فصل من كتاب ( عشر سنوات صحافة في مضارب ال نهيان ) للدكتور اسامة فوزي

واخيرا ... وبعد 36 سنة اكتشف شيوخ المكتوم حكام دبي ان ابن عمهم حشر المكتوم رئيس دائرة اعلام دبي ورئيس تحرير جريدة البيان رجل لا علاقة له بالصحافة او الاعلام لذا (فنشوه) واستبدلوه بمجلس للاعلام كلف باعادة صياغة جميع مؤسسات دبي الاعلامية على رأسها جريدة البيان وتلفزيون دبي واذاعة دبي.
قلت 36 سنة لان حشر المكتوم هذا افرز للعمل في اعلام دبي منذ عام 1966 حيث ظهر اسمه اول مرة كرئيس تحرير لمجلة (اخبار دبي) التي صدر عددها الاول في يناير 1966 وكان مدير تحريرها "ربحي حلوم" الذي اصبح فيما بعد مديرا لمكتب منظمة التحرير في دولة الامارات .
ومع ان حشر المكتوم شغل منذ ذلك التاريخ منصب (مدير اعلام دبي) الا ان مجد دبي الاعلامي صنعه الفلسطيني "رياض الشعيبي" الذي جعل تلفزيون دبي الملون اهم مؤسسة انتاج تلفزيوني عربي في اواخر السبعينات ومطلع الثمانينات ولم يكن ينافس تلفزيون دبي في هذا المجال الا التلفزيون المصري.
لا بل ان تلفزيون دبي كان اول محطة تلفزيونية تنتقل الى البث الفضائي وتحصد اعلانات السوق وتقدم برامج حوارية ساخنة على الهواء مباشرة قبل اربع سنوات كاملة من ظهور محطة الجزيرة القطرية.
لا بل ان رياض الشعيبي هو الذي اطلق في العاشر من مايو عام 1980 العدد الاول من جريدة البيان والصحفيون الذين تقاطروا على دبي للعمل فيها لم يكونوا قد سمعوا باسم "حشر المكتوم" من قبل وقد فوجئوا به (يتأتأ) في اول اجتماع لهم عقده رياض الشعيبي وعرفوا بعدها ان هذا الحمار هو رئيس التحرير وذلك وفقا لما كتبه مفيد مرعي سرا على هامش مقالي في مجلة سوراقيا ( انقر هنا لقراءة هذا المقال ).
اكتشف الشيخ راشد حاكم دبي الذي ينافس مشيخة ابوظبي على الزعامة ان تفوق تلفزيون دبي على ابوظبي لا يكفي لان مشيخة ابوظبي بدأت تسيطر على القراء من خلال جريدتها اليومية (الاتحاد) التي خصصت لها ميزانية ضخمة واستوردت لها احدث المطابع في الخليج وفتحت لها مكاتب في جميع المدن والامارات عدا عن العواصم العربية والعالمية كما اكتشف شيخ دبي الذي كان يومها يشغل منصب رئيس الوزراء انه وقع بنفسه في عام 1979 على قرار يوقف اصدار تراخيص لاصدار صحف جديدة ومن ثم لا مجال لان تصدر دبي جريدة دون تعديل او الغاء هذا القرار الامر الذي قد يكلف الكثير سياسيا على الاقل لان الغاء قرار كهذا والسماح لدبي باصدار جريدة خاصة بها سيفتح الباب امام الامارات السبع للتمتع بالامتياز نفسه فضلا عن ان ابوظبي حتى تسمح لدبي بمثل هذا المكسب لا بد ستطالب بثمن سياسي في مقابله وهو باب لا يريد شيخ دبي ان يفتحه على نفسه ... وجاء الحل باقتراح قدمه رياض الشعيبي ملخصه اعادة اصدار مجلة (اخبار دبي) المتوقفة عن الصدور وتحويلها الى جريدة يومية وتغيير اسمها الى (البيان) وحتى يكتمل الشكل الاجرائي للاقتراح تم استدعاء رئيس تحرير اخبار دبي السابق حشر المكتوم من طهران حيث كان يشغل منصب سفير الامارات فيها وسلموه رقبة" البيان"........ فقصفها!!
كان شيخ دبي راشد المكتوم والذي يتفرد بحكم الامارة مع اولاده مكتوم وحمدان ومحمد يحيط نفسه بمجموعة (بندوقة) من المستشارين على درجة عالية من الكفاءة اهمهم مهدي التاجر ورياض الشعيبي وكمال حمزة وهذا الاخير سوداني الجنسية تولى مسئولية بلدية دبي وكان عضوا مؤسسا في اللجنة التي اطلقت جريدة البيان.
لكن مهمة استقطاب الصحفيين المعروفين عربيا لاصدار البيان اوكلت لرياض الشعيبي الذي بادر الى استدعاء اللبناني "ياسر هواري" من الحوادث اللبنانية ... وابراهيم سكجها - رئيس نقابة الصحفيين الاردنيين ومؤسس عدة صحف اردنية - من عمان وخليل خوري من الاسبوع العربي اللبنانية وجلال الرفاعي رسام الكاريكاتير المعروف من جريدة الدستور الاردنية والدكتور عصام سخنيني احد اهم موظفي وكالة انباء الامارات (وام) والباحث السابق في مركز الابحاث الفلسطيني وعدلي صادق المناضل الفتحاوي الذي قضى عشر سنوات في سجون الاحتلال الاسرائيلي ولكن اذا كانت (البيان) هي ذاتها (اخبار دبي) فلماذا اذن تم تغيير الاسم الى (البيان) ولماذا (البيان) تحديدا!!
زبانية الشيخ راشد حاكم دبي زعموا ان التسمية اشتقت من الآية القرآنية (خلق الانسان علمه البيان) ومنهم من قال بل هي مشتقة من الحديث النبوي (ان من البيان لسحرا) ويبدو ان هذا التخريج وجد قبولا لدى الشيخ راشد فبدأ يدلي بتصريحات تعزز هذا التفسير مع ان العارفين ببواطن الامور يعلمون ان شيوخ دبي الذين حولوا المشيخة الى ماخور لم يصل الورع عندهم الى هذه الدرجة بعد.
اذن ... لماذا غيروا اسم المجلة من (اخبار دبي) الى (البيان)؟
هذا يقودنا الى طبيعة العلاقة التي ربطت شيوخ ابوظبي وشيوخ دبي وهي علاقة تقوم على الشك والتنافس على مراكز القوى والمزايدة بل والتهديد باستخدام القوة في اكثر من مناسبة.
في تلك الاجواء المشحونة اصدر المجلس الوطني الاتحادي عام 1979 مذكرة ادان فيها دبي لانها تعوّق مسيرة الاتحاد فرد عليها شيوخ دبي ببيان رفضت الصحف نشره ... فجاء اسم (البيان) من هذا الموقف!.
لم يكن اختيار اسم (البيان) لجريدة البيان يحتاج الى ذكاء لان (المذكرة) التي اصدرها حاكم دبي في الثامن من مارس آذار عام 1979 ردا على مذكرة المجلس الوطني الاتحادي حملت اسم (البيان) وتم نشرها في مجلة اخبار دبي ... كما تم قراءتها اكثر من مرة في تلفزيون دبي كبيان ونظرا لان الصحف اليومية التي تخضع لسيطرة ابوظبي وتصدر فيها رفضت نشر المذكرة فان الشيخ راشد سارع الى اصدار الامر باصدار جريدة يومية خاصة بدبي فكانت (البيان).
هذه الحكاية كادت تتكرر بعد ذلك بعامين فقط حين نددت وكالة انباء الامارات بقرار دبي انشاء شركة طيران الامارات فغضب آل مكتوم من الوكالة التي رفضت وبتعليمات عبد الله النويس نشر الخبر فتم تكليف الدكتور عصام سخنيني الذي اسس وكالة انباء الامارات ان ينشئ وكالة انباء لدبي وان يجعلها جاهزة للعمل خلال اسبوع ووضعت ميزانية ضخمة بين يديه لانجاز هذه المهمة واعطيت له صلاحيات مفتوحة لفرز من يراه مناسبا من جريدة البيان او تلفزيون واذاعة ابوظبي للعمل في الوكالة الجديدة وقام الدكتور عصام بالمهمة فعلا ولكن قبل يوم واحد من الاعلان الرسمي عن انشائها طار الشيخ سرور بن محمد رئيس ديوان الشيخ زايد وابن عمه الى دبي ليقنع شيخها راشد بعدم الاقدام على هذه الخطوة التي قد تؤدي الى ازدواجية الخطاب الاعلامي الرسمي للدولة ووافق الشيخ راشد بشروط واضطر عبدالله النويس ان يوزع في اليوم التالي خبرا عن انشاء شركة طيران الامارات المملوكة لدبي بل تم احتساب حصّة مئوية من نسبة الاخبار التي تبثها الوكالة لتكون خاصة بدبي وشيوخها.
لم يكن هناك اي تناسق مهني بين عشرات الصحفيين الذين تم استدعائهم للعمل في جريدة البيان حيث تداخلت المدارس الصحافية اللبنانية بالفلسطينية بالمصرية لكن المدرسة الفلسطينية تغلبت واستطاع مدير التحرير ابراهيم سكجها المسنود من رياض الشعيبي ان يقنع شيوخ دبي بالشكل العام للجريدة وبالهوية التي ستميزها وكان على رأسها التميز بلون الورق الذي تطبع عليه الجريدة وهو ورق بصلي اشتهرت به جريدة الفيننشال تايمز.
اما ياسر هواري الذي نجح في استقطاب حشر المكتوم بطريقة سبق ان اشرت اليها فقد أثّر في اسلوب العرض والتحرير وظل ينق على رأس حشر المكتوم حتى اقنعه بتفنيش ابراهيم سكجها وتسليم الادارة للصحافي اللبناني خليل خوري.... وعاد هواري الى البيان لاحقا لينفذ مجزرة في اوساط الصحفيين الفلسطينيين ( انقر هنا لقراءة المزيد عنها ).
المدرسة المصرية ادخلها فيليب جلاب الذي جاء من روزاليوسف وقضى عاما في دبي كمستشار للمؤسسة.
التناسق غير الموجود والانسجام المفقود بين العاملين لم يكن ظاهرا بالمدارس الصحافية التي يتبناها هذا وذاك وانما ظهر اكثر في التباين بالمؤهلات والخبرات ... فكنت تجد في احد مكاتب البيان صحفيا يحمل شهادة دكتوراه  مثل عصام سخنيني ... والى جانبه تجد صحفيا لا يحمل شهادة الثانوية العامة مثل فتحي البرقاوي ومع ذلك شغل البرقاوي منصبا هاما وهو رئيس تحرير القسم الثقافي والفني (المنوعات) وارتكب كما ذكرت من قبل سرقات ادبية يشيب لها الولدن ( انقر هنا لقراءة شيء ما عن سرقاته ".
مشيخة دبي - لمن لا يعرف تاريخها- قامت على "البندقة" وتجارة التهريب واعمال الدعارة ومن ينظر في كل ما يصدر عنها من مواقف وتصريحات ومشروعات سيكتشف انه حيال رؤى واخلاق وممارسات هجينة تجمع النقيض الى النقيض لتصنع منظومة حكم عجيبة تقوم على معادلات لن تجد مثلها في اي دولة في العالم ... فشيوخ دبي يديرون تجارة الجنس بشكل رسمي وعلني وع المكشوف في اكثر من 500 فندق سياحي ومع ذلك تقيم المشيخة احتفالات سنوية لتحفيظ القرآن وتمنح جوائز للقراء يشرف عليها الشيخ يوسف القرضاوي!!
وخلال حرب الخليج الاولى كان شيوخ دبي مع العراق وايران في آن فتلفزيونهم الملون يتحدث عن الحق العراقي قي شط العرب وموانئهم تهرب الاسلحة الى ايران!!
هذه السياسة وضعها الشيخ راشد منذ ان غدر باولاد عمه في ليلة عرسه في يوم عرف باسم (يوم الوهيلة) ونشأ اولاد راشد مثله يجمعون المتناقضات ويشترون الالقاب ويتوزعونها فيما بينهم مع انهم -كلهم- لم يكملوا تعليمهم المدرسي.
بدأت اكتشف اسرار هذه المشيخة يوم انتقلت من مدينة العين للاقامة في دبي على مقربة من شقة في دوّار الساعة قرب المطار ثم بعد ان رشحني الشاعر سعادة سوداح لاحمد زين العابدين مدير البرامج في تلفزيون دبي لاعداد وتقديم برنامج (أدب وأدباء).
كانت مؤسسة اذاعة وتلفزيون دبي لا تختلف عن مؤسسة البيان من حيث التشكيل فهي تجمع كل المتناقضات وتوظفها لخدمة شيوخ الامارة.
كانت ادارة البرامج - مثلا - معقودة لاحمد زين العابدين (ابو جمال) اشهر مذيع وقارئ اخبار في تلفزيون دمشق وكان ابو جمال (قومي سوري) الانتماء في حين سلمت رئاسة التلفزيون لمذيع سابق (مواطن) من دبي اسمه عبدالغفور السيد كان يقضي ثلاثة ارباع الوقت سكرا وتحشيشا ... واختاروا صديقنا الاديب السوري الكبير والشيوعي السابق حسيب كيالي (مراقبا) للمادة التلفزيونية المكتوبة بينما تولى الرقابة الفعلية على البرامج الدكتور امام عبيد (سوداني) الذي يحمل درجة دكتوراة في الجيولوجيا الفضائية من جامعة موسكو وهو تخصص نادر يشغل - من يحمله هنا في امريكا- وظائف علمية قيادية في وكالة الفضاء (ناسا).
كانت مؤسسة التلفزيون موزعة الى (حارات) فهذه تتبع عبد الغفور وتلك تتبع احمد زين العابدين والثالثة تدين بالولاء لرياض الشعيبي وحارة رابعة اوجدها الشيخ حشر المكتوم بعد عودته من طهران حين عين سكرتيره عبد العزيز مديرا اداريا في المؤسسة عدا عن مراكز القوى التي شكلها موظفون مواطنون على رأسهم عبداللطيف القرقاوي اما حارة (الشئون المالية) فقد اقطعت لرجل فلسطيني حوّل الدائرة الى مزرعة له ولعائلته واقاربه وخلانه.
رغم كل هذه العيوب والتداخلات العجيبة في المواهب والمؤهلات والاختصاصات نجح شيوخ دبي في فرض (البيان) على خريطة الصحف اليومية خلال اسابيع قليلة من صدورها واصبحت تزاحم الاتحاد والخليج على الصف الاول.

ترى من يقف وراء نجاح " البيان " اذن ؟
انقر هنا واقرأ مقالنا التالي .