أنا وكلسون البامبرز وحفل التخرج ... والملك حسين
من قلم : اسامة فوزي

تابعت باعجاب شديد أخبار زيارة الرئيس كلينتون لجامعة ستانفورد فى سان فرانسيسكو لحضور اجتماع أولياء الأمور، بعد التحاق ابنته تشيلسى بالجامعة المذكورة.

فى بداية الحفل ألقى رئيس الجامعة البروفيسور جيرهارد كاسبو كلمة رحب فيها بأوليا الأمور وشرح لهم طبيعة الدراسة فى الجامعة، ولم يخص البروفيسور الرئيس كلينتون بعناية خاصة وانما تعامل معه كولى أمر تلميذة فى الجامعة لا أكثر ولا أقل.

فى بلادنا العربية، تقام الدنيا ولا تقعد عندما يتم الاعلان عن زيارة من هذا النوع، ولو كانت الجامعة هى الجامعة الأردنية وولى الأمر هو الملك حسين - مثلا - لتم شطف الجامعة وتنظيفها وتلميعها قبل وصول الملك بأسبوع، وستتركز كلمة رئيس الجامعة على المكرمة الملكية وعلى الشرف الذى نالته الجامعة من مثل هذه الزيارة المقدسة المباركة وعلى الخير الذى يعم البلاد.. الباصات فاضية ورغيف العيش بقرش تعريفة.. ماكو بطالة والحياة بمبى!!

عندما آن موعد تخريجنا من الجامعة الأردنية - فى صيف عام 1972 - تم تدريبنا لمدة تزيد عن شهر على طريقة تسلم الشهادة من الملك، وفى يوم التخريج (زربونا) تحت جسر فى المدينة الرياضية منذ السابعة صباحا مع ان حفل التخرج سيقام عصرا، وخلال عملية (الزرب) فتشونا بطريقة مهينة ومنعونا من مغادرة الطوق لقضاء الحاجة حتى ان بعض الزملاء (شخوا) فى ملابسهم وبعضهم اضطر الى أن (يطرطر) فى ركن من الجسر على مرأى من زميلاتنا الطالبات اللواتى حبسن أنفسهن حتى المساء دون (طرطرة) لعدم وجود ركن نسائى للطرطرة فى (المعتقل).

وخلال عملية الزرب تم افهامنا من قبل ضباط المخابرات أن الشهادة ستحجب عن أى خريج تبدر منه أية اشارة أمام الملك أو اثناء مراسم الحفل يفهم منها انه غير سعيد!!

كنت التاسع فى طابور الخريجين الذين يزيد عددهم عن ألف طالب وطالبة، ذلك ان اسمى يبدأ بحرف الألف المهموزة، وكان الطلبة الخريجون يعولون على زملائهم المتقدمين فى مصافحة الملك واستلام الشهادة، أن يفعلوها (صح) حتى لا يضطر الطابور كله الى تقليدهم، بخاصة لو قرر أحدهم أن يبوس مؤخرة الملك مثلا.

وبدأ الحفل، وأخذنا نصعد الى المنصة لاستلام الشهادات من الملك، وبدأت الكارثة مع زميلنا (الرابع) فى الطابور، حيث انحنى امام الملك وقبل يده، وأصبح لزاما على من يقف خلفه ان يحذو حذوه حتى لاتفسر المخابرات عدم تقبيله ليد الملك - كما فعل من سبقه - بمثابة امتهان لجلالة سيدنا، فتطير الشهادة.. وينام الخريج فى زنازين أبو رسول (سجن المخابرات).

كل ما كان يعنينى فى ذلك الوقت أن يجىء دورى بسرعة لأعبر عنق الزجاجة بسلام، ولكن بكرامة ولم اكن امانع فى تقبيل يد الملك أو حتى طيزة طالما ان الثمن هو الحصول على الشهادة التى تعبت من أجلها أربع سنوات كاملة، لكن أكثر ما كنت أخشاه أن يقرر أحد الزملاء الذين يقفون أمامى فى الطابور أن يبوس كندرة الملك - وبعضهم يفعلها حتى من بين الوزراء - ذلك انى لم أتدرب على تبويس الكنادر من قبل.

ومرت الأزمة بسلام .. جاء دورى فاستلمت الشهادة من جلالته دون أن أنظر الى وجهه كما دربونا.. وانما اكتفيت بالابتسام لأظهر سعيدا أمام كاميرات التلفزيون، واتجهت بنظراتى وباتساماتى الى ضابط برتبة فريق كان يقف خلف الملك حتى يرانى سعيدا هو الآخر لأنه هو الذى (نبه) علينا قبل الحفل أن نكون سعداء ، ثم وسعت من ابتسامتى اكثر وانا أنظر الى عدسات المصورين وكاميرات التلفزيون وبقيت فاتحا فمى ببلاهة، راسما على وجهى ابتسامة مفتعلة لمدة زادت عن عشر دقائق هى الفترة ما بين الصعود الى المنصة والنزول عنها.

كلنا كنا سعداء بأمر المخابرات، الى أن غادر الملك القاعة، حيث بدأ طوفان الطلبة يتجه نحو الحامات، لتفريغ المثانات ومنهم من عملها على نفسه قبل أن يصل الى الحامات التى لم تكن تستوعب اكثر من خمسة أنفار فى حين كانت طوابير الخريجين السعداء بالمئات، عداك عن طوابير الزوار التى تزيد عن ألفين.

للأمانة والتاريخ ، أنا لم (أطرطر) تحت الجسر ولم أصطف فى طوابير الخريجين أمام الحمامات، ذلك انى حصنت نفسى قبل الحفل - وعملا بنصيحة خريج سابق - بكلسون من نوع (بامبرز) حفظ لى كرامتى وأراح مثانتى وحمانى من (التسمط) أيضا وجعلنى أخرج من الحفل بالشهادة .. وبلحسة من الكرامة ايضا.