* وصلت الى ابوظبي في صيف عام 1975 لقضاء اربعة ايام فقط -ترانزيت- في ضيافة صديق كان يعمل في احدى الوزارات ولم اكن اعرف في ابوظبي الا هذا الصديق وثلاثة صحفيين هم بدرالدين عبد الحق واخوه تاج الدين عبد الحق والصحافي وليد غزالة.
بدر وتاج ووليد عرفتهم بحكم اقامتهم في نفس المدينة التي ولدت وعشت فيها في الاردن وهي مدينة (الزرقاء) وكان تاج زميلي في الدراسة في الجامعة الاردنية وقد تخرجنا في عام واحد -عام 1973- هو تخرج من كلية التجارة والعلوم السياسية وانا تخرجت من كلية الاداب.... وكنت اسبق من تاج في ممارسة مهنة الكتابة والعمل الصحافي حيث كنت في الاردن على صلة بالوسط الصحافي والثقافي اما تاج فقد دخل الى عالم الصحافة عن طريق الصدفة حين طار الى ابو ظبي بتأشيرة زيارة للبحث عن عمل في مجال تخصصه وتلقى فور وصوله من "محمد محفوظ" عرضا للعمل في جريدة الوحدة التي كان اخوه بدر مديرا لتحريرها .


* كثيرون ظنوا ان دخول
تاج الدين عبد الحق الى العمل الصحافي ما كان يتم لو لم يكن اخوه " بدر " قد سبقه اليه وتوسط له عند محمد محفوظ مدير عام الجريدة واحد ملاكها.... أما انا فكنت ارى العكس تماما .... فوجود بدر في الواجهة هو الذي اعاق صعود نجم تاج الدين بل وكانت صراعات بدر وخلافاته مع الاخرين تنعكس على علاقة تاج بهم مع ان تاج كان يحرص ان ينأى بنفسه عن اخيه لكن المجتمع الصحافي الصغير في ابو ظبي لم يكن يتفهم هذه الخصوصية في الاخوين فضلا عن ان تاج الدين التحق بجريدة الوحدة ايضا وكان بدر آنذاك نجما فيها وصاحب قرار.


8 ومع اني كنت اعرف الاخوين تاج وبدر قبل ان يحترف الاخوان مهنة الصحافة الا اني كنت اكثر معرفة بتاج بحكم السن اولا وبحكم زمالة الدراسة حيث تخرجنا من " الجامعة الاردنية " عام 1973..... كنا نسافر معا ومعنا عشرة  من ابناء الضباط في " باص " واحد يوميا من مدينة الزرقاء الى الجامعة الاردنية في عمان ونعود مساء في الباص نفسه الذي كانت توفره لنا دائرة النقليات في الجيش الاردني بحكم عمل والدي ووالد تاج في الجيش .... كما اني كنت اكثر الناس معرفة بمواهب تاج وقدراته وامكاناته لان مجتمع الجامعة الاردنية كان انذاك  مجتمعا صغيرا ومحدودا حيث كان الطلبة يعرفون بعضهم بعضا بغض النظر عن الكليات التي يدرسون فيها ... وفي رأيي انه لو لم يكن اخوه بدر في الصورة لكان لتاج الدين عبد الحق شأنا اخر.... فهو شاب مثقف ومنفتح جدا على العالم و جريء الى حد " التهور " ... جبان الى حد" الاعتدال " ... كريم الى حد " التبذير " و " بخيل " الى حد التقتير ... خفيف الدم في بعض المواقف الى حد العبقرية ... وثقيل الدم في بعضها الاخر الى حد " الزناخة " .... طموح حتى الجنون..... ويقبل باقل القليل الى حد البلاهة ... وفي بعض المواقف يمكن ان تتوقع منه اي شيء... اخفى عني خبر زواجه وعندما تزوج قاطعني تماما ربما لاني الوحيد الذي يعرف تاريخه " النسائي ".... وقلمه سيّال ... تاج يمكنه ان يكتب جريدة كاملة من الغلاف الى الغلاف في قعدة واحدة دون ان تجد في مقالاته غلطة نحوية او املائية واحدة مع انه تخرج من كلية (التجارة)  وهو يكتب في النقد الادبي بالقدرة نفسها التي يحلل فيها الوضع الاقتصادي ... وعندما يكتب في الفن تظنه من خريجي معهد السينما .... ولعل هذه المقدرة اللغوية عند تاج وعند بدر تكون بعضا مما ورثاه عن ابيهما فضيلة الشيخ محمد احمد عبد الحق  وقد كان رحمه الله رجلا معمما فقيها مفوها وعالما اسلاميا مرموقا .


* كان تاج موهوبا اكثر من بدر ولكن بدر كان اكثر ذكاء منه ... كان تاج يحتاج الى من يعلمه الاصول وكان بدر استاذا في هذا الفن .... فضلا عن فن التخاطب والتعامل مع الاخرين وهي صفات تميز بها بدر ووظفها في عمله الصحافي الامر الذي ساعد في بروزه وتفوقه على الاخرين واوصله خلال اشهر الى منصب " مدير تحرير " في جريدة الوحدة  وادخله لاحقا في صراع مع عبدالله النويس وعصابته.


* كان تاج الدين سيبرز في اي مجال او عمل يلتحق به .... فلو عمل في مجال دراسته وتخصصه " كلية التجارة والسياسة " لاصبح مديرا لبنك وربما وزيرا للخارجية في الاردن ... ولو عمل في وزارة الاوقاف لكان اليوم مفتيا عاما للمملكة ... ولو عمل في الصحافة في معزل عن اخيه بدر عبد الحق لاصبح تاج الدين احد نجومها اللامعين وهو - مع ذلك- يعتبر الان نجما فمراسلة جريدة لندنية من ابو ظبي يحتاج الى مقدرة خاصة والى ذكاء يأخذ بعين الاعتبار كل التوازنات والحساسيات الموجودة في المنطقة.
اما على الصعيد الشخصي فكثيرون يقولون ان تاج ليس وفيا لاصدقائه ومعارفه وانه تقوقع على نفسه بعد زواجه وبعد ان اصبح رب اسرة كبيرة ... فأنا مثلا لم اسمع منه منذ عام 1984 اي منذ ان غادرت الامارات مهاجرا الى امريكا مع اني سمعت انه زار امريكا خلال هذه الفترة ومع ان سعر المكالمة من ابو ظبي الى امريكا  يقل عن سعر حبة فجل واحدة ومع هذا اقر واعترف انه لولا تاج الدين عبد الحق لما عملت في صحافة الامارات.... فبعد وصولي ابو ظبي بيومين  قررت العودة الى عمان فورا ... كان الجو في ابو ظبي في صيف يوليو تموز حارا جدا ورطبا وكنت اشم رائحة السمك حتى وانا في الشقة ... كنت ارى ان العيش والعمل في الامارات حماقة بخاصة لمن كان ينتظره عمل اخر مثلي فقد كنت قبل سفري الى ابوظبي قد تلقيت عرضا للعمل في التلفزيون الاردني قدمه لي الاستاذ عبد الله الزعبي الذي كان آنذاك مديرا اداريا للتلفزيون...لم اكن اعرف عبد الله من قبل ... التقيته مرة واحدة يوم ذهبت الى ادارة التلفزيون لتحصيل اثمان اربعين نسخة من كتابي (آراء نقدية) فنقدني عبدالله الزعبي ثمن ستين نسخة ثم سألني: لماذا لا تعمل معنا في التلفزيون؟ قلت له: لان العمل في مؤسستكم يحتاج الى واسطة!! قال: انا الواسطة ... املأ هذا الطلب ... وراجعني بعد اسبوع .
ملأت الطلب ... وسافرت الى ابو ظبي في اليوم التالي وبعد يومين من وصولي قدمني تاج الى" ابراهيم المطيري" الذي كان آنذاك وكما ورد في مذكرات محمود السعدني مديرا لتحرير الوحدة وكان المطيري يبحث عمن يتولى تحرير مجلة " الظفرة " فاصدر المطيري قرارا بتعيني مشرفا عليها ... استصدر المطيري  تأشيرة عمل لي فطرت الى البحرين وعدت في الطائرة نفسها لادخل بموجب تأشيرة العمل الجديدة بدلا من تأشيرة " الترانزيت " التي كنت احملها .... كان قراري بتجربة الاقامة والعمل في الامارات يرتبط بالذين اعرفهم فيها اكثر من ارتباطه بحاجتي الى العمل فقد كان في مخططي ان اعمل في لبنان او ليبيا بل وكنت افكر بالسفر الى امريكا لمتابعة الدراسة ولكن العرض الجديد خفف من اندفاعي وجعلني اقبل بالواقع .... الى حين .
لم يكن ابراهيم المطيري آنذاك مجرد مدير تحرير لجريدة الوحدة وانما كان مديرا عاما لمجموعة راشد بن عويضة التجارية التي كانت تضم ثلاثين مؤسسة تجارية من بيها طبعا مؤسسة الوحدة للطباعة والنشر.
كنت اظن ان المطيري كويتي الجنسية الى ان علمت لاحقا انه سوري ولم ار المطيري مرة ثانية الا عندما عمل مع محمود السعدني في جريدة الفجر كموزع للجريدة ويومها علمت ان راشد بن عويضة المشهور بتنكره لافضال الجميع واكل حقوقهم قد طرد المطيري من عمله كما طرد مئات من قبله ... ومن بعده.
سائق الباص الذي لم اعد اذكر اسمه والذي عمل كمدير تحرير لجريدة الوحدة لمدة شهر حصل على الوظيفة من خلال ابراهيم المطيري الذي كان - كما يقول السعدني- يقرأ الجريدة بصعوبة ... ولكن ظاهرة ابراهيم المطيري ظلت ملازمة للوحدة حتى بعد ان تركها المطيري بسنوات ... ففي اوائل الثمانينات عين راشد عويضة ولدا فلسطينيا جاهلا  اسمه "عبد اللطيف احمد" مديرا عاما للشئون الادارية والمالية للجريدة وكلفه باختيار الصحفيين والمحررين وكان هذا "الحمار" هو الذي وقع على قرار فصل رسام الكاريكاتير علي فرزات ... وهو ايضا الذي طفش الصحافي المصري طارق الفطاطري الذي استقطبته جريدة الاتحاد فورا لتنتفع من خبراته.... كما عمل في الوحدة بائع روبابكيا اسمه " جميل عارف " ويمكن القول ان الفضل في نجاح الجريدة في السنوات الاخيرة يعود الى اثنين هما  رئيس التحرير علي ابو الريش وهو كاتب واديب من مواطني الامارات ... وطارق الفطاطري الذي يعمل كمدير تحرير تنفيذي .( الظاهرون في الصورة من اليمين الى الشمال طارق فطاطري واسامة فوزي وجمال مجايدة وقد التقطت الصورة عام 1983 في احدى المناسبات الصحافية في ابو ظبي ).
لقد ذكرت من قبل ان محمود السعدني جاء اول مرة للعمل في جريدة الوحدة ... وقد عمل فيها فعلا مدة عشرة ايام فقط وكتب عن هذه الايام العشرة في كتاب (مذكرات الولد الشقي في المنفى) كاشفا النقاب عن ان الذي رشحه لهذا العمل هو الصحافي مصطفى الشردي الذي كان آنذاك رئيس لتحرير جريدة الوحدة.
يقول السعدني :
"وقلت لمصطفى لقد كان لدي عرض سابق ولا مانع لدي من مناقشة الامر وهكذا دخلت دار الوحدة برفقة واحد اسمه ابراهيم المطيري سيصبح صديقا لي فيما.... بعد كان ابراهيم هو مدير التحرير الذي ساحل محله وكان يدير التحرير بطريقة تثبت ان موهبته الاصلية هي الملاكمة ولكنه اخطأ طريقه في الحياة وكان يقرأ الجريدة بصعوبة ومع ذلك كان هو المكلف بمراجعة المواد وكان شديد الطيبة في اعماقه شديد الغطرسة في الظاهر وكان يتعمد اظهار اسوأ مافيه ويجاهد كثيرا لكي يخفي مشاعره الطيبة ونجحت في تحويل ابراهيم من وحش مفترس الى حيوان اليف وقررت العمل في جريدة الوحدة فقد كان لديها فرصة لتصبح واحدة من الجرائد المؤثرة في الخليج.
اولا لان صاحبها كان جادا في الوصول بها الى هذه المرتبة وثانيا لان الجو السياسي في ابوظبي يختلف عن جو الدوحة ففي ابوظبي نسبة كبيرة من الحرية وللصحافة حق الخوض في مواضيع محرم على صحافة الدوحة ان تخوض فيها او تتعرض لها ثم هناك جريدة هي بالقطع افضل بكثير من جرائد ليبيا والجزائر والعراق معا واقصد بها جريدة الاتحاد ثم هناك عشرات من الصحفيين من مصر وسورية وفلسطين الى جانب عشرات اخرين من الارزقية امتهنوا الصحافة باعتبار انها افضل من السرقة والتهليب وكل شيئ يغضب الله!!
قضيت عشرة ايام داخل دار الوحدة ثم قررت ان اهرب من الدار ومن ابوظبي كلها.... لقد اكتشفت قانونا غير مكتوب ولكن تنفيذه واجب على الجميع ... ان موازين القوى في الخليج تحتم تعيين اعداد مختلفة من جميع الجنسيات في العمل الواحد ... بمعنى انك لو كنت في حاجة الى عشرة صحفيين فلا بد ان يكون ثلاثة منهم مصريين وثلاثة فلسطينيين وواحد سوري وواحد سوداني وواحد هندي وواحد يمني مثلا او بلوشي او ايراني او ما تيسر من الجنسيات وقد يكون مفيدا تطبيق مثل هذا القانون في عمل تجاري مثلا ولكن في عمل صحفي ... اسمحلي!!

ولكنني فخور بالفعل لانني اكتشفت خلال تلك الفترة القصيرة كثيرا من المواهب لو سنحت لها فرصة حقيقية لقدمت عطاء كثيرا بلا شك الفنان محمد العكش الذي لا بد ان يذكر يوما ما في تاريخ صحافة الامارات بانه اسهم مع اخرين مثل مصطفى شردي بمجهود رائع في خدمة المهنة وازدهارها في هذه البقعة من ارض العرب وهندي غيث المصري واسامة فوزي الفلسطيني وكثيرين غيرهم حفروا في الصخر باظافرهم لتمهيد الطريق امام الصحافة الناشئة.
وحقيقة اذكرها الان من باب العلم بالشيئ ... انني لم اتقاض اجرا عن الايام العشرة التي قضيتها في دار الوحدة وانني اثرت السفر الى بيروت تاركا حقيبة ملابسي في عهدة ابراهيم المطيري وحتى هذه لم تصلني الا بعد اسابيع كثيرة من سفري ولكنها على اية حال كانت تجربة مفيدة لقد اكدت لي ان الخليج ليس هو بحر الرمال المتحركة ولكنه بحر الحياة المتطورة والامال العريضة والمستقبل الغامض الحافل المتخم بالفرص والمفاجآت وأه على مصير الموهوبين الذين مكنت لهم خلال فترة اقامتي القصيرة هناك لقد خلا الجو بعد رحيلي لعديمي المواهب فافترسوهم بعد ذلك ولكن لانه لا يصح في النهاية الا الصحيح فقد عادوا من جديد لتسير القافلة ذلك لان الموهبة كالجريمة لا بد ان تنكشف يوما!

انتهى الاقتباس من كتاب محمود السعدني .


* تولى الصحافي الفلسطيني "محمد مصباح حمدان" مهمة الاشراف على (الوحدة) بعد مغادرة محمود السعدني وكان محمد مصباح حمدان ضخم الجثة محدود الموهبة يغطي على عجزه وقصور موهبته بصوته الجهوري ... وبمقالاته الطويلة التي كان يوقعها باسم (كاتب فلسطيني معروف) ولا ادري حتى هذه اللحظة لماذا لم يوقع محمد مصباح حمدان مقالاته باسمه الحقيقي وان كنت اعلم ان كل سكان ابوظبي كانوا يعرفون ان الكاتب الفلسطيني المعروف هو محمد مصباح حمدان نفسه ليس لان اسلوبه متميز او لان سكان ابوظبي كانوا يفتحون بالفنجان والمندل وانما لان محمد مصباح حمدان كان يطوف على سكان ابوظبي نفرا نفرا ليسلمهم نسخا من مقاله الموقع باسم (كاتب فلسطيني معروف).
كان اول قرار اتخذه محمود السعدني حين استلم العمل في الفجر هو الغاء مقال محمد مصباح حمدان الذي كان ينشر على انه (تحليل سياسي) وكان السعدني قد تصادم في اول اجتماع لمجلس التحرير مع اثنين هما انا ... ومحمد مصباح حمدان ... والطريف ان تصادمي معه تمخض عن صداقة حميمة وطويلة  امتدت الى اكثر من 28 سنة وقد التقيته قبل اسابيع قليلة في لندن حيث يعالج فيها من شلل شبه كامل .
في ذلك الاجتماع سأل السعدني كل واحد منا عن طبيعة عمله في الجريدة وكان قد قرأ عدة اعداد منها قبل الاجتماع وكون فكرة عن بعضنا من خلال ما نشر لنا فيها ولما جاء الدور على محمد مصباح حمدان قال: انا محلل سياسي!!
سأله السعدني: يعني بتحلل ايه؟
قال : باحلل الموقف السياسي
عندها التفت السعدني باتجاه ابراهيم المطيري وهو ينادي عليه بطريقته الساخرة المعهودة ... يا ابراهيم .. اقفل قسم التحليل السياسي مش عايزين نحلل حاجة!!
كان السعدني قد قرأ (تحليلا) من هذه التحليلات فلم يفهم منها شيئا وكنا مثله لا نفهم ليس لاننا قاصرون عن الفهم وانما لان محمد مصباح حمدان كان مثل "منصور" ابن الناظر في مسرحية مدرسة المشاغبين ... ما بيجمعش!!
كنت يومها - عام 1976-  اكتب في جريدة الوحدة زاوية يومية بعنوان (صاروخ) الى جانب اشرافي على مجلة الظفرة وكنت ابدو اصغر العاملين سنا وحجما لذا لم يكن السعدني مقتنعا باني صحافي وكاتب وظن اني قريب لاحد العاملين واني التحقت بالعمل هكذا ... فهلوة ولما علم ان لي كتابا مطبوعا طلب مني نسخة ... واجل التصادم معي الى اجتماع قادم.
كنت يومها قد قدمت طلبا للعمل في وزارة التربية والتعليم كمدرس كما اني كنت شابا صداميا لا احتمل الاهانة واموت بالمعارك الصحفية واعشق الردح لخصومي بكل اللغات لذا هيأت نفسي للجولة القادمة رغم نصائح (تاج) بان اتجاوز الموضوع واتناساه من باب ان من حق مدير التحرير ان يتعرف على العاملين معه بل واقترح تاج ان نزور السعدني في فندق (خالدية بالاس) حيث ينزل وان نهديه نسخة من كتابي (آراء نقدية).
وهذا ما كان ... توجهنا مساء الى الفندق ولم يكن السعدني في غرفته فتركنا له الكتاب في" الريسيبشن" ولم اسمع منه او عنه بعد ذلك لان السعدني ترك العمل بعد عشرة ايام فقط وطار الى بيروت فتنفسنا الصعداء وعاد المحلل السياسي محمد مصباح حمدان الى سابق عهده مديرا للجريدة ومحللا فيها!!
بعد ايام اصدرت عددا جديدة من مجلة "الظفرة" وهي مجلة اسبوعية كنت اكتبها من الغلاف الى الغلاف وكان صديقنا محمد الرمحي يخرجها.. كان الموضوع الرئيسي في المجلة عن التراث الشعبي الفلسطيني وكنت انا كاتب الموضوع وقد اشرت فيه الى اني فلسطيني من مدينة صغيرة في الجليل المحتل اسمها "ترشيحا"
رن جرس الهاتف في مكتبي وكان على الخط شخصا قدم نفسه على انه" صالح القاضي"
قال: انت اسامة فوزي
قلت: نعم
قال: انت من ترشيحا
قلت : نعم ... مين حضرتك
قال : انا صالح القاضي ... من ترشيحا كمان!!
قلت : اهلا يا اخ صالح ... كم عمرك؟
قال: عمري 55 سنة وانا هنا منذ عشرين عاما
سألته : اين تعمل؟
قال: في وزارة الاشغال ... تفضل زورني
قلت : اين تعمل؟
قال: انا في الوزارة ... تعال للوزارة واسأل عني.


* كنت قد بدأت اشعر بالملل والوحدة في ابو ظبي  لان عدد الذين اعرفهم لم يكن يتجاوز اصابع اليد الواحدة و هم معارفي من الاردن ... كما ان اوضاعنا المعاشية كانت سيئة فصاحب جريدة الوحدة "راشد بن عويضة" كان يتعامل معنا بمنطق " الرقيق " وعقلية " الكفيل " التي ابدع في تصويرها "عدلي صادق" في مقال نشره مؤخرا في جريدة القدس( انقر هنا لقراءته) ...كنا بالنسبة لراشد بن عويضة  "حيوانات اليفة" لذا استأجر لنا غرفة وصالة في حارة شعبية اسمها (مدينة زايد) ... كانت الغرفة بلا ماء والكهرباء فيها لا تعمل الا ساعة او ساعتين في اليوم وكان مكيف الهواء فيها خربانا ... ولم يكن فيها مرحاض ... وعدد الجراذين الضخمة التي تعيش فيها اكثر من عدد الصحفيين العاملين في جريدة الوحدة مضافا اليهم زوجات راشد بن عويضة وعشيقاته وغلمانه... ومع  انها كانت تتكون من غرفة وصالة الا انها كانت بمثابة لوكندة لكل عابر سبيل ليس فقط للصحفيين العاملين في الجريدة وانما ايضا لجميع الشباب العرب الذين يصلون الى مطار ابوظبي ولا يجدون اقامة وسكنا.... ولجميع القطط الشاردة في الحارة .... ولجميع السحالي والصراصير والعناكب .


* في احدى الليالي نام في الغرفة اكثر من 13 صحفيا اذكر منهم تاج الدين عبد الحق ووليد غزالة ويوسف صلاح وسليمان نمر وشوكت كتانة وحسن سلامة واحمد محسن وثلاثة اشخاص وجدناهم في المطار وآخرين لم اعد اذكر اسماءهم.... وكنا كلما انقطعت الكهرباء وتوقفت اجهزة التكييف عن العمل نتوجه الى مطار ابوظبي لننام على مقاعده الوثيرة في غرفة المراسم او قاعة الاستقبال او في صالة الوصول وقد فعلناها مرة رغم ان الكهرباء لم تنقطع واجهزة التكييف لم تتوقف عن العمل هربا من رائحة كريهة هجمت علينا من المطبخ حيث تبين ان زميلنا" سليمان نمر" قد شخ في المطبخ وبعد معركة بالايدي بينه وبين تاج الدين عبدالحق غادرنا الشقة الى المطار ... وتركنا سليمان نمر يتنعم بالرائحة وحده ... سليمان نمر هذا اصبح ولا يزال مستشارا للامير سلمان عبد العزيز  واظن انه يشخ هذه الايام في حمامات القصر وليس في مطابخه بدليل انه ما زال على رأس عمله لدى الامير.... وتوقفنا عن عادة النوم في المطار بعد اغتيال سيف غباش وزير الشئون الخارجية في المطار واقرار انظمة امنية مشددة حالت بيننا وبين النوم في صالة " كبار الزوار ".


* احساسي بالوحدة وحنيني لاي (نفر) من ابناء بلدتي (ترشيحا) المشردين في مخيمات لبنان وسوريا والاردن هو الذي دفعني الى زيارة "صالح القاضي" في وزارة الاشغال ... ظننت لاول وهلة انه عامل باطون ... او لعله طابع على الالة الكاتبة في الوزارة وقلت لعله فراش فيها لكنني فوجئت عندما وصلت الى مبنى الوزارة بشخص ينتظرني في قاعة الاستقبال ويقودني الى مكتب وثير كان يجلس فيه رجل ابيض البشرة وسمين بعض الشيء قدم نفسه لي بانه صالح القاضي ... وبعدها عرفت ان صالح القاضي هو مدير مكتب الوزير الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان الرجل الثاني في الدولة من حيث الاهمية بعد الشيخ زايد .
بعد دردشة سريعة مع "صالح القاضي" الذي كان ابوه رئيسا لبلدية ترشيحا قبل عام 1948 سألني عن المرتب الذي يدفعه لي راشد بن عويضة ولما اخبرته به وقف وراء مكتبه يرغي ويزبد ويشتم راشد بن عويضة الذي يستغل البشر والذي يدفع للفراشين الهنود في مكتبه اضعاف ما يدفعه للصحفيين العرب في جريدته ... ثم سألني:
لماذا لا تعمل في وزارة التربية؟ ... رواتب الوزارة افضل واكرم لك ؟
قلت له: قدمت لهم طلبا ويبدو ان شروط العمل معقدة بعض الشيء.
رفع صالح القاضي سماعة الهاتف وتحدث مع شخص يعمل في وزارة التربية واعطاه اسمي ثم قال لي: اذهب غدا الساعة العاشرة صباحا الى مبنى الوزارة الطابق الثالث غرفة رقم كذا واسأل عن فلان ... ستجده في انتظارك.


* افقت في اليوم التالي بعد الموعد بساعتين ليس لانني نسيت الموعد وانما لاني لم آخذ الحكاية على محمل الجد فصالح القاضي لم يكن مقنعا في عرضه لي ثم ان الشروط المطلوبة للعمل يومها طويلة ومعقدة ولم تكن معي اية وثيقة لاني طرت الى ابوظبي بتأشيرة ترانزيت اربعة ايام ولم اكن اخطط للبقاء والعمل فيها ... عدا عن اننا قد دخلنا في شهر اكتوبر والدراسة قد بدأت منذ شهرين ولا اظن ان هناك شواغر.
وصلت الى مكتبي في جريدة الوحدة في الثانية عشرة والنصف لاجد اكثر من عشر رسائل هاتفية من صالح القاضي وتلقيت اتصاله الحادي عشر بعد دخولي المكتب وسألني: ليش ما رحت عند فلان؟
قلت له : هل انت جاد؟
قال: طبعا وهو في انتظارك.
قلت: ولكن ليس معي اية وثيقة ... الشهادات ووثائق الخبرة لا زالت في الاردن وانا لم اقدم استقالتي من العمل
قال: لا عليك ... هذه يمكن ان نطلبها فيما بعد


* توجهت الى الوزارة ... والى الغرفة التي ذكرها فاذا بي اجد رجلا في الستين من عمره علمت انه احد كبار الموجهين في الوزارة وهو مصري الجنسية سلم علي بحفاوة وقال لي ان الوزارة يشرفها ان يعمل اديب وكاتب وصحافي مثلي فيها وقال انه بقي منصبان شاغران اولهما في مدرسة اعدادية في ابوظبي ... والثاني في كلية زايد الاول الثانوية في مدينة العين فاخترت المركز الثاني وكنت صبيحة اليوم التالي على رأس عملي في الكلية مدرسا لمادة اللغة العربية لصفوف الثانوية العامة .


* انتقالي الى مدينة العين للعمل في التدريس لم يقطع صلتي بالصحافة والوسط الصحافي حيث كنت اقضي يومي الخميس والجمعة في ابوظبي متنقلا من جريدة الى اخرى ومن منزل صديق الى اخر ومن ندوة او سهرة الى اخرى .... ومرت اسابيع على عملي في كلية زايد الاول ... كنت الاصغر سنا بين مدرسين اصغرهم تخرج من الازهر قبل ثلاثين سنة ... ويبدو ان سني الصغير وتخصصي النادر في النقد الادبي ثم طبيعة اهتماماتي الثقافية والصحافية جعلتني اقرب المدرسين الى نفوس الطلاب الذين كان بعضهم يقاربني في السن ... وذاع صيتي في المنطقة التعليمية يوم خرج الطلاب في مظاهرة ضد احتلال ايران للجزر الاماراتية فبعث بي مدير المدرسة اليهم لتفريقهم واقناعهم بدخول قاعات الدرس بصفتي المدرس (المناوب) في ذلك اليوم ... لكني سرعان ما تفاعلت مع الطلبة واقتنعت بوجهة نظرهم واقنعتهم بضرورة ان تخرج المظاهرة الى الشارع وفوجئ ناظر المدرسة بي اتزعم المظاهرة ... واسير في مقدمتها محمولا على اكتاف الطلبة ... وكانت تلك اول واقعة لفتت انظار  رئيس مكتب مخابرات العين الذي سارع الى فتح ملف لي !!


* بعد ايام جاءني مدير الكلية الاستاذ علي عوض بامطرف ليهمس في اذني : انت عملت حاجة لا سمح الله؟!
سألته: حاجة زي ايه؟
قال: مدير المنطقة التعليمية الاستاذ محفوظ شديد اتصل قبل قليل بالهاتف وسألني: هل يوجد مدرس لغة عربية  عندكم اسمه اسامة فوزي وعندما قلت نعم قال: انه سيحضر بعد دقائق لرؤيته.
لم اكن قد التقيت بالاستاذ محفوظ شديد من قبل وان كنت اعلم انه مدير المنطقة التعليمية وانه مواطن من اصل فلسطيني من قرية " علار " وانه يقيم في الامارات منذ ثلاثين عاما وان المدرسين يخافون منه ويصيبهم رعب حقيقي من مجرد ذكر اسمه.
قلت في نفسي لعل محفوظ شديد علم بالمظاهرة التي حرضت عليها فجاء ليبهدلني ... لذا سارعت الى لملمة اوراقي استعدادا لمغادرة المدرسة عائدا الى ابوظبي بل واتصلت بشاكر الجوهري الذي كان يعمل في جريدة (صوت الامة) والذي كان قد عرض علي العمل فيها وسألته ان كان عرضه لا زال قائما!!
قبل ان (افركها) علمت ان محفوظ شديد قد وصل الى مكتب (الناظر) ولم يعد بامكاني مغادرة المبنى دون المرور من امام مكتب الناظر فتوجهت الى المكتب بعد ان اتخذت وضعا قتاليا كعادتي للدخول في معركة ردح كما كنت اتوقع فاذا  بمدير المنطقة التعليمية محفوظ شديد يحضنني ويرحب بي امام الناظر والمدرسين بحفاوة لم اتوقعها ... وسلمني نسخة من جريدة السياسة الكويتية (
عدد يوم الاثنين الصادر في العاشر من مايو ايار عام 1976)  وهو يعاتبني لاني لم اتصل به عندما التحقت بالعمل في الكلية.
كانت الجريدة تتضمن مقالا لمحمود السعدني بعنوان " مقدمة هذا الرجل " نشرها في زاويته الشهيرة " هذا الرجل "  التي اشتهر عرف بها السعدني منذ عام 1965 منذ عام 1965  ... كان الرجل الذي اختاره السعدني ليكتب عنه هذه المرة هو الداعي ومع ان السعدني كان يختار لزاويته نماذج حتى يشتمها ويلعن سنسفيلها الا ان هذه المرة اختارني ليمدحني ويصفني بالعظمة ويعقد مقارنه بيني وبين احمد بهاء الدين ...

* كتب السعدني يقول : " ذات صباح منذ خمسة عشر عاما اقتحم توفيق الحكيم شيخ الادباء العرب مكتب احمد بهاء الدين وقدم له نسخة مخطوطة من كتابه الجديد " تأملات في السياسة " وقال له أريدك ان تقرأ هذا الكتاب . ورد احمد يهاء الدين انه لشرف كبير لي ان اقرأ كتابا لتوفيق الحكيم قبل ان يدخل المطبعة ويظهر في الاسواق ! وقال الحكيم : لم اقصد هذا المعنلى حين جئت اليك ولكني اردتك ان تقرأ هذا الكتاب وان تكتب لي مقدمة وقال بهاء للحكيم : انا اكتب لشيخ الادباء مقدمة ؟ ورد الحكيم : نعم ... لقد فتشت بين كتاب الجيل الجديد المتذوقين للاداب الرفيعة عن واحد يكتب لي مقدمة فلم اجد الا انت . ولقد وقع اختياري عليك وانتهى الامر . اقرأ الكتاب واكتب المقدمة لان المطبعة في الانتظار والكتاب سيكون في متناول القراء اول الشهر ! وهكذا كتب احمد بهاء الدين الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة والثلاثين من العمر مقدمة كتاب لشيخ ادباء العصر توفيق الحكيم وكان وقتئذ في الستين . وكان هذا هو اول حادث ادبي من نوعه يقع في العالم العربي وان كان تقليدا معروفا يتكرر كثيرا ومنذ اعوام في الغرب .ذلك اننا في الشرق تعودنا ان يكتب الكبير مقدمة للصغير وان ينصح العجوز الشاب وان يقود الجميع من له قدم في الحياة وقدم في القبر .
وهذه السابقة العظيمة التي ارتكبها توفيق الحكيم لم تتكرر مرة اخرى . عادت ريمة لعادتها القديمة وعاد الشباب للكتابة والعجائز للتقديم ! وقلت لنفسي لماذا لا ترتكب انت ايضا نفس السابقة ؟ لماذا لا تعطي الفرصة لشاب عظيم يقدم لك كتابك الجديد " زئير الكلب " ؟ وبالفعل ... وقع اختياري على شاب في السابعة والعشرين من العمر اسمه " اسامة فوزي "  وهو فلسطيني سبق له ان اصدر كتابا احدث ضجة في الاردن جعلته يهاجر من هناك الى ابو ظبي حيث يعمل بالتدريس منذ سنوات ولقد اكتشفت اسامة فوزي خلال بحثي عن مواهب في دولة الامارات لتتعاون معي في اصدار جريدة الفجر ولقد شممت فيه رائحة بداية " رجاء النقاش " في اوائل الستينات وقال لي نزار قباني اني اشم فيه رائحة انور المعداوي في بداية الاربعينات !
المهم انني اخترت وانتهى الامر وسيصدر كتابي الجديد بمقدمة للشاب اسامة فوزي . ومن يدري لعلي ادخل التاريخ من هذا الباب بعد ان سدت جميع ابواب التاريخ والجغرافيا في وجهي !

* كانت مقالة السعدني مفاجأة لي قبل ان تكون مفاجأة لمحفوظ شديد الذي تلقى - كما قال لي- عشرات الاتصالات الهاتفية من اصدقاء له في الكويت وابوظبي والقاهرة بعد ان علموا ان هذا الناقد الفلسطيني الشاب الذي يمتدحه محمود السعدني يعمل في احدى مدارس مدينة العين التي تقع ضمن مسئولية محفوظ شديد ... وذاع صيت المقال ... وقام "فخري قعوار" باعادة نشر مقال السعدني في صفحة كاملة في جريدة الرأي الاردنية( عدد يوم الاحد 23 مايو ايار غام 1976) بعد ان وضع صورتي في مقابل صورة السعدني وكتب فوق الصورتين مانشيتا عريضا  يقول ( اسامة فوزي يكتب مقدمة زئير الكلب للسعدني ").... وقد نشرت الجريدة مقال محمود السعدني كاملا وقدمت له بعبارة جاء فيها " الناقد الاردني اسامة فوزي سيكتب مقدمة كتاب جديد للكاتب والصحافي المصري المعروف محمود السعدني يحمل اسم " زئير الكلب " وقد كتب محمود السعدني كلمة في جريدة السياسة الكويتية يشير فيها الى اسامة فوزي والمقدمة وذلك في عددها الصادر في العاشر من الشهر الحالي .... المحرر " .... وكان المحرر هو الاديب والكاتب الاردني فخري قعوار الذي كان يومها رئيسا لرابطة الكتاب الاردنيين والمحرر المسئول في جريدة الرأي الاردنية .( انقر على صورة مقال جريدة الرأي لتكبيره )


* هذه هي المقالة التي قلبت كياني واخرجتني من عزلتي في الامارات فبعد ان كان اصدقائي في الامارات بخاصة في الوسط الصحفي يعدون على الاصابع اصبحت اتلقى اتصالات ودعوات من عشرات الكتاب والصحفيين والمثقفين العرب ... وكانت تلك اول بادرة عودة الى المساهمة بكثافة في الصحافة المحلية والعربية رغم عملي في كلية متواضعة" محدوفة" في مدينة تحيط بها الرمال على بعد 160 كيلومترا من ابوظبي.

للعودة الى فصول الكتاب انقر هنا