|
بين المكالمة الهاتفية التي اجريتها من لندن مع الزميل " نصر المجالي "
قبل شهرين .... وأول مكالمة هاتفية اجريتها معه يوم كان بدأت اتعاطى الكتابة للصحف الاردنية اعتبارا من عام 1971 من خلال اهتماماتي انذاك بالنقد الادبي الذي درسته في الجامعة وتفوقت فيه حتى ان الدكتور محمود السمرة - استاذي في النقد ورئيس الجامعة الاردنية السابق ووزير الثقافة السابق - شهد لي في اكثر من مناسبة بالتفوق في هذا الميدان .... ويعود الفضل في نشر مقالاتي الاولى في جريدة "عمان المساء الاردنية" الاسبوعية يعود للاديب الاردني " الياس خليل جريس " الذي كان يتولى الاشراف على الصفحة الثقافية .... قبل ان انشر مقالاتي في الصحف والمجلات الاردنية اليومية والاسبوعية والفصلية ... والتي توجت بمشاركتي في اصدار مجلة باسم " الرابطة الثقافية " حررها الدكتور فواز طوقان كملحق شهري يصدر عن جريدة عمان المساء وكنت مع عبدالله الشحام ووليم هلسة والدكتور فواز طوقان نشكل هيئة تحرير للمجلة التي صدر منها ستة اعداد فقط لتتوقف بسبب سحب الترخيص من جريدة عمان المساء . كنت اكتب في مجال النقد الادبي ورغم اني دخلت مع عدد من الادباء في مواجهات وخلافات بسبب مقالاتي عن كتبهم الا ان هذه الخلافات لم تصل الى المحاكم ومخافر الشرطة وبالتالي لم اشعر بخطورة الذي اكتبه على امني الشخصي بخاصة اني لم اكتب في الموضوعات السياسية التي كانت تراقب انذاك من قبل دوئر خاصة في جهاز المخابرات الاردني وان كنت قد صنفت من قبلها كمثقف " غلباوي " يتردد على ندوات ومحاضرات وتجمعات ثقافية " مشبوهة " وقد اكتشفت هذا التصنيف عندما تخرجت من الجامعة وتقدمت للعمل كمدرس في وزارة التربية التي حولت طلبي الى جهاز المخابرات لاخذ الاذن منه .... ففي الجهاز سألوني : ماذا تعرف عن فلان .... ولماذا شربت القهوة في يوم كذا في ساعة كذا مع علان ؟... ولماذا قلت بتاريخ كذا لفلان " هاي " .... وما هي علاقتك بعلان الذي شربت معه شيشة في مقهى كذا في يوم كذا .... الى اخر هذه الاسئلة الهامة التي يراد منها حماية " أمن الدولة " . ارتياحي بالكتابة في المجال الادبي الذي لا تحف به المخاطر الامنية اهتز قليلا عندما داهمت الشرطة الغرفة التي كان يسكن فيها الشاعر "محمد ابراهيم لافي" وجرجرته الى المخفر لان الشاعر "عبدالله منصور" رفع عليه دعوى قضائية بسبب مقال كتبه لافي عن ديوان شعري جديد لعبدالله منصور .... يومها جاءني محمد ابراهيم لافي - بعد الافراج عنه - وهو في حالة ارتباك ورعب حقيقيين ونقل تجربته في المخفر الي فاصطحبته فورا الى مكتب صديقنا وشيخنا وعميدنا الشاعر "سميح الشريف" الذي عركته الحياة وعرف المحاكم والمخافر قبلنا فجرنا خلفه الى مكتب الاستاذ "طاهر حكمت" .... وكان طاهر حكمت من اشهر المحامين في الاردن وسيكون بعد ذلك من اشهر الوزراء ورجال السياسة ... وهو رجل على قدر كبير من الثقافة والوعي .... شديد الاناقة مفعم الاحساس .... وكنا - اثناء الدراسة في الجامعة - نترصد جلساته في منتزه الزرقاء حتى نقعد معه ونتحاور . تولى "طاهر حكمت" الدفاع عن الشاعر لافي مجانا .... وفهمنا منه بعد ذلك ان الكتابة في الصحف حتى في المجال الادبي له محاذيره القانونية ... وعلمت بعد ذلك ان جرجرة الشاعر الى المخفر رغم ان القضية المرفوعة ضده مدنية هو جزء من النظام القضائي العجيب في الاردن حيث يتم تبليغ المدعى عليه بهذا الاسلوب الارهابي المتخلف . ومرت الايام .... وكدت انسى ما حدث لمحمد ابراهيم لافي ... الى ان جاءني الاستاذ "فايز خوري" مدير المدرسة التي كنت اعمل فيها ليبلغني ان قريبا له يعمل كمدير لمركز الشباب في المدينة بصدد رفع دعوى قضائية ضدي وعرفت منه ان مقالي في جريدة الرأي الاردنية ضد المركز المذكور قد ازعج مدير المركز الذي استشار محاميا وقرر مقاضاتي ومقاضاة الجريدة التي نشرت المقال .... ورغبه من فايز خوري - وهو رجل على خلق - ان يحل المشكلة وديا اقترح علي ان اصحبه في زيارة قريبه بخاصة وان المقال كان عن نشاطات المركز وليس عن المدير وتمت الزيارة فاذا بمدير المركز يشترط ان انشر اعتذارا في الجريدة له وللمركز والا .....
بحبشت عن رقم هاتف جريدة الرأي التي كنت اعرف انذاك رئيس تحريرها " سليمان عرار
" فحولتني " البدالة " الى الصحافي لو كان رد " نصر المجالي " انذاك سلبيا ومثبطا للهمة لطلقت مهنة الكتابة في الصحف طلاقا بائنا بينونة كبرى .... لكن رده الذي لا انساه أعطاني قوة دفع حملتها معي بعد ذلك الى الامارات ومارستها بالطول والعرض عشر سنوات كاملة انتهت بمعارك ومشكلات مع الحكومة ووزارة التربية وتجمعات دينية واقليمية .... وشيوخ .... والطريف ان " نصر المجالي " لحق بي الى الامارات ليعمل في جريدة الخليج وكان طرفا في المعارك التي خضتها ضد مناهج وزارة التربية .... وطار قبلي الى بريطانيا حيث لا زال فيها يمارس الصحافة مثلي بعد ان " ختيرنا " . اكتشفت بعد ذلك ان بيننا - انا ونصر - اكثر من علاقة صداقة ونسب وقربى .... فأخوه " ابراهيم " كان من احب المدرسين الى نفسي في مدرسة النصر التي تحول اسمها بعد ذلك الى " الثورة العربية الكبرى " .... ونصر نفسه متزوج من عائلة كريمة صاهرت " ابو راسم " الذي كان بالنسبة لنا بمثابة الاب والاخ الكبير و" زياد خازر المجالي " كان من افضل الدبلوماسيين العرب في واشنطن وقد ترك اثرا طيبا لدى جميع الذين عرفوه وعلمت بعد ذلك انه اصبح سفيرا لدى السلطة الفلسطينية ويشهد له الفلسطينيون بنبل الاخلاق والاخلاص في العمل .
ينتمي "نصر المجالي" الى عائلة اردنية كبيرة ومعروفة هي عائلة " المجالية "
التي يقال انها استوطنت الخليل ثم استقر جدها الكبير في مدينة الكرك جنوب
الاردن ... وبرز من المجالية كثيرون .... لعل اشهرهم دليوان المجالي ... وحابس
المجالي .... وهزاع المجالي وفي مجال الصحافة والاعلام لمع اسم راكان المجالي
ونصر المجالي ونصوح المجالي ... وعرف من المجالية ايضا عبد السلام المجالي وعبد
الهادي المجالي وعبد الوهاب المجالي .... وقد يكون هذا " الثالوث " هو الذي بنى
ساترا بين الاردنيين وبين المجالية بخاصة وان ممارسات الثلاثة عندما كانوا في
الحكم .... ثم شركاتهم التي ابتلعت الاخضر واليابس حشدت الاردنيين ضدهم ....
وانعكست ممارسات هؤلاء على حياة سائر المجالية ممن لا ناقة لهم ولا بعير بشركات
عبد الهادي وعبد السلام واولادهما .... ويبدو ان هذه ساهم نصر المجالي في بناء جريدة الخليج التي صدرت في الشارقة وكان من اعمدتها ونقل اليها خبرته الطويلة في جريدة الرأي الاردنية وحرص نصر على ان يستقل بنفسه خلال عمله في الخليج فلم يحسب على التيارات الكثيرة التي كانت تتقاذف الجريدة وكان نصر الاردني الوحيد فيها وتحمل الكثير من المضايقات والحساسيات التي كانت تعصف بالساحة الصحفية في الامارات الى ان قرر - مثلي - ان يهرب بجلده الى عالم اخر يقدر الصحافة والصحفيين .... فطار الى لندن للعمل في جريدة الشرق الاوسط وترقى فيها حتى اصبح من اهم محرريها قبل ان يتركها ليعمل في مواقع اخرى .... ليعود فيتألق مؤخرا على صفحات موقع " ايلاف " بانفراداته .... ومقالاته المثيرة للجدل . كنت
ولا ازال احرص على الاتصال بنصر كلما توقفت في لندن .... وكانت المرة الاخيرة
قبل شهرين ... فاستعدنا معا - عبر الهاتف - ذكريات الماضي في الاردن والامارات
... واكتشفنا - معا - اننا " ختيرنا " وهذا هو بالضبط الذي عنيته بقولي " انا
ونصر المجالي ..... والزمن ". |