* حرصت في الحلقة الماضية ان انشر شهادة الاستاذ الصحافي الكبير محمود السعدني على فترة عمله في الصحافة الاماراتية كاملة لان شهادته مهمة ولان شهادته تخلو تماما من اي ذكر للمدعو عبدالله النويس الذي لم يكن له اي فضل او تاثير على الصحف الاماراتية حتى يوم تعيينه وكيلا لوزارة الاعلام وهو يتنافى تماما مع محاضرته (المسخرة) التي القاها بمناسبة احتفال مؤسسة الامارات للاعلام بصدور العدد عشرة الاف من جريدة الاتحاد والتي حاول فيها النويس تزوير التاريخ وتجيير الانجازات الصحافية الى صالحه.


* لقد اشرت في مقالي السابق الى ان محمود السعدني لم يعمل فقط في جريدة الفجر وانما عمل ايضا في جريدة الوحدة ومع انه قضى في "الوحدة" عشرة ايام فقط الا ان حديثه عن ملابسات عمله فيها جدير بالاهتمام لانه يعكس جانبا من المناخ الصحافي الذي ساد آنذاك حيث كانت الصحف الاهلية مملوكة في اغلبها لرجال اعمال لا علاقة لهم بالعمل الصحافي مثل جريدة الوحدة التي اشتراها راشد بن عويضة من الصحافي المصري محمد محفوظ وصدر اول عدد منها في 16 اغسطس آب عام 1973 ... وراشد هذا مليونير جاهل كان يمتلك اكثر من ثلاثين شركة متنوعة وكان رجال الاعمل يحرصون على شراء المؤسسات الصحافية لتحقيق غرضين الاول "اقتصادي" حيث يسيطرون على سوق الاعلان والثاني "وجاهي" حيث توفر لهم الجريدة فرصة لمقابلة الرؤساء والحكام والقيام برحلات صحافية الى عدة دول يعودون منها برزم من الدولارات والعقود التجارية .


* كان سوق الاعلان كبيرا ... وكان رجل مثل راشد بن عويضة يجني الملايين من اعلانات ينشرها في جريدته لشركات اجنبية هو وكيلها في الامارات ويقوم طبعا بتحصيل قيمة الاعلانات من هذه الشركات في عملية نصب واضحة.
لم تقتصر عملية النصب هذه على رجال الاعمال فقد تورط فيها وزراء ومسئولون ... فمحمد حمد المدفع مثلا حصل عام 1977 على ترخيص من مجلس الوزراء لاصدار مجلة باسم (التنمية في الخليج) على ان تكون يومية و باللغة العربية وفقا للترخيص الصادر لها ... لكن هذه المجلة لم تصدر الا في المناسبات القومية والاعياد وحفلات الزواج حيث كان صاحبها يجمع كمية كبيرة من اعلانات التهنئة للحكام والوزارات ينشرها ... بل وكان المدفع هذا يضاعف ربحه باصدار طبعة باللغة الانجليزية ايضا تتضمن الاعلانات نفسها.... و"نط" المدفع لاحقا الى منصب وزاري حيث بدا يحصد الرشاوى والعمولات من مشتروات وزارة الصحة عن جنب وطرف .


تولى اسامة عجاج ( مصري )  مهمة ادارة  تحرير الفجر بعد سفر السعدني الى الكويت وسلم عبيد المزروعي الادارة المالية للسيد "آمال راتب" الذي يتمتع بخبرة في هذا المجال اكتسبها من عمله السابق في روزاليوسف وظل محمد العكش مشرفا عاما على الجريدة وانضم اليها عدد من الصحفيين العرب كان ابرزهم عبد الفتاح الفيشاوي الذي كان يكتب زاوية فنية بينما تولى هندي غيث الاشراف على الصفحات الفنية وصفحات المنوعات كما التحقت بالعمل الصحافية سهير مراد ( مصرية ) واضطر صاحب الجريدة الى التوسع في عملية التوظيف بعد التحول الى الاصدار اليومي واستعان في عملية الاصدار اليومي بمدير تحرير جديد هو الصحافي المصري احمد نافع الذي عمل من قبل في جريدة الوحدة.


كان احمد نافع من العاملين في مطبخ الاهرام والمطبخ في المصطلح الصحافي المصري هو مجموعة الصحفيين الذين يقومون باعادة صياغة الاخبار المحلية والعمومية ووضعها في صيغتها النهائية للنشر ومن ثم فان خبرة احمد نافع كانت في الواقع خبرة في تحرير الخبر وليس في ادارة جريدة ولا زلت لا اعلم من هي الجهة التي رشحت احمد نافع للعمل في الفجر بخاصة وان احمد نافع فشل في تجربة سابقة يوم عمل في جريدة الوحدة ولا يوجد ما يمنعه من الفشل في الفجر ايضا ... وهذا ما كان.
صحيح ان احمد نافع عمل في الصحافة المصرية منذ الثلاثينات اولا في جريدة المصري ثم في وكالة رويتر حيث شغل منصب مدير مكاتبها في دمشق والخرطوم الا ان احمد نافع لم يتمكن من التكيف مع وسط صحافي مختلف في الامارات تتنوع فيه المدارس والخبرات وتتعدد فيه جنسيات الصحفيين ولسبب اجهله كان يجاهر احمد نافع بعدائه للصحفيين الفلسطينيين دون سبب وقد اشرت من قبل الى عدة مواجهات خاضها نافع مع عدد من الكتاب الصحفيين العاملين في الامارات كنت واحدا منهم بخاصة في مرحلة ما بعد كامب ديفيد وقد تحدثت عن هذه المرحلة في مقالي عن الدكتور احمد الكبيسي.


* انتهت مرحلة احمد نافع في جريدة الفجر بتراجع ملموس في اداء الجريدة وفي توزيعها ... فقد (طفش) نافع معظم العناصر الجيدة في الجريدة واكسبها الكثير من العداوات وتسبب في انحسار التوزيع وهروب المعلنين بل وتعمد قبل تركه للجريدة ان ينشر خبرا ملفقا بهدف اجبار الحكومة على اغلاق الجريدة والتسبب بمشكلات لصاحبها وكان نافع خلال عمله في الفجر قد تدارك جميع (الاغلاط) الاجرائية التي وقع فيها في (الوحدة) ومنها اجراءات تتعلق بشروط العمل والعقد ... الخ لذا عاد الى ابوظبي بشروط جديدة قبل بها صاحب الفجر  كما جاء نافع الى ابوظبي ومعه عشرات من اقاربه ومنهم ابنه محيي نافع الذي عمل في الفجر ثم وجد له عملا في مجلة اصدرتها البلدية ومحيي نافع سيكون فيما بعد موضوعا لمعركة دارت بين احد الصحفيين المصريين في الاهرام وابراهيم نافع (عم محيي) بخاصة بعد ان تم تعيين محيي مديرا لمكتب الاهرام في السعودية.


* واذا كان محمود السعدني قد ترك بصماته الواضحة على الصحافة في الامارات بشكل عام وعلى الفجر بشكل خاص رغم الفترة القصيرة التي قضاها في ابوظبي فان احمد نافع -على العكس تماما- لم يترك الا خرابا وعداوات ... ولعل هذا هو الذي اثار دهشتي بعد وفاة احمد نافع مؤخرا في القاهرة ... فقد نعته روزاليوسف في صفحة كاملة (العدد 3864) وذكرت في نعيها انه "لم يرتكب اساءة واحدة لاي زميل طوال عمله الصحافي الذي زاد عن ستين عاما"!! طبعا روزاليوسف لم تسأل (الزملاء) عن فترة عمل احمد نافع في ابوظبي ويبدو ان اعلان النعي الذي جعل احمد نافع من اساطين الصحافة في مصر قد نشر فقط مجاملة لاخيه ابراهيم نافع.... الذي اعرفه انا ان احمد نافع اساء الى جميع الكتاب والصحفيين الذين عمل معهم او عرفهم او عرفوه في الامارات وكان دوره في الصحافة الاماراتية دورا تخريبيا وكان متخصصا في تنجير الخوازيق وترتيب المؤامرات حتى انه طرد شر طردة من الجريدتين اللتين عمل فيهما وهما جريدة الوحدة وجريدة الفجر .( انقر على مقال روزاليوسف لتكبيره ).


* في عام 1984 قرر عبيد المزروعي ان يوسع مكاتب الفجر في الامارات الشمالية وان يفتح مكاتب جديدة فبالاضافة الى مكتب الفجر في مدينة العين فتحت الفجر مكتبا لها في دبي ومكتبا آخر في رأس الخيمة وفي عام 1984 طلب مني عبيد المزروعي التفرغ للاشراف على مكتب الفجر في عجمان وكنت قبل ذلك اشرف - دون تفرغ - على مكتب الفجر في مدينة العين.
لم يكن التوسع مدروسا بخاصة بعد ان تسلم محمد غباش ادارة التحرير وسلم الادارة للصحافي البحريني فريد حسن وكان محمد غباش قد اصدر مع اخيه غانم غباش  مجلة (الازمنة العربية) التي اوقفت وسحب ترخيصها .


* لقد حاول محمد غباش ان يعيد تجربة (الازمنة العربية) في شكلها ومضمونها فادخل انظمة الصف على اجهزة الماكنتوش - وكان
غباش كما علمت وكيلا لهذه الشركة في الامارات- كما غير في شكل الجريدة واسلوب تحريرها فكلمة الفجر كتبت بخط كوفي احمر تمتد امامها وبمساواتها اسلاك تقف عليها عصافير وحاول اقحام العنصر المواطن فيها دون دراسة ووقع في الغلط نفسه الذي وقعت فيه (الازمنة العربية) حيث لم يتفهم الوضع السياسي العام في الدولة ولم يتلمس السقف المسموح به لذا تم اغلاق الجريدة وسحبها من الاسواق لمدة محدودة بعد نشر الفجر لمقال بعنوان (الامارة الثامنة) تم توقيعه باسم فريد عبدالله ... المقال كان يتحدث صراحة عن وجود محل للدعارة في عمارة الشيخ محمد بن راشد المكتوم في دبي.( انقر على المقال لتكبيره).


* كان من الواضح ان (الدولة) ممثلة بعبدالله النويس وكيل وزارة الاعلام والمشرف - مع زوجته عبلة - على جريدة الاتحاد الحكومية لا تريد لاي جريدة اهلية ان تتجاوز الحدود التي رسمها عبدالله النويس ... وكان النويس - تحت تأثير مستشاره وشريكه ابراهيم العابد- يلعب بفلوس الدعم التي تقدمها الوزارة سنويا للصحف الاهلية فيحجبها متى شاء ... ويصرفها متى شاء وكانت الفجر - وسائر الصحف الاهلية- تخضع لابتزازات واضحة يقوم بها بالنيابة ابراهيم العابد الذي كان يفرض على الفجر توظيف اقارب له ... او نشر مقالات مدفوعة الاجر ... او تغطية اخباره.


* بقي ان اشير الى ان صاحب جريدة الفجر الاستاذ عبيد المزروعي لم يأخذ حقه في الكتب والمؤلفات والمنشورات التي صدرت عن وزارة الاعلام او التي الفها اشخاص محسوبون على الوزارة رغم ان عبيد المزروعي كان من اعمدة الصحافة الاهلية في الامارات وله فضل كبير في اغناء الساحة الصحفية بالتجارب والخبرات التي استقطبها في الفجر وهو قطعا يختلف عن راشد بن عويضة الذي لم تكن له علاقة بالعمل الصحافي .... المزروعي كان جزءا لا يتجزأ من منظومة العمل في الفجر وكان يتواجد يوميا في مقر الجريدة وللمزروعي فضله الذي لا انساه حين اصدر قراره بتعيني مديرا لمكتب الجريدة في امارة عجمان بعد خلافي الشديد مع وزارة التعليم وتنكر اصحاب جريدة الخليج لي بل وجاء عبيد الى الشارقة واصطحبني معه الى الشيخ حميد حاكم امارة عجمان وقدمني اليه ... واعترف انه تعرض الى الكثير من المضايقات بسبب اصراره على نشر مقالاتي بل ورفض ابتزاز اساتذة الجامعة الذين خيروه بين نشر مقالاتي وبينهم فاختارني .... عبيد المزروعي لم اسمع منه منذ ان هاجرت الى امريكا اللهم الا مرتين .... في المرة الاولى بعث الي برسالة بعد ايام من وصولي الى امريكا يتمنى لي فيها التوفيق والنجاح .... والمرة الثانية كانت عام 1992 حين طير الي بفاكس يطلب فيه ان ابعث اليه بصورة عن قصيدة لنزار قباني كان قد هاجم فيها صدام حسين .





يبدو ان عبيد المزروعي ادرك بعد تجربة دامت عشرين عاما ان جريدته قد اريد لها ان تظل ضمن الاطار الذي رسمته الدولة لها فقبل بالامر الواقع ورضى من الغنيمة بالاياب فاستقال وسلم الدفة لابنته بعد ان غادر مركب الفجر معظم الذين صنعوا مجدها وكان على رأسهم الفنان محمد العكش الذي سبقه في المغادرة  واسامة عجاج اما يسري ندا فقد مات وخيرة الشيباني عادت الى تونس وانا هاجرت الى امريكا وعبد الفتاح الفيشاوي مات في ابو ظبي.... وانفض السامر.

للعودة الى فصول الكتاب انقر هنا