عندما زربونا تحت الجسر

زيارة الرئيس كلينتون لجامعة ستانفورد فى سان فرانسيسكو لحضور اجتماع أولياء الأمور، بعد التحاق ابنته تشيلسى بالجامعة المذكورة.

* فى بداية الحفل ألقى رئيس الجامعة البروفيسور جيرهارد كاسبو كلمة رحب فيها بأوليا الأمور وشرح لهم طبيعة الدراسة فى الجامعة، ولم يخص البروفيسور الرئيس كلينتون بعناية خاصة وانما تعامل معه كولى أمر تلميذة فى الجامعة لا أكثر ولا أقل.

* فى بلادنا العربية، تقام الدنيا ولا تقعد عندما يتم الاعلان عن زيارة من هذا النوع، وغالبا ما يتم اغلاق جميع الطرق المؤدية الى الجامعة وينتشر الوف الرجال من حملة البواريد على طرفي الشارع حتى تمر )التشريفة (وتظل الطرق مغلقة الى أن ينتهي الحفل ويعود الملك أو الرئيس أو العقيد أو الشيخ الى قصرة بالسلامة حيث يتم الافراج عن الناس والشوارع وعباد الله وفي الغالب تقع خلال عمليات الاغلاق حوادث ومآسي محزنة ... بدءا بموت المرضى في سيارات الاسعاف التي تقع في مصيدة الاغلاق حتى تمر التشريفة ... وانتهاء بتكدس المسافرين في المطارات لان الاغلاق فوت عليهم السفر .

* لو كانت الجامعة التي أقامت الحفل لكلينتون هى الجامعة الأردنية ولو كان ولي أمر الطالبة هو الملك حسين مثلا لتم شطف الجامعة وتنظيفها وتلميعها قبل وصول الملك بأسبوع، وستتركز كلمة رئيس الجامعة على المكرمة الملكية وعلى الشرف الذى نالته الجامعة من مثل هذه الزيارة المقدسة المباركة وعلى الخير الذى يعم البلاد.. الباصات فاضية ورغيف العيش بقرش تعريفة.. ماكو بطالة والحياة بمبى!! وكلنا فداء الملك ... الخ .

* أنا من خريجي الجامعة الاردنية ... ويوم التخرج في الجامعات الامريكية مثلا هو يوم فرح وانبساط وسعادة ... أما في عمان فكان حفل تخرجنا محنة ... وأكثرنا ذهب اليه وهو يتسلح بكلسون بامبرز.

* كان ذلك عام 1972 ... حين تم تدريبنا لمدة تزيد عن شهر على طريقة تسلم الشهادة من الملك، وفى يوم التخريج زربونا تحت جسر فى المدينة الرياضية بالعاصمة الاردنية عمان ... زربونا منذ السابعة صباحا مع ان حفل التخرج كان مقررا عصر ذاك اليوم ... وخلال عملية الزرب فتشونا بطريقة مهينة ومنعونا من مغادرة الطوق لقضاء الحاجة حتى ان بعض الزملاء شخوا فى ملابسهم وبعضهم اضطر الى أن يطرطر فى ركن من الجسر على مرأى من زميلاتنا الطالبات اللواتى حبسن أنفسهن حتى المساء دون طرطرة لعدم وجود ركن نسائى للطرطرة فى ) المعتقل (.

* وخلال عملية الزرب تم افهامنا من قبل ضباط المخابرات أن شهادة التخرج ستحجب عن أى خريج تبدر منه أية اشارة أمام الملك أو اثناء مراسم الحفل يفهم منها انه غير سعيد!!

* كنت التاسع فى طابور الخريجين الذين يزيد عددهم عن ألف طالب وطالبة، وذلك لأن اسمى يبدأ بحرف الألف المهموزة، وكان الطلبة الخريجون يعولون على زملائهم الذين سبقوهم فى مصافحة الملك واستلام الشهادة، أن يفعلوها صح حتى لا يضطر الطابور كله الى تقليدهم، بخاصة لو قرر أحدهم أن يبوس يد الملك مثلا.

*بدأ الحفل، وأخذنا نصعد الى المنصة لاستلام الشهادات من الملك، وبدأت الكارثة مع زميلنا الرابع فى الطابور، حيث انحنى امام الملك وقبل يده، وأصبح لزاما على من يقف خلفه ان يحذو حذوة حتى لاتفسر المخابرات عدم تقبيله ليد الملك - كما فعل من سبقه - بمثابة امتهان لجلالة سيدنا، فتطير الشهادة.. وينام الخريج فى زنازين أبو رسول وهو الاسم الحركي لسجن المخابرات العامة وهو أكبر مبنى في مدينة عمان .

* كل ما كان يعنينى فى ذلك الوقت أن يجىء دورى بسرعة لأعبر عنق الزجاجة بسلام، ولكن بكرامة ولم اكن امانع فى أن أقبل يد الملك أو حتى طيزة طالما ان الثمن هو الحصول على الشهادة التى تعبت من أجلها أربع سنوات كاملة، لكن أكثر ما كانت أخشاه أن يقرر أحد الزملاء الذين يقفون أمامى فى الطابور أن يبوس كندرة الملك - وبعضهم يفعلها حتى من بين الوزراء - ذلك انى لم أتدرب على تبويس الكنادر من قبل.

* ومرت الأزمة بسلام .. جاء دورى فاستلمت الشهادة من جلالته دون أن أنظر الى وجهه كما دربونا.. وانما اكتفيت بالابتسام لأظهر سعيدا أمام كاميرات التلفزيون، واتجهت بنظراتى وابتساماتي الى ضابط برتبة فريق كان يقف خلف الملك حتى يرانى سعيدا هو الآخر لأنه هو الذى نبه علينا قبل الحفل أن نكون سعداء ، ثم وسعت من ابتسامتى اكثر وانا أنظر الى عدسات المصورين وكاميرات التلفزيون وبقيت فاتحا فمى ببلاهة، راسما على وجهى ابتسامة مفتعلة لمدة زادت عن عشر دقائق هى الفترة ما بين الصعود الى المنصة والنزول عنها.

* كلنا كنا سعداء بأمر المخابرات، وكلنا كنا في سرنا نسب الملك وأم الملك ... وكلنا كنا نعاني من انتفاخ في المثانة لانهم زربونا عشر ساعات تحت الجسر ولم يسمحوا لنا بالتبول ... وبقينا على هذه الحالة الى أن غادر الملك القاعة، حيث بدأ طوفان الطلبة يتجه نحو الحمامات والمراحيض العامة ، لتفريغ المثانات مما أكتنز فيها في ذلك الصيف الحار ومن الطلبة من عملها على نفسه لأن حمامات المدينة الرياضية التي أقيم الاحتفال فيها لم تكن تستوعب اكثر من خمسة أنفار فى حين كانت طوابير الخريجين السعداء بالمئات، عداك عن طوابير الزوار التى تزيد عن ألفين وكانوا هم أيضا من السعداء لانه تم زربهم مثلنا تحت الجسر عدة ساعات قبل الحفل .

* للأمانة والتاريخ ، أنا لم أطرطر تحت الجسر ولم أصطف فى طوابير الخريجين أمام الحمامات، ذلك انى حصنت نفسى قبل الحفل - وعملا بنصيحة خريج سابق - بكلسون من نوع بامبرز حفظ لى كرامتى وأراح مثانتى وحمانى من التسمط أيضا وجعلنى أخرج من الحفل بالشهادة .. وبلحسة من الكرامة ايضا.