شيوخ وقساوسة

* شاهدت اللقاء الذي اجرته "باربرا والترز" مع وزير الخارجية السعودي وقرأت خلاله المذيعة نصا دينيا يدرس للطلبة في المدارس السعودية وهو الذي يتعلق بنهاية العالم حين ينطق الحجر وينادي على المسلم ان ورائي يهوديا تعال واقتله.

* اصيب الوزير السعودي بالدهشة وكأنه يسمع بهذا الامر لاول مرة في حياته ولم يترك "باربرا" دون ان يؤكد لها ان هذا "الزعم" غير صحيح دينيا وانه ورد في الكتب المدرسية عن طريق الخطأ.

* الاسبوع الماضي هاجم القس "جيري فاينز" التابع للكنيسة المعمدانية الجنوبية النبي محمد عليه السلام حيث عقد مقارنة بينه وبين السيد المسيح وقال ما معناه ان النبي محمد تزوج من تسع نساء اخرهن طفلة عمرها تسع سنوات.

* بعد ذلك بيومين ظهر"حسين ابيش"احد اهم المسئولين في المنظمة العربية لمحاربة التمييز العنصري في برنامج "كروس فاير" لينفي بشدة هذا الاتهام للنبي محمد عليه السلام وخاصة زواجه من طفلة في التاسعة من عمرها وكان بذلك يرد على قس اخر شارك في البرنامج واصر على احراج حسين ابيش بتوجيه السؤال مجددا اليه وهو : ألم يتزوج الرسول من تسع نساء بينهن طفلة عمرها تسع سنوات ؟ ولما رد حسين ابيش بالنفي طلب منه القس ان يعود الى مذاكرة تاريخ المسلمين وديانتهم بل ودله على مواقع اسلامية على الانترنيت يمكن العودة اليها للتحقق من زوجات الرسول.

* وقبل الطبع اتصل بنا شخص من نيويورك - نحتفظ برقم هاتفه لدينا - محتجا على فتوى ظهرت في الصفحة الدينية نشرنا فيها اية من سورة البقرة تشترط اطلاق اللعن على من مات كافرا وجاء في الفتوى ان الرسول "لعن الواصلة والمستوصلة ولعن اكل الربا ولعن قبائل من العرب وهم رعل وذكوان ولعن اليهود والنصارى" ... الاخ الذي اتصل - وهو مسيحي - كان غاضبا جدا ... وبعد أخذ ورد علمنا انه من فئة حصلت على الكرت الاخضر في امريكا بعد ان زعمت في طلب اللجؤ السياسي كاذبة انها تعرضت في بلدها الى الاضطهاد ... وأن نساء الطائفة يغتصبن في بلدهن لانهن نصارى.

* صحيح ان الجريمة التي ارتكبتها جماعة بن لادن والتي تتعارض مع جميع الاديان وعلى رأسها الدين الاسلامي هي المسئولة عن تبلور مثل هذه الحساسيات الدينية بين المسلمين والمسيحيين ... وخروجها من كتب التاريخ الى صفحات الجرائد ... لكن الصحيح ايضا ان جهات كثيرة بدأت تلعب على الوتر الديني الاسلامي والمسيحي لتحقيق مصالحها الشخصية والانية والسياسية ... والاخ الذي اتصل بنا ليعرب عن غضبه من نشرنا لهذه الفتوى هو مجرد نموذج صارخ لهذه النوعية الانتهازية من الناس ... بخاصة واننا نعلم ان مزاعمه ومزاعم الفئة التي ينتمي اليها حول اغتصاب نسائهم في بلدهم الاصلي هي مزاعم كاذبة يتم سوقها في محاكم الهجرة في امريكا للحصول على اقامات و "كروت خضراء".

* الوزير السعودي يعلم ان تلك المعلومة التي اشارت اليها باربرا والترز حول الحجر الذي سينطق ويبلغ عن اليهودي الذي يتستر خلفه هي معلومة صحيحة وهي جزء من معتقدات المسلمين ... فما الذي جعله ينكر هذه المعلومة بل ويسفهها ... غير مجاملة المذيعة والحرص على ان لا يصدم المشاهد الامريكي او اليهودي !!

* وحسين ابيش يعلم ان ما ذكره القس صحيح ايضا ... فالرسول خطب عائشة وهي في السادسة من عمرها ... وتزوجها وهي في التاسعة ... ونفي هذه المعلومة في لقاء تلفزيوني يشاهده الملايين لا يخدم القضية العربية ولا الاسلامية لان المشاهد ليس غبيا ومن المؤكد انه سيفسر هذا النفي بطريقة تعزز وتكرس ما ذهب اليه القس.

* أنا من المعجبين بشخصية حسين ابيش فهو من القلائل الذين يتصدون للقضايا العربية على شاشة التلفزيون الامريكي بشبكاته ومحطاته المختلفة تساعده لغته الممتازة وشخصيته الوقورة وقدرته على المحاورة والمناورة وضبط الاعصاب ... ولكنه في الحلقة الاخيرة خسر المعركة من أول جولة وكنت اتمنى لو انه لم يشارك فيها ... او لو انه اعد العدة للخوض في موضوع حساس كهذا ... بدل ان ينفي المعلومة الخاصة بزوجات الرسول على الاطلاق ... كما فعل.

* لو كنت في موقع حسين ابيش لقلت للقس السائل : كلامك صحيح فالنبي تزوج من عائشة وهي ابنة تسع سنوات وكان هو في الثالثة والخمسين من العمر ... ولو كان الرسول "نسونجيا" يحب الزواج من الصغيرات لما تزوج من ثاني زوجاته "سودة بنت زمعة العامرية" التي كانت في التاسعة والسبعين من عمرها عندما تزوجها الرسول وكانت سمينة جدا ومصابة بالعرج ... ولم تكن جميلة على الاطلاق ... كان بامكان حسين ابيش - ومنظمة كير الاسلامية التي اصدرت بيانات رنانة طنانة ضد القس جيري فاينز وطالبت الرئيس بوش ان يقصف عمره - ان يردوا على القس موضحين بعبارة وردت في كتاب المستشرق الشهير بودلي - وهو مسيحي - الذي زار الجزيرة العربية ودرس عادات القبائل فيها ووضع كتابا بعنوان "الرسول" ... يقول المستشرق بولدي بالنص : "ولكن هذا الزواج - يقصد زواج النبي من عائشة - شغل بعض مؤرخين لمحمد ... نظروا اليه من وجهة نظر المجتمع العصري الذي يعيشون فيه فلم يقدروا ان زواجا مثل ذاك كان ولا يزال عادة اسيوية ولم يفكروا في ان هذه العادات لا زالت قائمة في شرق اوروبا وكانت طبيعية في اسبانيا والبرتغال الى سنين قليلة وانها ليست غير عادية اليوم في بعض المناطق الجبلية البعيدة بالولايات المتحدة".

* كنت اتمنى لو ان الوزير السعودي اعترف بورود النص المذكور حول الحجر واليهود وقدم شرحا للمشاهد الامريكي حول الظرف التاريخي والديني بدل ان يتهرب من الاجابة بانكار النص والواقعة لان الانكار على هذا النحو يظهر الوزير وكأنه يشعر بالخجل مما ورد في ديانته ومعتقداته فهرب من هذا الحرج بالانكار.

* وبعد ... كنت ولا ازال اطلب من "فقهاء" الديانتين الاسلامية والمسيحية شيوخا وقساوسة اما ان يثروا حياة البشر بالتركيز على ما هو ايجابي في الديانتين أو أن يعيرونا سكوتهم وهذا أضعف الايمان.