البعبوص

* مال استاذنا الكبير الصحافي الساخر وشيخ الفكاهة في العالم العربي محمود السعدني على أذني خلال حفل عشاء دعاني اليه في مقر نادي الصحفيين المصريين في القاهرة ليسألني بصوت عال ترددت اصداؤه في القاعة : "انت قفلت البعبوص ليه .... يا أسامة" !!

* و"البعبوص" هو الاسم الذي اخترته لاول مجلة بحجم الكف اصدرتها في امريكا بعد ايام من وصولي الى تكساس وكنت قد طيرت أول عدد منها الى"محمود السعدني" الذي تعلمت على يديه مهنة الصحافة وكان له الفضل في تقديمي الى الوسط الصحافي العربي في مطلع السبعينات حين كتب عني مقالا في زاويته الاسبوعية الشهيرة "هذا الرجل " دفع جريدة الرأي الاردنية الى اعادة نشره تحت بنط عريض وهو "الصحافي المصري الكبير محمود السعدني يكتب عن الناقد الاردني الشاب أسامة فوزي مقالا في جريدة السياسة الكويتية ... السعدني يطلب من الناقد الشاب أسامة فوزي أن يكتب له مقدمة كتابه الجديد"... نزار قباني لمحمود السعدني : "أسامة فوزي يذكرني بالناقد المصري الراحل أنور المعداوي ".

* و"البعبوص" أصبح لغة عالمية تعرفها كل شعوب الارض ... وتتعاطى بها كل الامم ...مع اختلافات بسيطة في حركة "الاصبع" وفي اتجاهاته ...وأحيانا في الاصبع ذاته الذي يستخدم لاداء هذه الحركات التي توحي بأشارات جنسية بذيئة تعارفت كل أمم الارض على معانيها

* فالامريكيون يستخدمون " السبابة " للقيام بالحركة في حين يفضل العرب " الوسطى " وقد اخبرني طبيب فيتنامي ان شعوب شرق اسيا تستخدم "الابهام " للقيام بفعل البعبصة ...وهو - على ما قيل لي - الاصبع ذاته الذي يستخدمه أطباء المسالك البولية في تدليك البروستاتا.

* لقد عدت الى قواميس اللغة العربية القديمة والحديثة فلم أجد معنى لكلمة "بعبوص" التي تستخدم بكثرة في لغتنا اليومية وان كان الظاهر انها مشتقة من الفعل الثلاثي "بعص" على وزن "فعل" ومنه اشتق اسم الفاعل "باعص" واسم المفعول "مبعوص" وصيغ المبالغة والتصغير والتكثير من "بعاص" بتشديد العين ... الى "مبعاص" مرورا "ببعصة" و "بعاصة" و "بعيص".

* ومع أن العرب على وجه التحديد يعتبرون المفردة من قبيل الكلام السوقي البذيء الا انها ترد عفو الخاطر على ألسنة الجميع على اختلاف ثقافاتهم ... فقد سمعتها من حكام وامراء وشيوخ ورجال دين ... كما سمعتها من رؤساء دول و اساتذة جامعات وأطباء وزعماء فصائل وسياسيين وفنانين وصحافيين ...بل ووردت هذه المفردة في قصائد كبار الشعراء العرب من أمير الشعراء أحمد شوقي الى أمير الصعاليك مظفر النواب.

* كان هدفي من اصدار مجلة "البعبوص" في أمريكا التمرد على اجهزة الاعلام العربية الرسمية التي تضع على اكتافها عباءة الورع والتقوى وتحاضر في الفضيلة ليل نهار مع أنها في حقيقتها أجهزة لقيطة نتجت عن سفاح بين الحاكم وأجهزة المخابرات في بلده.

* كانت "البعبوص" هي التجربة الاولى ... اردفتها بمجلة "نص كلمة" وكانت هي الاخرى بحجم الكف .. قبل أن استقر على اسم "عرب تايمز" التي بدأت ساخرة وعنيفة قبل أن "ندوزنها" قليلا حتى تتعاطى مع مختلف القراء على اختلاف مشاربهم ....فلغة "البعبوص" في النهاية وان كانت لها جمهورها ... الا ان الكثيرين يفضلون اللغة العربية المحجبة ... التي لا تخرج من قلم الكاتب الا مع "محرم"... ولا تتعاطى مع الانظمة العربية الفاسدة الا من وراء"خمار"!!

* لم يصدر من مجلة "البعبوص" الا طبعة واحدة لم أوزع منها الا نسخة واحدة هي التي ارسلتها الى محمود السعدني ... ومع ذلك أمضى السعدني السهرة وهو يقدمني الى الضيوف على النحوا التالي : دا أسامة فوزي رئيس تحرير مجلة البعبوص ... اي والله اسمها كدة ... البعبوص ... دي بتصدر في أمريكا ... أنا شفتها ... خفيفة دم وحراقة أوي... دا أسامة كان بيكتب معانا في جريدة السياسة زاوية اسبوعية عنوانها "أدب وقلة أدب" ... أي والله ... الا قولي يا أسامة : انت قفلت البعبوص ليه ؟