صدام حسين وسيادة اللواء السعودي

* فقعت من الضحك وانا اقرأ تصريحات اللواء علي بن حسين الحارثي مدير عام الادارة العامة للسجون في السعودية التي ادلى بها في مؤتمر صحافي وزعته وكالة الانباء السعودية مؤخرا .... فقدد ذكر اللواء الحارثي بالنص :" ان عدد السجناء في السعودية يتراوح ما بين 15 الف و 20 الف سجين " واضاف " ان هذا العدد غير كبير مقارنة مع عدد السكان الذي يبلغ 22 مليون نسمة " .

* اتفق مع اللواء الحارثي في ان العدد ليس كبيرا بالقياس الى عدد السكان ... ولكن يا طويل العمر هل يجوز ان يخطيء مدير عام السجون في عدد السجناء الذين يقيمون في سجونه بنسبة خمسة الاف سجين ... وهل يعقل ان لا يعرف مدير عام السجون العدد الحقيقي الكامل للسجناء في سجونه ؟ فيترك في تصريحاته الصحافية هامشا للخطأ هو فقط خمسة الاف سجين !! وهل كان سيادته سيقع في الخطأ نفسه لو كان السؤال هو : كم عدد الابقار في مزرعتك ؟ هل سيرد بالقول : في مزرعتي ما بين خمسة عشر الى عشرين رأس !!

* في العراق ... افرج صدام حسين عن ربع مليون عراقي بمناسبة انتخاب صدام حسين بنسبة مائة في المائة وهذا قرار جميل نشكر الادارة العراقية عليه ولكن يرد على الخاطر تساؤل هام وهو : هل اجريت لهذا العدد الكبير محاكمات عادلة اسفرت عن اصدار الاحكام بسجنهم ... وهل لدى العراق محاكم وقضاة بهذا العدد الكبير الذي يمكن دولة مثل العراق ان تحاكم ربع مليون انسان وتتوصل الى انهم ارتكبوا جرائم استحقوا بسسبها السجن !!هل يوجد في العراق محامون وهل دافع هؤلاء عن ربع مليون انسان ... ما هي ظروف اعتقال وسجن ربع مليون انسان على هذا النحو ؟ ولماذا كان العراق ينكر من قبل وجود اعداد كبيرة من السجناء في سجونه ؟ واذا كان هذا هو العدد الذي اعلن عنه او اعترف به النظام فما يمنع ان تكون هناك سجون سرية بخاصة وان الاخبار المتواترة من بغداد تقول ان لقصي سجونه الخاصة ولعدي سجونه الخاصة ايضا .

* هناك عادة عند العرب لا نجد مثلها لدى الامم الاخرى وهي عادة الافراج عن السجناء بموجب عفو عام بمناسبة عيد جلوس الملك او الرئيس ... وادخل محمد السادس ملك المغرب تقليدا جديدا قبل اسابيع حين افرج عن الالوف بمناسبة زواجه ... وهلكتنا محطات الاذاعة والتلفزيون في هذه الدول بالبرامج التي تتحدث عن قلوب حكامها الرحيمة التي تفرج عن السجناء ... دون ان تقول لنا هذه الاجهزة لماذا تم سجن هؤلاء اساسا بخاصة وان معظم هذه الدول لا قضاء فيها وانما تدار محاكمها من قبل العسكر ومحاكم امن الدولة والمحاكم العسكرية ... بل وعلمنا ان اولاد القذافي بما فيهم ابنته عائشة بنوا في قصورهم سجونا خاصة يزجون فيها المواطنين وفقا للمزاج ... واحيانا للتسلية والتندر .... ولا تنسوا السجون الخاصة في اليمن .

* ان اخطر ما في هذا التقليد انه اصبح موسميا ... اي ان الملك او الرئيس او الشيخ او السلطان اصبح مطالبا في كل عام وبمناسبة عيد الجلوس او بمناسبة اعادة انتخابة او بمناسبة زواجه او طهور ابنه ان يطلق السجناء ... وهذا يتوجب طبعا وجود سجناء ... لذا تقوم اجهزة المخابرات في دولته باعتقال الناس من جنب وطرف لتملأ السجون حتى يقوم فخامته او سموه او جلالته بالافراج عنهم في عيد الجلوس ... ونظرا لان عدد السجناء المفرج عنهم يجب ان يكون " محرزا " ومناسبا لاهمية الحدث فقد حرص الحكام على ملء السجون " على اخرها " حتى يكون قرار الافراج مدويا ... وكلما كان عدد المفرج عنهم كبيرا كلما زادت وارتفعت اسهم الملك او الرئيس او الشيخ او هكذا يعتقدون . ... وهذا التنافس في العدد اوجد سباقا بين الحكام العرب لا تجد مثيلا له في الدول الاخرى ... فحين افرج الشيخ زايد عن الف سجين رد عليه شيخ البحرين بالافراج عن خمسة الاف سجين .... ولما قيل ان الاردن بصدد الافراج عن عشرة الاف سجين طبشها صدام حسين بالافراج عن ربع مليون ... وهكذا دواليك .

* ما يدور في قصور الحكام العرب وسجونهم من كوميديا لم نشاهد مثلها حتى في مسرحيات دريد لحام وافلام اسماعيل يس وعادل امام وتصريح سيادة اللواء علي بن حسين الحارثي عن السجناء في السعودية يصلح فعلا لسيناريو حلقة ساخرة من حلقات " مرايا " للممثل السوري ياسر العظمة .

* لو سالت مدير عام الادارة العامة للسجون في امريكا عن عدد السجناء في امريكا التي يزيد عدد سكانها عن ثلاثمائة مليون نسمة سيزودك المدير بقائمة دقيقة بعدد السجناء والجرائم التي ارتكبوها والمحاكم التي اصدرت هذه الاحكام واليوم والتاريخ والساعة التي سيخرج فيها السجناء من سجونهم ... ولن يكون هامش الخطأ في الاحصائية خمسة الاف نفر كما هو الحال بالنسبة لقوائم سيادة اللواء علي بن حسين الحارثي الذي لا يعرف كم نفرا في السجون المسئول عنها ... هل هم خمسة عشر الف ... ام عشرين الفا ؟

* خمسة الاف انسان ضاعوا في سجون الحارثي ولا يعرف عنهم الحارثي شيئا بل هو غير متأكد ان كانوا في سجونه اصلا .

* لا نريد ان يتعلم حكامنا العرب من امريكا دروسا في الديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق المواطن وفن بناء الجامعات والمستشفيات حتى لا يقال اننا نطالب حكامنا بتقليد امريكا زعيمة الامبريالية في العالم ... ولكن على اقل تقدير نطلب من حكامنا العرب ان يتعلموا من امريكا شيئا من فنون ادارة السجون حتى لا يقف مدير عام السجون في دولة عربية ليبجيب عن سؤال : كم عدد السجناء في سجنوك ؟ فيجيب بغباء : والله ما ادري ... عندنا طال عمرك ما بين خمستعشر وعشرين الف بس !!

* سجن " الكتراز " في " سان فرانسيسكو " هو اشهر السجون الامريكية وقد اغلق في مطلع الستينات بأوامر من وزير العدل ادوارد كندي لسمعة السجن السيئة ... ولكن عندما زرته قبل اعوام ودخلت الى زنزانة" ال كابون " أشفقت على سجوننا نحن العرب ... فهذا السجن يعتبر جنة الله في الارض بالقياس الى السجون العربية ... يقع السجن في اجمل جزيرة قبالة سان فرانسيسكو وهو مزود بكافتيريا ومكتبة وكان السجناء يمارسون الرياضة في ملاعب تطل على الجسر الذهبي وتشرف على المدينة ... وقلت في نفسي : اين هذا من سجن الجفر في الاردن او من سجون المخابرات العربية التي تقع في دهاليز تحت الارض او حتى من سجون ياسر عرفات التي فتحها لابناء المخيمات في صبرا وشاتيلا وكانت اغلبها عبارة عن ابار وحفر تحت الارض مغلقة بأبواب حديدية .... ومنها سجن المدينة الرياضية في بيروت التي تحولت على يدي عرفات الى زنازين .... عدا عن زنازين عرفات التي بناها في الضفة الغربية وغزة .

* يوم امس فرغت من قراءة كتاب " البدايات " للدكتور يعقوب زيادين وفيه يروي مذكراته في السجون الاردنية الرهيبة ... وقبلها قرأت رسالة كانت قد وصلت الينا من الزعيم الاردني ليث شبيلات بعث بها من سجن الجويدة ووصف فيها بالتفصيل حياة السجناء الاردنيين في هذا السجن بدءا من عمليات الشبح والتعليق والفلقة وانتهاء بعمليات التجويع وتعريض السجناء للبرد القارس والضرب دون سبب .... فتمنيت على وزراء الداخلية العرب الذين يجتمعون بشكل دوري للتنسيق الامني بين اجهزتهم ان ينسقوا ايضا مع وزارة العدل الامريكية فقد تتحسن احوال السجون في الدول العربية ... ان لم يكن من باب الظروف العامة للسجون فعلى الاقل من باب اعداد قوائم صحيحة بأسماء واعداد المساجين حتى لا تتكرر فضيحة المؤتمر الصحافي لعلي الحارثي مدير السجون في السعودية الذي لا يعرف كم نفرا في سجونه حتى الان .