* صدرت جريدة الفجر عام 1974 عن مؤسسة الفجر للصحافة والنشر والتوزيع التي انشأها الاستاذ "عبيد المزروعي" وهو مواطن من عجمان تولى اخوه عبدالله المزروعي منصب وزير العدل في اكثر من تشكيل وزاري وصدرت الفجر كجريدة يومية تصدر اسبوعيا مؤقتا  وكانت تحرر في مكتب في شارع" الكترا "قبل ان تنتقل في عام 1978 الى طريق المطار لتحتل عمارة من عدة طوابق تحتل المطبعة طابقها الاول.


* اعتمد عبيد المزروعي في اصدار جريدته على صحفيين عرب كانوا يعملون في جريدة (الوحدة) التي صدرت قبل الفجر بعام  وكان قطب الجريدة وعرّابها هو رسام الكاريكاتير "محمد العكش" الذي ساهم من قبل في تأسيس جريدة الوحدة ومجلة الشرطة ومجلة الايام ليوسف العمران ... ثم ساهم في اصدار ملحق جريدة السياسة الثقافي الذي اشرف عليه محمود السعدني وتوج العكش عمله بالمشاركة في اصدار مجلة 23 يوليو في لندن التي اصدرها نور السيد ومحمود السعدني.


* كانت (الفجر) تطبع في (المطبعة العصرية) وهي واحدة من خمس مطابع حديثة وكبيرة تم انشائها كمطابع خاصة وتجارية في ابوظبي ... المطبعة لعصرية تأسست في ابوظبي في عام 1968 وفتحت لها فرعا في دبي لحقت بها اربع مطابع كبيرة في ابوظبي اهمها مطبعة (نيتكو) التي كانت تطبع جريدة الاتحاد الحكومية ثم لحقت بهما المطبعة الوطنية ومطبعة الخليج ... واعتبارا من عام 1976 تم انشاء ست عشرة مطبعة جديدة في ابوظبي كان من بينها مطبعة الفجر.


* في عام 1976 وصل الى ابوظبي الكاتب والصحافي الكبير محمود السعدني للعمل كمسئول في وزارة التربية والتعليم ويبدو ان السعدني لم ترق له الفكرة لان مواصفات (الاعلام التربوي) لا تتسق وكتابات "الولد الشقي" لذا قبل السعدني بالعرض الذي تقدم به عبيد المزروعي وهو تسليم السعدني ادارة تحرير جريدة الفجر.
كان العرض مقامرة سياسية جازف بها عبيد المزروعي بخاصة وان السعدني وضع شروطا مهنية قاسية اهمها عدم التدخل في عمله وهو الشرط الذي يبدو انه تسبب بعد اقل من اربعة اشهر بمصادرة احد اعداد جريدة الفجر من الاسواق بسبب مانشيت اغضب السفارة الايرانية في ابوظبي وكان شاه ايران يومها يطالب بالامارات كلها ويعتبرها من ملحقيات ايران لذا لم تغفر سفارة ايران للسعدني رفعه شعار (جريدة الفجر جريدة العرب في الخليج العربي) وطالبت السفارة الايرانية صراحة حذف صفة "العربي" عن الخليج لانه (خليج فارسي) كما يقولون.
حاول محمود السعدني ان يعيد هيكلة جريدة الفجر وكانت لا تزال تصدر مرة كل اسبوع وتطبع في ابوظبي ووجد السعدني ان مطابع الكويت اكثر تطورا فحمل العكش الجريدة الى الكويت واصبح يطير اليها مرة في الاسبوع لانجاز الطباعة وشحن الجريدة مع (طيران الخليج) الى ابوظبي.
كانت الخبرات المصرية في ابوظبي في مجملها وخاصة في جريدة الاتحاد تتبع مدرسة دار اخبار اليوم على اعتبار ان رئيس التحرير التنفيذي -مصطفى شردي- قد جاء الى الاتحاد منتدبا من هذه الدار لذا تعاقد محمود السعدني مع (منير عامر) من "صباح الخير" القاهرية ليتولى وظيفة سكرتير التحرير وليدخل الى صحافة الامارات مدرسة صحافية مصرية جديدة هي مدرسة (روزاليوسف) بكل ما تتميز به من نقد مباشر وتركيز على الهوية القومية والابتعاد قدر الامكان عن التأثير المباشر للحاكم وصانع القرار.


* كانت جريدة (الاتحاد) اول من اشاد بالشكل الجديد لجريدة الفجر بعد تسلم السعدني لها وذلك في مقال كتبه رئيس التحرير مصطفى شردي وقد نجح السعدني في جمع ثلة متناغمة من الصحفيين للعمل معه في الفجر وقد اشار اليهم في كتابه (الولد الشقي في المنفى) ففي صفحة 81 من كتابه - طبعة (اخبار اليوم) - كتب السعدني يقول :" ومن الظواهر التي هزتني بعنف وجود عدة مواهب فذة لم تاخذ حظها في البداية ولم اصنع لها شيئا الا اني فتحت لها الباب ووضعتها على اول الطريق ومن بين اصحاب هذه المواهب الاديب الفلسطيني اسامة فوزي والفنان المصري محمد العكش والصحفي هندي غيث".
من مفارقات القدر فعلا ان يعترف بفضلنا على صحافة الامارات كاتب كبير مثل محمود السعدني في حين لا تجد لنا ذكرا - ولا للسعدني نفسه - في منشورات وزارة الاعلام وكتبها ومحاضرات عبدالله النويس الذي جعل - في محاضرته الاخيرة - نفسه ومطلقته "عبلة" الاب الروحي للصحافة الحديثة في الامارات!!


* للحقيقة والتاريخ ساهم آخرون في نجاح جريدة الفجر آنذاك منهم الصحافي اسامة عجاج ومدير التوزيع ابراهيم المطيري وهذا وحده ظاهرة ساكتب عنها لاحقا في معرض الحديث عن جريدة الوحدة لان المطيري- الذي لا علاقة له بالعمل الصحافي- هو الذي كان يعين الصحفيين في جريدة الوحدة او يطردهم ولا زلت اذكر ان عملي في جريدة الوحدة تم عبر ابراهيم المطيري وذلك بعد يومين فقط من وصولي الى ابوظبي في حزيران يونيو 1975 والتي طرت اليها على سبيل (الترانزيت).


* مرحلة السعدني في الفجر انتهت بمغادرة السعدني للامارات بطلب من جهات عليا وقد كتب السعدني عن هذه المرحلة في كتابه المشار اليه وربط بين قرار ترحيله من الامارات وضغوطات مورست على الامارات من السفارة الايرانية ثم بناء على طلب مباشر من الرئيس انور السادات الذي حاكم السعدني بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم وحكم عليه بالسجن وساءه ان يتولى السعدني ادارة تحرير جريدة في الامارات ناصبته منذ اول عدد لها  العداء وكان السعدني قد التقى السادات خلال زيارته الى الكويت ولكنه فوجىء بعد عودته الى الامارات ان هناك قرارا بطرده وهذا ما كان .

*  فترة عمل محمود السعدني في "أبو ظبي" التي سطرها في كتابه (الولد الشقي في المنفى) شهادة هامة على نشأة الصحافة في الامارات وتطورها لانه يكشف جانبا هاما من اسرار العمل الصحافي واسرار مراكز القوى التي تملك هذه الصحف وتديرها بخاصة ما يمكن ان نسميه بالصحافة الاهلية ... ويكشف السعدني في كتابه سرا عن بداية العلاقة مع الامارات وهو انه غادر مصر الى لندن لعلاج ابنته واثناء وجوده في لندن تلقى عرضين للعمل في الصحافة الخليجية العرض الاول من مجلة العهد القطرية والعرض الثاني من راشد بن عويضة صاحب جريدة الوحدة وكان العرض ان يتولى السعدني الاشراف على مجلة (الظفرة) وهي مجلة اسبوعية كانت تصدر عن جريدة الوحدة حمل عرض راشد بن عويضة الى السعدني الصحافي جلال كشك وحمل عرض مجلة العهد القطرية الى السعدني زكريا الحجاوي وقرر السعدني ان يجرب حظه مع العرضين.


* يقول السعدني:" ركبت الطائرة الى الدوحة وكان في مطار الدوحة زكريا الحجاوي في انتظاري والصديق الطيب صالح والحسيني رئيس تحرير مجلة العهد ومن اول نظرة للاخ الحسيني ادركت انني لن اعمل معه.وقضيت في قطر ثلاثة ايام كانت من اجمل ايام العمر وكانت هي ايضا آخر عهدي بزكريا الحجاوي لم يقع نظري عليه بعد ذلك ومات غريبا في المنفى يتحسر على ايامه في القاهرة ويبكي كلما جاء ذكرها في مجلسه.
انتهت مفاوضاتي مع الحسيني بالفشل.... كان لديه امكانات ضئيلة ويحلم باصدار مجلة في حجم النيوزويك ولم تكن له صلة سابقة بالعمل الصحفي وكان يعتقد في قرارة نفسه انه سيقضي على جريدة الاهرام ... وتركت الدوحة رغم توسلات زكريا الحجاوي ... لقد قررت العودة الى الصحافة ولم تكن "العهد" هي الصحافة التي قررت العودة لها وهكذا طرت من جديد الى ابوظبي".


* علاقتي بمحمود السعدني بدأت في جريدة الوحدة حيث تسلم السعدني العمل فيها كمدير للتحرير وصمد في (الوحدة) عشرة ايام فقط قبل ان يهرب منها الى بيروت ليعمل في "السفير" ثم عاد الى ابوظبي للعمل في وزارة التربية والتعليم كمسئول عن الاعلام المدرسي ... كان وزير التربية آنذاك "عبدالله عمران تريم" وهو من الشارقة والسعدني كانت صلته مع شيخ الشارقة "سلطان  القاسمي" جيدة كما كان السعدني على علاقة طيبة بمحمد خليفة السويدي وزير الخارجية السابق ومستشار الشيخ زايد وكان السويدي محسوبا على الناصريين وقد عزل من منصبه كوزير خارجية كشرط اساسي من شروط حاكم دبي راشد المكتوم الذي كان يرى ان وجود السويدي على راس وزارة الخارجية وهو المعروف بعداوته لدبي لن يساعد في ارساء قواعد الاتحاد.


* كتب محمود السعدني في كتابه (الولد الشقي في المنفى) جانبا من اسرار التحاقه بجريدة الفجر ... ثم اسرار ترحيله من ابو ظبي فبعد ان يورد السعدني حكاية العرض الذي تقدمت به وزارة التربية والتعليم يقول:" وعشت في فندق الخالدية بابوظبي انتظر انهاء اجراءات تعييني وسارت اجراءات التعيين بخطوات سريعة في البداية ثم تعثرت بعد ذلك ثم توقفت آخر الامر وفي يوم الجمعة الخامسة من وجودي في ابوظبي زارني في الفندق رجل فاضل من اهل البلاد هو الاخ عبيد المزروعي ومعه عرض للعمل مديرا لتحرير جريدة الفجر.... جلس عبيد المزروعي يتحدث معي طويلا عن امكاناته واحلامه وكان صادقا وبسيطا عربيا مخلصا وحكى لي بعفوية شديدة كيف عاش ايام الفقر.... اشتغل عامل بناء واشترك في الغوص وبدا من حديثه انه رجل صنع نفسه بنفسه ويدير اعماله بمزاج الهاوي وخبرة المحترف ووقعت عقدا مع عبيد المزروعي في الجلسة نفسها وكتبت العقد بخط يدي وتركت لصاحب العمل تحديد مدة العقد فكتب المزروعي بلا تردد عامين.


يضيف محمود السعدني: ووافقت الاخ عبيد وانشغلت عن كل شيء بالاعداد لصدور جريدة الفجر واتفقت مع عبيد المزروعي على الخطوط الرئيسية للجريدة وكان اهم هذه الخطوط وعلى رأسها ان الفجر ستكون جريدة العرب ضد مطامع الشاه في الخليج واتفقنا على الشعار الذي سنرفعه على رأس الجريدة "من اجل الخليج العربي والضمير العربي" واستدعيت بعض الزملاء من القاهرة وجاء منير عامر وتولى سكرتارية التحرير وكان خير عون لي في مهمتي الجديدة ويبدو ان وجودي في ابوظبي وعملي في جريدة الفجر قد لفتا انتباه بعض الجهات ولم اشعر بما يدور حولي الا بعد ان سافرت في رحلة مع الشيخ زايد الى طهران ولم تكن الفجر قد صدرت بعد وبالرغم من وجود اسمي في كشف المرافقين للشيخ زايد فان الايرانين تجاهلوني وتعمدوا التقليل من شأني فكنت انا الصحفي الوحيد الذي خصصوا له غرفة صغيرة جدا تطل على الفناء الداخلي في فندق انتركونتيننتال وفي نهاية الرحلة قدموا هدايا لكل اعضاء الوفد ما عدا العبدلله ولم افهم الاشارة في وقتها وظننت ان الامر مجرد صدفة لا اكثر ولااقل.
وجاءت الاشارة الثانية من مؤتمر وزراء الاعلام العرب في الخليج ولقد طلب لقائي ثلاثة من وزراء الاعلام اولهم الدكتور عبده يماني وزير الاعلام السعودي وكان الثاني هو الشيخ عيسى الكواري وزير اعلام قطر وكان الثالث هو طارق عزيز وزير اعلام العراق وشعرت في المقابلة الاولى ان هناك شكوكا لدى من يفترض انهم من الاصدقاء وان الجريدة التي سنصدرها ستكون موضع فحص تحت الميكروسكوب لمحاولة الكشف عما بين السطور وقلت للدكتور عبده يماني الذي كان ودودا للغاية ان الفيصل بيننا سيكون هو سطور الجريدة وما تحمله من اتجاهات وسنحاول جهدنا لتكون جريدة الفجر هي صوت العروبة في الخليج ضد اي غزو اجنبي خصوصا المتربصين بنا على الشاطىء الاخر وكان لقائي مع الوزير عيسى الكواري لقاء تعارف اكثر منه اي شيء آخر وسألني سؤالا عابرا عن جريدة الفجر فاجبته اجابة عائمة ولكن لقائي مع طارق عزيز كان يختلف... قال لي ما دمت ستعيش خارج مصر لماذا لا تحضر الى بغداد؟ وشرحت له الظروف التي آتت بي الى ابوظبي وقال في النهاية اذا تركت مكانك هنا سنرحب بك في بغداد وانفجرت هذه العبارة في رأسي فما الذي يقصده الوزير طارق عزيز بعبارة اذا تركت ... "هنا"؟ هل لديه معلومات؟ ام انها مجرد صدفة ايضا؟
وكانت الاشارة الثالثة في مطار ابوظبي فقد حدث قبل صدور الجريدة باسبوع ان عاد صاحبها من الخارج وبدلا من استقباله كرجل من وجوه ابوظبي اقتادوه من المطار الى السجن وفتشوه تفتيشا ذاتيا وبعد عدة ساعات في الحبس ذهب اليه وزير الداخلية واطلق سراحه واعتذر له بان المسألة كلها حدثت بطريق الخطأ.
وكانت الاشارة الرابعة من امارة مجاورة لامارة ابوظبي - يقصد السعدني امارة الشارقة - وكانت تربطني بشيخها صداقة وهو رجل متنور ومتعلم ودرس في مصر وعندما ذهبت اليه بناء على طلبه قال لي بصراحة شديدة نصيحتي لك ان تكف عن العمل الصحفي واذا اردت ان تعيش هنا فعليك ان تبقى في الظل وعندما نظرت اليه ولم اعلق بشيء قال وهو ينهي الحديث في هذا الموضوع انها نصيحة صديق لا اكثر ولا اقل وبالرغم من كل شيء قررت المضي في اصدار الفجر.

يضيف السعدني:
"جريدة الخليج العربي والضمير العربي" كان هذا هو الشعار الذي رفعناه ووضعناه على رأس جريدة الفجر وبالرغم من ان الجريدة لم تكن قد صدرت بعد فان الشعار احدث قلقا شديدا لدى بعض الجهات اتهمتنا دوائر السفارة الايرانية باننا عملاء ليبيا والقذافي ولم اهتم في بادىء الامر بما تشيعه عني دوائر السفارة الايرانية الا انني بدأت اشعر بالقلق عندما زارني بمكتبي شخص مصري كان يعمل بالتدريس في الخليج وانتهز فرصة نشوء الصحافة الخليجية في بدايتها المبكرة وانتحل صفة الصحفي وكتب بعض المقالات في تأييد بعض المشايخ ضد البعض الاخر ولكن سرعان ما انكشف فطرد من دولة خليجية الى اخرى حتى استقر به المقام في امارة صغيرة قبل نكسة 1967 واستطاع الحصول لنفسه على جواز سفر وصارت له اعمال تجارية واتصالات سياسية.
ولكن لانه من النوع الذي لا يستقر طويلا فسرعان ما دب الخلاف بينه وبين الشيخ الذي امر بطرده وتجريده من جواز السفر ولكن حانت له فرصة للعودة من جديد الى المنطقة بعد قيام دولة اتحاد الامارات ويبدو انه سعى الى بعض المتحمسين للاتحاد ويبدو انه اقنعهم بانه قادر على توحيد كلمة الناس حول الاتحاد في بعض الامارات البعيدة وقد وصل الى ابوظبي ذات صباح ونزل في فندق الهيلتون ثم سعى للتعرف علي في فندقي ولم اكن قد رأيته او سمعت به من قبل ولكنه كان من هذا النوع (الاونطجي) الذي لا تخطئه العين المجربة وعندما صافحني انحنى كرقم ثمانية وجلس امامي كتلميذ صغير بالرغم من انه كان من جيلي ومن عمري راح يتحدث دون ان يترك لي فرصة للمقاطعة او التعليق.
كان حديثه عن كتبي التي قرأها من الجلدة الى الجلدة وعن مقالاتي التي يحفظها عن ظهر قلب ولكني في اللقاء الثاني اكتشفت انه لم يقرأ من كتبي الا العناوين وان القراءة ليست من بين هواياته وان آخر كتاب فتحه كان منذ عشرة اعوام وقبل ان يهجر مهنة التدريس ويتفرغ لعمليات النصب والاحتيال واذهلني انه يكذب لمجرد الكذب فهو لا يكذب لسبب او لهدف او حتى لمصلحة ولكنه يكذب لمجرد الكذب وكأنه ماكينة لانتاج الكذب ولا شيء آخر.
وكانت علاقاته واسعة بجميع المسئولين من جميع المستويات برجال القصر ورجال الامن ورجال المال وكان يلقب كل من يلقاه باستاذي ثم يسبه في اللحظة نفسها التي يدير فيها ظهره له! وكان يفتري قصصا ما انزل الله بها من سلطان على كل من يعرفهم وخصوصا المرموقين منهم من ذوي النفوذ في عالم السياسة والمال فهذا لقيط والدليل ان اسمه عبدالله!! وهذا يعمل لحساب اليهود والاخر لص يبحث عنه الانتربول وكنت قد بدأت انسحب من حياته بعد اسبوعين فقط من اول لقاء ولكني فوجئت به ذات مساء يقتحم مكتبي في الجريدة ومعه مقال طالبا نشره في اول اعداد الجريدة وانتهيت من قراءة المقال وابديت دهشتي للافندي اياه فلم يكن للمقال سبب ولم تكن هناك مناسبة كان المقال بعنوان الخليج الفارسي وكان المقال كله عبارة عن حملة بذيئة ضد كل هؤلاء الذين وصفوا الخليج بانه عربي فالخليج في نظر الاستاذ فارسي وسيد الخليج هو الشاهنشاه ايريا مهر الجالس على عرش الطاووس في ايران!!
ورفضت نشر المقال بشكل قاطع وقلت للاستاذ الفاضل -الفاضل حتى الان بمكتبي- ان مثل هذا الكلام لا يمكن نشره في جريدة عربية ولكن الاستاذ الفاضل اغلق عينيه واطرق برأسه وقال في برود شديد ولكن هذا المقال مطلوب نشره واستفزتني كلمة مطلوب فسألته بحدة ومن الذي يطلب نشره؟ فاجاب وهو يبتسم ابتسامة صفراء "الرأي العام" ثم قال :فكر على كل حال قبل ان ترفض المقال اوتأمر بالنشر ثم نهض وانصرف.
وكان واضحا ان الاخ اياه ليس وحده وان هذا المقال بمثابة بالونة اختبار لمعرفة مدى التزامي بالشعار الذي رفعته على صدر الجريدة وادركت ان المتاعب بدأت وان الريح ستهب بما لا تشتهي السفن!
وخلال انهماكي في التحضير لاصدار الفجر وصل الى الامارات صحفي مصري من اياهم كان يتمتع في شبابه بمواهب ممتازة وباخلاق سيئة للغاية وكان سلوكه السيء والمريب هو الذي عطله عن الوصول الى قمة العمل الصحفي فظل يتخبط في القاع متنقلا من جريدة الى جريدة دون ان يتمكن من ان يترك خلفه اثرا على الاطلاق وبالرغم من العلاقة الفاترة التي كانت بيننا على الدوام فقد تلقاني بترحاب شديد فقد تصور انني من اصحاب النفوذ في الامارات وكان يجلس لحظة التقينا اول مرة في فندق الخالدية مع شاب طويل القامة نحيف بشكل ملحوظ يشبه الهنود وسألت صديقي المصري عن الشخص الذي يجلس معه فاجابني بانه يعمل في التخابر لمصر وانه يعمل لتغطية الامر كمحرر في صحف الكويت وعندما سألته عن جنسيته اجاب بانه يدعي انه من اليمن وان كان صديقي يشك في ذلك! فاشحت بوجهي عن الشاب النحيل وانصرفت".


* شهادة محمود السعدني عن هذه المرحلة هامة جدا لانها تكشف دور اجهزة المخابرات العربية والدولية في بناء الرأي العام العربي والدولي ويكشف السعدني الذي اصبح يكتب -الى جانب عمله في الفجر- عموده اليومي الشهير (هذا الرجل) في جريدة السياسة الكويتية كيف ان مقالا له في الجريدة المذكورة عن شاه ايران قد تسبب له بوجع الرأس فبعد عودته من الكويت الى ابوظبي يقول السعدني:" استدعاني عقب نشر المقال احد المسئولين في الدولة وعاتبني عتابا رقيقا وقال لي اذا اردت البقاء على هذه الارض فلا بد ان تدرك موازين القوى في المنطقة ان ايران تستطيع ان تسبب لنا اضرارا شديدة دون الدخول في حرب ولو تلفت حولك فستجد ان كل شيء من ايران ... الخباز والبقال وبائع الخضر وتاجر العمم وصياد السمك والخادم والفراش".


يضيف السعدني:" وقبل صدور "الفجر" بيوم واحد دس علي النصاب المصري الذي جاء ذكره في بداية هذا الحديث خبرا فحواه ان هناك تعديلا وزاريا في الدولة وان الشيخ زايد سيصبح رئيسا لدولة الاتحاد والشيخ سلطان حاكم الشارقة نائبا للرئيس ولكنني شممت رائحة الفبركة في الخبر فاتصلت بمسؤول كبير في الدولة وسالته رأيه في الخبر الذي وصل الينا فقال انها مجرد اكاذيب ولذلك صدم صديقي النصاب عندما طلعت الجريدة وعلى صدر صفحاتها الاولى مانشيت كبير (وزارة جديدة في الامارات) وتحت المانشيت عنوان كبير (التعديل يستهدف تغيير السياسات وليس تغيير الاشخاص) وتخاطف القراء الجريدة فقد كانت جديدة في اسلوبها وجديدة في تبويبها وكان بها اخبار داخلية مثيرة لم يكشف عنها الستار بعد واستطيع ان ازعم انها كانت الطفرة الثانية بعد طفرة جريدة الاتحاد ولكن لان "الفجر" كانت تابعة للقطاع الخاص ولان صاحبها ورئيس تحريرها عبيد المزروعي كان وطنيا ومتحمسا ولديه احلام لذلك كله كانت "الفجر" تتمتع بهامش اكبر من الحرية وبمجال اوسع للعراك لذلك وبعد العدد الرابع ظهر بياع الجرايد لاول مرة في الشارع وفي تاريخ الامارات.


يضيف السعدني: لم تمر تجربة "الفجر" طويلا ولم يصدر منها الا ستة عشر عددا بالتمام والكمال ونشرت لكتاب عرب كبار على رأسهم الشاعر الكبير نزار قباني الذي شرفني بزيارته في مكتبي في "الفجر" والروائي الكبير الطيب الصالح واستاذنا الفنان الراحل زكريا الحجاوي والفنان الراحل زكي طليمات وضمت عددا من الكفاءات الصحفية على راسهم منير عامر ومحمد العكش ووعبدالفتاح الفيشاوي وهندي غيث واسامة عجاج وعبدالمنعم طاهر وابراهيم المطيري ولكن الجريدة وضعت تحت ميكروسكوب ضخم واحيطت سطورها بتفسيرات شتى فمقال زكريا الحجاوي بعنوان (برعي السعدني وبهانة الحجاوي) فسروه على ان المقصود به هو انور وجيهان السادات ولم يكن الاستاذ زكريا الحجاوي يقصد شيئا من ذلك على الاطلاق.
وبالرغم من المشاكل والمتاعب فان "الفجر" كان لها اصدقاء في اجهزة الدولة فقد تلقينا في العدد العاشر خطابا رسميا من السيد علي شمو وكيل وزارة الاعلام بدولة الامارات في ذلك الحين ووزير الاعلام السوداني السابق يشيد فيه بدور جريدة الفجر في تطوير صحافة الامارات ودفع مسيرتها خطوات واسعة الى الامام.
وفي العدد السادس عشر وفي اليوم الذي اجبرت فيه على ترك منصبي في جريدة الفجر صدر في جريدة الاتحاد الجريدة الرسمية للدولة مقال بقلم مصطفى شردى "مدير التحرير" يشيد فيه بجريدة الفجر ويؤكد فيه ان الصحافة في دولة الامارات كسبت مواقع جديدة بظهور جريدة الفجر التي قطعت في اشهر قليلة خطوات واسعة يقطعها البعض في عشر سنوات.
ولقد تطورت الامور بي وبالفجر الى طريق مسدود ففي العدد قبل الاخير نشرت الفجر قصة القبض على عشرات المهندسين الاستشاريين الذين هبروا عدة بلايين من الدراهم بمساعدة بعض المسئولين في وزارة الاشغال ونشرنا الاسماء كاملة وارقام المبالغ التي هبرت وكذلك اعترافات المتهمين ولم تشر اي جريدة اخرى الى الخبر من قريب او بعيد وقد ضاعفنا الكمية المطبوعة ومع ذلك لم نستطع تلبية الطلبات التي انهالت علينا تطلب المزيد من النسخ.
وفي العدد الاخير نشرنا قصة سفير دولة شرقية اسلامية كبرى ادخل في حسابه الخاص مبلغا كبيرا تبرع به احد المشايخ لصالح الجالية الشرقية التي تنتمي الى جنسية السفير ولما انكشف الامر ذهب كبار الجالية وكشفوا له امر السفير وكانت فضيحة تولت وزارة الشئون الاجتماعية التحقيق فيها ونشرنا حديث السفير واحاديث اخرى مع زعماء الجالية تبادل فيها الجميع الاتهامات ولكن موقف السفير كان ضعيفا لانه اضاف الى رصيده الخاص مبلغا لم يكن له.
وبعد ان يعرض السعدني لاسرار لقاءه بالسادات في الكويت يقول:
عندما عدت الى الامارات بعد لقائي بالسادات في الكويت استدعاني احد المسئولين واستمع مني الى تفاصيل ما دار في اللقاء وبعد ذلك باسبوع واحد وجدت نفسي بلا عمل فقد افتعلوا خلافا معي في جريدة الفجر واستدعاني مسئول كبير في الدولة وقال لي تستطيع ان تذهب الى اي مكان في العالم ونحن حاضرون وشكرت المسئول على موقفه الطيب وقلت له انني ما زلت قادرا واستطيع العمل في اي مكان وطلبت اليه طلبا واحدا وهو ان يسمح لاولادي بالبقاء في الامارات حتى ينتهوا من امتحاناتهم ووافق المسئول على الفور وقال بود شديد هذه بلادك وهنا دارك واولادك سيبقون هنا حتى ينتهوا من امتحاناتهم وساعتبرهم ضيوفا علي شخصيا حتى يغادروا الى مصر.
وفي المساء زارني الاستاذ علي شمو وزير الاعلام السوداني السابق وكان يعمل وقتئذ مستشارا للاعلام في دولة الامارات وسألني بعد ان انتهينا من احتساء الشاي عن موعد سفري وعندما قلت له انني لم احدد موعد سفري بعد قال: اتمنى ان تحدد هذا الموعد في مدة اقصاها اسبوع ولما استفسرت عن السبب قال: لانني اتمنى ان اكون في وداعك واضاف وانا مسافر بعد اسبوع الى الخارج وفهمت ما يعنيه علي شمو فقلت له اذن ساسافر بعد اسبوع وبالفعل سافرت الى الكويت بعد اسبوع وتركت اولادي في الامارات واخذت مكافأتي عن العمل لمدة عام واحد وليس لمدة عامين كما حدد العقد ومع ذلك فانا اشهد لعبيد المزروعي بانه على خلق ترك لي سيارته الجديدة استخدمتها حتى غادرت البلاد وعندما اجتمعت به وانا في طريقي الى المطار قلت له لم اخطىء يا اخ عبيد في حقك لقد اتفقت معي ومنذ البداية على خط الجريدة وشعارها المرفوع مهما حدث فلن يكون بيني وبينك خلاف لاني اعلم بانه لا دخل لك فيما حدث ورد عبيد: الحمدلله انك تعرف هذا يا اخ محمود وكان هذا اخر لقاء بيني وبين عبيد المزروعي.
في الاسبوع الثاني صدرت جريدة الفجر وبدون اي تغيير الا ان الشعار الذي كان مرفوعا على رأسها (جريدة الخليج العربي) كان قد اختفى تماما ولم يظهر له اثر بعد ذلك. وحدث شيء آخر غريب ... فقد كانت كل السفارات العربية والاجنبية الا السفارة الايرانية الشاهنشاهية تشترك في المجلة وفي اليوم التالي لابعادي عن الجريدة اشتركت السفارة الايرانية بمائة وخمسين نسخة للتعبير عن فرحتها بالانقلاب الذي حدث في الجريدة.
وتولى امر الفجر بعدي شاب مصري اسمه اسامة عجاج وهو واحد من اولئك الذين سافروا الى الخليج في بداية ظهور النفط واشتغل بالصحافة عندما كانت الصحف مجرد نشرات حكومية مطبوعة طباعة سيئة وليس فيها اثر للفن الصحفي ولم يكن لدى احد من هؤلاء خبرة بهذا العمل من قبل ومع ذلك وبمرور الزمن تمكن هؤلاء من اكتساب خبرة لا بأس بها واصبحوا من اعمدة هذه المهنة هناك واستطاعوا برغم الظروف الرهيبة والطقس شديد الحرارة وعدم وجود قراء بالحجم المطلوب استطاعوا برغم كل شيء النهوض بهذه المهنة والوصول بها الى آفاق عريضة.

ويضيف السعدني"ومن الظواهر التي هزتني بعنف وجود عدة مواهب فذة لم تاخذ حظها في البداية ولم اصنع لها شيئا الا اني فتحت لها الباب ووضعتها على اول الطريق من بين اصحاب هذه المواهب الاديب الفلسطيني اسامة فوزي والفنان المصري محمد العكش والصحفي هندي غيث. واعترف لكم باني استفدت من جريدة الفجر فائدة كبيرة وانها كانت تجربة هامة في حياتي من خلالها استطعت ان اتعرف على الخليج من ناحية حية وساخنة وادركت من خلالها ان الخليج ليس فقط كما يتصور البعض هو ارض النفط والفرصة السانحة والثراء العاجل ولكنه ايضا ارض الرمال المتحركة والمشاكل العديدة والمطامع الخفية ".


هذه هي شهادة الكاتب الصحجافي الكبير محمود السعدني ليس فقط على فترة عمله في جريدة الفجر وانما على المناخ العام الذي كانت تعمل فيه صحافة الامارات وتداخل البزنس بعمل المخابرات ونفوذ السفارات وتجرؤ الفجر على نشر فضيحة الاختلاسات في وزارة الاشغال التي كان يرأسها الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان ابن عم زايد والشيخ الذي كان يعتبر نفسه اولى بالحكم من زايد.
هذه الشهادة الموثقة التي نشرها السعدني على حلقات في مجلة (المجلة) اللندنية ثم ظهرت في كتاب (الولد الشقي في المنفى) الذي يباع في اسواق ابوظبي لا تجد لها ذكرا في محاضرة عبدالله النويس وفي كتب وزارة الاعلام والمجمع الثقافي رغم ان الكاتب هو محمود السعدني ورغم ان ابطال المرحلة هم وزراء وشيوخ ورجال مخابرات كان من بينهم احمد خليفة السويدي الذي يشغل ابنه محمد السويدي منصب رئيس مجلس ادارة المجمع الثقافي الذي اصدر الكتاب المهزلة (صحافة الامارات النشأة والتطور الفني والتاريخي).
مرحلة السعدني -على قصرها- وضعت جريدة الفجر في طليعة الصحف الصادرة في الامارات ومرحلة مابعد السعدني ستكون موضوع الفصل القادم.

للعودة الى فصول الكتاب انقر هنا