالث. وينتظر صدوره في أواخر نيسان القادم أو قبل منتصف أبار.
مع أطيب تمنياتي ،،،


الثلاثاء 8/4/1980
أخي أسامة :
تلقيت أمس رسالتك المؤرخة 2/4/1980م . ومعها الملحق الثقافي الذي يصل إليّ كلّ أسبوع. فشكراً على الرسالة وعلى الملحق ، وبارك الله في جهدك الأدبيّ الذي يستحقّ الثناء.
لي رأي في النقد الأدبي غير ما يجري عليه النقاد عندنا : النقد عندي تحليل للعمل المنقود ، يراعي أن صاحبه قد " أعطي " جهداً يستحق أن نقابله بالتقدير والاعتبار. ولذلك لا يحقّ لنا أن نحمل النبّوت وننهال به على رأسه لأنه جاء بصورة لا تناسب ذوقنا ، أو بفكرة ليست من أفكارنا ، أو برأي يخالف رأينا. كلّ من يقدّم عملاً ، يستحق منا الأجر ، والشكر مع الأجر.
وأما التحقير والشتم والاتهام ، فكما إننا لا نقبلها لأنفسنا، لا يحق لنا أن نوجهها إلى الآخرين.
من ذلك ، مثلاً ، أنّ اتهام السواحري بأن بعض أقاصيصه ط تخدم على كل الوجوه الزعم الصهيوني الذي يحاول أن يبرز الوجه البهوديّ المتحضّر قبالة الوجه العربي المتخلّف في أرض الحضارات فلسطين" ، وهو اتهام غير وارد إطلاقاً ، وغير جائز بأيّ وجه فى نقد العمل الفنّي؛ بل هو تحطيم لمعنويات السواحري لا مبّرر له. ولعلّك تذكر أنني وجّهتٌ إلى السواحري في مقالي المطوّل أخيراً المنشور فى الدستور ، كلاماً من مثل هذا النوع حين اتهم بعض الكتّاب الشبّان في الأرض المحتلّة بتهم قريبة من هذه التهمة(36)
يجب أن نبتعد في نقدنا الأدبي عن الهدم والتحقير والاتهام، وننظر في العمل المنقود باعتباره "عطاء فنيّاً " فقط ، وإلاّ كان نقدنا مقولاً اثنين معاً : الكاتب بشخص ، والعطاء الفني والأدبي بمفهومة العام الجميل.
ومعذرة عن هذه "الموعظة" إذا شئت أن تراها كذلك فما قصدت إلاّ بيان الرأي في الأدب والنقد بكلمات سريعة.
مع أطيب التحية وخير التمنيات،،،



الهوامش


(1) يقع الكتيب في ست عشرة صفحة فقط وهو " فصلة" عن مجلة المشرق ، سنة 23 ، عدد 1 لسنة 1976 وفيه تعريف بالأديب الإيطالي أيوجينبو مونتالي الفائز آنذاك بجائزة نوبل للآداب.
(2) هذا استكمال لحديث مطوّل بيننا حول علاقة السياسة بالأدب ؛ حيث يفصل الناعوري بينهما ؛ وهو هنا يوضح جانباً من هذا الحوار ومن موقفه الفكري والأدبي حيال هذه القضية.
(3) يشير إلى بعض إصداراته التي تتناول موضوع القضية الفلسطينية مثل :- ديوان أناشيدي خلي السيف يقول ( أقاصيص ) ، بطولات عربية في فلسطين (تاريخ) ، بيت وراء الحدود ( رواية) ، عائد إلى الميدان (أقاصيص)، جراح جديدة ( رواية).
(4) كان الدكتور الناعوري من مؤسسي الرابطة ولكنه استقال منها بعد أسابيع من إشهارها وذكر في لقاء أجرته معه آفاق عربية أنّه خرج من الرابطة"ليقيني أنّ هذه الرابطة لم تعد رابطة كتاب أردنيين فعدد الكتاب فيها 320 كاتباً في حين أن اتحاد الكتاب فى بلغاريا مثلاً الذي تأسس منذ بداية هذا القرن لا يوجد فيه سوي 160 كاتباً" آفاق عربية / العدد الثاني عشر/ السنة العاشرة /1985 / ص 121 ، كما سترد أسباب أخري في رسائل لاحقة.
(5) يشير هنا إلى اعترافاته المعنونة ( الشريط الأسود) وهي مذكرات صدرت عن دار المعارف بمصر عام 1973، وكان الناعوري قد بعث إليّ بنسخة من المذكرات فعرضتها في الملحق الثقافي لجريدة السياسة الكويتية الذي أصدره عام 1975 الصحفي المصري المعروف محمود السعدني.
(6) يشير الدكتور عيسي الناعوري هنا إلى رسالة بعثت بها إليه في 16/10/1976 رداً على رسالة سابقة منه ، وباركت له فيها بمنحه درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة باليرمو الإيطالية ، وقد ذكر في حينه أنّه العربي الثاني بعد طه حسين الذي يمنح هذه الشهادة من إيطاليا ثم استدرك في رسالة لاحقة قائلاً أنّه الثالث بعد حسن عثمان مترجم دانتي، والدكتور الناعوري لم يكمل دراسته في جامعات ولم يحمل ( ولا) آلا الشهادة الثانوية من المدرسة الأكليريكية اللاتينية فى القدس.
(7) يشير هنا إلى مجمع اللغة العربية الأردني وكان أميناً عاماً له ففي أحيد رسائلي إ ليه أعربت عنا شكوكي من نجاح أعمال المجمع؛ الذي بدأ يتحول إلى مؤسسة حكومية تخضع في عملها إلى الروتين.
(8) يقصد مقالات الثناي المتبادل التي تنشرها الصحف اليومية في الأردن حيث يتبادل المحررون الثقافيون المديح ليل نهار دون أن يكون لأكثرهم إنتاج يستحق الذكر.
(9) أستاذ الأدب العربي فى الجامعة الأردنية وعميد الدراسات فيها وعضو مجمع اللغة العربية الأردني ، حصل على درجة الدكتوراه من لندن وكانت رسالته باللغة الإنجليزية عن المتنبي.
(10) يقصد الدكتور عبد الكريم خليفة رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية ورئيس الجامعة سابقاً ، حصل على الدكتوراه من أسبانيا.
(11) يقصد الدكتور محمود السمرة أستاذ النقد الأدبي في الجامعة الأردنية ونائب رئيس الجامعة للشئون الأكاديمية / عضو المجمع / ورئيس سابق لرابطة الكتاب الأردنيين / ونائب رئيس تحرير مجلة العربي في إصدارها الأوّل.
(12) كنت بصدد وضع كتاب عن الأدب قبل عام 1960 وقد طلبت من الدكتور الناعوري تزويدي بنسخ من كتبه القديمة المفقودة من الأسواق.
(13) جريدة الفجر صحيفة يومية تصدر في دولة الإمارات منذ عام 1975 ، وتولي كاتب هذه السطور رئاسة القسم الثقافي فيها وكانت أخبار الناعوري ونشاطات مجمع اللغة العربية الأردني تنشر فيها أولاً بأول.
(14) لا تختلف كثيراً عن " المستلة " الأولي المنشورة في مجلة المشرق الإيطالية العربية، وفيها يقارن الناعوري بين الإيطالي كوازيمودو والإيطالي مونتالي- الأوّل حصل على جائزة نوبل عام 1959 " وكان في حاجة إلى الجائزة لكي تمنحه شهرة كان يفتقر إليها" أمّا مونتالي " فقد وصلت إليه الجائزة وهو في أوج شهرته"، فقد عين عضواً مدي الحياة في مجلس الشيوخ ونال الدكتوراه الفخرية مرتين.
(15) من أدباء الرعيل الأوّل في الأردن ، يكبر الناعوري بعشر سنوات تقريباً ، شاعر وقاص ومترجم وأحد روّاد العمل التربوي في الأردن، أمّا كتابه المذكور فترجمة لكتاب " غويربر" وقد صدرت الترجمة عام 1976 عن دائرة الثقافة والفنون الأردنية في عام 368 صفحة من القطع المتوسط ويتضمن ثلاثين فصلاً وهو كتاب قيم فعلاً.
(16) الديوان الشعري الثاني للدكتور الناعروي، صدر عن دار الرائد في حلب عام 1962.
(17) كنت بعثت إليه أسال عن المعارك التي دارت على صفحات الجرائد الأردنية في شتاء 1977 بينه وبين الهيئة الإدارية لرباطة الكتاب الأردنيين فبعث إليّ بهذا الإيضاح ، و حول الندوة التليفزيونية التي فجرت الخلاف ونقلته إلى أعمدة الصحف.
(18) يقصد الأديب الأردني المعروف رزكسي بن زائدة العزيزي أحد رؤساء رابطة الكتاب الأردنيين السابقين ، وهو من الجيل الأدبي للناعوري.
(19) أديب وقاص معروف أبعدته سلطات الاحتلال الاسرائيلي من الضفة الغربية ، له عدّة مؤلفات منها مجموعة قصصية بعنوان " خبز الآخرين".
(20) معدّة ومقدّمة برامج تليفزيونية ، بكالوريوس أدب إنجليزي من الجامعة الأردنية.
(21) كانت للناعوري زاوية أسبوعية كل أربعاء في جريدة الرأي الأردنية ، ثم نقلها إلي جريدة الدستور بعنوان " جولا حرةّ" وظل يكتبها حتى يوم وفاته.
(22) كاتب قصة، كان عضواً في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب ، له رواية ومجموعة قصصية .
(23) من أشهر الأدباء الأردنيين ، انتحر عام 1973 فأثار انتحاره دهشة الوسط الثقافي والاجتماعي الأردني ، ترك رواية بعنوان " أنت منذ اليوم " ومجموعة شعرية بعنوان " أحزان صحراوية" وقد تقّصي كاتب هذه السطور أسباب انتحاره في كتاب آراء نقدية الصادر عام 1975.
(24) من أشهر كتاب القصة القصيرة في الأردن ، له عدّة مجموعات قصصية ، عمل في التعليم والصحافة ؛ وكان قد هاجم الناعوري في جريدة الرأي حول مواقف مجمع اللغة ، وقد رد عليه الناعوري وكتب إليّ يشرح ما حدث.
(25) كان المقال بعنوان " النقد الأدبي والبلطجة الفكرية" ، وقد ضمنه فيما بعد كتابه " نحو نقد أدبي معاصر وكنت قد أثنيت على المقال وأن أخذت عليه خلوه من الشواهد.
(26) يشير إلى كتابه " مختارات من الشعر الإيطالي المعاصر" الصادر في دمشق عام 1978 في 302 صفحة من القطع المتوسط وهو الكتاب الخامس المترجم عن الإيطالية للناعوري بستة أربعة كتب هي :
أ : أطفال وعجائز / أقاصيص لعدّة مؤلفين إيطاليين / بيروت 1961 .
ب : رواية فونتمار Fontamara لايناتسيو سيلونة / بيروت 1963.
ج : رواية الفهد IL GATTOPARDO لتومازي دعد لامبيدوزا بيروت 1973.
(27) كان الناعوري قد نشر في شتاء 1978 سلسلة مقالات في جريدة الدستور عن الشاعر تيسير السجل.
(28) جريدة يومية تصور في دولة الإمارات منذ عام 1974، توليت رئاسة القسم الثقافي فيها عام 1975م ، وعرضت في صفحة كاملة جانباً من حياة وإبداع عيسي الناعوري.
(29) توفي الناعوري دون أن تلتقي؛ كنت أعرفه ولم يكن يعرفني وصداقتنا بدأت بالمراسلة واستمرت عشر سنوات.
(30) كان المقال قد نشر في إحدى الصحف الكويتية وذد زودت الناعوري بنسخة عنه ، وكوازيمودو المعني هو الشاعر الإيطالي سلفاتورة كوازيمودو Slavatore Quasimodo الفائز بجايزة نوبل للآداب عام1959 وكان آنذاك في التاسعة والخمسين من العمر.
(31) يقصد الشاعر الإيطالي الكبير جوزيبي أو نغاريتي Giuseppe Unearetti وقد خصه بفصل مطوّل في كتابه " مختارات من الشعر الإيطالي المعاصر" ، حيث ذكر أنّ الإيطاليين " يعتبرون أونغاريتي شاعرهم الأعظم في العصر الحديث وجدد الشعر الإيطالي وأستاذ الجيل الحاضر من الشعراء الإيطاليين وأنه صبغ الشعر الإيطالي وأستاذ الجيل الحاضر من الشعراء الإيطاليين وأنه صبغ الشعر الإيطالي الحديث بصبغته الخاصة .. وهو من مواليد الإسكندرية عام 1888 وفيها أكمل دراسته في روما الثانوية .. صدرت أعماله في عشرة أجزاء بعنوان واحد هو حياة إنسان وتوفي في روما سنة 1970 وعمره اثنان وثمانون عاماً".
(32) كان الناعوري قد أهداني بالبريد نسخة من " رسائل أبي العلاء المعرّي" التي تقع في ثلاثة أجزاء ، شرح وتحقيق الدكتور عبد الكريم خليفة رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية / ورئيس الجامعة السابق / ورئيس مجمع اللغة وقد صدر الكتاب عن منشورات اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة والنشر عام 1978 ، وقد شكوت للناعوري من أن صاحب الكتاب وشارحه لم يشر إلى جهود أربعين طالباً وطالبة كنت منهم شاركوا طول عام دراسي كامل في تحقيق الرسائل المذكورة وشرحها واستخراج المفردات الصعبة ومعانيها من لسان العرب والتحقق من شواهد مماثلة في أعمال المعري ، وشكوت إليه أيضاً من المحرر الثقافي لجريدة الرأي أصر المصلح الذي بعثت إليه بمقالة حول هذا الموضوع فلم ينشرها.
(33) يشير إلي كتاب أصورته مع طلابي في الإمارات وطبعه ولي عهد إمارة ( أبو ظبي) علي نفقته وقد ذكرت أسماء طلابي المشاركين في الصفحة الأولي من الكتاب !
(34) محرر ثقافي في جريدة الرأي الأردنية رفض نشر مقالتي عن كتاب الدكتور عبد الكريم خليفة ليس حباً بالدكتور وإنما لوجود خلافات شخصية بيننا ، فقد كان أحمد المصلح من الكتاب الناشئين الذين يسعون إلى النشر في بريد ثقافيا متعاوناً بالرأي ، ثم كاتباً يشار غليه بالبنان!!
(35) يقصد الشاعرة الدكتورة عائكة الخزرجى ، وكانت قد أحست أمسية شعرية في الإمارات وتعرضت لشوها بالنقد القاسي في الملحق الثقافي لجريدة الفجر.
(36) يشير الناعوري إلي مقالة منشورة في الملحق الثقافي لجريدة الفجر الصادر في 20/3/1980 بتوقيع ( أبو عماد ) وفيها هاجم الكاتب خليل السواحري بالعبارات المذكورة واعتبر مجموعته القصصية الباشورة إساءة إلى الشعب الفلسطيني ، وفي حينه ظن الناعوري أني كاتب الموضوع ؛ وقد بينت له فيما بعد أن ( أبا عماد ) هو الشاعر علي البتيدي الذي عمل معنا في الملحق مقابل أجر رمزي.
 

للعودة الى ملف عيسى الناعوري انقر هنا