تعرضت مؤسستان صحفيتان اماراتيان الى الاغلاق النهائي وتم سحب ترخيصهما ... الاولى هي (صوت الامة) وقد تناولت حكايتها في مقال سابق ومجلة (الازمنة العربية) التي اغلقت في اكتوبر عام 1980 وسحب ترخيصها لاسباب سياسية.
صدرت "الأزمنة العربية" كمجلة أسبوعية سياسية ثقافية اقتصادية جامعة من مدينة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة في 8 مارس - آذار  عن دار ابن ماجد للطباعة والنشر1979.وقد اصدرها الاخوان محمد عبيد عباش وغانم عبيد غباش والاول كان رئيسا للتحرير بينما شغل الثاني منصب مستشار التحرير الى جانب عبدالله الشرحان وسلمت ادارة التحرير للصحافي اللبناني شوقي رافع الذي عمل ايضا في الوحدة والفجر والخليج قبل ان يتزوج من مواطنة ويطير معها الى واشنطن ليشتغل كمحرم ثم ليصدر جريدة فيها كانت تعتاش على اعتاب السفارات لكن جريدته لم يكتب لها الحياة فماتت بالسكتة القلبية وعاد رافع الى الشارقة بصفة واحدة هي انه (زوج المدام). وقد استمرت مجلة الازمنة في الصدور حتى 18 أكتوبر- تشرين الأول 1981 حين قرر مجلس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة إيقافها وسحب ترخيصها.
عادت المجلة للصدور من خارج الإمارات في أكتوبر- تشرين الأول 1983 واستمرت حتى صيف 1994 وإن بشكل متقطع. وقد
تعددت مواقع صدورها في الخارج فبدأت من لندن ثم من قبرص وبيروت وعادت مرة أخرى إلى لندن. وفي أبريل- نيسان 2003 وبعد توقف دام 9 سنوات تعود "الأزمنة العربية" كموقع إلكتروني وكمجلة شهرية الكترونية.
أسهم المغفور له غانم عبيد غباش بتأسيس الأزمنة العربية في 1979 وعمل مستشاراً لها في الفترة (1979-1981) ورئس تحريرها ابتداءاً من ربيع 1986 وحتى وافته المنية في 3 مارس آذار 1989.... وتعود المجلة كموقع الكتروني يحرره محمد عبيد غباش مع نخبة ممتازة من الشباب .

مجلة الازمنة علامة فارقة في تاريخ الصحافة في الامارات رغم انها لم تصدر الا 76 عددا فقط ومع ان اسم محمد غباش وغانم غباش والشرهان ورافع تصدر الترويسة الا ان عشرات عملوا في المجلة بعضهم كان متفرغا ... واكثرهم من المتطوعين ... فقد عمل راشد حمية كسكرتير تحرير وعملت معه زوجته سمر كمحررة وتولى عصام السبع منصب (المدير الفني) وكتب للمجلة عبد الحميد احمد وظبية خميس ويوسف صلاح وآخرون وكانت تعتمد المجلة على مصادر (سرية) داخل وزارات ومؤسسات الدولة لذا تفردت الازمنة بنشر (الفضائح) وعمليات الفساد وكان هذا هو السبب الرئيسي في اغلاقها وليس كما اشيع عن ان اغلاقها ارتبط بالحساسيات السياسية التي لازمت حرب الخليج الاولى.
لقد اغلقت المجلة لان الفساد في الامارات كان مؤسسة قائمة بذاتها لها رأس غالبا ما يكون شيخا او حاكما او وزيرا ... ولها ذيول واتباع ينفذون ما يخطط له الراس ... كانت الدولة تسرق بالطول والعرض وكان اللصوص - ولا زالوا- من الشيوخ والحكام واولادهم لذا لم يكن مسموحا للازمنة العربية ان تتصدى لهذه المؤسسة فاغلقوها.
صدرت الازمنة العربية كمجلة وبالقطع العادي المتعارف عليه وكان غلافها ملونا وحرص عصام السبع ان يخرجها كما المجلات اللبنانية ... بل ووفر لها الاخوان غباش مطابعها الخاصة.
لعل اهم ما يجده القارئ في اعداد الازمنة العربية هو سلسلة تحقيقات بعنوان (الوطن المنسي) وهي تحقيقات القت الضوء على احياء تعيش تحت حزام الفقر في دولة ثراء شيوخها دخل في كتب جينس للارقام القياسية واعتبرت هذه التحقيقات بمثابة تهديد للسلم الاجتماعي والدعوة الى ثورة شعبية ومناداة بتوزيع الثروة وزادت (الازمنة العربية) من جرعة النقد لمؤسسات الدولة ففتحت - مثلا- ملف الفنادق وما يدور فيها وشككت في ادعاءات الدولة بان هذه الفنادق تعكس تطورا في السياحة.
القضاء على (الازمنة العربية) تم بقرار وزاري نشر في الصحف اليومية في اكتوبر عام 1980 وبيعت مطابع الجريدة وتفرق شمل العاملين فيها وتحول مدير تحريرها شوقي رافع من محرر تكتب لمجلة كانت تكتب عن الوطن المنسي الى قوّاد يبحث عن اي عمل في الوحدة او الفجر او الخليج ولا زال!!!

هوية " الازمنة العربية " وتوجهاتها المعارضة للنظام السياسي ظهرت مع العدد الثاني من المجلة الذي صدر في 21 مارس اذار عام 1979 بغلاف ملون يتضمن اسكتشا لخريطة الدولة وعبارة " المذكرة " .... والمذكرة هي الوثيقة التي صدرت عن اجتماع المجلس الوطني ومجلس الوزراء وتضمنت ملخصا لصورة الدولة المطلوبة ... كتب المقال يومها " غانم غباش " الذي ركز على ان " النفط هو قرض من الماضي يستثمره الحاضر لرفاهية المستقبل " .

كانت زاوية " بلوطي " التي قيل ان غباش هو كاتبها تعكس هموم المواطن الاماراتي البسيط وكانت مقالات غباش في مجملها تعزف على وتر حساس جدا وهو الصراع القائم بين ابو ظبي ودبي ... و" عمالة " مشيخة دبي لايران بخاصة عندما ذكرت المجلة صراحة في عددها رقم 99 ان اغلاق مجلة " المجمع " في دبي قد تم بناء على اوامر من سفارة طهران في ابو ظبي .

اعتبارا من العدد 110 بدأت " الازمنة العربية " تضرب تحت الحزام حين فتحت بصراحة وعلى المكشوف الحديث حول توزيع الدخل في الامارات .... ففي مقال بعنوان " تجربة الامارات العربية المتحدة "  توزيع الدخل في دولة الامارات ذكرت المجلة في مانشتها العريض ان " اكثر المواطنين في ادنى السلم والفقراء يتزايدون " .

في العدد رقم 116 فتحت المجلة ملف الميزانية وجعلت غلافها بعنوان " لغز المليارت " وتصدر الموضوع مانشيتا مثيرا بعنوان " طعامهم الملح قبل النفط وبعده " ووجهت المجلة نقدها للسياسة الخارجية بخاصة المبالغ التي خصصت في الميزانية للمساعدات الخارجية التي وصفتها المجلة بالكرم الحاتمي ... واردفت المجلة :" لكن الامارات تعاني من سؤ توزيع الدخل والتضخم المالي الشديد الذي تسبب في ارتفاع اسعار كل مستلزمات المعيشة وبالتالي حقق عجزا وعدم تكافؤ بين الدخل والاجور وتكاليف المعيشة..... ومنه هنا كان صاحب البيت اولى بماله ".

في العدد نفسه ضربت المجلة اجهزة امن الدولة تحت الحزام في مقال بعنوان " سياسة خلوا كل شيء مستور لا تحمي امن الدولة "  تناولت فيه تجارة السلاح في الامارات من خلال القاء القبض  على عقيد سابق في الجيش العماني وخبير سلاح انجليزي كان يقيم في الشارقة وبعد ان اشارت المجلة الى حادثة الشرطي عبدالله كاسين وعملية الاغتيال التي نفذتها المخابرات العراقية في دبي والهجوم الذي قامت به عناصر المخابرات السورية على مطعم " يا مال الشام " في دبي والمملوك لمواطن اماراتي من اصل سوري كان يمول جماعة الاخوان المسلمين ختمت المجلة مقالها بتساؤل عن حقيقة الدور الذي يقوم به جهاز " امن الدولة " الذي كان انذاك برئاسة علي بن حمودة احد رجال الشيخ زايد .

في العدد نفسه وفي زاوية " بلوطي " اتهام مباشر لاجهزة الاعلام الرسمية في الامارات بما في ذلك الصحف بالترويج للمسئولين الاسرائيليين .... وفي العدد رقم 121 تفتح المجلة ملف اغتصاب الاطفال في الامارات ودور " فوضى العمالة الاجنبية وتفكك الامن " في انتشار هذه الجرائم التي هزت المجتمع بعد اكتشاف مقتل الطفلة ليلى واغتصابها في رأس الخيمة . ... وفي العدد رقم 124 فتحت المجلة ملف الصراع على الدخل في امارة ام القيوين بين الحاكم وشعب الامارة الذي هجرها الى الشارقة محتجا .... وفي العدد رقم 125 الذي تضمن غلافا بعنوان " للرجال فقط " فتحت المجلة ملف مدينة الباتان في العين وهي مدينة من الرجال الذكور الذين يعيشون على مقربة من " الصناعية " قرب " سكة الخيل " في ظروف انسانية قاهرة .... لقد كتبت عن هذه المدينة المجهولة في جريدة الفجر ويبدو ان ما كتبته قد اثار فضول عدد من الصحفيين المواطنين الذين توجهوا الى مدينة العين لمعاينة المدينة بأنفسهم وقد توقفوا اولا في مكتبي في جامعة الامارات قبل ان نتوجه معا الى مدينة " الباتان " التي تقع في بطن جبل مهجور وتتكون من العشش التي يعيش فيها الاف الذكور ممن يعملون في مهن وضيعة .... وقد وقفنا على بابها ولم نجرؤ على " اقتحامها " بخاصة وانه كان معنا فتاتان هما ظبية خميس وسمر سعد ( ابنة نجاح سلام ) التي كانت تعمل في مجلة الازمنة العربية وكان معنا ايضا حبيب الصايغ ومحمد يوسف الذي اصبح لاحقا مديرا لجريدة الاتحاد .... كان " الوفد " قد توقف في بيتي لدقائق قبل التوجه الى مدينة الباتان التي لم اكتفينا بالنظر اليها من تل مرتفع .

بصدور العدد رقم 134 الذي تضمن صورة لانور السادات بعد اغتياله بعنوان " فقيد الامبريالية " دقت مجلة " الازمنة العربية " المسمار الاخير في نعشها لان " السقف " الذي وصلت اليه في اثارة القضايا الداخلية والخارجية لم يكن مسموحا في المشيخة التي تقوم فيها معادلة الحكم على تقاسم " الدخل " بين الشيوخ الحكام وتوزيع الفضلات على " الشعب " .

كانت مجلة " الازمنة العربية " ظاهرة صحافية متفردة ومميزة في منطقة الخليج ومع ان المجلة عزفت على الوتر " القومي " الذي كانت تعزف عليه جريدة الخليج الا انها تمتعت بمصداقية اكثر بسبب " نظافة " اصحابها ... فغانم غباش لم يتردد على عتبات الحكام ليشحذ منهم كما كان يفعل تريم عمران .... ولم يكن الشعار " القومي " للاستهلاك فقط كما كان بالنسبة لاصحاب الخليج وانما كان انعكاسا لقناعة وممارسة عرف بها " غباش " الى يوم وفاته واظن ان مقالات غباش في الازمنة العربية والتي جمعها اصدقاؤه بعد وفاته في كتاب بعنوان "غانم عبيد غباش في السياسة والحياة" يعتبر بحق وصفا صادقا لكينونة الدولة وما توقعه غباش وبشر به او حذر منه حصل فعلا وجيل الحكام الجدد من اولاد الشيوخ خربوا ما بناه الجيل السابق ولا زالوا يخربون .

عندما هاجرت الى امريكا في عام 1985 قررت التواصل مع مجلة " الازمنة العربية " التي كانت انذاك تصدر في قبرص بخاصة وانه كان في جعبتي الكثير مما اريد نشره عن الامارات .... فطيرت رسالة الى غانم غباش بهذا الخصوص ورحب الرجل بي وطلب مني ان اكتب في قصايا التربية بخاصة واني كنت قد اثرت هذه المسألة في مقالات سبقت الاشارة اليها عن المناهج المدرسية وما يتم فيها من تزوير وكان غباش معجبا بمقالاتي ومؤيدا لها ... ونظرا لان غباش يعلم اني اكتب بأجر فقد استماحني عذرا في ان تكون المكافأة التي ستخصص لمقالاتي متواضعة نظرا للظروف المالية الصعبة التي تمر بها المجلة ومات غانم غباش قبل ان ابدأ بنشر مقالاتي في المجلة التي توقفت عن الصدور نهائيا .

مجلة الازمنة العربية كانت علامة مميزة وجميلة ورائدة في تاريخ الصحافة الاماراتية التي خربها من هم من طراز عبدالله نويس وحشر المكتوم وتريم عمران وراشد بن عويضة وشلة القوادين الذين عملوا كمستشارين لهم بدءا من ابراهيم العابد وانتهاء بياسر هواري .... وسيء الذكر وزير الاعلام الحالي الغلام التافه عبدالله بن فاطمة .( انقر على الصورة ادناه لتكبيرها ).